تتصاعد الخلافات بين واشنطن وبريتوريا بشأن مزاعم إبادة البيض في جنوب إفريقيا، في ظل تمسك إدارة الرئيس دونالد ترامب بتلك المزاعم وإطلاقها مسارًا خاصًا لاستقبال الأفريكانيين كلاجئين، مقابل رفض السلطات الجنوب إفريقية لها.
في هذا السياق، يقول السفير الجديد لجنوب إفريقيا لدى واشنطن، رولف ماير، إن الحديث عن وجود إبادة جماعية تستهدف الأفريكانيين البيض في بلاده لا يستند إلى الواقع، مؤكدًا أن كونه “أفريكانيًا بالميلاد” يمنحه شرعية للحديث عن القضية.
كان ماير أحد المفاوضين الذين ساهموا في إنهاء حكم الأقلية البيضاء المعروف بنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب إفريقيا خلال تسعينيات القرن الماضي، وعُيّن سفيرًا لدى الولايات المتحدة في أبريل، بعد تدهور العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وبريتوريا.
الأفكار العامة
- نفي مزاعم الإبادة الجماعية: السفير الجنوب إفريقي لدى واشنطن رولف ماير يرفض وجود هجوم جماعي أو إبادة تستهدف الأقلية البيضاء من الأفريكانيين، مستندًا إلى هويته الأفريكانية وتجربته الشخصية.
- خلاف واشنطن وبريتوريا: تتعارض رواية إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تتحدث عن تعرض الأفريكانيين للقتل والاضطهاد مع موقف الحكومة الجنوب إفريقية التي ترفض توصيف الوضع باعتباره إبادة جماعية.
- مسار اللجوء الأمريكي للأفريكانيين: تستقبل الولايات المتحدة آلاف الأفريكانيين ضمن مسار لجوء خاص، وخطة إدارة ترامب لاستقبال آلاف آخرين، مع عرض شهادات لأشخاص غادروا جنوب إفريقيا بسبب مخاوف أمنية.
- الجريمة مقابل الاضطهاد: جدل حول العنف والجريمة في جنوب إفريقيا؛ فوجود جرائم وهجمات على المزارع أمر لا تنفيه الأطراف، لكن خبراء وشخصيات جنوب إفريقية يختلفون حول اعتبار ذلك اضطهادًا ممنهجًا للأفريكانيين.
- البعد التاريخي والسياسي: الجدل الحالي يرتبط بإرث الفصل العنصري والتحولات التي أعقبت الانتقال الديمقراطي، بما في ذلك سياسات معالجة عدم المساواة العرقية وقضايا الأراضي والتوظيف.
- تداعيات الخلاف على العلاقات الثنائية: يسعى السفير ماير إلى إلغاء مسار اللجوء الخاص بالأفريكانيين ودفع واشنطن نحو التعاون مع بريتوريا في مكافحة الجريمة، في وقت تتخذ فيه إدارة ترامب إجراءات أخرى تجاه جنوب إفريقيا.
لا وجود لهجوم جماعي على الأفريكانيين
في مقابلة مع شبكة “بي بي سي” يقول ماير، إن فكرة وجود هجوم جماعي على الأقلية البيضاء من الأفريكانيين في جنوب إفريقيا “غير موجودة”، مضيفًا أن الحقائق المتعلقة بالعنف في البلاد جرى تقديمها بصورة غير دقيقة.
وأوضح أنه عندما سمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث للمرة الأولى عن وجود “إبادة جماعية للبيض” في جنوب إفريقيا، تساءل: “هل يتحدث عنا؟”.
وأضاف أنه لم يحصل على إجابة واضحة بشأن مصدر “التضليل في المعلومات” المتعلقة بأوضاع الأفريكانيين.
وكان ترامب قد اتهم جنوب إفريقيا العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية ضد البيض، خلال لقاء مع الرئيس سيريل رامافوزا في البيت الأبيض، وأطلق مسارًا لاستقبال الأفريكانيين كلاجئين في الولايات المتحدة.

منذ العام الماضي، استقبلت الولايات المتحدة نحو 13 ألف لاجئ ضمن هذا المسار، كان جميعهم تقريبًا من جنوب إفريقيا باستثناء ثلاثة أشخاص.
ومن بين هؤلاء امرأة تستخدم اسم ليلي علنًا، انتقلت مع أسرتها إلى ولاية تكساس قادمة من جنوب إفريقيا، حيث كانوا يعيشون في مزرعة زوج والدتها ويزرعون الموز.
وقالت ليلي إنها كانت تشعر بـ”الخوف طوال الوقت”، رغم وجود أسوار حول المنزل وسياج كهربائي وثمانية كلاب من فصيلة بلترير، مضيفة أنها شاهدت في ثلاث مناسبات أشخاصًا يدخلون ممتلكاتها.
حياة السيدة تغيرت منذ انتقالها إلى الولايات المتحدة في إطار برنامج اللجوء الذي أطلقته إدارة ترامب، وتقول إنها أصبحت تشعر بأمان أكبر أثناء التنقل، مضيفة: “يمكن لأطفالي الآن اللعب في الخارج”.
وتخطط إدارة ترامب لاستقبال ما يصل إلى 70 ألفًا و500 أفريكاني أبيض إضافي كلاجئين خلال الأشهر الـ12 المقبلة، وفق إخطار أُرسل إلى الكونغرس الثلاثاء.
متحدثة باسم البيت الأبيض، قالت إن الرئيس ترامب “وفر شريان حياة للأفريكانيين الذين يتعرضون للاغتصاب والتشويه والقتل والطرد من ممتلكاتهم في أنحاء جنوب إفريقيا”.
وأضافت أن إدارة ترامب تواصل معالجة طلبات اللجوء لأن الرئيس “يمتلك حسًا إنسانيًا”.
ومن جهته، يحاول إس جي دو فيناج، الذي يعيش على الساحل الغربي لجنوب إفريقيا، الانتقال إلى الولايات المتحدة ضمن البرنامج الجديد.
وهو عضو في مجلس حزب جبهة الحرية بلس، وهو حزب أفريكاني يميني، ويقول إن هناك “دافعًا سياسيًا نحو قتل البيض وقتل المزارعين في المزارع”، زعمًا أن “هناك أجندة للقضاء عليهم”.

مزاعم إبادة البيض في جنوب إفريقيا
تعتزم جماعة ضغط أفريكانية تنظيم وقفة احتجاجية السبت في واشنطن، باستخدام آلاف الصلبان البيضاء لإحياء ذكرى من تقول إنهم ضحايا “هجمات على المزارع”.
لكن مزاعم وجود إبادة جماعية تستهدف البيض في جنوب إفريقيا رفضتها مختلف الأحزاب السياسية في البلاد، بما فيها الأحزاب التي تمثل الأفريكانيين.
وقال السفير ماير “أنا أفريكاني من جنوب إفريقيا أيضًا، ويمكنني القول إنني لم أختبر شيئًا من هذا القبيل قط”.
وأضاف أنه يرغب في إجراء حوار مع ترامب بشأن حقيقة الوضع، مؤكدًا أن كونه “أفريكانيًا بالميلاد” يمنحه، وفق قوله “الشرعية” للحديث عن هذه القضية.
“أنا أفريكاني من جنوب إفريقيا، ويمكنني القول إنني لم أختبر شيئًا من مزاعم إبادة البيض، وأرغب في إجراء حوار مع ترامب حول حقيقة الوضع”.
السفير الجنوب إفريقي لدى واشنطن رولف ماير.
وماير سبق أن شارك في مفاوضات إنهاء نظام الفصل العنصري ممثلاً للحزب الوطني، الذي كان مسؤولاً عن النظام، فيما كان الرئيس الحالي سيريل رامافوزا أحد المفاوضين الرئيسيين عن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.
وقال إن “الثقة” بينه وبين رامافوزا كانت أحد أسباب تعيينه للمساعدة في إصلاح العلاقات بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، إلى جانب إدراك رامافوزا لقيمة كونه أفريكانيًا.
في الأسبوع الماضي، أعلنت إدارة ترامب فرض قيود على التأشيرات بحق أشخاص من جنوب إفريقيا قالت إنهم مسؤولون عن “تمييز قائم على العرق” ضد البيض، كما حذرت من اتخاذ إجراءات عقابية إضافية إذا لم تعالج القيادة الجنوب إفريقية هذه القضية.

الجريمة في جنوب إفريقيا
وتظهر بيانات الشرطة أن غالبية ضحايا الجرائم في جنوب إفريقيا، بما في ذلك الجرائم في المزارع، من السود.
وتُعد أعمال العنف في المزارع، التي غالبًا ما تكون بدافع السرقة، قضية قائمة، لكنها تمثل عددًا أقل من جرائم القتل في البلاد.
وفي حين لا يجادل سياسيون في أن الجريمة تمثل مشكلة في جنوب إفريقيا، يرى كثير من الخبراء أن ذلك لا يرقى إلى مستوى “الاضطهاد” بالمعنى القانوني.
وقال لاري بارتليت، المدير السابق لبرنامج المساعدة على إعادة توطين اللاجئين في الولايات المتحدة، إن استخدام برنامج مخصص قانونيًا لأشخاص “لا يملكون حقًا فرصة للعودة إلى ديارهم” قد يكون “غير قانوني”.
وأضاف أن البيض الذين لا يستوفون على الأرجح شروط الحصول على صفة اللاجئ بموجب القانون يشغلون فرصًا محدودة مخصصة لمن يفرون من الحروب أو التطهير العرقي.
خلافات حول الأراضي والتمييز الإيجابي
وللبرنامج أيضًا منتقدون من بين الأفريكانيين في جنوب إفريقيا، وفي السياق تساءل رودي سوانيبول، وهو قس من جوهانسبرغ “لماذا نخص الأفريكاني الأبيض بالقول إن هذه المجموعة تستحق الفرار إلى الولايات المتحدة؟ هذا البلد يعاني من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فلماذا لا نخص النساء؟”.
وقال، مستخدمًا تشبيهًا بالكعكة “قبل 30 أو 40 عامًا، كان البيض في جنوب إفريقيا يسيطرون على الكعكة. ومنذ مجيء الديمقراطية، كان الواقع الواضح أننا أصبحنا بحاجة إلى تقاسم تلك الكعكة وتلك الامتيازات”.
إلى جانب قضية “الأمن في المناطق الريفية”، أثارت إدارة ترامب مخاوف أخرى بشأن جنوب إفريقيا، بينها أهداف الشركات لزيادة توظيف غير البيض، وقانون يسمح للدولة، في ظروف استثنائية، بمصادرة الأراضي دون تعويض.
وتستهدف هذه السياسات معالجة أوجه عدم المساواة العرقية التاريخية.
ويريد ماير إلغاء الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب بشأن جنوب إفريقيا، والذي يشكل الأساس القانوني لمسار اللجوء المخصص للأفريكانيين.
وقال إن جنوب إفريقيا لم تمنع قط الأشخاص من مغادرة البلاد، وإنها عالجت جميع المخاوف الأمريكية، مشيرًا إلى أن قانون مصادرة الأراضي لا يزال بانتظار حكم قضائي.
ماير شدد على أن جنوب إفريقيا تواجه تحديات في منع الجريمة ومكافحتها، لكنه شدد على أن المشكلة تشمل البلاد بأكملها.
وأضاف “إنها مشكلة في كل مكان. ليست مشكلة ريفية، وليست هجمات على المزارع فقط. وإذا نظرت إلى الصورة الكاملة، فإن المستويات المرتفعة جدًا من الجريمة في البلدات السوداء بجنوب إفريقيا هي مصدر القلق الأكبر، وبنسبة أكبر بكثير من أي شيء آخر”.
ودعا الولايات المتحدة إلى مساعدة جنوب إفريقيا في مكافحة الجريمة عبر توفير الموارد، بما في ذلك المعدات التي يمكن أن تسهم في تسريع زمن استجابة الأجهزة الأمنية.
كما وجه ماير رسالة إلى الأفريكانيين الذين يحتجون على “هجمات المزارع” عبر وضع الصلبان البيضاء في واشنطن، قائلاً: “لا يفيدنا رفع الصوت في الخارج إذا لم نكن ملتزمين بفعل شيء داخل البلاد”.
يتناول الفيديو التالي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوقف المساعدات الأمريكية لجنوب إفريقيا، والذي جاء كرد فعل على قانون جنوب إفريقي يسمح بإعادة توزيع الأراضي الزراعية من الأقلية البيضاء للأغلبية السوداء دون تعويض، مستعرضاً الأسباب الكامنة وراء القرار الأمريكي، والإجراءات المتخذة، وتداعياته المحتملة.
نقلاً عن BBC











































