بقلم: جاستين فيساجي، روث كاستيل-برانكو
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– تصاعد العنف ضد الوافدين في جنوب إفريقيا، وإعادة بعض الدول الإفريقية لرعاياها، وضَعا ملف الهجرة في صدارة الجدل الوطني.
– تقول قيادات الاحتجاج إن مطالبها ردٌّ على ارتفاع معدلات البطالة، وتردّي الخدمات العامة، وتفاقم انعدام الأمن.
– تسلّط دراساتنا ضوءاً مهماً على الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي تنامي المشاعر المعادية للمهاجرين، وتكشف جذور الظاهرة.
– لا شك أن الهجرة تتقاطع مع سلسلة أزمات متشابكة يعانيها الجنوب إفريقيون، لكنها ليست المحرك الأساسي لتدهور الأوضاع.
– تحويل غضب المواطنين إلى عداء ضد المهاجرين يُغيّب النقاش عن الأسباب الهيكلية التي تتطلب حلولاً إصلاحية طويلة الأمد بدلاً من البحث عن كبش فداء.
– يربط كثير من الجنوب إفريقيين تراجع فرص العمل بوصول المهاجرين؛ وتُظهر بيانات استطلاعنا أن نحو 70% منهم يعتقدون أن المهاجرين «يسلبون» وظائف المواطنين.
– تظهر البيانات أن الأجانب يشغلون أقل من 4% من الوظائف الرسمية، بينما يمثل المولودون في الخارج نحو 20% من المشاركين في الاقتصاد غير الرسمي.
– تبيّن تقديراتنا أن تحويل جميع وظائف الأجانب إلى مواطنين سيخفض معدل البطالة من 43.6% إلى نحو 37.6% فقط؛ وهو انخفاض ملحوظ لكنه محدود بالنسبة لحجم الأزمة.
* * *
تشهد جنوب إفريقيا اليوم أكبر موجة مناهضة للهجرة في سنوات، بعد بروز حركة «مسيرة» المناهضة للهجرة the March and March movement والمطالبة بترحيل المهاجرين غير النظاميين قبل 30 يونيو 2026م. تصاعد العنف ضد الوافدين وإعادة بعض الدول الإفريقية لرعاياها قد دفعا ملف الهجرة إلى صدارة الجدل الوطني.
تقول قيادات الاحتجاج إن مطالبها تأتي رداً على ارتفاع معدلات البطالة، وتردي الخدمات العامة، وتفاقم انعدام الأمن. ومن البديهي أن هذه المظالم صحيحة ومبررة جزئياً؛ لكن السؤال الأهم يبقى: هل يتحمّل المهاجرون وحدهم مسؤولية هذه الأزمات؟
يعتمد هذا المقال على أبحاث «مركز الجنوب لدراسات عدم المساواة» بجامعة ويتواترسراند، التي تستعرض أسباب التفاوت ونتائجه على سوق العمل، والإنفاق العام، وأنماط الملكية والإنتاج، فضلاً عن أثر التحوّل التكنولوجي والابتكار وتداعيات التغير المناخي. تسلّط دراساتنا ضوءاً بالغ الأهمية على السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي غذّى تنامي المشاعر المعادية للمهاجرين، وتبيّن الجذور الحقيقية لهذه الظاهرة.
لا شك في أن الهجرة تتقاطع مع سلسلة من الأزمات المتشابكة التي يعاني منها الجنوب إفريقيون، لكنها ليست المحرك الأساسي لتردّي الأوضاع. إن تحويل غضب المواطنين إلى موجة عدائية تجاه المهاجرين يُغيّب عن النقاش الأسباب الهيكلية (مثل سياسات الإنفاق العام، الهشاشة في أنظمة الحماية الاجتماعية، والتحولات في سوق العمل، وتأثيرات المناخ) التي تتطلب حلولاً إصلاحية طويلة الأمد بدل البحث عن كبش فداء.
البطالة والعمل غير الرسمي:
قلةٌ من القضايا تُجسّد بوضوحٍ تامّ تأثير الأزمات الاقتصادية مثل مشكلة البطالة. تُعدّ جنوب إفريقيا واحدة من البلدان التي تُسجّل من أعلى معدلات البطالة في العالم، إذ يعجز أكثر من أربعة من كل عشرة بالغين في سن العمل- ممن يرغبون في العمل- عن العثور على وظيفة، بما في ذلك من فقدوا الأمل في البحث عنها. ولذلك فإن حجم هذه الأزمة له أثر مباشر في تصاعد المطالب بتحديد الأسباب واتخاذ إجراءات فاعلة لمعالجتها.
يربط كثير من الجنوب إفريقيين تراجع فرص العمل بوصول المهاجرين، وتُظهر بيانات استطلاعنا أن نحو 70% منهم يعتقدون أن المهاجرين «يسلبون» وظائف المواطنين. تفسّر هذه القناعة إلى حدّ كبير الدعم المتزايد للحركات المناهضة للهجرة، غير أن التصوّر العام لا يوافق دائماً حقيقة الأرقام.
تشير سجلات الضرائب والبيانات الإدارية إلى أن الأجانب يشغلون نسبة ضئيلة من الوظائف الرسمية في البلاد؛ فقد وجد فريقنا أن أقل من 4% من الوظائف الرسمية يشغلها أجانب، مع ثبات هذه النسبة على مدى أكثر من عقد. أما في الاقتصاد غير الرسمي، فالأمر مختلف إلى حد ما: العمال المولودون في الخارج يمثلون نسبة أكبر بين المشاركين في هذا القطاع، وقد وصلت نسبتهم إلى نحو 20%.
أوضحت دراسة مشتركة بين «مركز الجنوب لدراسات عدم المساواة» ومنظمة StreetNet الدولية وWIEGO: أن اتساع القطاع غير الرسمي بالتوازي مع ارتفاع البطالة زاد من حدة المنافسة وأضر بسبل العيش. هذا التأثير يبدو جليّاً بين أصحاب متاجر البقالة الصغيرة والباعة المتجولين: الفئة الأخيرة تشتري من القنوات الرسمية وتعيد البيع بهامش ربح ضئيل، بينما تعمل متاجر البقالة الصغيرة المملوكة لأجانب في كثيرٍ من الأحيان بنطاق أوسع وتقوم بدورٍ يشبه تاجر الجملة، ما يمكّنها من عرض تشكيلة أوسع وأسعار أقل.
تستلزم معالجة توترات القطاع غير الرسمي تغييرات سياسية عملية: تسهيل حصول العاملين على رأس المال، تنظيم سلاسل التوريد بالجملة، ضمان الوصول الآمن إلى الفضاءات العامة، الاستثمار في بنية تحتية ومرافق بأسعار معقولة، والحد من المضايقات البلدية التي تعيق نشاطهم.
رغم بعض مبادرات الحكومة لتنشيط الأحياء الفقيرة والاقتصادات الريفية؛ تظل السياسات الاقتصادية مركزة بشكل واضح على القطاع الرسمي، ومن هنا ينبع إحباط العديد من المواطنين. لكن الأرقام تشير إلى أن أزمة البطالة أوسع من أن تُلقى على عاتق الهجرة وحدها؛ فبحسب تقديراتنا، فإن إعادة جميع وظائف الأجانب افتراضياً إلى الجنوب إفريقيين ستُخفض معدل البطالة من 43.6% إلى نحو 37.6% فقط؛ وهو انخفاض مهم لكنه متواضع مقارنةً بحجم الأزمة.
هذا يبيّن أن الأجانب لا يهيمنون على سوق العمل كلياً، رغم تركّزهم في قطاعات ومناطق محددة. والأكثر من ذلك، فإن الطرح القائل بإزاحة المهاجرين سيؤدي ليس بالضرورة إلى نقلٍ مباشر للوظائف بنسبة 1:1؛ فقد تنجم عن ذلك خسائر صافية في فرص العمل المحلية نتيجة تراجع روح المبادرة والاستثمار والمهارات التي يجلبها بعض المهاجرين. تقرير للبنك الدولي يشير في هذا السياق إلى أن كل عامل مهاجر واحد قد يوفّر فعلياً ما يقارب وظيفتين للمواطنين المحليين.
تُساعد هذه الديناميكيات الاقتصادية في تفسير التفاوتات في مواقف السكان تجاه الهجرة. فقد وجد باحث بمركز الجنوب لدراسات عدم المساواة أن سكان البلديات الأكثر حرماناً يميلون أحياناً إلى مواقف أكثر إيجابية تجاه المهاجرين مقارنةً بسكان المناطق الأكثر ثراءً، ويُعزى ذلك جزئياً إلى التواصل المباشر الذي يكسر الصور النمطية ويُبرز الإسهام الاقتصادي للمهاجرين.
إذاً، لماذا تراكم هذا التصور لدى الجمهور رغم الأدلة؟ جزءٌ من الإجابة يكمن في الضغوط اليومية التي تُثقل كاهل الأسر (تدهور الخدمات العامة، تكاليف المعيشة المتصاعدة، وانعدام الأفق الوظيفي)، وهي عوامل تجعل البحث عن كبش فداء جذاباً سياسياً واجتماعياً، حتى عندما لا يعكس بدقة ديناميكيات سوق العمل.
التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر:
تواجه الأسر في جنوب إفريقيا ارتفاعاً مستمراً في تكاليف الغذاء والمواصلات والكهرباء وغيرها من الضروريات، فيما تتفاقم الضغوط بفعل تدهور جودة الخدمات العامة. الانقطاعات المتكررة للتيار، وعدم انتظام وسائل النقل العام، والاكتظاظ في المدارس، وطول فترات الانتظار في العيادات الحكومية صارت جزءاً من حياة كثيرين، مما يعزز شعوراً متنامياً بتراجع مستويات المعيشة.
تشير دراساتنا إلى أن سياسات خفض الدين العام عبر تخفيضات في النفقات وزيادة الإيرادات الضريبية أضعفت الخدمات العامة على مدى عقد كامل. وتُرجمت هذه السياسات إلى ارتفاع نسبة الطلاب إلى المعلمين، وتزايد أوقات الانتظار في المرافق الصحية، وضغوط متزايدة على منظومة القضاء.
ومن المتوقع أن تتصاعد هذه الضغوط في السنوات المقبلة لعدة أسباب متداخلة:
أولاً: يلقي تغير المناخ بعبء غير متناسب على الفئات الضعيفة (وبخاصة النساء) عبر تضييق سبل العيش، وزيادة أعباء الرعاية، وتقليص الوصول إلى الموارد الأساسية. وتُظهر أبحاثنا أن التحول البيئي سيؤثر بشكل متفاوت على سوق العمل: بعض المجتمعات ستتكبد خسائر كبيرة في الوظائف، ما قد يؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وتفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية.
ثانياً: تتجلى محدودية شبكات الحماية الاجتماعية في جنوب إفريقيا بوضوح. تعدّ برامج الدعم الاجتماعي ضرورية لملايين الأسر، وقد لعبت دوراً حاسماً في الحد من الفقر، لكنها ليست بديلاً عن العمل اللائق والفرص الاقتصادية المستدامة. تُظهر نتائجنا أن المواطنين لا يطمحون فقط إلى البقاء على قيد الحياة؛ فهم يسعون إلى وظائف تمنحهم الكرامة والاستقلالية وفرص بناء مستقبل أفضل.
ومن هنا ينبع التحدي؛ فهو لا يقتصر على خفض نسب الفقر فحسب، بل يمتد إلى توسيع نطاق الفرص الاقتصادية وربط النمو الوطني بتعزيز التجارة والاستثمار عبر القارة الإفريقية.
إن الخطاب المناهض للمهاجرين- رغم مكاسبه السياسية قصيرة الأمد- خطوة محفوفة بالمخاطر، إذ قد يُقوّض العلاقات والانفتاح الضروريين لنمو جنوب إفريقيا على المدى الطويل.
ناقوس خطر:
تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين يُشكّل إنذاراً جدياً، إنه انعكاس لإحباط حقيقي من تردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع آفاق كثير من المواطنين. إن تجاهل هذا الإحباط سيكون خطأً فادحاً. لكن من الخطأ بالمثل تحميل المهاجرين مسؤولية أزمة لم يتسببوا فيها. قد تفسر الصعوبات الاقتصادية تصاعد العداء، لكنها لا تبرر العنف أو انتهاك حقوق من لهم الحق في الحماية والكرامة.
إن التحديات الراهنة تتطلب سياسات متوازنة وفعّالة: إصلاحاً جذرياً للخدمات العامة، استثمارات في خلق عمل لائق، وشبكات حماية اجتماعية موسعة، إلى جانب إجراءات للحد من آثار التغير المناخي. لا خلاص عبر كبش فداء؛ بل عبر إصلاحات هيكلية تعيد للأسر القدرة على العيش بكرامة وتستعيد الثقة بالمستقبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:









































