تتجه الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوة جديدة لتعزيز انخراطها الدبلوماسي والأمني في منطقة الساحل الإفريقي، من خلال مشروع قانون يستهدف دعم مالي في مواجهة الجماعات المسلحة، مع توسيع نطاق التقييم ليشمل التداعيات الأمنية في النيجر وبوركينا فاسو، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا لنشاط الجماعات المسلحة وتناميًا للنفوذ الروسي.
وقدّم النائب الديمقراطي الأمريكي جيمي بانيتا، بالتعاون مع النائب الجمهوري جو ويلسون، مشروع قانون يحمل اسم “قانون الشراكة الأمنية ومكافحة الإرهاب في مالي”، في خطوة تعكس محاولة أمريكية لإعادة تعزيز حضورها في منطقة الساحل، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعًا للدور الغربي، بالتزامن مع توسع نفوذ روسيا وتزايد نشاط الجماعات المسلحة.
ويلزم مشروع القانون وزارة الخارجية الأمريكية بإعداد استراتيجية دبلوماسية لمواجهة تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له في مالي، إلى جانب إجراء تقييم للتداعيات الأمنية الأوسع نطاقًا على النيجر وبوركينا فاسو، في ظل الترابط المتزايد بين الجماعات المسلحة والحدود الممتدة بين دول المنطقة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواصل فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تعزيز حضورها في غرب إفريقيا، حيث قدّر تقييم حديث للأمم المتحدة أن عدد مقاتلي الجماعة يتراوح بين 7 آلاف و8 آلاف مقاتل، مع امتداد نشاطها خارج مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، فضلًا عن نشاطها في بنين وتوغو.
وقال النائب جيمي بانيتا إن مالي لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التحديات الأمنية الأوسع التي تواجه منطقة الساحل، مشيرًا إلى حاجة واشنطن إلى فهم أكثر وضوحًا لكيفية توسع الجماعات المسلحة في المنطقة، ونقلها للموارد عبر الحدود، واستغلالها لحالات عدم الاستقرار.
وبموجب مشروع القانون المقترح، سيجري المسؤولون الأمريكيون تقييمًا لمدى انتشار جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وقدراتها وعلاقاتها الإقليمية، إلى جانب دراسة العوامل التي تستغلها الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد، ومنها الفقر والنزوح والتوترات العرقية وضعف الحوكمة.
ولا يقتصر اهتمام التشريع على القدرات العسكرية للجماعات المسلحة، بل يمتد إلى مصادر تمويلها، إذ أشار تقييم للأمم المتحدة نقلته وكالة رويترز إلى أن فدية بلغت نحو 50 مليون دولار دُفعت مقابل رهائن في أواخر عام 2025، وأسهمت في تمويل عمليات الجماعة في أنحاء المنطقة.
كما يتضمن مشروع القانون بحث مصادر الدخل المرتبطة بقطاع الذهب والتجارة غير المشروعة في مالي، بما في ذلك الابتزاز والتهريب وفرض الضرائب القسرية ومدفوعات الحماية، وهي مصادر تمثل أحد العوامل التي تساعد الجماعات المسلحة على الحفاظ على قدرتها على العمل والتوسع.
وبالتوازي مع التركيز على تمويل الجماعات المسلحة، يدفع التشريع المقترح واشنطن أيضًا إلى إعادة تقييم تنامي النفوذ الروسي في منطقة الساحل، في وقت تراجعت فيه الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى بشكل ملحوظ عن المنطقة خلال السنوات الماضية.
وكانت روسيا قد دعمت مالي في حربها ضد الجماعات المسلحة منذ وصول قوات فاغنر إلى البلاد عام 2021، إلا أن النشاط العنيف استمر رغم سنوات من الدعم العسكري الروسي.
وفي يوليو/تموز 2024، أعلن متمردو الطوارق مقتل 84 مقاتلًا من فاغنر و47 جنديًا ماليًا بالقرب من تينزاواتن، قبل أن تنقل موسكو جزءًا كبيرًا من الدور الذي كانت تؤديه فاغنر إلى فيلق إفريقيا، الذي يُقدّر عدد أفراده في مالي حاليًا بنحو ألفي عنصر.
واستمرت الخسائر في صفوف القوات المالية والقوات المرتبطة بروسيا، إذ قتلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ما لا يقل عن 10 جنود ماليين في مدينة سان في 9 أغسطس/آب 2026، وفقًا لما ورد في التقارير، كما أشار منتدى الدفاع الإفريقي إلى وقوع كمين سابق بالقرب من نامبالا أدى إلى مقتل جنود ماليين وعناصر من فيلق إفريقيا الروسي.
وتعكس هذه التطورات استمرار التحديات الأمنية التي تواجه مالي رغم سنوات الدعم الروسي، في وقت لا تزال فيه الجماعات المسلحة قادرة على تنفيذ هجمات وعمليات كمائن في مناطق مختلفة من البلاد.
ووفق تقديرات صحفية، سُجل نحو 9800 حالة وفاة مرتبطة بالجماعات المسلحة في منطقة الساحل خلال العام الماضي، فيما نُسبت غالبية هذه الوفيات إلى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وفي مواجهة هذا الوضع، شكّلت مالي والنيجر وبوركينا فاسو تحالف دول الساحل، وتعمل الدول الثلاث على تطوير قوة مشتركة قوامها نحو 5 آلاف عنصر بهدف مكافحة الجماعات المسلحة وتعزيز التنسيق العسكري والأمني عبر الحدود.
وفي هذا السياق، يسعى مشروع القانون الأمريكي إلى مراجعة العقوبات الحالية المفروضة على مالي، وتحديد الثغرات الدبلوماسية، وتقييم تأثير روسيا في ملفات الحوكمة والشفافية، إلى جانب دراسة مستقبل الشراكات الغربية في منطقة الساحل.
وقال النائب الجمهوري جو ويلسون إن اشتراط إجراء تقييم شامل لتمويل الإرهاب وديناميات الأمن الإقليمي، إلى جانب وضع استراتيجية دبلوماسية أمريكية منسقة، من شأنه تعزيز قدرة الولايات المتحدة على دعم شركائها في المنطقة.
ويأتي التحرك الأمريكي في وقت تواجه فيه دول الساحل تحديات أمنية متزايدة، بينما تسعى حكومات مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى تقليص علاقاتها مع القوى الغربية وتعزيز تعاونها مع روسيا، وهو ما يجعل أي عودة أمريكية إلى المنطقة مرتبطة بإعادة صياغة أدواتها الدبلوماسية والأمنية بما يتناسب مع التحولات الجديدة في الساحل.










































