تُعدّ المؤسسة الإفريقية لبناء القدرات Africa Capacity Building Foundation(ACBF)، واحدةً من أهم المبادرات المؤسسية التي انبثقت من قلب القارة لمعالجة الأزمات الهيكلية في بناء رأسَي المال البشري والمؤسسي.
تأسست عام 1991 برؤية مشتركة بين الحكومات الإفريقية وشركاء التنمية الدوليين؛ للحدّ من الاعتماد المُفْرِط على الخبرات الخارجية، وتحقيق الاستقلالية التنموية. ومع اعتمادها رسميًّا في عام 2017 كوكالة قارية تابعة للاتحاد الإفريقي متخصّصة في بناء القدرات؛ أصبحت المُحرّك الأساسي لتطوير كفاءات التخطيط وإدارة الاقتصاد وتفعيل أجندة التنمية القارية.
من هذا المنطلق تتناول المقالة السياق التاريخي ودوافع تأسيسها، وهيكلها التنظيمي وإدارتها، وأهدافها وآليات تمويلها وأثرها التنموي، والتحديات التي تواجهها وأُفقها.
محتويات المقال
أولًا: السياق التاريخي ودوافع إنشاء المؤسسة
شهدت القارة الإفريقية خلال فترة الثمانينيات تعثرًا كبيرًا في برامج التكيُّف الهيكلي التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولية، وأظهرت التقييمات حينها أن الإخفاق لم يكن ناشئًا فقط جراء نقص الموارد المالية فقط بل نتيجة لقيود القدرات أيضًا المتمثلة في ضعف المؤسسات ونقص الكوادر الوطنية المُدرَّبة على صياغة وتنفيذ السياسات العامة وإدارة الاقتصاد الكلي.
وردًّا على هذه الفجوة الهيكلية، تضافرت جهود ثلاثة أطراف تنموية؛ وهي البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبنك التنمية الإفريقي، إلى جانب مجموعة من الشركاء الدوليين، لتُتَوّج تلك الجهود بالتوقيع على اتفاقية إنشاء المؤسسة في التاسع من فبراير لعام 1991، لتكون “هراري” عاصمة زامبيا مقرًّا لها، بصفتها هيئة إفريقية مستقلة تُدار بعقول وإدارة إفريقية.
ثانيًا: الرؤية والرسالة والأهداف
–الرؤية: إفريقيا مزدهرة، مَرِنة، وشاملة.
–الرسالة: تطوير رأس المال البشري والمؤسسات اللازمة لتمكين التنمية الشاملة والمستدامة في إفريقيا.
-الأهداف الإستراتيجية للوكالة:
تُعدّ مؤسسة بناء القدرات الإفريقية المؤسسة الرائدة في مجال بناء القدرات في القارة الإفريقية. وبصفتها وكالة متخصصة تابعة للاتحاد الإفريقي، فإنها تُسهم في تحقيق تنمية بشرية ومؤسسية تحويلية من خلال تنفيذ برامج فعَّالة ومؤثرة في جميع أنحاء إفريقيا. انطلاقًا من 12 دولة مؤسسة، وصولًا إلى شبكة تضم 40 دولة عضوًا، تعمل المؤسسة على حَشْد الخبرات والموارد والشراكات الإستراتيجية لتعزيز المؤسسات الإفريقية ودَفع عجلة النمو المستدام، بما يتماشى مع أجندة الاتحاد الإفريقي لعام 2063 وأهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030.
تتبنَّى المؤسسة في خططها الإستراتيجية المتعاقبة رؤية مَرِنة تتكيَّف مع التحولات العالمية والإقليمية، وتتركز أهدافها في المجالات التالية:
1-إدارة الاقتصاد الكلي والسياسات المالية: تقديم التدريب المتقدم والتحليل الإستراتيجي لكوادر وزارات المالية والبنوك المركزية وهيئات الإحصاء. ويهدف هذا المحور إلى رفع قدرات الدول على التخطيط المالي، وزيادة تعبئة الموارد المحلية، وإدارة الديون السيادية بكفاءة.
2-دعم مراكز الفكر وبحوث السياسات: تُعدّ الداعم الأبرز لمؤسسات الفكر والاستشارة والتخطيط في إفريقيا؛ إذ موَّلت ووفَّرت الرعاية الفنية لأكثر من 40 مركز بحوث وسياسات عامة عبر القارة، مثل مركز التحليل الاقتصادي والاجتماعي في كوت ديفوار (CAPEC) ومركز التنمية الاقتصادية في أوغندا (EPRC)، مما أدَّى إلى توطين إنتاج المعرفة وصُنع القرار المستند إلى الأدلة.
3-الحوكمة وإدارة القطاع العام: تطوير قدرات الجهاز الإداري وتعميق الشفافية، والحدّ من الفساد عبر التدريب على إدارة المال العام، إضافةً إلى تعزيز الكفاءة التنفيذية للبرلمانات وأجهزة الرقابة والمحاسبة، ومؤسسات المجتمع المدني.
4- دعم التكامل الإقليمي والتجارة البينية: رفع كفاءة المجموعات الاقتصادية الإقليمية مثل الإيكواس والسادك والكوميسا، وأمانة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية؛ من خلال بناء أُطُر تنظيمية ولوجستية قادرة على تسريع اندماج الأسواق الإفريقية.
5- التكيُّف المناخي والتحوُّل الرقمي: تضمن المخطط الإستراتيجي الحديث الاستجابة للأزمات الناشئة عبر برنامج تدريبي مُوجَّه لتعزيز قدرات الصمود المناخي، وصياغة سياسات التمويل الأخضر، والتحول نحو الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الحديثة في الإدارة الحكومية.
ثالثًا: المؤسسة الإفريقية لبناء القدرات: الهيكل التنظيمي
تُدار المؤسسة عبر منظومة حوكمة تضمن التمثيل المتوازن لجميع الفاعلين والتخصصات:
1-مجلس المحافظين: يتألف من ممثلي الدول الأعضاء والمؤسسات التمويلية المنسقة، ويُعدّ أعلى سلطة رسمية تتولّى رسم السياسات العامة وإقرار الميزانيات وتوجيه الإستراتيجيات.
2-مجلس الإدارة: يضم خبراء مستقلين وممثلين إقليميين يتولون الإشراف الفني والمالي والتأكد من كفاءة تنفيذ البرامج والأنشطة.
3-الأمانة العامة والإدارة التنفيذية: يقودها أمين تنفيذي يتولى الإدارة اليومية وتنفيذ الخطط الخمسية عبر المقر الرئيسي بسبعة أجهزة متخصصة، ومكاتب إقليمية لضمان القرب من المجموعات الاقتصادية الإقليمية.
رابعًا: المبادئ التوجيهية ونموذج العمل الأساسي
1- المبادئ التوجيهية الأربعة لنَهْج المؤسسة:
في المؤسسة الإفريقية لبناء القدرات، تنبع مهمتنا لدفع عجلة التنمية المستدامة في جميع أنحاء إفريقيا من مبادئ واضحة وإستراتيجية وذات تطلع مستقبلي. تُشكِّل هذه القِيَم التوجيهية نَهْج عملها، مما يضمن أن تساهم كل مبادرة نطلقها في إحداث تغيير معنوي ودائم.
- التركيز على القطاع العام والحوكمة: تُعدّ الحكومات القطب الأساسي للتحوُّل الاقتصادي والاجتماعي في إفريقيا. تعمل المؤسسة عن كثب وبالشراكة مع المؤسسات العامة لضمان توافق السياسات ومبادرات بناء القدرات مع الأولويات الوطنية والأجندات العالمية.
- من التقييم إلى التنفيذ الأنشط: يتجاوز بناء القدرات مجرد تحديد الفجوات، فهو يتطلب حلولاً قابلة للعمل والتطبيق. نلتزم بسد الفجوة بين التقييمات والتنفيذ الميداني من خلال تقديم تدخلات مستهدَفة، وتدريب عملي، وخدمات استشارية إستراتيجية تُحوّل المعرفة إلى أثر ملموس.
- منظومات بناء القدرات المتكاملة: تنمية القدرات تزدهر في منظومة متكاملة ومترابطة من المؤسسات وأصحاب المصلحة وشبكات المعرفة. تُعزّز المؤسسة التعاون الإقليمي والشراكات بين القطاعين العام والخاص لخلق بيئة داعمة للمؤسسات والمجتمعات.
- تركيز إستراتيجي مُستهدَف: بدلاً من تشتيت الجهود، نمنح الأولوية للمبادرات ذات الإمكانات الأكبر لتحقيق التحوُّل في مجالات رئيسية مثل: الصمود المناخي، وتطوير الأعمال الزراعية، وتسهيل التجارة، والحوكمة الاقتصادية.
2-نموذج العمل الأساسي للمؤسسة:
تعتمد المؤسسة إطارًا يتكون من 4 مكونات رئيسية:
- الدعم المؤسسي وبناء القدرات: نموذج المُسرّع المؤسسي لتقييم الاحتياجات وتنفيذ خطط التحسين.
- أكاديمية أوبورا: لتطوير المهارات القيادية والإدارية والتخصصية.
- مركز معرفة القدرات: لإنتاج البحوث وإدارة الحوارات حول السياسات وتوفير منصات الموارد.
- خدمات الوكيل المالي: لإدارة المنح والتمويلات والإشراف المالي المحاسبي.
خامسًا: آليات التقديم ومصادر التمويل
تستخدم المؤسسة آليات عمل متنوعة تجمع بين المِنَح المالية المباشرة، والدعم الفني، وبناء الشبكات المعرفية:
1-الاستثمار في رأس المال البشري: أسهمت المؤسسة في تمويل برامج إدارة السياسات الاقتصادية ومشاريع الدبلومات المتقدمة بالتعاون مع جامعات إفريقية بارزة (مثل: جامعة أبيدجان، جامعة ياوندي، وجامعة غانا)، مما نتج عنه تدريب وتخريج أكثر من 50,000 من كبار المسؤولين والخبراء التنفيذيين.([1])
2-التقارير المرجعية التشخيصية: تُصدر المؤسسة سنويًّا “تقرير بناء القدرات في إفريقيا” (Africa Capacity Report – ACR) الذي يُشخّص الفجوات المؤسسية في مجالات محددة (مثل قدرات البنية التحتية، العلوم والتكنولوجيا، والعمل المناخي)، ويزود صُنّاع القرار ببيانات دقيقة.([2])
تعتمد المنظومة التشغيلية والمالية على تقديم الخدمات عبر وسائل متنوعة تشمل البرامج الدراسية، والدورات التدريبية، والإرشاد والتوجيه، إضافةً إلى المساعدة الفنية والمنصات الرقمية. وتتولَّى هذه الآليات تلبية احتياجات فئات مستهدَفة واسعة تضمّ المؤسسات الحكومية، وشركات القطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والقطاع الأكاديمي، والباحثين، والمنظمات الدولية.
ولضمان استدامة الأنشطة، تتنوع مصادر الإيرادات وآليات التمويل بين اشتراكات الدول الأعضاء، والمِنَح، والدورات المدفوعة، والبرامج المرفوعة برعاية جهات، ورسوم الخدمات الاستشارية والتدريبية، فضلًا عن المشاريع المُموّلة من المانحين. وعلى مستوى التنفيذ والمتابعة، ترتكز الأعمال على بناء شراكات وتعاون شامل مع الحكومات والقطاع الخاص والشركاء الدوليين، مع تطبيق إطار مُحكَم للمتابعة والتقييم لقياس النتائج وضمان تحقيق أثر ملموس ومستدام.
سادسًا: الآثار التنموية لعمل المؤسسة
منذ عام 1991، قامت المؤسسة بتدريب أكثر من 100,000 موظف حكومي يشغل الكثير منهم مناصب رئيسية في مؤسسات مثل وزارات المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية، فضلاً عن البنوك المركزية. أنشأت المؤسسة أيضًا شبكة على مستوى القارة تضم أكثر من 50 مركزًا فكريًّا، تقود عملية صُنع السياسات القائمة على الأدلة وتُجري أبحاثًا وتحليلات واسعة النطاق في مجال السياسات ذات أهمية بالغة في تعزيز الإدارة الاقتصادية، ووضع المعايير التي تدعم التنمية المستدامة.

سابعًا: التحديات الهيكلية والآفاق المستقبلية
1-التحديات الهيكلية:
رغم الأثر الملموس الذي حققته المؤسسة على مدار أكثر من ثلاثة عقود، إلا أنها تُواجه تحديات تُعيق استكمال رسالتها بكامل طاقتها:
- تقلُّبات التمويل والدعم الدولي: تعتمد المؤسسة على مِنَح الشركاء الدوليين واشتراكات الدول الأعضاء. وقد أدَّت الأزمات الاقتصادية العالمية وتغيُّر أولويات المانحين إلى تذبذب التدفقات المالية، مما أثَّر على استدامة بعض المشاريع طويلة الأجل.
- استنزاف العقول: تُواجه البرامج التدريبية تحدّي تسرُّب الكوادر المُؤهّلة بعد تدريبها نحو القطاع الخاص أو المنظمات الدولية خارج القارة، مما يتطلب إيجاد بيئات عمل جاذبة ومستقرة داخل المؤسسات الوطنية.
- مواكبة التحولات التكنولوجية والمناخية: يتطلب تغيُّر المناخ وتسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا للمناهج التدريبية وأدوات أداء الخدمة العامة، وهو ما يَفرض على المؤسسة حشد موارد إضافية وتوسيع شراكاتها مع القطاع الخاص.
2-الآفاق المستقبلية ورؤية 2027:
بناء اقتصادات مَرِنة، وتجارة مزدهرة، وأمن غذائي، وحوكمة رشيدة لمستقبل إفريقيا المستدام. تهدف الخطة الإستراتيجية لمؤسسة إفريقيا لبناء القدرات للفترة 2023- 2027 إلى تعزيز تحوُّل إفريقيا من خلال تنمية القدرات. وتركز على تعزيز رأس المال البشري والمؤسسات لدَفْع عجلة النمو الشامل والتنمية المستدامة.
بحلول عام 2027، تتطلع إلى قارة قوية، مكتفية ذاتيًا، وقادرة على المنافسة عالميًّا. واضعة الأُسس اللازمة للمرونة الاقتصادية، والتجارة المستدامة، والأمن الغذائي، والتميُّز في الحوكمة، بما يضمن ازدهار القارة من خلال:
- مرونة اقتصادية أقوى: يجب أن تكون إفريقيا مُجهَّزة لمواجهة الصدمات الاقتصادية ودفع عجلة النمو المستدام. تعمل المؤسسة على تعزيز المؤسسات والسياسات ورأس المال البشري لبناء اقتصادات قادرة على التكيُّف والابتكار، وأقل اعتمادًا على الدعم الخارجي.
- قطاع خاص مزدهر ونمو تجاري: من خلال تيسير التجارة البينية الإفريقية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، يفتح صندوق تنمية الأعمال الزراعية الإفريقي آفاقًا جديدة للفرص الاقتصادية. وعبر بناء القدرات الإستراتيجية، نعمل على تمكين الشركات ورواد الأعمال وصناع السياسات لتحقيق أقصى استفادة من منطقة التجارة الحرة القارية والتصنيع.
- السيادة الغذائية والزراعة المستدامة: تحقيق الأمن الغذائي في إفريقيا بات في المتناول. يعمل صندوق تنمية الأعمال الزراعية الإفريقي على الحد من الفاقد بعد الحصاد، وتعزيز سلاسل القيمة في قطاع الأعمال الزراعية، وتشجيع استثمارات القطاع الخاص في الزراعة، بما يضمن قدرة إفريقيا على إطعام نفسها بشكل مستدام.
- الحوكمة والمساءلة والاستقرار المالي: المؤسسات القوية تعزّز الثقة والتنمية المستدامة. يعمل صندوق تنمية الأعمال الزراعية الإفريقي على تعزيز الشفافية والمسؤولية المالية والقدرات القيادية، وتزويد صُنّاع السياسات بالمهارات اللازمة لإجراء إصلاحات مستدامة في مجال الحوكمة.
خاتمة:
تُمثّل المؤسسة الإفريقية لبناء القدرات حجر الزاوية في دَفْع عجلة التنمية المستدامة داخل القارة الإفريقية، من خلال تمكين الكوادر البشرية، وتطوير المؤسسات الوطنية والإقليمية، وبفضل شراكاتها الإستراتيجية ورؤيتها الشاملة، تتجاوز فكرة تقديم الدعم التقليدي لتصنع أثرًا تنمويًّا يضمن استقلالية القرار الاقتصادي والمعرفي للقارة مُمهدة الطريق نحو مستقبل مستدام يعتمد على كفاءات وقدرات محلية خالصة، خاصةً إذا تم تذليل العقبات والتحديات التي تُواجه عملها.
[1] ) African Capacity Building Foundation, Evaluation of the Economic Policy Management (EPM) Program in Sub-Saharan Africa (Harare: ACBF Evaluation Unit, 2019).at: https://www.acbf-pact.org/evaluations
[2] ) African Capacity Building Foundation, Africa Capacity Report 2019: Capacity Development Agenda for Climate Action (Harare: ACBF, 2019)at:https://www.acbf-pact.org/publications/africa-capacity-report-2019











































