لم يكن مساء الجمعة عاديًا في السنغال، فقد قطعت وسائل الإعلام الرسمية برامجها المعتادة لبث بيان مقتضب أعلن فيه الأمين العام للرئاسة قرار الرئيس باسيرو ديوماي فاي إقالة عثمان سونكو من رئاسة الوزراء، وإنهاء مهام الحكومة بالكامل.
غير أن وقع القرار تجاوز حدود تعديل حكومي تقليدي؛ فالرجل الذي أُقيل لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل الشخصية السياسية التي أعادت تشكيل المعارضة السنغالية خلال السنوات الأخيرة، وقادت عمليًا المسار الذي أوصل ديوماي فاي نفسه إلى القصر الرئاسي.
وخلال ساعات قليلة، تحوّل منزل سونكو في حي كير غورغي بالعاصمة داكار إلى ساحة تجمع لأنصاره، في مشهد أعاد إلى الأذهان السنوات التي سبقت انتخابات 2024، حين كانت الاحتجاجات المرتبطة باسمه تهز الشارع السنغالي بصورة متكررة.
المفارقة بدت لافتة؛ فالرجل الذي رفع شعار “ديوماي هو سونكو” خلال الحملة الانتخابية، وقدم الرئيس الحالي بوصفه امتدادًا لمشروعه السياسي، وجد نفسه خارج السلطة بقرار من الشخص ذاته الذي دعمه للوصول إليها.
ولا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف شخصي بين رئيس ورئيس حكومة، بل تعكس تصدعًا أعمق داخل معسكر التغيير الذي وصل إلى الحكم قبل أقل من عامين.
كما تعيد طرح أسئلة تتعلق بطبيعة السلطة في السنغال، وحدود العلاقة بين الشرعية الدستورية والشرعية الشعبية، وقدرة الحركات الاحتجاجية على التحول إلى أحزاب حكم مستقرة.
سونكو وفاي وصناعة لحظة التغيير
لفهم خلفيات الانقسام الحالي، لا بد من العودة إلى السنوات التي سبقت سقوط معسكر الرئيس السابق ماكي سال سياسيًا.
فمنذ انتخابات 2019، برز عثمان سونكو باعتباره أحد أكثر السياسيين شعبية في البلاد، مستفيدًا من خطاب جمع بين النزعة السيادية وانتقاد النفوذ الفرنسي، والدعوة إلى إعادة توزيع الثروة، خصوصًا مع تصاعد النقاش حول عائدات الغاز والطاقة في السنغال.
وخلال تلك المرحلة، لم يكن سونكو مجرد معارض تقليدي؛ بل تحول تدريجيًا إلى رمز لجيل شبابي ناقم على النخب السياسية التقليدية، خاصة في المدن الكبرى مثل داكار وزيغينشور وسان لويس.
كما ساهمت المواجهات المتكررة مع السلطة، وملفات الملاحقة القضائية، وقرارات منعه من الترشح، في تعزيز صورته داخل الشارع بوصفه “ضحية للنظام السياسي“.
وبين عامي 2021 و2023، شهدت السنغال موجات احتجاج عنيفة سقط خلالها عشرات القتلى، فيما اتسعت شعبية حزب باستيف خارج الأطر الحزبية التقليدية، ليصبح أقرب إلى حركة احتجاجية واسعة منه إلى حزب سياسي كلاسيكي.
وحين أُقصي سونكو فعليًا من السباق الرئاسي لعام 2024، بدا للوهلة الأولى أن السلطة نجحت في تحجيمه سياسيًا، لكن الرجل اختار مسارًا مختلفًا؛ إذ دفع باسم حليفه الأقرب باسيرو ديوماي فاي مرشحًا بديلاً.
ولم يكن ديوماي فاي شخصية جماهيرية بالمعنى التقليدي، لكنه كان يتمتع بثقة كاملة داخل الحزب، كما أن وجوده في السجن إلى جانب سونكو منح الثنائي صورة سياسية متماسكة في نظر أنصار المعارضة.
وقبل أيام من الانتخابات، أُفرج عن الرجلين بعد إقرار قانون عفو عام، لتتحول لحظة خروجهما من السجن إلى حدث تعبوي ضخم أعاد الزخم إلى المعارضة.
وخلال الحملة الانتخابية، بدا واضحًا أن جزءًا كبيرًا من الناخبين كان يصوّت لرمزية سونكو أكثر من شخصية ديوماي فاي نفسه.
وعندما فاز ديوماي فاي من الجولة الأولى في مارس 2024، بدا المشهد وكأن السنغال تدخل تجربة سياسية غير مسبوقة؛ رئيس منتخب يمتلك الشرعية الدستورية، إلى جانب زعيم شعبي يحتفظ بشرعية الشارع والتنظيم الحزبي.
لكن هذا التوازن حمل داخله، منذ البداية، بذور أزمة مؤجلة.
معضلة “الرئيس البديل“
بعد وصوله إلى السلطة، وجد ديوماي فاي نفسه أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، كان مطالبًا بالحفاظ على وحدة المعسكر الذي أوصله إلى الحكم، ومن جهة أخرى، كان عليه إثبات أنه ليس مجرد واجهة سياسية لعثمان سونكو.
في الأشهر الأولى، بدا الرجلان منسجمين ظاهريًا، لكن التباينات بدأت تظهر تدريجيًا حول طبيعة المرحلة الجديدة.
فمعسكر الرئاسة اتجه نحو مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الدولة، تقوم على توسيع التحالفات السياسية والانفتاح على شخصيات تكنوقراط وخبرات إدارية خارج الدائرة الصلبة لحزب باستيف.
أما جناح سونكو، فظل أقرب إلى خطاب المعارضة التقليدي، القائم على التعبئة الشعبية والنبرة الصدامية مع النخب القديمة، مع الحرص على الحفاظ على صورة “الثورة السياسية” التي حملها الحزب إلى السلطة.
وفي داكار، بدأ كثير من المراقبين يتحدثون عن وجود مركزين للنفوذ داخل السلطة التنفيذية؛ أحدهما داخل القصر الرئاسي، والآخر يدور حول سونكو وشبكاته التنظيمية داخل الحزب والشارع.
كما ساهمت التعيينات داخل مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الائتلاف الحاكم، في تعميق التوتر بين الطرفين.
فعندما اتجه الرئيس إلى توسيع قاعدة الحكم وإدخال شخصيات سياسية أكثر قربًا من مؤسسات الدولة التقليدية، قرأ جناح سونكو الخطوة باعتبارها محاولة تدريجية لإضعاف نفوذ باستيف داخل السلطة.
وفي المقابل، كان مقربون من الرئاسة يرون أن إدارة الدولة تختلف جذريًا عن إدارة المعارضة، وأن استمرار منطق التعبئة الثورية قد يهدد استقرار السلطة الجديدة، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط المرتبطة بملفات الطاقة والاستثمار الخارجي.
صراع الشرعيتين
سرعان ما تجاوز الخلاف حدود التباينات السياسية العادية، ليتحول إلى صراع غير معلن حول طبيعة السلطة نفسها.
فالدستور السنغالي يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة، بما في ذلك تعيين رئيس الوزراء وإقالته، والإشراف على الملفات الاستراتيجية الكبرى.
لكن الواقع السياسي بعد انتخابات 2024 بدا أكثر تعقيدًا من النصوص الدستورية.
فبينما امتلك ديوماي فاي الشرعية القانونية، احتفظ سونكو بشرعية شعبية وتنظيمية واسعة جعلت جزءًا معتبرًا من قواعد باستيف ينظر إليه باعتباره المرجعية السياسية الحقيقية للمشروع الحاكم.
هذا التداخل خلق ازدواجية داخل السلطة التنفيذية نفسها؛ ففي الوقت الذي حاولت فيه الرئاسة ترسيخ مركزية القرار داخل مؤسسة الرئاسة، حافظ سونكو على حضور سياسي مستقل، سواء عبر خطاباته أو من خلال نفوذه داخل الحزب.
ومع مرور الوقت، بدأت الخلافات تظهر بصورة أوضح في الخطاب السياسي وإدارة الملفات الحساسة، وفي أكثر من مناسبة، وجّه سونكو انتقادات غير مباشرة لطريقة إدارة الدولة، داعيًا إلى مزيد من “الحزم” في تنفيذ مشروع التغيير.
وفي المقابل، بعث ديوماي فاي بإشارات متكررة تؤكد تمسكه الكامل بصلاحياته الدستورية، ولم يكن ذلك مجرد خلاف بروتوكولي؛ بل كان محاولة لإعادة تعريف من يقود السلطة فعليًا داخل الدولة.
وتزايدت هذه الإشارات مطلع مايو 2026، عندما ذكّر ديوماي فاي علنًا بأن الدستور يمنحه حق تعيين رئيس الوزراء وإنهاء مهامه، وهي تصريحات فُهمت في الأوساط السياسية باعتبارها رسالة مباشرة إلى سونكو ومعسكره.
وبدا أن الرئاسة تحاول، تدريجيًا، إعادة ضبط توازن القوى داخل السلطة التنفيذية، ومنع تكريس أي ازدواجية في مركز القرار السياسي.
لكن نقطة الانفجار الحقيقية جاءت خلال جلسة الأسئلة الشفوية في الجمعية الوطنية، حين تحدث سونكو بصورة علنية عن ملف “الأموال السياسية”، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية داخل العلاقة بين الرجلين.
وبعد ساعات فقط من تلك المداخلة، صدر القرار الرئاسي بإقالة سونكو وإنهاء مهام الحكومة بأكملها.
هل نجح باستيف في التحول إلى حزب حكم؟
أعادت إقالة سونكو طرح سؤال جوهري يتعلق بمستقبل حزب باستيف ذاته؛ فالحزب الذي صعد مستفيدًا من الكاريزما الشعبية لزعيمه، يواجه اليوم اختبارًا يتعلق بقدرته على التحول إلى مؤسسة سياسية مستقرة تتجاوز شخصنة القيادة.
ومنذ الوصول إلى السلطة، بدأت تتشكل داخل الحزب مقاربتان مختلفتان، الأولى يمكن وصفها بـ”جناح الدولة”، وتتمحور حول مؤسسة الرئاسة، مع تركيز أكبر على الاستقرار، وبناء التحالفات، وطمأنة المؤسسات الاقتصادية والشركاء الدوليين.
أما الثانية، فهي “جناح الحركة”، الذي لا يزال ينظر إلى السلطة باعتبارها امتدادًا لمعركة التغيير الجذري ضد النخب التقليدية.
وبعد قرار الإقالة، ظهرت هذه الثنائية بصورة أكثر وضوحًا؛ فبينما تمسكت الرئاسة بخطاب مؤسساتي يركز على الصلاحيات الدستورية، أظهرت التعبئة الشعبية حول سونكو أن الرجل لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على تحريك الشارع.
وفي منصات التواصل الاجتماعي السنغالية، بدا واضحًا أن جزءًا واسعًا من قواعد باستيف لا يتعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد تغيير حكومي، بل بوصفها صراعًا على هوية المشروع السياسي نفسه.
كما أن بعض التصريحات الصادرة عن شخصيات مقربة من الحزب حملت إشارات مبكرة إلى أن النقاش داخل المعسكر الحاكم بدأ يتحول تدريجيًا نحو مرحلة ما بعد ديوماي فاي، رغم أن الانتخابات الرئاسية المقبلة لا تزال بعيدة نسبيًا.
إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، تبدو الاحتمالات مفتوحة على أكثر من مسار.
السيناريو الأول يتمثل في احتواء الخلاف داخل مؤسسات الحزب والدولة، عبر إعادة توزيع النفوذ داخل السلطة ومنع تحول الأزمة إلى انقسام علني.
ويعتمد هذا الاحتمال على قدرة الطرفين على إدراك حجم المخاطر السياسية والاقتصادية التي قد تترتب على تفكك معسكر الحكم.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على تعمق الانقسام داخل باستيف وتحوله تدريجيًا إلى صراع بين جناحين متنافسين داخل السلطة، بما قد ينعكس على البرلمان والتحالفات السياسية ومؤسسات الدولة.
لكن السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في عودة سونكو إلى منطق التعبئة الشعبية والشارع، خصوصًا إذا شعر أن نفوذه داخل السلطة يتآكل تدريجيًا.
وفي هذه الحالة، قد تجد السنغال نفسها أمام مرحلة استقطاب طويلة تمتد حتى انتخابات 2029.
في المحصلة؛ تكشف الأزمة الحالية في السنغال بعد إقالة عثمان سونكو أن التحالفات التي تنجح في إسقاط الأنظمة ليست بالضرورة قادرة على إدارة السلطة بالقدر نفسه من التماسك.
ففي المعارضة، ساعد الغضب الشعبي والخطاب التعبوي على توحيد معسكر التغيير، أما في الحكم، فقد ظهرت سريعًا أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بمن يملك القرار، وكيف تُدار الدولة، وما إذا كان حزب باستيف قادرًا فعلاً على التحول من حركة احتجاجية إلى حزب حكم.
وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن التحالف الذي قُدِّم للسنغاليين باعتباره بداية قطيعة مع السياسة التقليدية، بات يواجه اليوم خطر إعادة إنتاج الصراع ذاته الذي تعهد بتجاوزه، لكن هذه المرة من داخل السلطة نفسها.










































