جددت غينيا كوناكري مطالبتها الرسمية لفرنسا بإعادة المصحف الشخصي لألمامي ساموري توري، أحد أشهر قادة المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في غرب إفريقيا، إلى جانب مجموعة من المخطوطات والوثائق والمقتنيات التاريخية التي خرجت من البلاد خلال الحقبة الاستعمارية.
ويحفظ المصحف، المعروف باسم “مصحف ساموري توري”، في متحف الجيش بالعاصمة الفرنسية باريس، بعدما وصل إلى فرنسا عقب أسر ساموري توري عام 1898 ونفيه إلى الغابون، حيث توفي عام 1900، كما تحتفظ المؤسسة الفرنسية بعدد من مقتنياته الشخصية، بينها قبعته، ومذبته (مروحة الذباب)، وسترة حربية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه مطالب الدول الإفريقية باستعادة الممتلكات الثقافية التي نُقلت إلى أوروبا خلال فترة الاستعمار، سواء كانت قطعًا أثرية أو مخطوطات أو أعمالاً فنية ووثائق تاريخية.
استعادة التراث المكتوب
لا يقتصر الطلب الغيني على استعادة مصحف توري، بل يمثل جزءًا من مشروع أوسع لاسترجاع التراث المكتوب المحفوظ في فرنسا، وتشمل المطالبة مخطوطات ووثائق تاريخية، بعضها مكتوب بالعربية أو بالحرف العربي، ترى كوناكري أنها تمثل جزءًا من الإرث العلمي والديني والأدبي الذي عرفته غينيا وغرب إفريقيا قبل الحقبة الاستعمارية.
وتسعى السلطات الغينية إلى حصر هذه المقتنيات الموجودة في عدد من المؤسسات الفرنسية، تمهيدًا لاستعادتها وإدراجها ضمن مشروع “متحف الكتاب والأبجديات”، الذي تعمل الحكومة على إنشائه بهدف عرض تاريخ الكتابة وإنتاج المعرفة في البلاد.
ويعود أصل هذا الملف إلى عام 1968، عندما طالب الرئيس الغيني الأول أحمد سيكو توري فرنسا بإعادة مصحف ساموري توري وسيفه ولباسه التقليدي، بمناسبة الذكرى العاشرة لاستقلال غينيا، أما الطلب الحالي، فيتجاوز استعادة المقتنيات الشخصية إلى المطالبة بجزء أوسع من التراث المكتوب الغيني.
نرشح لك:
ساموري توري: بونابرت إفريقيا
وجاء التحرك الرسمي الأخير بعد زيارة أجراها وزير الثقافة والسياحة والصناعة التقليدية الغيني، موسى موسى سيلا، إلى متحف الجيش في باريس منتصف يونيو الماضي، حيث اطلع وفد غيني على المخطوطات والمقتنيات المرتبطة بالمناضل الإفريقي ساموري توري.
ويضم المخطوط، الذي ظل محفوظًا في فرنسا لعقود، نصوصًا وتعليقات قرآنية، إلى جانب مقتنيات أخرى تعود للقائد الغيني، في وقت تواصل فيه غينيا جهودها لاستعادة تلك القطع وإيداعها في المتحف الوطني المزمع إنشاؤه ضمن مشروع “كوناكري مدينة مبدعة للأدب” التابع لليونسكو.
وخلال الزيارة، أوضح مدير متحف الجيش، الفريق يان غرافيت، أن أي بحث في مسألة استعادة المخطوط يندرج ضمن السياسة التي تبنتها فرنسا منذ خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون في واغادوغو عام 2017 بشأن إعادة الممتلكات الثقافية الإفريقية، وكذلك في إطار القانون الفرنسي الجديد الخاص باسترداد الممتلكات الثقافية، الذي يسمح بإجراء عمليات الاسترداد بمرسوم حكومي.
من جانبه، أكد الوزير موسى موسى سيلا أن المخطوط يتجاوز بالنسبة لغينيا كونه قطعة تراثية، إذ يمثل ذاكرة قائد جمع بين الزعامة العسكرية والروحية، وظل تأثيره حاضرًا حتى عهد أول رئيس لغينيا المستقلة أحمد سيكو توري.
كما اعتبر أن استعادة المخطوط يمكن أن تمثل محطة جديدة في مسار التعاون الفرنسي الغيني، مستندًا إلى تطور العلاقات بين الرئيسين إيمانويل ماكرون ونظيره الغيني مامادي دومبويا، وإلى ما وصفه بروح العدالة التاريخية التي رافقت عمليات الاسترداد التي استفادت منها دول إفريقية أخرى.
مصحف ساموري توري
الباحثة بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS)، والمديرة العلمية لمجلس مشروع متحف كوناكري، إيلارا بيرتو، ترى أن الطلب الغيني يختلف عن معظم مطالب الاسترداد السابقة التي ركزت على القطع الأثرية أو المقتنيات الملكية.
وأوضحت في لقاء مع “إذاعة فرنسا الدولية”، أن هذه المطالبة تستهدف للمرة الأولى إعادة كتب ومخطوطات إلى القارة الإفريقية، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بمقتنيات ذات قيمة رمزية، بل بوثائق بقيت محفوظة في المخازن لعقود دون أن تُقرأ أو تُرقمن أو تُدرس.
هذه المخطوطات، حسب الباحثة، اكتسبت اليوم قيمة كبيرة بالنسبة لغينيا؛ لأن إرث القائد توري يحتل مكانة مركزية في الذاكرة الوطنية، مشيرةً إلى أن المخطوط المتداول باسم “مصحف ساموري توري” قد لا يكون في الأصل نسخة من القرآن الكريم، بل يُرجح أن يضم شروحًا قرآنية أو كتب تفسير أو نصوصًا تتعلق بالسيرة النبوية.
وأوضحت أن توري سلّم كتاب صلاته إلى سجانه، الكابتن تامبوريني، قبل وفاته في منفاه بالغابون طالبًا منه الحفاظ عليه، قبل أن تنتقل المخطوطة لاحقًا إلى متحف الجيش الفرنسي عبر أرملة الضابط.
وأضافت أن المخطوط يتكون من أوراق محفوظة داخل غلاف جلدي ومربوطة بحبل صغير، وهو الشكل التقليدي للمخطوطات المنتشرة في غرب إفريقيا خلال تلك الفترة.
وأرجعت الباحثة سبب إطلاق اسم “قرآن ساموري توري” على المخطوط إلى ممارسات أرشيفية قديمة في فرنسا، موضحة أن كثيرًا من أمناء الأرشيف لم يكونوا يتقنون اللغة العربية، وكانوا يطلقون وصف “القرآن” على كل نص مكتوب بالعربية أو بالحرف العربي، سواء كان قرآنًا أو تفسيرًا أو نصًا دينيًا آخر.
وأضافت أن هذه التسمية استمرت مع مرور الوقت لأن المخطوطات ظلت محفوظة داخل المخازن دون دراسة علمية أو عرض متحفي، الأمر الذي أدى إلى استمرار هذا الوصف رغم عدم دقته.
كما أكدت بيرتو أن الطلب الغيني لا يقتصر على المخطوطات، بل يشمل كذلك أدوات مرتبطة بعالم الكتابة، مثل المحابر، وأقلام القصب، وأدوات الكتابة التقليدية، وحوامل الأقلام المصنوعة من السلال.

الرهان على القانون الفرنسي الجديد
وتعول غينيا على القانون الفرنسي الجديد الخاص بإعادة الممتلكات الثقافية، الذي يفتح المجال أمام دراسة طلبات الاسترداد المقدمة من الدول الأجنبية.
ورغم أن القانون لا يشمل، من حيث المبدأ، المقتنيات التي وصلت إلى فرنسا على شكل هبات، ترى الباحثة بيرتو أن حالة مخطوط ساموري توري تختلف، لأن تسليمه إلى السجان لا يمكن اعتباره هبة تمت بإرادة حرة.
وأوضحت أن القانون يشترط أن تكون الهبة مقدمة بحرية وبرضا كامل، وهو ما تعتبره غينيا غير متحقق في هذه الحالة، باعتبار أن صاحب المخطوط كان أسيرًا لدى السلطات الاستعمارية.
وأواخر مايو الماضي، صوّت البرلمان الفرنسي، بالإجماع على إلغاء “القانون الأسود” وكافة النصوص التي نظمت العبودية في المستعمرات الفرنسية حتى عام 1848، في خطوة رمزية تهدف إلى حذف هذه القوانين رسميًا من المنظومة التشريعية الفرنسية باعتبارها “تتعارض مع قيم الجمهورية”.
ويعود “القانون الأسود” إلى مجموعة مراسيم ملكية صدرت ابتداءً من عام 1685 في عهد الملك لويس الرابع عشر، بهدف تنظيم العبودية في المستعمرات الفرنسية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.
وكان “القانون الأسود” يعرّف المستعبدين باعتبارهم “ممتلكات منقولة”، تُعامل كسلع تعود ملكيتها إلى أسيادها، كما نصّ على عقوبات قاسية بحق العبيد الفارين، تراوحت بين الوسم بالحديد وصولاً إلى عقوبة الإعدام.
ورغم أن هذه النصوص فقدت أي أثر قانوني منذ إلغاء العبودية رسميًا عام 1848، فإنها لم تُسحب من السجل التشريعي الفرنسي بصورة رسمية حتى اليوم.
الصمت المتحفي وغياب المخطوطات الإفريقية
كما استندت الباحثة إلى ما وصفته بـ”الصمت المتحفي” في المؤسسات الفرنسية، مشيرة إلى أن المخطوطات الإفريقية المحفوظة في فرنسا لا تحظى بحضور داخل المتاحف الكبرى.
وأوضحت أن متحف “كي برانلي” لا يعرض مخطوطات إفريقية مكتوبة، كما أن أقسام الفنون الإسلامية في متحف اللوفر لا تخصص مساحة لتراث غرب إفريقيا، باستثناء بلدان المغرب العربي، معتبرة أن هذا الغياب يعكس تهميشًا للإنتاج الثقافي المكتوب في المنطقة.

نقلاً عن:











































