باتت سردية الوضع الإثني في جنوب إفريقيا مضغوطةً بشكلٍ غير مسبوق بادعاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مواجهة سكان البلاد من المنحدرين من المستوطنين البيض تمييزاً عنصرياً منهجياً من قِبَل حكومة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي كان يحكم البلاد بأغلبية كبيرة منذ بدء عهد التحول الديمقراطي (1993-1994م) حتى الانتخابات النيابية الأخيرة (مايو 2024م)، التي لم يفلح فيها الحزب في تحقيق أغلبية مريحة فدخل في حكومة ائتلافية مع حزب التحالف الديمقراطي الممثل الرئيسي لهؤلاء السكان البيض في البلاد. ورغم تهافت ادعاءات ترامب وإدارته، وارتهانها بمناورة سياسية مفهومة للضغط على بريتوريا للعودة الكاملة إلى «دائرة نفوذ واشنطن» والابتعاد عن التقارب مع الصين وروسيا وإيران (ضمن دول أخرى)، فإن ذكرى اغتيال السياسي والمفكر الجنوب إفريقي كريس هاني Chris Hani، التي تحل في العاشر من أبريل (28 يونيو 1942م-10 أبريل 1993م)، تُمثل فرصةً ملائمة لاختبار سردية العنف والتمييز العنصري في جنوب إفريقيا؛ رغم تجاوز البلاد هذه الحقبة رسمياً قبل أكثر من ثلاثة عقود.
كريس هاني ومشروع تحرر جنوب إفريقيا: الاشتراكية هي الحل؟:
نشأ تيمبيسيلي كريس هاني Thembisile Chris Hani في إقليم كوفيمفابا Cofimvaba بالترانسكي سابقاً Transkei (أكبر المعازل التي كانت مخصصةً للأفارقة في بلدهم بمقتضى سياسة التفرقة العنصرية، والذي أُعلن وطناً مستقلاً للسود من الاكسوزا في بانتوستان في الفترة 1959-1976م، ويقع حالياً داخل إقليم إيسترن كيب) في أسرة فقيرة لأبٍ كان عاملاً مهاجراً لديه قدر يسير من معرفة القراءة والكتابة، وأمٍّ غير متعلمة، وطبَعَ الفقر حياة كريس منذ نعومة أظفاره، إذ كان أحد ثلاثة أبناء نجوا من الموت في سنّ صغيرة فيما توفي ثلاثة إخوة له، وحمل هو اسم أحد إخوته «كريس» بعد وفاته. وكان اضطرار والده للرحيل بشكلٍ منتظم للعمل خارج «موطنه» عاملاً أساسياً في كشف هاني لشظف حياته وحياة أقرانه، وعُمق معاناة أمّه في تدبير شؤون المنزل، ما اضطره للعمل في رعي الماشية منذ سنّ صغيرة حتى التحاقه بالمدرسة. وكان الحدث الأخير استثنائياً في حالته وحالة أقرانه، ولم يتوفر إلا بفضل فتح مدرسة كاثوليكية الباب أمام كريس للدراسة. وتعلم بها اللاتينية، وكان يأمل في أن يصبح كاهناً كاثوليكياً لكن والده رفض ونقله إلى مدرسة «غير دينية»، وهي مدرسة ماتانزيما الثانوية Matanzima Secondary School في كالا Cala بالترانسكي. وفي عام 1954م، بدأ وعي هاني السياسي يتشكل على نحوٍ سريع للغاية رغم صغر سنّه، إذ شهد حادث إقالة عدد من مدرسي مدرسته من أعضاء حركة الوحدة Unity Movement بسبب احتجاجهم على فرض قانون تعليم البانتو. وانتقل هاني مرّةً أخرى إلى معهد لوفاديل Lovadale Institute في إيسترن كيب، حيث سجّل للالتحاق بالجامعة في العام 1958م. ومَثّل التحاقه بجامعة فورت هير University of Fort Hare فرصةً «مثالية» للاطلاع على الأيديولوجيا الماركسية إلى جانب إشباع شغفه منذ الطفولة بالكلاسيكيات والأدب.
ويروي هاني جانباً من بدء وعيه السياسي الماركسي، كما سيتبلور في بقية نضاله داخل «رمح الأمة»، في كُتيّب نشره الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي في عام 1991م (قبل اغتيال هاني بأقل من عامين): «التحقت في العام 1961م بالحزب الشيوعي الجنوب إفريقي South African Communist Party مع إدراكي أن التحرر الوطني لن يحقق- على أهميته- التحرر الاقتصادي الشامل. وقد تأثر قراري هذا بعمالقة نضالنا مثل جوفان مبيكي Govan Mbeki، وبرام فيشر Braam Fisher، وموسى كوتاني Moses Kotane، وراي سيمونز Ray Simons، وغيرهم. ومع الوعي بعناد النظام العنصري، التحقت في العام 1962م برمح الأمة MK (الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي)؛ الأمر الذي كان بداية طريقي الطويل في النضال المسلح الذي واجهت خلاله ثلاث محاولات اغتيال فاشلة ضدي شخصياً»[1].
وبعد مسيرةٍ نضالية حافلة- ربما لا يتسع المقام هنا للإشارة إليها- انتُخب كريس هاني أميناً عاماً للحزب الشيوعي الجنوب إفريقي، خلال طور انعقاد مؤتمره العام الثامن (والذي عُقد في جنوب إفريقيا للمرة الأولى بعد ثلاثة عقود عقب رفع الحظر عن الحزب في فبراير 1990م)، والذي حمل شعار «المستقبل هو الاشتراكية» The Future is Socialism!. وفي واحدةٍ من آخر مقابلاته (Learn & Teach, February 1992, pp.14-15)[2] قدّم كريس هاني قراءةً ذكية لخصوصية تجربة جنوب إفريقيا في الوعي الماركسي، إذ أشار إلى تفادي الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي مصطلح «ديكتاتورية البروليتاريا» الذي اضطر ماركس حسب أحوال عصره لاستخدامه، معلناً تفضيل الحزب الشيوعي استخدام مفهوم «ديمقراطية الطبقة العاملة»، لأن الأول أصبح يُستخدم بشكلٍ خاطئ ليعني «ديكتاتورية الأحزاب الشيوعية». وفسّر هاني مفهوم «ديمقراطية الطبقة العاملة» بأنه يعني أن حزبه «سيسمح للمنظمات الأخرى خارج الحزب الشيوعي بالتنافس معنا على السلطة بطريقة سلمية وديمقراطية». وفي رده على سؤال عن دور الحزب في «جنوب إفريقيا ما بعد الأبارتهيد» (في أجواء المناقشات الختامية حول المسألة حينذاك)؛ أكد هاني أن الحزب الشيوعي سيقاتل في صفوف المؤتمر الوطني الإفريقي ومؤتمر النقابات الجنوب إفريقية «كوساتو» COSATU من أجل تحقيق الديمقراطية الوطنية، وأن الحزب سيقاتل من أجل تطبيق سياسات المؤتمر الوطني الإفريقي الاقتصادية، وهي السياسات التي تدعو إلى «اقتصاد مختلط» mixed economy، والتمكين الفوري للطبقة العاملة على وجه الخصوص، والسود بشكلٍ عام.
ما يهمنا في السياق الحالي هو أن تبنّي كريس هاني (باعتباره من أبرز قادة الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي المعروف براديكاليته، بل وبنقده في بعض المراحل للمؤتمر الوطني الإفريقي) لأفكار «ديمقراطية الطبقة العاملة» يعني تراجعاً فعلياً في أفكار العنف الإثني بشكلٍ كامل، لصالح تنافس سياسي مقبول، وكذلك الالتزام بمخرجات العملية الديمقراطية في فترة لاحقة لم يتسع العمر لكريس هاني أن يشهدها مع اغتياله في أبريل 1993م.
اغتيال كريس هاني: العنصرية البيضاء وإجهاض التسوية:
لاحظ دومينيك فورتسكو، عند تناوله أسباب فشل الحزب الشيوعي في تحقيق شعبية له بين الطبقة العاملة الإفريقية رغم انفتاحه على تلك الطبقة؛ أن من أسباب ذلك: الرؤية الحالمة التي نظر بها الحزب للصراع العرقي داخل جنوب إفريقيا (والتي يمكن وصفها بالتسامح)، إضافةً إلى حالة الأمية المنتشرة بين العمال الأفارقة، وكذلك- كما يقتبس دومينيك عن موسى كوتاني الأمين العام للحزب خلال الأربعينيات- أن الأخير بدا كأنه يوجّه سياسته المعادية للفاشية نحو العمال الأوروبيين، الذين كان موقفهم هو العامل الأكثر أهمية في زمن مقاومة انتشار الدعاية النازية، وليس نحو إعلاء النضال الوطني للأفارقة في المقام الأول[3].
ويمكن- تدليلاً على ذلك- الرجوع إلى ما نشره النقابي الأبيض المنشق إميل ساكس Emil Sachs في كُتيّب بعنوان «الخيار المتاح أمام جنوب إفريقيا» The Choice Before South Africa (لندن 1952م)، مشيراً إلى الدعاية النازية داخل المجتمع الأفريكانري التي نتج عنها تكوين مجموعات «القميص الرمادي»، وكذا قيام وزير الدفاع الجنوب إفريقي حينذاك (ومع صدور قانون قمع الشيوعية 1950م) أوزوالد بيرو Oswald Pirow بتحويل العديد من الجامعات الأفريكانية اللغة إلى بيئاتٍ خصبة لنمو الدعاية النازية، إذ روّج الأساتذة الذين درسوا في ألمانيا بحماسةٍ مفاهيم هتلر وجوبلز Goebbels، الأمر الذي أثار حفيظة قيادات الحزب الشيوعي (ولا سيما من الأوروبيين قبل إفساح المجال أمام مزيد من القيادات الإفريقية) وأدى إلى انحيازهم بشكلٍ متزايد للعمل مع المؤتمر الوطني الإفريقي[4].
بأي حالٍ؛ فقد قامت مقاربة كريس هاني وقيادة الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي منذ خمسينيات القرن الماضي على ضرورة لعب دور داخل الحركة الوطنية (الإفريقية) الأكثر اتساعاً. وعلى سبيل المثال: فإن ج. ب. ماركس J. B. Marks الذي تولى رئاسة المؤتمر الوطني الإفريقي في إقليم ترانسفال كان عضواً سابقاً بالحزب الشيوعي، وكذلك الحال في مثال يوسف دادو رئيس المؤتمر الهندي. كما شغل عدد من الشيوعيين البارزين مثل موسى كوتاني ودان تلومي Dan Tloome مقاعدهم في اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الإفريقي. وعزز هؤلاء، انطلاقاً من مواقعهم المختلفة، عملية تثوير للحركات السياسية التابعة للطبقة العاملة العابرة للتقسيمات الإثنية وإعلاء قيمة «التعايش الإثني»[5].
وعلى النقيض من هذا التفهم لحقيقة المشكلة الإثنية في جنوب إفريقيا، حتى في خضم شراسة اعتداء النظام العنصري على أي مجموعة إثنية «غير بيضاء»، أو البيض الذين يتبنون أفكاراً إصلاحية تجاه المسألة (مثل عناصر من الجماعات القادمة من شرق أوروبا)، جاء اغتيال كريس هاني في 10 أبريل 1993م على يد اللاجئ البولندي يانوش والوس Januzs Walus، وهو عنصري أبيض مناهض للشيوعية، وكان على صلة وثيقة بحركات وطنية بيضاء (دون أن تفوت هنا إشارة إلى وجود رأي يدعي تآمر المؤتمر الوطني الإفريقي على كريس هاني، حسب وثائق روجت لها وقتها جريدة ميل آند جارديان Mail & Guardian)[6]، ليشير إلى نزعة إثنية صفرية لدى اليمين الأبيض في جنوب إفريقيا في خضم مرحلة التحول الديمقراطي.
ويعيد لنا هذا المشهد، بجدله الواسع والمدهش في آنٍ واحد، سردية ترامب (والتي تسندها دوائر أعمال واستثمارات أمريكية وجنوب إفريقية مؤثرة) بوجود اضطهاد إثني ضد جماعات البيض، وكيف أن القصة باتت تعتمد على الراوي أكثر من الحقيقة ومجريات الأمور وشبكات المصالح، وأن الحقيقة ربما تكون أبعد ما تكون عن الإدراك في ظل آلة ضخمة من تلفيق «حقائق جديدة» وترويجها بشكلٍ دائم ومستمر، في نهجٍ تجاوز وزير الإعلام النازي جوبلز وإلحاحه بمراحل.
ـــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] Hani, Chris, Autobiography, South African Communist Party, Johannesburg, 1991.
[2] Ready to seize the moment, JSTOR Primary Sources, 02-01-1992.
[3] Fortscue, Dominic, The Communist Party of South Africa and the African Working Class in the 1940s, The International Journal of African Hffistorical Studies, Vol.24, No.3 (1991), pp. 481-512.
[4] Zorgbibe, Charles, Doctor Malan and the Advent of Apartheid, African Geopolitics, No.12 (fall 2003), p.254.
[5] Adams, Simon, Comrade Minister: The South African Communist Party and the Transition from Apartheid to Democracy, Nova Science Publishers, Inc. Huntington, 2001, p.35.
[6] Chris Hani, South African History Online, at:











































