لم يكن إعلان الجنرال موهوزي كاينيروغابا، قائد الجيش ونجل الرئيس الأوغندي يوري موسيفني، في أبريل الماضي، استعداده إرسال 100 ألف من الجنود للدفاع عن إسرائيل مجرد تصريح مثير للجدل وقتها، بل أعاد تسليط الضوء على التحول المتسارع في العلاقات بين كامبالا وتل أبيب؛ بعدما وافق البرلمان الأوغندي، أمس الخميس، على مشاركة قوات ضمن القوة الدولية المقترحة للإشراف على مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة.
وبينما تؤكد الحكومة الأوغندية أن المشاركة تندرج في إطار عمليات حفظ السلام ودعم الاستقرار، يبدو أن هذه الخطوة تعكس مسارًا أوسع في السياسة الخارجية الأوغندية، يقوم على تعزيز الشراكة الأمنية مع تل أبيب، وهي شراكة تستند إلى تاريخ طويل من التعاون العسكري والسياسي، وقد بلغت في السنوات الأخيرة مستوى غير مسبوق.
في هذا السياق، يطرح قرار أوغندا الدفع بقوات إلى غزة تساؤلات تتجاوز حدود المهمة العسكرية متعددة الجنسيات، خصوصًا أنها الأولى من نوعها للبلاد خارج حدود إفريقيا، فهل تمثل المشاركة في القوة الدولية امتدادًا لدور أوغندا التقليدي في بعثات حفظ السلام، أم أنها تشكل بداية عملية لتحقق الوعد الذي أطلقه موهوزي بالدفاع عن إسرائيل؟
محتويات المقال
البرلمان الأوغندي يوافق على إرسال قوات إلى غزة
يُعد اعتماد البرلمان الأوغندي للمذكرة، التي تقدم بها وزير الدفاع، أول إعلان رسمي من أوغندا عن استعدادها للانضمام إلى القوة الدولية لتحقيق الاستقرار في غزة.
ولم يتضح على الفور سبب موافقة أوغندا على نشر قوات في غزة، أو ما إذا كان ذلك جاء في إطار مقابل سياسي أو دبلوماسي، فيما سارع عدد من نواب المعارضة إلى التشكيك في دوافع القرار.
ودعا النائب جون بابتيست نامبيشي الحكومة إلى تقديم تقييم شامل لعمليات انتشار الجيش الأوغندي في الصومال، وجنوب السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية إفريقيا الوسطى، معتبرًا أن البرلمان يحتاج إلى معرفة نتائج تلك المهمات قبل إرسال قوات إلى ساحة تختلف طبيعتها بصورة كبيرة.
وأشار نامبيشي إلى أن القتال في غزة يدور داخل مناطق حضرية مكتظة بالسكان، وهو ما يجعل التمييز بين المقاتلين والمدنيين أكثر صعوبة مقارنة بالمهمات التي خاضتها القوات الأوغندية في إفريقيا، الأمر الذي يفرض تحديات ميدانية مختلفة تمامًا، حسب قوله.

كما وصف النائب باتريك نسامبا قرار إرسال قوات إلى القطاع بأنه “مسألة حياة أو موت”، محذرًا من التقليل من المخاطر التي قد تواجه الجنود في ظل استمرار الضربات العسكرية.
بينما طالب النائب جوزيف سيوونغو الحكومة بالكشف عن تفاصيل تتعلق بحماية الجنود، ورعاية أسرهم، والمزايا التي سيحصلون عليها قبل إقرار المهمة.
غير أن أكثر المداخلات إثارة للنقاش جاءت من النائب حسن كيروميرا، الذي طرح سؤالاً اعتبره جوهر القضية يقول “إذا انهار اتفاق وقف النار، أي طرف سيقاتل جيشنا؟”، محذرًا من أن القرار قد يثير حساسيات دبلوماسية بالنسبة لأوغندا الدولة العضو في منظمة التعاون الإسلامي، داعيًا الحكومة إلى توضيح الأسس السياسية التي استندت إليها في اتخاذ هذه الخطوة.
في المقابل، استند وزير الدفاع، كيريووا كيوانوكا، في طلبه دعم النواب إلى القدرات العسكرية التي اكتسبتها أوغندا من خلال مشاركتها في عمليات حفظ السلام، لا سيما في الصومال.
وعد موهوزي بحماية إسرائيل
أعاد النقاش تحت قبة البرلمان الأوغندي إلى الواجهة التصريحات التي سبق أن أطلقها قائد الجيش موهوزي، في أبريل الماضي، عندما أعلن عبر منصة “إكس” استعداده لإرسال 100 ألف جندي للدفاع عن إسرائيل إذا تعرضت لأي تهديد، مؤكدًا أنه مستعد لقيادة تلك القوة بنفسه.
ولم تقتصر تصريحات كاينيروغابا -الذي ينظر إليه بأنه الخليفة المحتمل لوالده موسيفني- حينها على الجانب العسكري فحسب، بل حملت أيضًا أبعادًا سياسية ودينية، إذ وصف الأرض المحتلة بأنها “الأرض المقدسة”.
وقد أثارت تلك التصريحات حينها ردود فعل واسعة، باعتبارها صدرت عن أعلى مسؤول عسكري في البلاد، في وقت كانت فيه الحرب في الشرق الأوسط تتصاعد، لكنها عادت لتفرض نفسها مجددًا بعد موافقة البرلمان على المشاركة في القوة الدولية، لتتحول من تصريحات أثارت الجدل إلى خلفية سياسية يصعب تجاهلها عند قراءة القرار الجديد.
موهوزي وإحياء “تحالف عنتيبي”!
تعود العلاقات الإسرائيلية الأوغندي إلى وقت مبكر من استقلال أوغندا عن الاستعمار البريطاني عام 1962، وقد انتقلت من مرحلة تعاون تقني وعسكري واسع خلال الستينيات، إلى قطيعة كاملة في عهد الرئيس عيدي أمين –أحد أشهر القادة الأفارقة الداعمين للقضية الفلسطينية- عام 1972، عقب طرد جميع الإسرائيليين من البلاد، ثم عملية عنتيبي عام 1976.
ومع استعادة العلاقات الدبلوماسية عام 1994، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بتعاون مكثف في المجالات العسكرية والأمن السيبراني، إلى جانب تحركات دبلوماسية معقدة داخل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
وقد شاركت تل أبيب بشكل وثيق في أنشطة الاستخبارات والتعاون الأمني مع دول شرق إفريقيا عمومًا، ومع أوغندا خصوصًا، ففي أعقاب تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998، أصبحت وكالة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) أكثر نشاطًا في تلك المنطقة.
وبحلول عام 2026، بدت العلاقات الثنائية أمام مرحلة جديدة من التقارب، خصوصًا في المجالين الأمني والعسكري، حتى أن مركز الأبحاث الأمريكي “منتدى الشرق الأوسط (Middle East Forum)” وصفها بـ”بعث جديد لتحالف عنتيبي”.
المركز البحثي الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بدعم السياسات الإسرائيلية، ويُعتبر من أبرز مراكز اللوبي المدافعة عن تل أبيب في الولايات المتحدة، اعتبر في مقال عقب تصريح قائد الجيش الأوغندي الداعمة لإسرائيل، أن كامبالا أصبحت أحد المكونات الرئيسية في إطار “دائرة الشركاء” الذي تتبناه إسرائيل؛ لمواجهة النفوذ الإيراني في إفريقيا جنوب الصحراء وممر البحر الأحمر.
ويستند موهوزي في خطابه المؤيد للاحتلال إلى تاريخ طويل من العلاقات بين البلدين، يعود إلى عملية عنتيبي عام 1976، عندما نفذت قوة إسرائيلية خاصة عملية لتحرير رهائن داخل مطار عنتيبي، وقُتل خلالها قائد الوحدة الإسرائيلية يوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لا تزال تلك العملية تحظى بمكانة خاصة في الخطاب السياسي والعسكري الأوغندي، وقد سبق لموهوزي أن أعلن اعتزام بلاده إقامة تمثال ليوناتان نتنياهو، معتبرًا أن العملية تمثل محطة مهمة في تاريخ العلاقات بين بين بلاده والاحتلال.
وبالفعل دشن الجيش الأوغندي، مطلع الأسبوع نصبًا تذكاريًا ليوناتان نتنياهو، خارج مطار عنتيبي، وقد كشف موهوزي، بنفسه، عن التمثال الذي يُظهر يوناتان نتنياهو حاملا بندقية هجومية، وقال -حسب تعبيره- إنه أمر بإقامة النصب “تكريما لشجاعة يوناتان”، في مراسم رسمية حضرها عدد من الإسرائيليين.
ماذا بعد
تمثل موافقة البرلمان الأوغندي على المشاركة في القوة الدولية المقترحة في غزة نقطة تحول محتملة في مسار الدور الإقليمي لكمبالا، لكنها لا تقدم إجابة نهائية بشأن طبيعة هذا الانخراط.
فمن جهة، تضعها الحكومة في إطار تقليدي لسياسة أوغندا القائمة على المشاركة في عمليات حفظ السلام وتعزيز الاستقرار، مستندة إلى خبرتها الطويلة في بعثات الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
ومن جهة أخرى، تأتي الخطوة في سياق تقارب متزايد مع تل أبيب، تزامن مع مواقف علنية غير مسبوقة من قائد الجيش موهوزي كاينيروغابا، تعد امتدادًا لشراكة أمنية تتجاوز حدود القارة الإفريقية.
ويبقى الاختبار الحقيقي مرتبطًا بطبيعة المهمة الأوغندية نفسها في قوة غزة الدولية؛ فإذا اقتصرت مشاركة القوات الأوغندية على حماية المدنيين ودعم ترتيبات وقف إطلاق النار تحت تفويض دولي واضح، فقد تُقرأ باعتبارها استمرارًا لدور كمبالا التقليدي في عمليات حفظ السلام.
أما إذا ارتبطت المهمة بأهداف أمنية أو سياسية تتجاوز هذا الإطار، فقد تتحول إلى مؤشر على اصطفاف إقليمي جديد يضع أوغندا في دائرة الشركاء الأمنيين لإسرائيل داخل حدود إفريقيا.











































