ميادة شكري المحمودي
باحثة ماجستير- كلية الدراسات الإفريقية العليا- جامعة القاهرة
على الرغم من أن القارة الإفريقية تبدو ظاهرياً في معزل عن الصدام المباشر في الصراع الإيراني الإسرائيلي الراهن؛ فإن التأثيرات الاقتصادية لهذا الصراع ستتسلل نحو المواطن الإفريقي عبر الأسواق المحلية، لتظهر في تفاصيل حياته اليومية، فوق رفوف المتاجر، وفي فاتورة الكهرباء، وفي تكلفة المواصلات، حتى إن لم يشهد الصراع العسكري أو يسمع عنه، وذلك من خلال ارتفاع أسعار الوقود الذي يزيد تكلفة النقل والمواصلات، وزيادة أسعار الغذاء التي تُثقل ميزانية الأسرة، إضافةً إلى اضطرابات شحن البضائع التي تؤخر وصول المنتجات الأساسية، وربما تزايد تدفق العاملين العائدين قسراً من دول الخليج نتيجة التصعيد العسكري، مما يزيد من تعقيد الحياة اليومية ويضاعف صعوبتها.
فالترابط الاقتصادي العالمي يجعل الأسواق المحلية عرضةً لأي أزمات خارجية، فتنتقل الصدمات من الأسواق الإقليمية والعالمية إلى الأسواق المحلية في وقتٍ وجيز، وتنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين عبر قنوات متعددة، أبرزها سلاسل التجارة العالمية وأسواق الطاقة، وتتداخل هذه التداعيات الاقتصادية مع الاستقرار الاجتماعي والسياسي، لتفرض تحديات على السياسات العامة، حتى في الدول غير المشاركة في الصراع.
من هذا المنطلق؛ يصبح فهم التأثيرات الاقتصادية غير المباشرة للصراع ضرورةً بالغة، ليس فقط للباحثين وصانعي السياسات، بل لكل فرد يسعى إلى تفسير أسباب ارتفاع الأسعار المفاجئ أو تغير تكلفة الخدمات الأساسية في يومه، إذ توفر دراسة هذه التداعيات رؤية دقيقة لكيفية تداخل الأزمات الإقليمية مع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في القارة، وتُمكّن من صياغة إستراتيجيات وقائية للتخفيف من أثر هذه الهزات قبل أن يشعر المواطن بها في تفاصيل حياته اليومية.
1- ارتفاع تكاليف الطاقة والسلع الغذائية نتيجة التوترات الجيوسياسية:
تُشير التطورات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط إلى أن العمليات العسكرية الموجهة ضد المنشآت الحيوية تُشكّل ضغطاً هيكلياً على أسواق الطاقة العالمية؛ حيث يبرز مضيق هرمز كمركز ثقل إستراتيجي يتحكم في تدفق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وبالرغم من أن قدرته التقنية على النقل قد تواجه تحديات لوجستية؛ فإن حجم المرور الفعلي للنفط الخام البالغ حوالي 20 مليون برميل يومياً يجعل من أي اضطراب في هذا الممر مؤثراً مهماً على الأسعار العالمية[1].
وتزداد حساسية السوق بالنظر إلى الثقل الإنتاجي لإيران، الذي يصل إلى 3.1 ملايين برميل يومياً، وهو ما انعكس رقمياً في تذبذب أسعار خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت، مع توقعات الخبراء بوصول الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 95 و110 دولارات للبرميل في حال استمرار التصعيد العسكري الشامل[2].
ويمتد أثر هذا الارتفاع في أسعار الوقود بشكلٍ مباشر ليشمل التضخم الغذائي وتكاليف الاستيراد، ولا سيما في الدول النامية والإفريقية المعتمدة على الواردات الأساسية؛ فزيادة تكلفة الطاقة تؤدي إلى رفع نفقات النقل والشحن الدولي والمحلي، مما ينعكس على الأسعار النهائية للسلع الغذائية ويضاعف الضغوط المعيشية على الأسر، وهو ما أكدته التقارير الدولية من أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد، ولو كان محدوداً، يؤدي إلى هز الأسواق ورفع معدلات التضخم بشكل تراكمي[3].
كما تُعدّ قناة السويس أحد أهم الممرات البحرية الإستراتيجية عالمياً، إذ تمر عبرها حوالي 30% من تجارة الحاويات العالمية، وتُسهل مرور الطاقة والسلع الأساسية بين الشرق والغرب، وقد شهدت حركة الملاحة تحولات دراماتيكية نتيجة التوترات الجيوسياسية، حيث انخفضت حمولة الحاويات العابرة للقناة بنسبة تصل إلى 82% في فترات التأزم السابقة، نتيجة تحويل السفن إلى مسارات بديلة مثل طريق «رأس الرجاء الصالح»، مما أدى إلى زيادة المسافات المقطوعة وارتفاع تكاليف التأمين والشحن[4].
يعكس هذا الاعتماد الكبير على قناة السويس هشاشة الدول المستوردة، ولا سيما الإفريقية منها، أمام أي اضطراب في الممرات البحرية، فارتفاع تكاليف النقل البحري نتيجة تحويل السفن إلى مسارات أطول يؤدي إلى زيادة الأسعار النهائية للسلع المستوردة، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية والحبوب، ما يفاقم معدلات التضخم الغذائي ويضغط على ميزانيات الأسر، كما يظهر تأثير هذا الاعتماد على أسواق الطاقة، إذ إن أيّ تأخير أو زيادة في تكاليف الشحن تنعكس مباشرةً على أسعار الوقود وأسعار النقل والمواصلات المحلية، مؤثرةً بذلك بشكل ملموس على حياة المواطن العادي.
2- عدم اليقين العالمي، وتذبذب الاستثمار الأجنبي في إفريقيا:
تشهد الأسواق العالمية حالة متزايدة من القلق نتيجة التصعيد العسكري والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، مما ينعكس بشكل مباشر على تدفقات الاستثمارات الأجنبية وبيئة الأعمال في الدول النامية، ولا سيما الإفريقية منها، ويميل المستثمرون في مثل هذه الظروف إلى «الهروب الآمن»، عبر التحوط من المخاطر والتوجه إلى الأصول التقليدية كالذهب والسندات الحكومية، على حساب الاستثمارات المباشرة في مشاريع البنية التحتية والطاقة بالأسواق الناشئة التي تُصنف كبيئات عالية المخاطر[5].
وفي الداخل الإفريقي، ينعكس عدم اليقين على القدرة التنافسية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ حيث تؤدي زيادة تكلفة الوقود إلى تضخم تكاليف الإنتاج والتشغيل، مما يقلل من صافي العوائد المتوقعة للمستثمرين. علاوةً على ذلك؛ يؤدي استمرار عدم اليقين الجيوسياسي إلى رفع المخاطر، وهو ما يرفع بدوره كلفة تمويل المشاريع التنموية الكبرى ويضغط على الاستقرار المالي للدول المضيفة التي تعاني أساساً من فجوات تمويلية.
وبناءً عليه؛ يصبح تعزيز المرونة الهيكلية عبر تنويع الشركاء الاستثماريين وبناء احتياطيات نقدية قوية أمراً حتمياً لامتصاص هذه الصدمات الخارجية. إن الحروب والتوترات لا تعيد تشكيل الخريطة السياسية فحسب، بل تدفع الاستثمارات نحو الانكماش أو إعادة التوطين في بيئات أكثر استقراراً، مما يضع خطط التنمية المستدامة في إفريقيا أمام تحدي التمويل في ظل استمرار حالة عدم اليقين.
3- تداعيات التصعيد العسكري على تحويلات العاملين الأفارقة والاستقرار الاقتصادي:
تُعدّ تحويلات المغتربين الأفارقة مصدراً متنامياً للتمويل في إفريقيا، حيث تتجاوز غالباً الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية الرسمية، ويتوقع البنك الدولي ارتفاعها إلى 500 مليار دولار بحلول 2035م، ومع تراجع الدعم الخارجي، تلعب هذه التحويلات دوراً محتملاً لسد الفجوة التمويلية السنوية التي تُقدّر بين 130 و170 مليار دولار حسب البنك الإفريقي للتنمية[6].
وفي ظل العمليات العسكرية المتبادلة بين إيران وإسرائيل، تثار مخاوف جدية بشأن استقرار تدفقات التحويلات المالية إلى القارة الإفريقية، وخاصةً أن هذه التحويلات باتت تُشكّل أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي للعديد من دول القارة[7]، إن أيّ توسع في نطاق الصراع ليشمل دول الجوار في الخليج العربي يهدد بشكل مباشر أمن وسبل عيش الملايين من العمالة الإفريقية الوافدة، حيث قد تؤدي الهجمات على البنية التحتية للطاقة أو المطارات إلى تعليق عقود العمل، وإغلاق الأجواء، وتعطيل القنوات المصرفية الرسمية المستخدمة في نقل الأموال، كما أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي قد تدفع الدول المضيفة في الخليج إلى تبنّي سياسات مالية أكثر تحفظاً، مما قد يقلص من فرص العمل المتاحة للوافدين الجدد، ويؤثر سلباً في مستويات الدخل، وبالتالي ينعكس في انخفاض مباشر في السيولة النقدية التي تعتمد عليها ملايين الأسر في إفريقيا لتغطية احتياجاتها الأساسية.
ويُشكّل هذا التصعيد تهديداً وجودياً لموارد ملايين الأسر الإفريقية التي تعتمد على أموال المغتربين لتغطية المتطلبات المعيشية الأساسية كالغذاء والتعليم والرعاية الصحية، ومع التصعيد العسكري، تواجه هذه التدفقات مخاطر التعطل نتيجة إغلاق المجالات الجوية، وتوقف العمليات البنكية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين.
وتبرز البيانات الصادرة عن Remit Scope ومركز التجارة الدولية ITC لعام 2024م حجم الاعتماد الحرج على هذه التحويلات، والتي تجاوزت قيمتها الإجمالية 95 مليار دولار أمريكي، متفوقةً على عائدات التصدير التقليدية في عدة نماذج إفريقية رائدة.

تؤكد هذه الأرقام أن تحويلات المغتربين تحولت إلى ركيزة اقتصادية تفوق في ثباتها الصادرات السلعية، إلا أنها تظل الطرف الأكثر حساسيةً للصدمات الجيوسياسية.
كذلك؛ لا تقتصر انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على تأخير وصول الأموال، بل تمتد لتشمل ارتفاع تكاليف التحويل نتيجة زيادة الرسوم البنكية وإجراءات الطوارئ في دول الخليج.
وبناءً عليه؛ بات من الضروري على الحكومات الإفريقية تعزيز مرونة أنظمة التحويلات المالية، وخفض تكاليف المعاملات، ووضع خطط طوارئ لاستيعاب العمالة العائدة بشكل مفاجئ، كجزء أصيل من إستراتيجيات استدامة الاقتصاد المحلي وحماية الأمن المجتمعي من التقلبات الإقليمية العابرة للحدود.
- التوصيات الإستراتيجية لمواجهة تداعيات الصراع على الوضع المعيشي في إفريقيا:
1- ضرورة توجه الدول الإفريقية نحو الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة المحلية: لتقليل الاعتماد على أسعار النفط العالمية المتذبذبة، مع دعم المشروعات الزراعية، لتقليص فجوة الاستيراد الغذائي التي تتأثر فوراً باضطرابات سلاسل الإمداد.
2- تسريع تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA: لتعزيز التجارة البينية، مما يقلل من الارتهان الكلي للممرات المائية الدولية المضطربة، وتوفير بدائل داخلية لتأمين السلع الأساسية.
3- خفض تكلفة تحويل الأموال: لضمان استمرار تدفق أموال المغتربين في حال تعثر القنوات المصرفية التقليدية نتيجة الأزمات العسكرية.
4- ضرورة قيام وزارات العمل والتعاون الدولي بوضع برامج «إعادة دمج مهني»: وذلك للعمالة الإفريقية التي قد تضطر للعودة القسرية من دول الخليج في حال اتساع رقعة الصراع، لضمان عدم تحولهم إلى عبء اقتصادي.
5- وضع إستراتيجيات احتياطية: للتعامل مع ارتفاع الأسعار المفاجئ أو انقطاع سلاسل التوريد، تشمل دعم الأسر الأكثر هشاشة وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
1- Adhikary, Debaroti. «Crude oil prices to cross $100? What experts predict after US, Israel attack on Iran,» The Economic Times, https://economictimes.indiatimes.com/markets/commodities/news/crude-oil-prices-to-cross-100-what-experts-predict-after-us-israel-attack-on-iran/articleshow/128910890.cms?from=mdr
2- «تحويلات المغتربين في إفريقيا. رافعة اقتصادية أم إمكانات غير مستغلة؟»، الجزيرة نت، 22 سبتمبر 2025م، على الرابط:
3- Herszenhorn, J., & Kniazhevich, N. «Global Markets | Wall Street turns to ‘Haven‑First’ strategies amid Iran attacks,» The Economic Times, https://economictimes.indiatimes.com/markets/us-stocks/news/global-markets-wall-street-turns-to-haven-first-strategies-amid-iran-attacks/articleshow/128911521.cms?from=mdr
4- Olamilekan Okebiorun, «10 African countries that survive on diaspora remittances more than export earnings,» Business Insider Africa, https://africa.businessinsider.com/local/markets/new-data-shows-that-in-2024-remittances-from-africans-working-abroad-exceeded-export/bcrrytg
5- UNCTAD. Review of Maritime Transport 2024 (Report), 2024. https://unctad.org/publication/review-maritime-transport-2024
6- World Bank Group. Global Economic Prospects 2024 (Report), 2024. https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/40827
7- Markets brace for oil shock after US-Israel strikes on Iran,» Türkiye Today, https://www.turkiyetoday.com/business/markets-brace-for-oil-shock-after-us-israel-strikes-on-iran-3215288?s=
[1] Markets brace for oil shock after US-Israel strikes on Iran, Türkiye Toda. at: https://www.turkiyetoday.com/business/markets-brace-for-oil-shock-after-us-israel-strikes-on-iran-3215288?s=
[2] Adhikary, Debaroti. “Crude oil prices to cross $100? What experts predict after US, Israel attack on Iran,” The Economic Times”. at:
[3] Global Economic Prospects (Report) World Bank Group )2024), at: https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/40827
[4] eview of Maritime Transport 2024 (Report UNCTAD), at: https://unctad.org/publication/review-maritime-transport-2024
[5] J. Herszenhorn & N. Kniazhevich, “Global Markets | Wall Street turns to ‘Haven‑First’ strategies amid Iran attacks,” The Economic Times, at: https://economictimes.indiatimes.com/markets/us-stocks/news/global-markets-wall-street-turns-to-haven-first-strategies-amid-iran-attacks/articleshow/128911521.cms?from=mdr.
[6] تحويلات المغتربين في أفريقيا.. رافعة اقتصادية أم إمكانات غير مستغلة؟، الجزيرة نت, 22 سبتمبر 2025، على الرابط:
[7] Olamilekan Okebiorun, “10 African countries that survive on diaspora remittances more than export earnings,” Business Insider Africa, at: https://africa.businessinsider.com/local/markets/new-data-shows-that-in-2024-remittances-from-africans-working-abroad-exceeded-export/bcrrytg
[8] Ibid.











































