أعلن مجلس الأمن الدولي، الجمعة، تمديد العقوبات المفروضة على جنوب السودان لمدة عام إضافي، بما يشمل تجميد الأصول وحظر السفر وحظر توريد الأسلحة، وسط انقسام بين أعضاء المجلس بشأن جدوى هذه الإجراءات وتأثيرها على جهود السلام والاستقرار في البلاد.
واعتمد المجلس القرار رقم 2821 لعام 2026 بأغلبية تسعة أصوات مؤيدة، هي: البحرين وكولومبيا والدنمارك وفرنسا واليونان ولاتفيا وبنما والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، دون أي صوت معارض، فيما امتنعت ست دول عن التصويت هي: الصين وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا وباكستان وروسيا والصومال.
ويقضي القرار بتمديد العقوبات حتى 31 مايو 2027، كما يمدد ولاية فريق الخبراء المساعد للجنة العقوبات الخاصة بجنوب السودان المنشأة بموجب القرار 2206 حتى الأول من يوليو 2027.
وكانت الولايات المتحدة قد صاغت مشروع القرار وقادت المفاوضات بشأنه، دون إدخال تعديلات جوهرية مقارنة بالقرار السابق رقم 2781 الصادر عام 2025.
وكان مجلس الأمن قد تلقى في وقت سابق من العام الجاري تحذيرات من خطر انزلاق جنوب السودان مجددًا إلى حرب أهلية شاملة.
وحصل جنوب السودان على استقلاله عام 2011، ما دفع الأمم المتحدة إلى إنشاء بعثة لحفظ السلام لدعم الاستقرار في الدولة الوليدة. إلا أن القتال اندلع بين فصائل متنافسة في العاصمة جوبا عام 2013 قبل أن يمتد سريعًا إلى مختلف أنحاء البلاد، متسببًا في أزمة سياسية وأمنية واسعة النطاق.
ورغم توقيع اتفاق سلام عام 2015، فإنه انهار بعد فترة وجيزة، قبل أن يقود “الاتفاق المُنشط لتسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان” الموقع عام 2018 إلى تشكيل حكومة انتقالية، غير أن أعمال العنف والتوترات السياسية استمرت.
تعثر السلام وعقوبات مجلس الأمن
لا يزال التقدم في تنفيذ اتفاق السلام المُنشط لعام 2018 متعثرًا، خاصة فيما يتعلق بخمسة معايير رئيسية تشمل إصلاح القطاع الأمني، وتشكيل قوات موحدة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وإدارة الأسلحة والذخائر، والتصدي للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
وبحسب أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة بشأن هذه المعايير، فإن الفترة الممتدة بين عامي 2025 و2026 كانت الأصعب منذ توقيع الاتفاق، إذ اتسمت بالجمود والتراجعات المقلقة.
وطلب مجلس الأمن من الأمين العام، بالتنسيق الوثيق مع بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان وفريق الخبراء، إجراء تقييم للتقدم المحرز في هذه المعايير بحلول 15 أبريل 2027، مع تقديم توصيات بشأن تحديثها عند الحاجة.
كما دعا القرار سلطات جنوب السودان إلى تقديم تقرير إلى لجنة العقوبات بحلول التاريخ نفسه حول ما تحقق من تقدم في تنفيذ هذه المعايير.

انقسام مجلس الأمن
استمرت العقوبات في إثارة الانقسام بين أعضاء مجلس الأمن، على غرار ما حدث عند تجديدها العام الماضي بموجب القرار 2781.
وقالت ممثلة الولايات المتحدة إن بلادها تشعر بـخيبة أمل إزاء غياب التقدم في تنفيذ المعايير الأساسية واستمرار تدهور الوضعين السياسي والأمني في جنوب السودان، معتبرة أن ذلك يعود إلى غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف المحلية.
ودعت الرئيس سلفا كير وزعماء جنوب السودان إلى العودة للحوار المباشر لاحتواء العنف، مشيرة إلى أن الحديث عن وجود حوار فعلي يبدو غير واقعي في ظل وضع أحد الموقعين على اتفاق السلام قيد الإقامة الجبرية.
كما حثت الحكومة الانتقالية على اتخاذ خطوات لاستعادة السلام، بما في ذلك إعلان وقف إطلاق نار على المستوى الوطني، واستخدام الإيرادات العامة لخدمة المواطنين.
من جانبه، أعرب ممثل البحرين عن أمله في أن يسهم القرار في توفير بيئة مناسبة لاستكمال الترتيبات الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة، مؤكدًا أهمية الحوار البناء بين جميع الأطراف والشركاء الإقليميين والدوليين، مع احترام سيادة جنوب السودان ووحدة أراضيه.
اعتراضات على العقوبات
وقالت ممثلة روسيا إن العقوبات تعرقل المسار السياسي في جنوب السودان وتؤثر سلبًا على تنفيذ اتفاق السلام المُنشط، معتبرة أن نص القرار يحمل انتقادات مفرطة للحكومة ويتجاهل مقترحات التعديل المقدمة.
وأضافت أن العقوبات تقوض التنمية الاقتصادية وتحول دون حصول جوبا حتى على الإمدادات العسكرية الأساسية اللازمة للتحضير للانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل.
ورغم عدم مطالبتها برفع العقوبات فورًا، دعت موسكو إلى تخفيفها بشكل كبير بما يتوافق مع موقف الاتحاد الإفريقي، الذي قالت إن الدول الغربية تواصل تجاهله.
بدوره، أوضح ممثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، متحدثًا أيضًا باسم ليبيريا والصومال، أن امتناع الدول الإفريقية الثلاث عن التصويت يعود إلى شكوك مستمرة بشأن قدرة العقوبات الحالية على تحقيق سلام دائم أو دعم استقرار مؤسسات الدولة في جنوب السودان.
وأكد ضرورة إعادة النظر في حظر الأسلحة، معتبرًا أنه يعرقل تنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية وتوحيد القوات.
أما ممثل الصين، الذي تتولى بلاده رئاسة مجلس الأمن خلال شهر مايو ، فقال إن القرار يفرض ضغوطًا مفرطة على جنوب السودان ويتضمن مواقف غير متوازنة، مشيرًا إلى أن حظر الأسلحة المفروض منذ نحو ثماني سنوات قيد قدرة الحكومة على حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
كما أكدت باكستان أن موقفها لم يتغير منذ العام الماضي، معتبرة أن العقوبات ينبغي أن تستخدم بحذر وأن تخضع لمراجعات دورية وألا تتحول إلى إجراءات مفتوحة أو ذات طابع عقابي.
جوبا تطالب برفع الحظر
من جانبه، أعرب ممثل جنوب السودان عن أسف بلاده لاعتماد القرار، مشيرًا إلى أن استمرار حظر الأسلحة أصبح غير متوافق مع التحديات التي تواجهها البلاد حاليًا.
وقال إن القرار يحد من قدرة الحكومة على حماية المدنيين وتأمين الحدود والتصدي للجماعات المسلحة والجهات غير الحكومية التي تهدد الأمن.
واستشهد بمقتل خمسة مهندسين مدنيين أثناء تنفيذ مشروع لإنشاء طريق في ولاية الاستوائية الوسطى كمثال على التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد.
وأكد أن السلام المستدام يتحقق عبر بناء مؤسسات وطنية قوية وترتيبات أمنية فعالة وامتلاك وطني حقيقي لعملية السلام، مجددًا دعوة مجلس الأمن إلى الأخذ بمواقف الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) وغيرهما من الجهات الإقليمية التي طالبت مرارًا برفع العقوبات وحظر الأسلحة عن جنوب السودان.











































