الأفكار العامة:
-تستقدم الدول الغربية سنويًّا آلاف الممرضين من إفريقيا، بينما تشجّع غانا وكينيا شبابها على العمل في الخارج، وتُوسّعان اتفاقيات تنقل العمالة مع إسبانيا وقطر ودول الكاريبي.
-تُركِّز اتفاقيات الخليج على قطاعَي البناء والخدمات، في حين تستهدف شراكات الكاريبي المهنيين المؤهلين، وخاصةً الممرضين والعاملين في الرعاية الصحية.
-تتمتع إفريقيا بتركيبة سكانية شابَّة ومتنامية، لكنها تعاني من نقص الوظائف اللائقة، بينما تواجه الاقتصادات الغنية شيخوخة السكان ونقص العمالة.
-يعمل 71.7% من الشباب النشطين اقتصاديًّا، الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و29 عامًا في إفريقيا جنوب الصحراء، في وظائف هشَّة أو غير مستقرة.
-تحتاج أوروبا وغيرها إلى عمالة إضافية في الرعاية الصحية والزراعة والبناء، مما يجعل الربط بين العمال والقطاعات المحتاجة حلًّا مربحًا للطرفين.
-يركز صانعو السياسات على مكاسب الهجرة: التحويلات المالية، واكتساب المهارات، وجذب الاستثمارات.
-تمثل التحويلات نحو 6% من الناتج المحلي الغاني؛ وبلغت 4.6 مليارات دولار في 2024، متجاوزةً الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية.
-يغادر غانا سنويًّا، في السنوات الأخيرة، ما بين 400 و500 ممرض وممرضة شهريًّا بحثًا عن فرص خارجية.
بقلم: مايكل بوامبونغ، دانيال أساماه، ميليسا موتحان
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
يُستقدم آلاف الممرضين الأفارقة، سنويًّا، للعمل في الدول الغربية. وتُشجِّع الحكومات الإفريقية، بشكل متزايد، شبابها على العمل بالخارج. وفي محاولة لمواجهة بطالة الشباب، وسَّعت دول مثل غانا وكينيا اتفاقيات تنقّل العمالة مع دول أخرى، من بينها إسبانيا وقطر وعدد من دول الكاريبي.
الاتفاقيات مع دول الخليج تُركِّز بشكل أساسي على وظائف البناء والخدمات. أما الشراكات الأحدث مع دول الكاريبي فتركّز على المهنيين المؤهلين، وخاصةً الممرضين والعاملين في الرعاية الصحية.
هذه الاتفاقيات قد توفّر مسارات منظمة للراغبين في العمل بالخارج، خصوصًا في القطاعات التي تشهد طلبًا مرتفعًا على الأيدي العاملة.
والعديد من الدول الإفريقية تمتاز بتركيبة سكانية شابَّة وكبيرة ومتنامية، لكن هذه الفئة تواجه صعوبات متزايدة في إيجاد وظائف لائقة. في المقابل، تعاني الاقتصادات الأكثر ثراءً من شيخوخة السكان ونقص العمالة.
وتشير البيانات إلى أن 71.7% من الشباب النشطين اقتصاديًّا، الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و29 عامًا في إفريقيا جنوب الصحراء، يعملون في وظائف تُوصف بأنها «هشّة» أو غير مستقرة.
في الوقت نفسه، تحتاج الدول الأوروبية وغيرها إلى مزيد من العمالة في قطاعات مثل الرعاية الصحية والزراعة والبناء. لذلك، يبدو أن الربط بين العمال الباحثين عن فرص وبين القطاعات التي تعاني نقصًا في الأيدي العاملة بالخارج قد يوفّر حلًّا عمليًّا ومفيدًا للطرفين.
سؤال جذري:
ما التداعيات طويلة الأمد على التنمية عندما تجعل الحكومات من فرص العمل في الخارج إستراتيجية للتنمية الاقتصادية؟ نحن ندرس حوكمة الهجرة وتطلعات الشباب في غانا، وبحثنا كيف تتعاطى الحكومات والجهات الدولية والشباب مع دور الهجرة في تحقيق التنمية.
دراستنا الحديثة استندت إلى تحليل الوثائق، ومقابلات مع واضعي السياسات والفاعلين في مجال الهجرة، بالإضافة إلى بحث إثنوغرافي ميداني مع الشباب في غانا.
وقد كشفت الدراسة عن أن صانعي السياسات يتبنّون بشكل متزايد رؤية تُركِّز على «المكاسب الاقتصادية» التي يمكن أن تحققها الهجرة. ينظرون إليها كمصدر للتحويلات المالية، واكتساب المهارات والخبرات، وجذب الاستثمارات. لكنّ تطلعات الشباب إلى الهجرة تظل مرتبطة بنقص فرص العمل والفرص الاقتصادية، وبواقع اجتماعي واقتصادي أوسع.
دراستنا ركّزت على حوكمة الهجرة، وليس على اتفاقيات تنقّل الأيدي العاملة بحدّ ذاتها. لكنها تثير تساؤلًا مهمًّا: ماذا يحدث عندما يبدأ النظر إلى الهجرة كمورد اقتصادي في التأثير مباشرةً على سياسات تنقّل العمالة؟
هل تصبح الهجرة وسيلة لمعالجة اختلالات سوق العمل والتنمية، أم قد تتحول على المدى البعيد إلى إستراتيجية تعتمد عليها الدول الإفريقية لتعويض محدودية فرص العمل والتنمية داخل اقتصاداتها؟
الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى هجرة الأيدي العاملة ليس فقط كفرصة اقتصادية، بل أيضًا كقضية تنموية وإستراتيجية ذات آثار عميقة على مستقبل المجتمعات الإفريقية ورأس مالها البشري.
العوامل المحدِّدة:
تُشكّل التحويلات المالية التي يُرسلها المهاجرون ركيزة مهمّة لاقتصاد غانا؛ إذ تبلغ نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2024، وصلت قيمة هذه التحويلات إلى حوالي 4.6 مليارات دولار أمريكي، متجاوزةً بفارق كبير إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية التي تلقتها البلاد في العام نفسه. لذلك، باتت زيادة فرص العمل للغانيين في الخارج تُعتبر -في بعض الأوساط الحكومية- وسيلةً لتعزيز تدفقات التحويلات المالية، إلى جانب تخفيف الضغوط على أسواق العمل المحلية.
غير أن هذا التوجُّه يطرح تحديات عديدة، أبرزها مدى كفاية الحماية المقدَّمة للعمال المهاجرين. فقد أظهرت دراسة حديثة في كينيا كيف يمكن للحكومات تشجيع مواطنيها على العمل في الخارج، حتى مع استمرار القصور في حماية العمال المهاجرين. هذه المسألة تثير قلقًا بالغًا، لكنها لا تعكس كامل التداعيات المترتبة على هذا التوجه.
فقد لا تحظى المقايضات التنموية الأوسع نطاقًا بالاهتمام الكافي. وحتى عندما تكون ترتيبات تنقُّل العمالة منظمة بشكل جيد نسبيًّا، قد تسهم في تفاقم بعض الاختلالات الهيكلية على المستوى الوطني، خاصةً عندما تؤدي إلى فقدان الكفاءات والخبرات في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم.
غانا… نموذج واضح:
تُقدّم غانا مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية. فالبلاد تشهد بالفعل نزيفًا متزايدًا في الكوادر العاملة في قطاع الرعاية الصحية. وتشير البيانات إلى أن ما بين 400 و500 ممرض وممرضة يغادرون البلاد شهريًّا في السنوات الأخيرة، بحثًا عن فرص عمل في الخارج.
يحدث ذلك في وقت لا تزال فيه المنظومة الصحية الوطنية تواجه ضغوطًا متزايدة، منها ارتفاع معدلات المرضى مقارنةً بعدد العاملين الصحيين، ومحدودية الموارد والإمكانات المتاحة. وقد أثار هذا الوضع نقاشًا واسعًا حول أخلاقيات استقدام الكوادر الصحية من البلدان التي تعاني أصلًا نقصًا في العاملين الصحيين. لذا، فإن تشجيع الهجرة بشكل أكبر، حتى في إطار اتفاقيات رسمية ومنظمة لتنقل العمالة، يثير تساؤلات جوهرية:
هل تستطيع الدول الحفاظ على خدماتها الأساسية، وفي الوقت نفسه تسهيل مغادرة كوادرها المؤهلة؟ وكيف يمكن أن تؤثر هذه السياسات على الاستثمارات طويلة الأمد في رأس المال البشري؟ وماذا يحدث عندما يعود المهاجرون إلى أوطانهم؟
إعادة النظر في سياسات تنقّل الأيدي العاملة:
تُسلّط أبحاثنا الضوء على ضرورة النظر إلى الهجرة باعتبارها جزءًا من مسار تنموي أوسع، وليس مجرد عملية انتقال للأفراد عبر الحدود.
ومع تزايد حركة العمالة بين الدول، تكتسب مسألة ما يحدث بعد عودة المهاجرين إلى أوطانهم أهمية متزايدة. فكثير من المهاجرين يعودون في نهاية المطاف إلى بلدانهم، حاملين معهم ما اكتسبوه في الخارج من مهارات وخبرات مهنية، إلى جانب موارد مالية ومدخرات.
ويمكن للهجرة العائدة، في ظروف مواتية، أن تسهم في تعزيز ريادة الأعمال والابتكار والتنمية المحلية، وأن تُحوّل الخبرات المكتسبة في الخارج إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
غير أن هذه النتائج لا تتحقق بصورة تلقائية. ويشير التقرير العالمي للأمم المتحدة حول الشباب والهجرة إلى أن المهاجرين العائدين غالبًا ما يحتاجون إلى دعم مؤسسي فعَّال لإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم واقتصاداتهم، فضلًا عن توفير فرص اقتصادية تُمكّنهم من تحويل المهارات والخبرات التي اكتسبوها في الخارج إلى رأسمال بشري منتج يخدم التنمية المحلية.
وفي هذا السياق، يمكن لسياسات عملية، مثل الاعتراف الرسمي بالمهارات والمؤهلات المكتسبة في الخارج، وتيسير الوصول إلى التمويل، ودعم إنشاء المشاريع والمبادرات الاقتصادية، أن تؤدي دورًا محوريًّا في تحويل الهجرة العائدة من مجرد عودة للأفراد إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إدماج سياسات الهجرة وتنقل الأيدي العاملة:
تتمثل إحدى أبرز الخلاصات التي توصل إليها بحثنا في ضرورة إدماج سياسات الهجرة وتنقل الأيدي العاملة ضمن إستراتيجيات تنموية أوسع نطاقًا، بدلًا من تقييمها حصرًا من زاوية العوائد الاقتصادية المباشرة التي تحققها.
ولا يعني ذلك، بأيّ حال من الأحوال، الدعوة إلى الحدّ من حركة العمالة أو عرقلة انتقالها بين الدول. بل المطلوب هو أن تكون هذه السياسات مُكمّلة للاستثمار في العمل اللائق، وتنمية المهارات، وتعزيز المؤسسات العامة في بلدان المنشأ، لا بديلًا عنها.
فحركة الأيدي العاملة ليست سلبية في حد ذاتها. وعندما تُنظّم وفق سياسات مدروسة ومتوازنة، يمكن أن تتحول إلى أداة تسهم في تعزيز التنمية الفردية والوطنية على حد سواء. غير أن تحقيق ذلك يتطلب تجاوز الرؤية الضيقة التي تختزل الهجرة في مجرد توفير فرص عمل في الخارج.
أولًا: تبرز الحاجة إلى إقامة شراكات إستراتيجية بين الحكومات وأصحاب العمل والمؤسسات التعليمية والتدريبية ووكالات التوظيف والمنظمات الدولية.
ويمكن لهذه الشراكات أن تشمل تطوير برامج تدريب وتأهيل تُصمّم بصورة مشتركة، ووضع آليات للاعتراف بالمؤهلات والشهادات المهنية، إلى جانب إبرام اتفاقيات تتيح لبلدان المقصد المساهمة في تدريب وتأهيل العمالة الماهرة داخل بلدان المنشأ، بما يُحقّق مصالح جميع الأطراف ويَحُدّ من استنزاف الكفاءات.
ثانيًا: ينبغي التعامل مع إعادة إدماج المهاجرين العائدين باعتبارها جزءًا أساسيًّا من سياسات الهجرة والتنمية.
فالمهاجرون العائدون يحملون معهم، في كثير من الحالات، مهارات وخبرات مهنية ومدخرات اكتسبوها خلال فترة إقامتهم في الخارج. ومن شأن توفير التمويل والتدريب وفرص العمل المناسبة لهم أن يساعد على تحويل هذه المكتسبات إلى مُحرّكات للتنمية الاقتصادية المحلية، بدلًا من أن تظل مجرد خبرات فردية غير مستثمرة.
ثالثًا: لا ينبغي أن تتحول حركة العمالة إلى بديل عن خَلْق فرص العمل على المستوى الوطني، وإنما يجب أن تكون رافدًا مكملًا لسياسات التشغيل.
على الحكومات أن تواصل الاستثمار في القطاعات التي يمكنها توفير وظائف لائقة ومستدامة للشباب داخل بلدانهم، بدلًا من التعامل مع الهجرة باعتبارها الحل الرئيسي لمشكلتي البطالة ونقص فرص العمل بين الشباب.
وهنا يبرز سؤال جوهري:
كيف يمكن إدماج الهجرة وتنقل الأيدي العاملة في إطار إستراتيجية تنموية شاملة ومستدامة؟
لا شك أن تنقل العمالة يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الأفراد والأُسَر، ويتيح لهم فرصًا لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. لكنه، في المقابل، لا يمكن أن يحل محل الاستثمار طويل الأمد في العمل اللائق والتعليم والتكوين المهني والتحول الاقتصادي داخل بلدان المنشأ.
فإذا جرى التعامل مع الهجرة ببساطة كحل سريع لمشكلة البطالة، فقد تؤدي حركة العمالة إلى تعميق أوجه عدم المساواة واستنزاف الموارد البشرية وإضعاف مؤسسات وأنظمة تعاني أصلًا من الهشاشة.
أما إذا أُدرجت الهجرة ضمن إستراتيجية تنموية متكاملة تراعي احتياجات بلدان المنشأ وحقوق العمال ومصالح بلدان المقصد، فإن تنقل الأيدي العاملة يمكن أن يتحوَّل إلى رافعة للنمو الشامل والمستدام، بدلًا من أن يكون مجرد استجابة مُؤقَّتة لاختلالات سوق العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:










































