قراءات إفريقية
Eng  |  Fr
لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
دعاية مجلة قراءات إفريقية
  • المجلة
    • العدد الحالي
    • الأعداد السابقة
    • إرشيف المجلة (إنجليزي)
  • الموسوعة الإفريقية
  • تحليلات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    مالي وبوركينا فاسو والنيجر تعفي مواطني “إكواس” من تأشيرة الدخول

    توتر بين “تحالف دول الساحل” ونيجيريا بسبب تصريحات تينوبو

    ارتباك في كينيا بشأن الانتخابات الرئاسية 2027.. ما القصة؟

    ارتباك في كينيا بشأن الانتخابات الرئاسية 2027.. ما القصة؟

     الحرب في تيغراي من منظور إثيوبي: اتهامات لمصر وتهديد لإريتريا والسودان

     الحرب في تيغراي من منظور إثيوبي: اتهامات لمصر وتهديد لإريتريا والسودان

    النمل الإفريقي

    تهريب النمل الإفريقي: قراءة في المشهد والتداعيات والفرص

    إثيوبيا والقرن الإفريقي: تحوُّلات محسوبة؟

    إثيوبيا والقرن الإفريقي: تحوُّلات محسوبة؟

    تأجيل الانتخابات الرئاسية في السنغال يثير قلق المجتمع الدولي

    الحضور الإفريقي في سباق خلافة الأمين العام للأمم المتحدة بين طموحات التمثيل وتحديات المنافسة الدولية

    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    • سياسية
    • اقتصادية
    • اجتماعية
  • تقدير موقف
    • جميع المواد
    • اجتماعي
    • اقتصادي
    • سياسي
    السياسة الخارجية الأوغندية وتحولاتها: دعم إسرائيل في مواجهة إيران وانعكاساته الجيوسياسية

    أوغندا والقوة الدولية في غزة: هل يتحقق وعد موهوزي بحماية إسرائيل؟

    مالي- جنود

    كيف تعيد التكنولوجيا العسكرية رسم التحالفات الأمنية في مالي؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    أوصوم

    أوصوم: مستقبل بعثة السلام في الصومال بعد وقف التمويل الأمريكي

    قمة غانا تدفع نحو خطوات عملية لتعويضات العبودية

    عقد التعويضات: من يتحمل العبء الحقيقي للتعويضات عن العبودية؟

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

  • دراسات
    • جميع المواد
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
    • دراسة سياسية
    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    بنك الذهب الإفريقي والبحث عن السيادة النقدية للقارة الإفريقية

    علاقة الذهب بالصراعات المسلحة والاقتصادات الموازية في إفريقيا (2000–2026)

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    النفايات الإلكترونية

    إدارة النفايات الإلكترونية في غانا ودورها في دعم مسار الاقتصاد الأخضر في إفريقيا

    الشباب الافريقي

    الدور السياسي للشباب في إفريقيا

    مدارس- السنغال

    المدرسة في السنغال: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية في خدمة اللغة العربية في نيجيريا

    اللغة العربية في نيجيريا ودور “المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية”

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    • دراسة سياسية
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
  • ترجمات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    الإيبولا

    في 7 نقاط.. لماذا خرج تفشي وباء إيبولا عن السيطرة؟

    جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كـ”قوة متوسطة” في مرحلة ما بعد الثورة

    جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كـ”قوة متوسطة” في مرحلة ما بعد الثورة

    أقوى 10 جوازات سفر في إفريقيا لعام 2026

    أقوى 10 جوازات سفر في إفريقيا لعام 2026

    الأسواق الافريقية

    كيف يمكن تحويل الأسواق الإفريقية إلى أداة لتخفيف حدة الأزمات؟

    مشاريع الطاقة في السنغال

    تحوُّل طاقي عادل في السنغال.. تغيير السياسات بدلاً من دوّامة الديون

    التعدين

    انعدام الحوكمة في أنشطة استغلال الذهب بوسط إفريقيا

    وكالات التصنيف

    وكالات التصنيف الثلاث: أرقام أم تحيّز في تقييم دول إفريقيا؟

    مواد غذائية

    لماذا تمثل السيادة الغذائية أولوية مصيرية لإفريقيا؟

    الرقيق المسلمون الأفارقة

    القرآن والكتابة العربية: كيف قاوم المسلمون الأفارقة الاسترقاق في أمريكا؟

  • المزيد
    • إفريقيا في المؤشرات
    • الحالة الدينية
    • الملف الإفريقي
    • الصحافة الإفريقية
    • المجتمع الإفريقي
    • ثقافة وأدب
    • حوارات وتحقيقات
    • شخصيات
    • قراءات تاريخية
    • متابعات
    • منظمات وهيئات
    • كتاب قراءات إفريقية
  • المجلة
    • العدد الحالي
    • الأعداد السابقة
    • إرشيف المجلة (إنجليزي)
  • الموسوعة الإفريقية
  • تحليلات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    مالي وبوركينا فاسو والنيجر تعفي مواطني “إكواس” من تأشيرة الدخول

    توتر بين “تحالف دول الساحل” ونيجيريا بسبب تصريحات تينوبو

    ارتباك في كينيا بشأن الانتخابات الرئاسية 2027.. ما القصة؟

    ارتباك في كينيا بشأن الانتخابات الرئاسية 2027.. ما القصة؟

     الحرب في تيغراي من منظور إثيوبي: اتهامات لمصر وتهديد لإريتريا والسودان

     الحرب في تيغراي من منظور إثيوبي: اتهامات لمصر وتهديد لإريتريا والسودان

    النمل الإفريقي

    تهريب النمل الإفريقي: قراءة في المشهد والتداعيات والفرص

    إثيوبيا والقرن الإفريقي: تحوُّلات محسوبة؟

    إثيوبيا والقرن الإفريقي: تحوُّلات محسوبة؟

    تأجيل الانتخابات الرئاسية في السنغال يثير قلق المجتمع الدولي

    الحضور الإفريقي في سباق خلافة الأمين العام للأمم المتحدة بين طموحات التمثيل وتحديات المنافسة الدولية

    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    • سياسية
    • اقتصادية
    • اجتماعية
  • تقدير موقف
    • جميع المواد
    • اجتماعي
    • اقتصادي
    • سياسي
    السياسة الخارجية الأوغندية وتحولاتها: دعم إسرائيل في مواجهة إيران وانعكاساته الجيوسياسية

    أوغندا والقوة الدولية في غزة: هل يتحقق وعد موهوزي بحماية إسرائيل؟

    مالي- جنود

    كيف تعيد التكنولوجيا العسكرية رسم التحالفات الأمنية في مالي؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    أوصوم

    أوصوم: مستقبل بعثة السلام في الصومال بعد وقف التمويل الأمريكي

    قمة غانا تدفع نحو خطوات عملية لتعويضات العبودية

    عقد التعويضات: من يتحمل العبء الحقيقي للتعويضات عن العبودية؟

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

  • دراسات
    • جميع المواد
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
    • دراسة سياسية
    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    بنك الذهب الإفريقي والبحث عن السيادة النقدية للقارة الإفريقية

    علاقة الذهب بالصراعات المسلحة والاقتصادات الموازية في إفريقيا (2000–2026)

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    النفايات الإلكترونية

    إدارة النفايات الإلكترونية في غانا ودورها في دعم مسار الاقتصاد الأخضر في إفريقيا

    الشباب الافريقي

    الدور السياسي للشباب في إفريقيا

    مدارس- السنغال

    المدرسة في السنغال: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية في خدمة اللغة العربية في نيجيريا

    اللغة العربية في نيجيريا ودور “المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية”

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    • دراسة سياسية
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
  • ترجمات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    الإيبولا

    في 7 نقاط.. لماذا خرج تفشي وباء إيبولا عن السيطرة؟

    جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كـ”قوة متوسطة” في مرحلة ما بعد الثورة

    جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كـ”قوة متوسطة” في مرحلة ما بعد الثورة

    أقوى 10 جوازات سفر في إفريقيا لعام 2026

    أقوى 10 جوازات سفر في إفريقيا لعام 2026

    الأسواق الافريقية

    كيف يمكن تحويل الأسواق الإفريقية إلى أداة لتخفيف حدة الأزمات؟

    مشاريع الطاقة في السنغال

    تحوُّل طاقي عادل في السنغال.. تغيير السياسات بدلاً من دوّامة الديون

    التعدين

    انعدام الحوكمة في أنشطة استغلال الذهب بوسط إفريقيا

    وكالات التصنيف

    وكالات التصنيف الثلاث: أرقام أم تحيّز في تقييم دول إفريقيا؟

    مواد غذائية

    لماذا تمثل السيادة الغذائية أولوية مصيرية لإفريقيا؟

    الرقيق المسلمون الأفارقة

    القرآن والكتابة العربية: كيف قاوم المسلمون الأفارقة الاسترقاق في أمريكا؟

  • المزيد
    • إفريقيا في المؤشرات
    • الحالة الدينية
    • الملف الإفريقي
    • الصحافة الإفريقية
    • المجتمع الإفريقي
    • ثقافة وأدب
    • حوارات وتحقيقات
    • شخصيات
    • قراءات تاريخية
    • متابعات
    • منظمات وهيئات
    • كتاب قراءات إفريقية
لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
قراءات إفريقية
Eng  |  Fr
لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج

تيجراي على حافة الانفجار .. فهل تدخل إثيوبيا مرحلة إعادة إنتاج الحرب وإعادة تشكيل ميزان القوى في القرن الإفريقي؟

د.محمد حجاببقلم د.محمد حجاب
أغسطس 9, 2026
في دراسات وبحوث, دراسة سياسية, مميزات
A A
أزمة تيغراي في إثيوبيا

أزمة تيغراي في إثيوبيا

الملخص التنفيذي:

تكشف التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة في إقليم تيجراي أن اتفاق بريتوريا، الموقّع في نوفمبر 2022، نجح في وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يُفضِ إلى تسوية سياسية مستدامة تعالج الجذور البنيوية للصراع. فقد بقيت قضايا العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، ومستقبل الفيدرالية الإثنية، ووضع المناطق المتنازع عليها، وتوزيع السلطة داخل الدولة الإثيوبية، دون معالجة نهائية، بما أبقى عوامل التوتر قائمة رغم توقف الحرب المفتوحة.

وتنطلق الورقة من فرضية رئيسة مفادها أن التوترات الراهنة لا تمثل عودة مباشرة إلى حرب 2020 –2022، بل تعكس انتقال إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من إعادة إنتاج الصراع، في سياق أزمة أوسع تتصل ببناء الدولة وإدارة التعدد القومي وإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم. ويتزامن ذلك مع تحولات إقليمية متسارعة، أبرزها تصاعد الأهمية الجيوسياسية للبحر الأحمر، وتغير توازنات القوى في القرن الإفريقي، وتنامي أثر التفاعلات الإثيوبية–الإريترية والحرب في السودان.

وتعتمد الورقة على تحليل متكامل لثلاثة مستويات مترابطة: المستوى الداخلي، المرتبط بأزمة بناء الدولة وتعدُّد الفاعلين المسلحين؛ والمستوى الإقليمي، المتصل بعلاقات إثيوبيا مع إريتريا والسودان وتحولات أمن البحر الأحمر؛ والمستوى الدولي، الذي يتناول أثر تغيُّر أولويات القوى الكبرى واتساع هامش حركة الفاعلين الإقليميين والدوليين.

وتخلص الورقة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب يتمثل في استمرار حالة «السلام الهشّ»، القائمة على الردع المتبادل، والاحتواء المؤقت، واحتمال تجدد الاشتباكات المحدودة، مع بقاء خطر التصعيد الأوسع قائمًا إذا تزامن تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا مع تصاعد التوتر الإثيوبي–الإريتري وتزايد الضغوط الأمنية في أمهرة وأوروميا. وعليه، فإن مستقبل الأزمة سيتحدد بقدرة الدولة الإثيوبية على معالجة اختلالات بناء الدولة وإنتاج تسوية سياسية قابلة للاستمرار، أكثر من ارتباطه بقدرتها على تحقيق تفوق عسكري في تيجراي.

 

المقدمة:

لا تُقاس أهمية الصراعات المسلحة بحجم العمليات العسكرية أو عدد الضحايا فحسب، بل بمدى قدرتها على إعادة تشكيل بنية الدولة، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، والتأثير في التوازنات الإقليمية المحيطة. ومن هذا المنطلق، تمثل أزمة إقليم تيجراي إحدى أبرز الأزمات التي تكشف كيف يمكن لصراع داخلي أن يتجاوز حدوده المحلية ليصبح عاملًا مؤثرًا في مستقبل الدولة الإثيوبية وفي معادلات الأمن والاستقرار في القرن الإفريقي.

عندما اندلعت الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي في نوفمبر 2020، بدت في بدايتها مواجهة بين السلطة المركزية وقوة إقليمية دخلت في صدام مع الحكومة في أديس أبابا. إلا أن مسار الحرب سرعان ما كشف عن تعقيداتها السياسية والإثنية والإقليمية، بعدما تحولت إلى صراع متعدد الأطراف شاركت فيه قوى محلية وإقليمية، وفي مقدمتها إريتريا، واتسعت تداعياته لتتجاوز حدود الإقليم وتؤثر في البيئة الأمنية للقرن الإفريقي.

وقد أنهى اتفاق بريتوريا مرحلة الحرب المفتوحة، ووفّر إطارًا لوقف الأعمال العدائية وإدارة مرحلة ما بعد الصراع، إلا أن استمرار التوترات السياسية والأمنية كشف محدودية قدرة الاتفاق على معالجة القضايا الأكثر عمقًا. كما أن تزامن أزمة تيجراي مع صراعات وضغوط أمنية في أمهرة وأوروميا، وتصاعد التوتر في العلاقات الإثيوبية–الإريترية، والتحولات المرتبطة بأمن البحر الأحمر، أوجد بيئة أكثر تعقيدًا، باتت فيها الأزمة جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات الداخلية والإقليمية.

وفي هذا السياق، لا تبدو التطورات الراهنة في تيجراي مجرد امتداد خطي لحرب 2020 –2022، بل تطرح تساؤلات أوسع حول قدرة الدولة الإثيوبية على إدارة التعدد القومي، وضبط العلاقة بين المركز والأقاليم، والحفاظ على تماسكها في ظل تعدد بؤر التوتر وتغير البيئة الجيوسياسية المحيطة بها.

وتتمثل إشكالية الورقة في السؤال الرئيس الآتي: هل تمثل التوترات الجديدة في تيجراي انتكاسة مؤقتة لمسار السلام الذي أرساه اتفاق بريتوريا، أم أنها مؤشر على انتقال إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من إعادة إنتاج الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة وفي القرن الإفريقي؟

وتسعى الورقة إلى تحليل هذه الإشكالية من خلال ربط التطورات الداخلية في تيجراي بالتحولات الإقليمية والدولية المحيطة بها، وتقييم المسارات المحتملة للأزمة وانعكاساتها على استقرار الدولة الإثيوبية ومستقبل التوازنات في القرن الإفريقي.

 

منهجية الورقة وحدودها الزمنية:

تعتمد الورقة على منهج تحليل النظم الإقليمية ومنهج تقدير الموقف الإستراتيجي؛ بهدف تفسير التفاعل بين المتغيرات الداخلية في إثيوبيا والتحولات الجيوسياسية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويتيح منهج تحليل النظم الإقليمية دراسة تأثير البيئة المحيطة في مسار الأزمة، ورَصْد تفاعلات القوى الإقليمية والدولية، بينما يُستخدم منهج تقدير الموقف لتحليل الاتجاهات الراهنة، وتحديد المتغيرات المؤثرة، وبناء السيناريوهات المحتملة وفقًا لمؤشرات التصعيد والتهدئة.

وتُجرى الدراسة عبر ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى الداخلي، ويتناول تداعيات اتفاق بريتوريا، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، وتعدد الفاعلين المسلحين؛ والمستوى الإقليمي، ويركز على العلاقات الإثيوبية–الإريترية، وتداعيات الحرب في السودان، وتحولات أمن البحر الأحمر؛ والمستوى الدولي، ويبحث في تأثير تغير أولويات القوى الكبرى وحركة الفاعلين الدوليين في البيئة الإقليمية.

كما تستعين الورقة، بوصفها أدوات تفسيرية مساندة وليست إطارًا نظريًّا مستقلًا، بثلاثة مداخل تحليلية: عودة النزاع (Conflict Recurrence)، لتفسير احتمالات تجدد الصراع بعد اتفاقات السلام؛ والمعضلة الأمنية (Security Dilemma)، لفهم ديناميات انعدام الثقة والتنافس الأمني بين الفاعلين؛ وهشاشة الدولة (State Fragility)، لتحليل أثر ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة المسلحة في استقرار الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات.

وتغطي الورقة زمنيًّا الفترة الممتدة من توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 حتى التطورات الأمنية والسياسية خلال عام 2026. وتركز على تحليل الاتجاهات والمتغيرات المؤثرة في مسار الأزمة، وبناء السيناريوهات الأكثر احتمالًا، دون الادعاء بإمكانية التنبؤ الحتمي بمستقبل الصراع، إذ تظل السيناريوهات تقديرات مشروطة قابلة للتغير وفق تطور الوقائع ومواقف الفاعلين.

 

أولًا: من سلام بريتوريا إلى السلام الهشّ

مثّل اتفاق بريتوريا نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة الإثيوبية؛ فقد أوقف واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الإفريقية خلال العقد الأخير، وفتح المجال أمام وصول المساعدات الإنسانية، واستعادة بعض الخدمات الأساسية، وبدء عملية نزع السلاح وإعادة دمج القوات التابعة لجبهة تحرير شعب تيجراي. إلا أن الاتفاق ركز بصورة أساسية على وقف العمليات العسكرية، ولم يقدم إطارًا شاملًا لمعالجة الأسباب السياسية العميقة للصراع([1]).

وتتمثل المشكلة الرئيسية في أن السلام الذي أنتجه الاتفاق كان أقرب إلى سلام سلبي يقوم على وقف إطلاق النار، وليس سلامًا سياسيًّا مستدامًا يقوم على تسوية الخلافات المتعلقة بشكل الدولة وتوزيع السلطة. فقد بقي مستقبل الفيدرالية الإثنية موضع خلاف بين الحكومة الفيدرالية والقوى الإقليمية؛ إذ ترى أديس أبابا أن تعزيز المركز ضرورة لبناء دولة أكثر فاعلية، بينما تخشى الأقاليم من أن يؤدي ذلك إلى تراجع صلاحياتها السياسية والدستورية.

كما بقيت قضية غرب تيجراي إحدى أكثر الملفات حساسية؛ حيث استمر الخلاف حول وضع المنطقة التي أصبحت خلال الحرب محورًا للصراع بين قوى تيجراي وقوات مرتبطة بإقليم أمهرة. ولم يؤدِّ الاتفاق إلى تسوية نهائية لهذا الملف، الأمر الذي أبقى أحد أهم مصادر التوتر قائمًا([2]).

وإضافةً إلى ذلك، فإن عملية نزع السلاح وإعادة الدمج لم تُنهِ بالكامل وجود البنى العسكرية السابقة؛ فبينما فقدت جبهة تحرير شعب تيجراي جزءًا من قدراتها العسكرية الثقيلة، فإنها حافظت على كوادر ذات خبرة قتالية وشبكات اجتماعية داخل الإقليم. وفي المقابل، استمرت الدولة الإثيوبية في الاعتماد على أدوات أمنية وعسكرية متعددة لمواجهة تحديات داخلية أخرى.

ومِن ثَمّ، فإن اتفاق بريتوريا لم يفشل في إنهاء الحرب، لكنه لم ينجح في إزالة الأسباب التي تجعل العودة إلى الصراع احتمالًا قائمًا. فالمشكلة الأساسية لم تكن فقط في وجود مواجهة عسكرية، وإنما في استمرار الأزمة السياسية التي أنتجت هذه المواجهة.

 

ثانيًا: توقيت التصعيد والتحولات الجيوسياسية

لا يمكن تفسير عودة التوتر في تيجراي من خلال التطورات الميدانية وحدها؛ فاندلاع الصراعات لا يرتبط فقط بتراكم الخلافات، وإنما يحدث غالبًا عندما تتغير البيئة الإستراتيجية المحيطة بالصراع، بما يدفع الأطراف إلى إعادة تقييم تكلفة المواجهة مقارنة بتكلفة الاستمرار في التسوية. وفي الحالة الإثيوبية، فإن توقيت التصعيد يرتبط بتحولات داخلية وإقليمية ودولية أعادت تشكيل حسابات الفاعلين الرئيسيين.

فخلال حرب تيجراي الأولى (2020 –2022)، كانت الحكومة الإثيوبية تواجه مستوًى مرتفعًا من الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، نتيجة التقارير المتعلقة بالانتهاكات الإنسانية وعرقلة وصول المساعدات. وقد استخدمت واشنطن خلال تلك المرحلة أدوات ضغط اقتصادية وسياسية؛ من بينها: تعليق بعض برامج الدعم، وفرض قيود على بعض المسؤولين الإثيوبيين، إلى جانب الدفع باتجاه تسوية سياسية عبر الوساطة الإفريقية([3]).

إلا أن البيئة الدولية الراهنة تختلف بصورة واضحة؛ فقد انخفضت أولوية الملف الإثيوبي على أجندة القوى الغربية مقارنة بالأزمات الكبرى الأخرى، مثل الحرب الروسية–الأوكرانية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، والمنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. هذا التراجع النسبي في الاهتمام الدولي منح الحكومة الإثيوبية مساحة أكبر للمناورة، كما خفّض من احتمالات تعرضها لضغوط مشابهة لتلك التي واجهتها خلال الحرب السابقة.

ولقد نجحت أديس أبابا خلال السنوات الأخيرة في تنويع علاقاتها الخارجية، فلم تعد تعتمد على الشراكات الغربية فقط، بل عززت علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية متعددة، من بينها الصين وروسيا وتركيا ودول الخليج. وقد انعكس ذلك في قدرتها على الحصول على دعم سياسي واقتصادي، إضافة إلى تعزيز قدراتها العسكرية، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والاستطلاع والقدرات الاستخباراتية([4]).

وفي المقابل، شهدت البيئة الإقليمية المحيطة بإثيوبيا تحولات متسارعة أعادت تشكيل حسابات الفاعلين الرئيسيين، ولا سيما في ظل تنامي الأهمية الجيوسياسية للقرن الإفريقي وارتباط استقرار شمال إثيوبيا بالتوازنات الإقليمية الأوسع. وقد أضحت هذه التحولات عاملًا مؤثرًا في تقدير أديس أبابا لأولوياتها الأمنية، وفي إعادة تعريف طبيعة علاقاتها مع القوى المجاورة، خاصة إريتريا والسودان. غير أن أثر هذه المتغيرات في أزمة تيجراي يتطلب تحليلًا مستقلًا ضمن البعد الجيوسياسي للورقة.

1– إريتريا والتحول من حليف الحرب إلى منافس إستراتيجي

تمثل العلاقة الإثيوبية–الإريترية أحد أهم المفاتيح لفهم مستقبل أزمة تيجراي. فقد كانت إريتريا خلال حرب 2020 –2022 شريكًا رئيسيًّا للحكومة الإثيوبية في مواجهة جبهة تحرير شعب تيجراي، وأسهم تدخلها العسكري في تغيير ميزان القوى على الأرض لصالح القوات الحكومية وحلفائها([5]).

إلا أن مرحلة ما بعد الحرب كشفت عن تحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين البلدين. فالمصالح التي جمعت الطرفين خلال مواجهة تيجراي لم تعد كافية للحفاظ على مستوى التعاون السابق، خاصة مع اختلاف الرؤى حول مستقبل شمال إثيوبيا والبحر الأحمر. وتنظر أسمرة إلى أي احتمال لإعادة بناء قوة تيجراي العسكرية باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي؛ نظرًا للتاريخ الطويل من الصراع بين النظام الإريتري وجبهة تحرير شعب تيجراي. وفي الوقت نفسه، فإن ظهور إثيوبيا قوية قادرة على الوصول المستقل إلى البحر الأحمر قد يمثل تحديًا للمكانة الإقليمية لإريتريا، التي تعتمد بدرجة كبيرة على موقعها الجغرافي وموانئها.

أما أديس أبابا، فتنظر إلى استمرار النفوذ الإريتري في المناطق الحدودية باعتباره عاملًا يَحُدّ من قدرتها على إدارة ملف الشمال وفق رؤيتها الخاصة، خاصة مع تصاعد أهمية البحر الأحمر في إستراتيجيتها الخارجية. وبذلك، انتقلت العلاقة بين البلدين من تحالف تكتيكي فرضته ظروف الحرب إلى علاقة أكثر تعقيدًا تقوم على التنافس وإدارة المصالح المتعارضة.

2- السودان والجبهة الصامتة للأزمة الإثيوبية

رغم أن السودان لا يمثل طرفًا مباشرًا في صراع تيجراي الحالي، فإن الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 أضافت عنصرًا جديدًا من عدم الاستقرار إلى البيئة الأمنية المحيطة بإثيوبيا. فطول الحدود المشتركة بين البلدين، واستمرار الخلاف حول منطقة الفشقة، إلى جانب ضعف السيطرة الأمنية على أجزاء واسعة من الحدود، جعل المنطقة أكثر عرضة لحركة السلاح والمقاتلين والجماعات المسلحة. كما أن استمرار الحرب في السودان يقلل من قدرة الخرطوم على لعب دور فاعل في احتواء التوترات الحدودية([6]).

وتخشى أديس أبابا من أن يؤدي استمرار الفوضى السودانية إلى فتح مسارات جديدة للتهريب أو دعم بعض القوى المناوئة لها، بينما تخشى دول الإقليم من أن يؤدي تزامن الأزمات الإثيوبية والسودانية إلى خَلْق حزام عدم استقرار ممتدّ من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.

3- الصراع الحقيقي ليس على تيجراي فقط بل على شكل الدولة الإثيوبية

تكمن المعضلة الأساسية في أن اختزال الأزمة في كونها صراعًا بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي يُخفي طبيعة الخلاف الأعمق حول نموذج الدولة الإثيوبية. فالحكومة بقيادة آبي أحمد تسعى إلى بناء دولة مركزية أكثر تماسكًا، ترى أنها ضرورية للحفاظ على وحدة الدولة وتعزيز مكانتها الإقليمية. في المقابل، ترى قوى إقليمية عديدة أن هذا الاتجاه قد يؤدي إلى تقليص الصلاحيات التي منحها النظام الفيدرالي الإثني للأقاليم منذ دستور 1995.

وفي ضوء ذلك، لم يَعُد التساؤل الرئيس يتمحور حول احتمالات عودة الحرب في تيجراي بصورتها السابقة، بقدر ما يتعلق بقدرة الدولة الإثيوبية على احتواء أزماتها المتعددة ومنع تفاعلها مع التحولات الإقليمية من إنتاج حالة ممتدة من عدم الاستقرار. فالتصعيد الراهن هو نتاج تداخل ثلاثة مستويات: مستوى داخلي يرتبط بتعثر تنفيذ مخرجات اتفاق بريتوريا واستمرار أزمة العلاقة بين المركز والأقاليم؛ ومستوى إقليمي يتصل بتغيُّر العلاقات مع إريتريا وتداعيات الحرب السودانية؛ ومستوى دولي يعكس تراجع الضغوط الخارجية واتساع هامش الحركة أمام الفاعلين المحليين والإقليميين. أما البُعْد المتصل بالبحر الأحمر وتداعياته الجيوسياسية، فيُعالج تفصيلًا في الجزء الرابع من هذه الدراسة.

ثالثًا: اختلاف موازين القوى العسكرية

لا يمكن تقييم احتمالات تجدد الصراع في تيجراي من خلال حجم القوات أو القدرات العسكرية لكل طرف فقط، بل يجب النظر إلى طبيعة البيئة العملياتية التي ستجري فيها أيّ مواجهة محتملة. فالحرب المقبلة، إذا اندلعت، لن تكون نسخة مكررة من حرب 2020 –2022؛ لأن ميزان القوى تغيَّر، والفاعلين المسلحين ازداد عددهم، كما أن الدولة الإثيوبية أصبحت تواجه معادلة أمنية أكثر تعقيدًا من السابق. فخلال الحرب الأولى، كان الصراع يتمحور بصورة أساسية حول مواجهة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي، مع دعم إريتري وقوات من أمهرة للحكومة.

أما اليوم، فإن المشهد الأمني أصبح متعدد المراكز؛ حيث تواجه الحكومة الفيدرالية في الوقت نفسه تحديات في تيجراي وأمهرة وأوروميا، وهو ما يجعل أي قرار بالتصعيد العسكري محفوفًا بمخاطر الاستنزاف. وعليه، فإن السؤال العسكري الأساسي لم يعد: مَن يمتلك قوة عسكرية أكبر؟ وإنما: من يستطيع إدارة بيئة صراع متعددة الجبهات لفترة أطول؟

فلقد خرج الجيش الوطني الإثيوبي (ENDF) من حرب تيجراي الأولى بخبرة عملياتية كبيرة، لكنه خرج أيضًا من سنوات من القتال المستمر وهو يواجه تحديات تتعلق بإعادة التنظيم والاستنزاف البشري والمالي. فمن الناحية الإيجابية، تمكّن الجيش الإثيوبي خلال السنوات الأخيرة من تطوير عدد من القدرات النوعية، خاصةً في مجالات استخدام الطائرات المسيّرة المسلحة والاستطلاعية، وتحسين قدرات الاستخبارات والمراقبة الجوية، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات، وتعزيز التعاون العسكري مع شركاء خارجيين، واكتساب خبرات ميدانية في حرب غير تقليدية([7]).

وقد شكَّل إدخال الطائرات المسيّرة تحولًا مهمًّا في طبيعة العمليات العسكرية الإثيوبية؛ إذ أثبتت الحرب السابقة أن التفوق الجوي، حتى في صورته غير التقليدية، يمكن أن يؤثر بصورة كبيرة في قدرة الخصم على المناورة وإدارة خطوط الإمداد.

لكنّ هذه التطورات لا تعني أن الجيش الإثيوبي أصبح قادرًا على فرض حسم سريع؛ إذ يواجه ثلاث مشكلات رئيسية: أولًا: لم يَعُد يركز قواته في جبهة واحدة كما حدث عام 2020، بل أصبح مُطالبًا بالحفاظ على انتشار عسكري في شمال تيجراي وإقليم أمهرة وإقليم أوروميا والحدود مع السودان والمناطق القريبة من إريتريا. هذا الانتشار يؤدي إلى تقليل القدرة على تركيز قوة حاسمة في أيّ مواجهة، وهي مشكلة تعرف عسكريًّا بـ«توزيع القوة على جبهات متعددة».

ثانيًا: تأتي احتمالات تجدد الحرب في ظل وضع اقتصادي أكثر صعوبة؛ فإثيوبيا تواجه تحديات تتعلق بالديون الخارجية ونقص العملة الأجنبية وارتفاع تكاليف الإنفاق الأمني، وأي حرب طويلة في الشمال ستفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة، وقد تؤثر على قدرة الحكومة على تمويل مشاريعها التنموية والإقليمية، خاصةً مشروع تعزيز حضورها في البحر الأحمر.

ثالثًا: أحد أبرز التحولات منذ 2020 هو انتشار القوى المسلحة غير الحكومية والإقليمية؛ فلم تعد الدولة الإثيوبية تواجه تنظيمًا مسلحًا واحدًا، وإنما بيئة أمنية تضم ميليشيات إقليمية وتنظيمات مسلحة ذات أجندات مختلفة، وهو ما يجعل استخدام القوة العسكرية وحده غير كافٍ لإنتاج استقرار سياسي دائم([8]).

ولقد مثّلت جبهة تحرير شعب تيجراي خلال الحرب السابقة حالة استثنائية؛ إذ تمكنت، رغم تفوق الحكومة الفيدرالية وحلفائها في بداية الحرب، من إعادة تنظيم قواتها والانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وصولًا إلى تهديد العاصمة أديس أبابا في نهاية عام 2021. لكنّ الوضع الحالي مختلف بصورة كبيرة. فقد أدَّى اتفاق بريتوريا إلى تغييرات جوهرية في وضع الجبهة، أهمها فقدان جزء كبير من الأسلحة الثقيلة، وتراجع القدرة على شنّ عمليات هجومية واسعة، وضعف شبكات الإمداد العسكرية مقارنة بفترة الحرب، وظهور خلافات سياسية داخل القيادة([9]).

ومع ذلك، فإن اختزال قوة تيجراي في قدراتها العسكرية الحالية فقط يمثّل خطأ تحليليًّا؛ إذ ما تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، من بينها الخبرة القتالية المتراكمة، والمعرفة الدقيقة بطبيعة الأرض الجبلية، والقدرة على العمل في بيئة اجتماعية داعمة، وكوادر عسكرية ذات خبرة طويلة([10]) .ولهذا، فإن الإستراتيجية الأكثر ترجيحًا لجبهة تيجراي لن تكون العودة إلى الهجوم الواسع، وإنما تبني نمط الردع الدفاعي وحرب الاستنزاف. فالهدف الأساسي سيكون منع الحكومة من فرض سيطرة كاملة، ورفع تكلفة العمليات العسكرية، واستثمار البيئة الجغرافية، واستخدام الوقت كعامل ضغط سياسي. وبمعنى آخر، فإن تيجراي لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري كامل؛ يكفيها منع الحكومة من تحقيق حسم واضح.

كما تمثل قوات فانو أحد أهم المتغيرات التي تغير حسابات أيّ مواجهة جديدة في الشمال الإثيوبي. فخلال حرب 2020 –2022، كانت قوات أمهرة جزءًا أساسيًّا من التحالف المناهض لجبهة تحرير شعب تيجراي، لكن العلاقة بينها وبين الحكومة الفيدرالية تدهورت لاحقًا بسبب الخلافات حول مستقبل السلطة وترتيبات الأمن ومسألة المناطق المتنازع عليها. وتحولت فانو من تشكيلات محلية إلى قوة مسلحة ذات قدرة على تنفيذ عمليات في مناطق واسعة من أمهرة، وعرقلة حركة القوات الحكومية، واستنزاف وحدات الجيش، وفرض تكلفة سياسية وأمنية على الحكومة([11]).

وتكمن أهمية فانو في أنها تخلق معضلة إستراتيجية للحكومة الإثيوبية؛ فحتى إذا قررت التركيز على تيجراي، فإن استمرار التمرد في أمهرة يجعل أي انتصار شمالي غير كافٍ لتحقيق الاستقرار الداخلي؛ ولهذا، فإن فانو تمثل أحد أهم الأسباب التي تجعل أي حرب جديدة في تيجراي أكثر تعقيدًا من الحرب السابقة ([12]).

ورغم أن جيش تحرير أورومو (OLA) لا يرتبط مباشرة بصراع تيجراي، فإن وجوده يمثل عاملًا مهمًّا في الحسابات العسكرية للحكومة الإثيوبية. فإقليم أوروميا يمثل أهمية إستراتيجية خاصة من حيث عدد السكان والقرب من العاصمة أديس أبابا والأهمية الاقتصادية. ويجبر استمرار نشاط التنظيم الحكومة على الإبقاء على قوات كبيرة في وسط البلاد، وهو ما يقلل من قدرتها على نقل قوات إضافية إلى الشمال([13]). ومن منظور عسكري، فإن أهمية جيش تحرير أورومو لا تكمن فقط في قدرته القتالية، وإنما في تأثيره على توزيع الموارد العسكرية للدولة.

ويبقى الدور الإريتري أحد أكثر العوامل حساسية في أيّ تقدير لمستقبل تيجراي. فخلال الحرب السابقة، كان التدخل الإريتري عاملًا حاسمًا في تغيير ميزان القوى، لكن الظروف الحالية أكثر تعقيدًا. فإريتريا تواجه معادلة مزدوجة: من جهة لا ترغب في عودة تيجراي قوة عسكرية كبيرة على حدودها، ومن جهة أخرى لا تريد ظهور إثيوبيا قوية قادرة على فرض نفوذ واسع على البحر الأحمر. لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس التدخل العسكري المباشر الفوري، وإنما تعزيز الوجود العسكري على الحدود واستخدام أدوات سياسية وأمنية غير مباشرة ومراقبة تطورات تيجراي وأديس أبابا. لكن أيّ تغير في العلاقة الإثيوبية–الإريترية قد يحول الأزمة الداخلية إلى أزمة إقليمية ([14]).

ويعتبر أحد أهم الدروس العسكرية من حرب تيجراي الأولى هو الدور المتزايد للتكنولوجيا العسكرية منخفضة التكلفة، خاصة الطائرات المسيّرة. وقد ساعدت المسيّرات الجيش الإثيوبي على استهداف مواقع القيادة وضرب خطوط الإمداد وجمع المعلومات وتقليل مخاطر العمليات الجوية التقليدية. لكن الاعتماد عليها له حدود؛ فالجغرافيا الجبلية في تيجراي وانتشار القوات وطبيعة الحرب غير النظامية تجعل السيطرة على الأرض تتطلب قوات برية قادرة على الاحتفاظ بالمناطق. ومِن ثَمّ، فإن المسيّرات تمنح الحكومة أفضلية تكتيكية، لكنها لا توفر وحدها حلًّا إستراتيجيًّا.

وتكشف المقارنة بين الأطراف أن ميزان القوى الحالي يميل نسبيًّا لصالح الحكومة الفيدرالية من حيث الموارد والقوة الجوية والمؤسسات الرسمية والقدرة اللوجستية. لكن هذا التفوق يواجه قيودًا مهمة تتمثل في تعدد الجبهات والاستنزاف الاقتصادي وصعوبة فرض تسوية سياسية بالقوة. أما جبهة تيجراي، فعلى الرغم من تراجع قدراتها، فإنها تمتلك عناصر تسمح لها بالصمود ورفع تكلفة الحرب. وبالتالي، فإن أيّ مواجهة جديدة ستكون أقرب إلى حرب استنزاف متعددة الأطراف وليست حملة عسكرية خاطفة. والتحدي الحقيقي أمام الدولة الإثيوبية لا يتمثل في قدرتها على هزيمة تيجراي عسكريًّا، وإنما في قدرتها على منع تحول تعدُّد الصراعات إلى أزمة استنزاف إستراتيجي طويلة المدى([15]).

 

رابعًا: تيجراي في معادلة البحر الأحمر

يمثل اختزال أزمة تيجراي في كونها صراعًا داخليًّا بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي قراءة قاصرة لطبيعة التحولات التي شهدتها إثيوبيا والقرن الإفريقي خلال السنوات الأخيرة. فالإقليم لم يعد مجرد ساحة صراع بين فاعلين محليين، بل أصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية أوسع ترتبط بمستقبل البحر الأحمر، وتنافس القوى الإقليمية والدولية على الممرات البحرية، وإعادة تعريف موقع إثيوبيا في النظام الإقليمي. فمنذ استقلال إريتريا عام 1993، فقدت إثيوبيا منفذها البحري المباشر، وتحولت إلى أكبر دولة غير ساحلية من حيث عدد السكان في العالم. ومنذ ذلك التاريخ، اعتمد الاقتصاد الإثيوبي بصورة أساسية على موانئ جيبوتي التي تستقبل النسبة الأكبر من التجارة الخارجية الإثيوبية. ورغم نجاح هذا النموذج في توفير منفذ تجاري مستقر، فإن النخبة الإثيوبية ظلت تنظر إلى غياب الوصول المباشر إلى البحر باعتباره قيدًا إستراتيجيًّا يَحُدّ من قدرة البلاد على ممارسة دور يتناسب مع وزنها الجغرافي والديموغرافي([16]).

ومن هنا، اكتسب ملف البحر الأحمر أهمية متزايدة في خطاب الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث لم يعد مرتبطًا فقط بالاقتصاد والتجارة، وإنما أصبح جزءًا من تصور أوسع للأمن القومي الإثيوبي. وقد انعكس ذلك في تحركات أديس أبابا للحصول على موطئ قدم بحري، سواء عبر تعزيز العلاقات مع جيبوتي، أو الانفتاح على موانئ إقليمية، أو توقيع مذكرة التفاهم مع أرض الصومال في يناير 2024. هذا التحول جعل شمال إثيوبيا، وبالأخص إقليم تيجراي، جزءًا من الحسابات البحرية الإثيوبية؛ فالإقليم يقع في منطقة جغرافية حساسة تربط المرتفعات الإثيوبية بالحدود الإريترية، ويؤثر استقراره بصورة مباشرة على قدرة الدولة على التركيز على أهدافها الإقليمية بدلًا من استنزاف مواردها في صراعات داخلية([17]).

وتتمثل أهمية تيجراي في أنها تجمع بين ثلاثة مستويات متداخلة. فعلى المستوى الأمني، يمثل الإقليم منطقة تماس مباشر مع إريتريا التي خاضت معها إثيوبيا حربًا حدودية بين عامي 1998 و2000، وظلت العلاقة بين البلدين محكومة بدرجة عالية من عدم الثقة رغم اتفاق السلام عام 2018. وعلى المستوى السياسي، تمثل تيجراي أحد أهم مراكز القوة التاريخية داخل الدولة الإثيوبية، وكانت جبهة تحرير شعب تيجراي القوة المهيمنة داخل الائتلاف الحاكم السابق لعقود قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة. أما على المستوى الجيوسياسي، فإن استقرار الإقليم يؤثر على قدرة إثيوبيا على إدارة علاقتها مع إريتريا وعلى التحرك باتجاه البحر الأحمر. ولهذا، فإن أيّ عودة للصراع في تيجراي لا تعني فقط أزمة داخلية، وإنما تهديدًا لأحد المسارات الأساسية التي تعتمد عليها إثيوبيا لإعادة تعريف مكانتها الإقليمية([18]).

وتظل إريتريا العامل الأكثر تأثيرًا في الربط بين أزمة تيجراي والتحولات الإقليمية. فمن منظور أسمرة، فإن وجود قوة تيجراي عسكرية قوية على حدودها يمثل تهديدًا أمنيًّا مباشرًا، خاصةً بالنظر إلى التاريخ الطويل من العداء مع جبهة تحرير شعب تيجراي. ولذلك دعمت إريتريا الحكومة الإثيوبية خلال حرب 2020 –2022 باعتبارها فرصة لإضعاف خصم تاريخي. لكن انتهاء الحرب خلق وضعًا جديدًا؛ فالمصلحة الإريترية لم تعد متطابقة بالكامل مع مصلحة أديس أبابا. فإثيوبيا تسعى إلى استعادة دور إقليمي أكبر والحصول على منفذ بحري وتقليل الاعتماد على ترتيبات خارجية، بينما تسعى إريتريا إلى الحفاظ على استقلال قرارها البحري ومنع ظهور قوة إثيوبية مهيمنة على البحر الأحمر والاحتفاظ بدور أمني مؤثر في شمال إثيوبيا. ومِن ثَمّ، فإن أسمرة قد تجد نفسها أمام خيار معقد؛ فهي لا ترغب في عودة تيجراي كقوة عسكرية تهددها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تحول إثيوبيا إلى قوة بحرية قادرة على تغيير ميزان القوى الإقليمي. وهذا يفسّر اعتماد إريتريا على سياسة دقيقة تقوم على منع انتصار أيّ طرف بصورة كاملة، بحيث يبقى التوازن القائم محافظًا على مصالحها([19]).

وتمثل جيبوتي حالة مختلفة في المعادلة البحرية الإثيوبية. فهي منذ عام 1998 أصبحت المنفذ الرئيسي للتجارة الإثيوبية، واستثمرت بصورة كبيرة في بناء شبكة من البنية التحتية والموانئ المرتبطة بالاقتصاد الإثيوبي. لكن الطموح الإثيوبي لتنويع منافذه البحرية لا يعني بالضرورة التخلي عن جيبوتي، وإنما يعكس رغبة في تقليل الاعتماد على مسار واحد. ومن منظور جيبوتي، فإن أي تحرك إثيوبي نحو موانئ بديلة يجب أن يتم دون الإضرار بمكانتها الاقتصادية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدور الذي تلعبه في خدمة الاقتصاد الإثيوبي. ولهذا، فإن مستقبل العلاقة بين البلدين سيتحدد بمدى قدرة الطرفين على تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والمخاوف الجيوسياسية.

كما يمثل السودان حلقة مهمة في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة، وإنما بسبب موقعه الجغرافي المُطِلّ على البحر الأحمر. فاستمرار الحرب السودانية أدَّى إلى ضعف الرقابة الحدودية وزيادة احتمالات تهريب السلاح وتعقيد ملف الفشقة وخلق بيئة أمنية غير مستقرة. وفي حال استمرار التوتر الإثيوبي الداخلي، فإن هشاشة الوضع السوداني قد تتحول إلى عامل مضاعف للمخاطر، خاصة إذا أصبحت الحدود مجالًا لحركة جماعات مسلحة أو أدوات نفوذ إقليمية. كما أن أي تغير في وضع الموانئ السودانية أو السيطرة على ساحل البحر الأحمر السوداني قد يؤثر على حسابات إثيوبيا المتعلقة بالوصول البحري.

ولا تتحرّك القوى الإقليمية في القرن الإفريقي وفق منطق دعم طرف سياسي محدد بقدر ما تتحرك وفق حسابات المصالح. فالإمارات تنظر إلى القرن الإفريقي باعتباره امتدادًا لأمنها البحري وشبكة مصالحها التجارية المرتبطة بالموانئ وسلاسل الإمداد، ولذلك تركز على استقرار الممرات البحرية ومنع تحول المنطقة إلى بؤرة اضطراب تهدّد التجارة الدولية. وتسعى تركيا إلى الحفاظ على حضور متوازن في القرن الإفريقي، خاصة عبر الصومال، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى الأخرى الموجودة في المنطقة. أما مصر فتنظر إلى التطورات الإثيوبية من زاويتين مترابطتين: تأثيرها على توازنات البحر الأحمر، وانعكاسها على ملف النيل والعلاقات المصرية–الإثيوبية. ومِن ثَمّ، فإن أيّ عدم استقرار طويل داخل إثيوبيا يمثل تحديًا إقليميًّا لمصر، رغم اختلاف تقييمات الطرفين حول عدد من الملفات. وترى السعودية أن استقرار الضفة الإفريقية للبحر الأحمر يمثل عنصرًا أساسيًّا لأمن الملاحة والمشروعات الاقتصادية المرتبطة بالبحر الأحمر وخليج عدن([20]).

لم تعد منطقة القرن الإفريقي مجرد مساحة صراعات محلية، بل أصبحت جزءًا من المنافسة الدولية على طرق التجارة والطاقة والنفوذ. فالولايات المتحدة تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة محورية في شرق إفريقيا، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى منع انهيارها الأمني أو توسع نفوذ منافسين مثل روسيا والصين. وتركز الصين على حماية استثماراتها في البنية التحتية والطرق والطاقة، خاصة تلك المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. أما روسيا فتسعى إلى تعزيز حضورها الإفريقي عبر شراكات سياسية وأمنية، وترى في إثيوبيا دولة ذات أهمية إستراتيجية بسبب موقعها وحجمها. وبالتالي، فإن أي تصعيد واسع في تيجراي لن يبقى محصورًا داخل الحدود الإثيوبية، بل سيكون له تأثير مباشر على توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

لذا تكشف المعادلة الجيوسياسية أن تيجراي لم تعد مجرد إقليم متنازع عليه، وإنما أصبحت نقطة تقاطع بين ثلاثة مشاريع متنافسة: مشروع إثيوبيا لإعادة بناء الدولة وتعزيز مكانتها البحرية، ومشروع القوى الإقليمية للحفاظ على توازن البحر الأحمر، ومشروع القوى الدولية لمنع تحول القرن الإفريقي إلى مجال نفوذ حصري لقوة منافسة. ولهذا، فإن أي حرب جديدة في تيجراي ستكون لها تداعيات تتجاوز حدود الإقليم؛ لأنها ستؤثر على مستقبل الدولة الإثيوبية وعلى شكل النظام الأمني في القرن الإفريقي ([21]).

 

خامسًا: الإطار التحليلي للأزمة والسيناريوهات المستقبلية

تتطلب الأزمة الإثيوبية الراهنة تجاوز القراءة التي تختزل التطورات في سؤال: هل ستعود حرب تيجراي أم لا؟ إذ يفترض هذا السؤال أن التوتر الحالي يمثل امتدادًا مباشرًا للحرب السابقة، بينما تشير المؤشرات السياسية والأمنية إلى انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها تداعيات اتفاق بريتوريا مع أزمة العلاقة بين المركز والأقاليم، وتعدد بؤر الصراع الداخلي، والتحولات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا.

ويمثل مفهوم «عودة النزاع» (Conflict Recurrence) مدخلًا مناسبًا لتفسير جانب رئيس من هذه الحالة؛ إذ يشير إلى أن بعض اتفاقات السلام تنجح في وقف العنف المسلح دون أن تعالج الأسباب البنيوية التي أنتجت الصراع. وفي هذه الحالات، لا ينتهي النزاع بصورة نهائية، بل ينتقل من المواجهة المفتوحة إلى حالة من التوتر الكامن، يمكن أن تتجدد عند تغير موازين القوة أو البيئة السياسية أو تعثر ترتيبات ما بعد الحرب([22]).  

وينطبق هذا المدخل على الحالة الإثيوبية؛ إذ نجح اتفاق بريتوريا في وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يحسم القضايا المرتبطة بطبيعة الدولة، وحدود سلطة المركز، ومستقبل الفيدرالية الإثنية، ووضع المناطق المتنازع عليها. ومِن ثَمّ، لا يقتصر الخطر الراهن على احتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة، بل يتمثل أيضًا في استمرار دورة من التسويات غير المكتملة، والتوترات المتجددة، واختبار موازين القوة، والتصعيد التدريجي، بما يعكس أزمة أوسع في نموذج بناء الدولة الإثيوبية ([23]).

ويساعد مفهوم “المعضلة الأمنية” (Security Dilemma) في تفسير استمرار التوتر بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي. فمن منظور الحكومة الفيدرالية، قد يُنظر إلى استمرار القدرات العسكرية والتنظيمية داخل الإقليم باعتباره تحديًا لاحتكار الدولة لاستخدام القوة ومصدرًا محتملًا لعودة التمرد؛ ولذلك يُقدَّم تعزيز الوجود الأمني في الشمال بوصفه إجراءً دفاعيًّا يهدف إلى حماية وحدة الدولة. غير أن تيجراي قد تنظر إلى الإجراءات نفسها باعتبارها محاولة لتقليص صلاحيات الإقليم وتعزيز السيطرة المركزية. وهكذا، يتحول ما يراه طرف إجراءً دفاعيًّا إلى مصدر تهديد في نظر الطرف الآخر، بما يزيد احتمالات سوء التقدير والتصعيد حتى في غياب قرار مسبق باللجوء إلى الحرب. وتتعمق هذه المعضلة بفعل ضعف الثقة المتبادل، وإرث الحرب السابقة، وعدم اكتمال مسارات العدالة الانتقالية والمصالحة السياسية([24]).

أما مفهوم “هشاشة الدولة“(State Fragility) ، فيُستخدم هنا بمعناه المرتبط بتراجع قدرة الدولة على إدارة التعدد الإثني، واحتواء النزاعات عبر المؤسسات، وتحقيق توافق سياسي مستقر حول قواعد الحكم، وضمان احتكار استخدام القوة على امتداد أراضيها. ولا يعني ذلك أن الدولة الإثيوبية في حالة انهيار؛ فهي ما تزال تمتلك مؤسسات مركزية وجيشًا نظاميًّا وقدرات اقتصادية وإدارية مؤثرة إقليميًّا. غير أن تعدد الفاعلين المسلحين وتزامن الأزمات في تيجراي وأمهرة وأوروميا، إلى جانب الضغوط الحدودية والإقليمية، يحد من قدرة الحكومة على تركيز مواردها في جبهة واحدة، ويُنتج ما يمكن وصفه بـأزمة الدولة متعددة الجبهات؛ حيث تتداخل التحديات الأمنية والسياسية وتزداد كلفة إدارتها في وقت واحد([25]).

وتُستخدم هذه المداخل الثلاثة بصورة تكاملية في تحليل الأزمة: إذ يفسر مفهوم عودة النزاع استمرار قابلية الصراع بعد اتفاق بريتوريا، وتفسر المعضلة الأمنية آليات إعادة إنتاج التوتر بين الأطراف، بينما يوضح مفهوم هشاشة الدولة السياق البنيوي الذي يسمح بتعدد الأزمات وتداخلها. ومِن ثَمّ، لا تُقرأ التطورات الراهنة بوصفها مجرد احتمال لعودة الحرب السابقة، بل باعتبارها مؤشرًا على أزمة أوسع تتعلق بقدرة الدولة الإثيوبية على إنتاج تسوية سياسية مستدامة وإدارة التوازن بين المركز والأقاليم.

السيناريوهات المستقبلية للأزمة

  • السيناريو الأول: احتواء التصعيد واستمرار السلام الهشّ

يفترض هذا السيناريو قدرة الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي على احتواء التوترات الحالية ومنع انزلاقها إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق، بحيث تبقى الاشتباكات ـإن استمرت ـ في نطاق محدود جغرافيًّا وعملياتيًّا. ويقوم هذا المسار على إدراك الطرفين أن العودة إلى حرب شاملة ستكون ذات تكلفة مرتفعة، في ظل الظروف الداخلية المعقدة التي تواجهها إثيوبيا، وعدم امتلاك أي طرف القدرة على تحقيق انتصار حاسم يفرض من خلاله شروطه السياسية والعسكرية على الطرف الآخر.

وفي إطار هذا السيناريو، ستستمر حالة يمكن وصفها بـ”الردع المتبادل”؛ حيث يحافظ كل طرف على قدراته العسكرية ويعمل على تحسين موقعه التفاوضي، دون الانتقال إلى مرحلة المواجهة المفتوحة. وقد يترافق ذلك مع عودة محدودة لدور الاتحاد الإفريقي أو بعض الوسطاء الإقليميين، وإعادة تنشيط بعض آليات اتفاق بريتوريا، إلى جانب استمرار الاتصالات غير المباشرة بين الحكومة الفيدرالية وقيادات تيغراي بهدف إدارة الخلافات بدلًا من حلها بصورة نهائية.

ورغم أن هذا السيناريو يعد الأقل تكلفة على جميع الأطراف، فإن نقطة ضعفه الأساسية تتمثل في أنه لا يعالج الأسباب البنيوية للصراع، وإنما يعيد إنتاج حالة مؤقتة من الاستقرار الهشّ، تبقى قابلة للانهيار عند حدوث أيّ تغيُّر في موازين القوى أو تصاعد الخلافات حول القضايا العالقة، خاصة وضع المناطق المتنازَع عليها، ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم.

ويُرجح تحقق هذا السيناريو في حال استمرار توقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، والحفاظ على قنوات الاتصال السياسية، وعدم حدوث تدخل عسكري إريتري مباشر، وانخفاض مستويات الحشد العسكري في شمال إثيوبيا، مع استمرار تنفيذ بعض بنود اتفاق بريتوريا ولو بصورة جزئية.

  • السيناريو الثاني: حرب استنزاف محدودة في شمال إثيوبيا

يقوم هذا السيناريو على توسع نطاق المواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوى تيغراي، ولكن دون الوصول إلى مستوى الحرب الشاملة التي شهدتها البلاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2022. ووفق هذا المسار، قد تتحول المنطقة الشمالية إلى مسرح لعمليات عسكرية متقطعة تهدف بصورة أساسية إلى تحسين المواقع التفاوضية للأطراف أكثر من السعي لتحقيق حسم عسكري كامل.

وفي هذه الحالة، ستعتمد الحكومة الإثيوبية على عناصر تفوقها النسبي، خاصة القوة الجوية، واستخدام الطائرات المسيّرة، والقدرة على توظيف مؤسسات الدولة والضغط الاقتصادي والسياسي على الخصوم. وفي المقابل، ستعتمد جبهة تيغراي على طبيعة الإقليم الجغرافية، خاصة التضاريس الجبلية، وعلى قدراتها في العمليات الدفاعية وحرب الاستنزاف، بهدف منع القوات الحكومية من تحقيق انتصار سريع ورفع تكلفة العمليات العسكرية عليها.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في إمكانية تحوله إلى صراع طويل الأمد يستنزف الدولة الإثيوبية، خصوصًا إذا تزامن مع استمرار المواجهات في إقليم أمهرة ضد قوات فانو، أو استمرار نشاط جيش تحرير أورومو في أوروميا. ففي هذه الحالة، قد تحقق القوات الحكومية مكاسب ميدانية محدودة، لكنها قد تواجه صعوبة في تحويل هذه المكاسب إلى استقرار سياسي وأمني دائم.

ويرتبط تحقق هذا السيناريو بعدة مؤشرات، أبرزها زيادة العمليات العسكرية في شمال تيغراي، وتصاعد الاعتماد على الطائرات المسيّرة، وبدء عمليات تعبئة عسكرية جديدة، وارتفاع أعداد النازحين، فضلًا عن توقف تنفيذ اتفاق بريتوريا بصورة عملية وتحوله إلى إطار شكلي غير قادر على ضبط العلاقات بين الأطراف.

  • السيناريو الثالث: حرب إقليمية متعددة الأطراف

يمثل هذا السيناريو المسار الأكثر خطورة؛ حيث تنتقل الأزمة من كونها صراعًا داخليًّا إثيوبيًّا إلى مواجهة ذات أبعاد إقليمية، خاصة إذا دخلت إريتريا بصورة مباشرة أو غير مباشرة على خط المواجهة، أو إذا تزامنت الأزمة في تيغراي مع تصاعد الخلافات بين أديس أبابا وأسمرة.

ويفترض هذا السيناريو انهيارًا كاملًا لترتيبات اتفاق بريتوريا، وتصاعدًا حادًّا في التوتر الإثيوبي–الإريتري، واتساع رقعة المواجهات المسلحة داخل الأقاليم الإثيوبية الأخرى، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل طبيعة الصراع وتحوله من مواجهة محدودة إلى أزمة أمن إقليمي.

وفي حال تحقق هذا المسار، لن تصبح تيغراي مجرد ساحة صراع داخلية، بل ستتحول إلى نقطة اشتباك تؤثر بصورة مباشرة في أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، ومشروعات النقل والطاقة، وتوازنات القوى بين الدول الفاعلة في القرن الإفريقي.

ويرتبط تحقق هذا السيناريو بظهور مجموعة من المؤشرات؛ أهمها: حدوث تحركات عسكرية إريترية واسعة، أو إعلان إجراءات تعبئة استثنائية، أو إغلاق الحدود، أو تصاعد الخطاب العدائي الرسمي بين أديس أبابا وأسمرة، إلى جانب دخول قوى إقليمية أو دولية بصورة أكثر مباشرة في إدارة الصراع.

سادسًا: تقدير الموقف النهائي

  • تيجراي واختبار لمستقبل الدولة الإثيوبية

تشير القراءة المجمعة للتطورات السياسية والأمنية في شمال إثيوبيا إلى أن الأزمة الراهنة تتجاوز حدود احتمال العودة إلى حرب تيجراي بصورتها التي شهدتها البلاد خلال الفترة 2020 –2022. فالتوترات الحالية لا تنفصل عن أزمة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة الإثيوبية، وحدود العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، ومستقبل الفيدرالية الإثنية، وقدرة النظام السياسي على إدارة التعدد القومي والمناطقي ضمن إطار مؤسسي مستقر.

وقد نجح اتفاق بريتوريا في وقف العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يُنتج تسوية سياسية مكتملة تعالج القضايا التي أسهمت في اندلاع الصراع. ولذلك، ظل الاتفاق إطارًا فعالًا لمنع الحرب الشاملة، لكنه لم يتحول إلى أساس كافٍ لبناء سلام مستدام. ويُفسر ذلك استمرار حالة من التوتر الكامن، تسمح بعودة الاشتباكات المحدودة أو بتصاعد الضغوط السياسية والعسكرية كلما تعثرت ترتيبات ما بعد الحرب أو تغيرت حسابات الأطراف.

وتزداد خطورة الأزمة بسبب تزامنها مع تعدُّد بؤر التوتر داخل الدولة. فالحكومة الفيدرالية لا تتعامل مع أزمة تيجراي بمعزل عن التحديات الأمنية في أمهرة وأوروميا، أو عن الضغوط الاقتصادية والمؤسسية التي تواجهها الدولة. ويؤدي هذا التداخل إلى تقييد قدرة الحكومة على تركيز مواردها في جبهة واحدة، كما يرفع احتمالات تحول الأزمات المحلية المنفصلة إلى حالة استنزاف إستراتيجي ممتدة.

  • التقدير العام لموازين القوى

لا تشير المعطيات الحالية إلى امتلاك أيّ من الأطراف القدرة على تحقيق حسم عسكري سريع ومنخفض التكلفة. فالحكومة الفيدرالية تحتفظ بتفوق نسبي من حيث المؤسسات والموارد والقدرات النظامية، إلا أن هذا التفوق تحده تعدّد الجبهات، واتساع الالتزامات الأمنية، والضغوط الاقتصادية، وصعوبة تحويل المكاسب العسكرية إلى استقرار سياسي دائم.

وفي المقابل، تراجعت قدرات جبهة تحرير شعب تيجراي مقارنة بمرحلة الحرب السابقة، لكنها ما تزال تمتلك من الخبرة التنظيمية والمعرفة الجغرافية والقدرة الدفاعية ما يسمح لها برفع تكلفة أي مواجهة ومنع تحقيق حسم سريع. وبذلك، يميل ميزان القوى إلى إنتاج حالة من الردع غير المتكافئ؛ إذ يمتلك المركز قدرة أكبر على استخدام القوة، بينما تمتلك القوى الإقليمية قدرة على الصمود والاستنزاف وتعطيل الحسم.

وعليه، فإن التقدير العسكري لا يرجح اندلاع حرب شاملة في المدى القريب، لكنه لا يستبعد استمرار الاحتكاكات المحدودة أو تصاعدها بصورة تدريجية إذا تراجعت قنوات الاتصال أو انهارت ترتيبات اتفاق بريتوريا.

  • البُعْد الإقليمي بوصفه عاملًا مضاعفًا للمخاطر

تؤكد التحولات الإقليمية أن أزمة تيجراي لم تعد قضية داخلية معزولة، بل أصبحت جزءًا من بيئة أمنية أكثر تعقيدًا في القرن الإفريقي. وقد أظهر تحليل الورقة أن التوتر في العلاقات الإثيوبية–الإريترية، واستمرار الحرب في السودان، والتنافس المرتبط بالممرات والموانئ، تشكل عوامل تؤثر في حسابات الأطراف وتزيد من احتمالات انتقال الأزمة من نطاقها الداخلي إلى مستوى إقليمي أوسع.

ولا تمثل هذه المتغيرات أسبابًا مباشرة لتجدُّد الصراع، لكنها تعمل بوصفها عوامل مضاعفة للمخاطر؛ إذ يمكن أن تدفع الأطراف إلى إعادة تقييم موازين القوة، أو توسيع تحالفاتها، أو اتخاذ إجراءات أمنية ترفع من احتمالات سوء التقدير والتصعيد غير المقصود.

وفي هذا الإطار، يظل استقرار شمال إثيوبيا عنصرًا مهمًّا في الحفاظ على توازنات القرن الإفريقي، بينما قد يؤدي اتساع الصراع إلى زيادة هشاشة البيئة الإقليمية وتعقيد ملفات الأمن والحدود والتعاون الاقتصادي. أما التحليل التفصيلي للبعد المرتبط بالبحر الأحمر، فقد تناولته الورقة في الجزء الرابع، ولا يستدعي إعادة عرضه هنا.

  • السيناريو المرجّح ومؤشرات التحوّل

استنادًا إلى توازنات القوى الداخلية، ومستوى المخاطر الإقليمية، وطبيعة ترتيبات ما بعد اتفاق بريتوريا؛ فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال المدى القريب يتمثل في استمرار حالة «السلام الهش» أو «اللا حرب واللا سلام». ويقوم هذا السيناريو على استمرار الردع المتبادل، واحتواء التوترات ضمن مستويات محدودة، والمحافظة على قنوات اتصال تمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، من دون الوصول إلى تسوية سياسية نهائية.

ويستند ترجيح هذا المسار إلى إدراك الأطراف أن الحرب الشاملة ستفرض تكاليف عسكرية واقتصادية وسياسية مرتفعة، وأن أي طرف لا يمتلك ضمانة كافية لتحقيق حسم سريع أو تحويل المكاسب الميدانية إلى استقرار دائم. غير أن استمرار هذا الوضع لا يعني استقرارًا مستدامًا؛ إذ قد يتحول إلى مرحلة انتقالية نحو تصعيد أوسع.

وفي المقابل، يمكن تعزيز مسار الاحتواء إذا استُؤنفت آليات تنفيذ الاتفاق، وتقدمت تسوية القضايا العالقة، واستمرت قنوات الاتصال السياسية، وتراجعت مستويات الحشد العسكري، مع تفعيل دور إفريقي وإقليمي داعم لمنع التصعيد.

التوصيات الإستراتيجية

  • على المستوى الإثيوبي

تحتاج الحكومة الفيدرالية إلى الانتقال من إدارة الأزمات الأمنية إلى معالجة أسبابها السياسية والمؤسسية. فالمقاربة العسكرية قد تَحُد من التهديدات في المدى القصير، لكنها لن توفر استقرارًا دائمًا ما لم تُدعَم بتسوية واضحة للعلاقة بين المركز والأقاليم، ومعالجة وضع المناطق المتنازع عليها، واستكمال ترتيبات نزع السلاح وإعادة الدمج ضمن إطار وطني متوافق عليه.

كما يتطلب الحفاظ على اتفاق بريتوريا إعادة تفعيل آليات المتابعة والتنفيذ، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء إجراءات عملية لتعزيز الثقة. وينبغي أن يُنظَر إلى الاتفاق باعتباره إطارًا قابلًا للتطوير، لا مجرد ترتيبات مؤقتة لوقف القتال.

ب- على المستوى الإقليمي

يتطلب منع انتقال الأزمة إلى نطاق أوسع تعزيز دور الاتحاد الإفريقي في المتابعة والإنذار المبكر، ودعم قنوات الحوار بين الأطراف الإثيوبية، مع تشجيع ترتيبات إقليمية تَحُدّ من احتمالات سوء التقدير أو التدخلات التي قد تؤدي إلى توسيع الصراع.

كما ينبغي إدارة التنافس الإقليمي في القرن الإفريقي عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية تقلل احتمالات تحول الخلافات المتعلقة بالموانئ والممرات والنفوذ إلى صدامات أمنية، مع الحفاظ على استقرار المنطقة بوصفه مصلحة مشتركة للدول الإقليمية.

الخلاصة التقديرية

لا تقف إثيوبيا أمام عودة حتمية إلى حرب تيجراي، لكنها تواجه خطر استمرار دورة من التوتر الكامن، والردع المتبادل، والتصعيد المحدود في ظل غياب تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة. ويظل السيناريو الأكثر احتمالًا في المدى القريب هو استمرار حالة «السلام الهشّ»، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة إذا تداخل تعثر مسار بريتوريا مع اتساع الأزمات الداخلية وتفاقم التوترات الإقليمية.

وعليه، فإن مستقبل الأزمة لن يتحدد بقدرة أيّ طرف على تحقيق تفوق عسكري مؤقت، بل بقدرة الدولة الإثيوبية على إعادة بناء توافق سياسي حول قواعد العلاقة بين المركز والأقاليم، وتحويل وقف الحرب من ترتيب أمني مؤقت إلى تسوية مؤسسية قابلة للاستمرار.

إن التحدي الإستراتيجي الحقيقي أمام إثيوبيا لا يتمثل في استعادة السيطرة على إقليم بعينه، وإنما في منع تفاعل أزماتها الداخلية مع ضغوط البيئة الإقليمية من تحويل الدولة إلى ساحة استنزاف متعددة الجبهات. ومِن ثَمّ، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيُقاس بقدرة أديس أبابا والقوى الإقليمية على الانتقال من إدارة التوتر إلى بناء توازن سياسي وأمني أكثر استقرارًا.

——————————————–

 ([1]) African Union. Agreement for Lasting Peace through a Permanent Cessation of Hostilities between the Government of the Federal Democratic Republic of Ethiopia and the Tigray People’s Liberation Front (TPLF). Pretoria, South Africa: African Union, November 2, 2022. Available at: https://web.archive.org/web/20221111111115/https://addisstandard.com/wp-content/uploads/2022/11/AU-led-Ethiopia-Peace-Agreement.pdf.

 ([2]) Human Rights Watch. “Ethiopia: Persecution of Tigrayans Unrelenting.” April 22, 2026. New York: Human Rights Watch, 2026. Available at: https://www.hrw.org/news/2026/04/22/ethiopia-persecution-of-tigrayans-unrelenting

 ([3])U.S. Department of the Treasury. “Treasury Sanctions Four Entities and Two Individuals in Connection with the Crisis in Ethiopia.” Press Release, November 12, 2021. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury. Available at: https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy0478

 ([4])مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. “إثيوبيا وحلم الوصول للبحر: مناورة سياسية أم ضرورة وجودية؟” القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2023–2024. متاح على: https://acpss.ahram.org.eg/News/21029.aspx.

 ([5])Reuters. “Ethiopia signs pact to use Somaliland’s Red Sea port.” January 1–2, 2024. Available at: https://www.reuters.com/world/africa/landlocked-ethiopia-signs-pact-use-somalilands-red-sea-port-2024-01-01/.

 ([6]) الجزيرة نت. “نيويورك تايمز: إثيوبيا وإريتريا.. أعداء الأمس حلفاء اليوم يقاتلون عدوًّا مشتركًا في تيغراي.” 29 ديسمبر 2020. متاح على: https://www.aljazeera.net.

 ([7])The New York Times. “Foreign Drones Tip the Balance in Ethiopia’s Civil War.” December 20, 2021. Available at: https://www.nytimes.com/2021/12/20/world/africa/drones-ethiopia-war-turkey-emirates.html.

 ([8]) الجزيرة نت. “خطف وسطو مسلح وإعدام بالمسيّرات.. ماذا تعرف عن الصراع الخفي بإثيوبيا؟” 2 فبراير 2026. متاح على: https://www.aljazeera.net.

 ([9]) Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP). The Tigray Region in the Grey Zone between War and Peace. SWP Comment 2026/C 29. Berlin: SWP, July 22, 2026. Available at: https://www.swp-berlin.org/10.18449/2026C29/.

 ([10]) Rift Valley Institute. Peace and Instability: Tigray since the Pretoria Agreement. Conflict Trends Analysis, March 2026. Nairobi: Rift Valley Institute, 2026. Available at: https://riftvalley.net/publication/peace-and-instability-tigray-since-the-pretoria-agreement/.

 ([11]) الجزيرة نت. “التمرد في أمهرة.. هل يقود إثيوبيا لحرب جديدة؟” 13 أبريل 2025. متاح على: https://www.aljazeera.net.

 ([12]) The Guardian. “Inside Ethiopia’s Fano insurgency – photo essay.” December 1, 2025. Available at: https://www.theguardian.com/artanddesign/2025/dec/01/inside-ethiopia-fano-insurgency-photo-essay.

 ([13]) الجزيرة نت. “تجنيد قسري وانتخابات بلا تيغراي.. هل تنزلق إثيوبيا إلى جولة حرب جديدة؟” 8 يوليو 2026. متاح على: https://www.aljazeera.net.

 ([14])المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط. “مستقبل الصراعات الإثنية في إثيوبيا.” القاهرة، 2026. متاح على: https://ncmes.org.

 ([15]) Human Rights Watch. World Report 2025: Ethiopia (Events of 2024). New York: Human Rights Watch, 2025. Available at: https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/ethiopia.

 ([16]) الشرق. “آبي أحمد يتمسك بمنفذ على البحر الأحمر… ميناء عصب ضمن حدودنا.” أكتوبر 2025. متاح على: https://asharq.com.

 ([17]) Reuters. “Ethiopia signs pact to use Somaliland’s Red Sea port.” January 1–2, 2024. Available at: https://www.reuters.com/world/africa/landlocked-ethiopia-signs-pact-use-somalilands-red-sea-port-2024-01-01/.

 ([18]) مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. “إثيوبيا وحلم الوصول للبحر: مناورة سياسية أم ضرورة وجودية؟” القاهرة: مركز الأهرام، 2023–2024. متاح على: https://acpss.ahram.org.eg/News/21029.aspx.

 ([19]) الجزيرة نت. “نيويورك تايمز: إثيوبيا وإريتريا.. أعداء الأمس حلفاء اليوم يقاتلون عدوًّا مشتركًا في تيغراي.” 29 ديسمبر 2020. متاح على: https://www.aljazeera.net.

 ([20]) الجزيرة نت. “لأجل المياه الدافئة.. هل يُشعل آبي أحمد حربًا في البحر الأحمر؟” 23 ديسمبر 2023. متاح على: https://www.aljazeera.net.

 ([21]) المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط. “مستقبل الصراعات الإثنية في إثيوبيا.” القاهرة، 2026. متاح على: https://ncmes.org.

اقرأ أيضا

توتر بين “تحالف دول الساحل” ونيجيريا بسبب تصريحات تينوبو

ارتباك في كينيا بشأن الانتخابات الرئاسية 2027.. ما القصة؟

 الحرب في تيغراي من منظور إثيوبي: اتهامات لمصر وتهديد لإريتريا والسودان

 ([22]) Barbara F. Walter. “Conflict Relapse and the Prospects for Durable Peace.” World Bank Policy Research Working Paper, or similar foundational works on conflict recurrence (e.g., Collier, Hoeffler, and Söderbom frameworks adapted in Horn of Africa analyses). See also: Rift Valley Institute. Peace and Instability: Tigray since the Pretoria Agreement. March 2026. Available at: https://riftvalley.net.

 ([23]) مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. “إثيوبيا وحلم الوصول للبحر: مناورة سياسية أم ضرورة وجودية؟” القاهرة: مركز الأهرام، 2023–2024. متاح على: https://acpss.ahram.org.eg/News/21029.aspx.

 ([24]) Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP). The Tigray Region in the Grey Zone between War and Peace. SWP Comment 2026/C 29. Berlin: SWP, July 22, 2026. Available at: https://www.swp-berlin.org/10.18449/2026C29/.

 ([25]) الجزيرة نت. “تجنيد قسري وانتخابات بلا تيغراي.. هل تنزلق إثيوبيا إلى جولة حرب جديدة؟” 8 يوليو 2026. متاح على: https://www.aljazeera.net.

كلمات مفتاحية: اتفاق بريتورياالصراعالقرن الإفريقيتيجراي
ShareTweetSend

مواد ذات صلة

الإيبولا

في 7 نقاط.. لماذا خرج تفشي وباء إيبولا عن السيطرة؟

أغسطس 8, 2026
السياسة الخارجية الأوغندية وتحولاتها: دعم إسرائيل في مواجهة إيران وانعكاساته الجيوسياسية

أوغندا والقوة الدولية في غزة: هل يتحقق وعد موهوزي بحماية إسرائيل؟

أغسطس 7, 2026
النمل الإفريقي

تهريب النمل الإفريقي: قراءة في المشهد والتداعيات والفرص

أغسطس 6, 2026
إثيوبيا والقرن الإفريقي: تحوُّلات محسوبة؟

إثيوبيا والقرن الإفريقي: تحوُّلات محسوبة؟

أغسطس 6, 2026
تقرير "رؤية مستقبلية لإفريقيا، أهم الأولويات للقارة 2025- 2030".

إفريقيا والشراكات الدولية (2025-2030): مستقبل التنمية المستدامة وتمكين الشعوب

أغسطس 5, 2026
جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كـ”قوة متوسطة” في مرحلة ما بعد الثورة

جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كـ”قوة متوسطة” في مرحلة ما بعد الثورة

أغسطس 5, 2026

ابحث في الموقع

لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
يشغل حاليا

تويتر

Follow @qiraatafrican

الأكثر قراءة (أسبوع)

كوت ديفوار تغلق جميع الاتحادات الطلابية بعد مقتل طالبين ومزاعم بممارسة الاغتصاب والتعذيب

حظر اتحاد “فيسي” الإيفواري.. واتارا يدهس “بيادق” غباغبو على رقعة الحرم الجامعي!

أكتوبر 22, 2024

الاتحاد الإفريقي والشراكات في مجال إصلاح قطاع الأمن

أكتوبر 22, 2024

صمود الأبطال: ثورة الشيمورنجا الأولى ضد الاستعمار البريطاني في زيمبابوي خلال القرن التاسع عشر

أكتوبر 20, 2024

الانتخابات التشريعية في السنغال: الرهانات في مبارزة عن بُعْد بين عثمان سونكو وماكي سال

أكتوبر 21, 2024

صناعة الطباعة في إفريقيا جنوب الصحراء وعوامل دَفْعها

أكتوبر 6, 2024

العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

أغسطس 3, 2026

فيسبوك

‎قراءات إفريقية‎
  • قراءات تاريخية
  • متابعات
  • مكتبة الملفات
  • منظمات وهيئات
  • الحالة الدينية
  • حوارات وتحقيقات
  • أخبار
  • الحالة الدينية
  • المجتمع الإفريقي
  • ترجمات
  • تقارير وتحليلات
  • تقدير موقف
  • ثقافة وأدب

الأقسام

  • المجلة
  • كتاب قراءات
  • الموسوعة الإفريقية
  • إفريقيا في المؤشرات
  • دراسات وبحوث
  • نظرة على إفريقيا
  • الصحافة الإفريقية

رئيس التحرير

د. محمد بن عبد الله أحمد

مدير التحرير

بسام المسلماني

سكرتير التحرير

عصام زيدان

© حقوق الطبع محفوظة لدي قراءات إفريقية. تطوير شركة بُنّاج ميديا.

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In

Add New Playlist

لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
  • المجلة
    • العدد الحالي
    • الأعداد السابقة
  • الموسوعة الإفريقية
  • تقارير وتحليلات
  • تقدير موقف
  • دراسات وبحوث
  • ترجمات
  • المزيد
    • إفريقيا في المؤشرات
    • الأخبار
    • الحالة الدينية
    • الصحافة الإفريقية
    • المجتمع الإفريقي
    • ثقافة وأدب
    • حوارات وتحقيقات
    • شخصيات
    • قراءات تاريخية
    • متابعات
    • مكتبة الملفات
    • منظمات وهيئات
    • نظرة على إفريقيا
    • كتاب قراءات إفريقية

© حقوق الطبع محفوظة لدي قراءات إفريقية بواسطة بُنّاج ميديا.