د. محمود سورو
باحث في الفكر الإسلامي وقضايا المجتمع – كوت ديفوار
شكّلت انتخابات 2025 نقطة تحوّل في السياسة الإيفوارية، فقد وضعتْ حدّاً لتنافسٍ مريرٍ بين ساسة جيل تسعينيات القرن العشرين، ورسمت خريطة طريقٍ لجيلٍ جديدٍ لقيادة البلاد من ثلاثينيات القرن 21 فصاعداً؛ فوُسمت الفترة الرئاسية (2025-2030م) بولاية «انتقال الأجيال» Mandat de Transmission générationnelle، كما وصفها رئيس الجمهورية الحَسَنُ وَتَارَا بقوله: «ستكون هذه الولاية أيضاً ولاية انتقال الأجيال. سيكون ذلك بالنسبة لي ولأمتنا، تصرُّفاً من المسؤولية والنضج السياسي»[1].
وبهذا ولَّى زمنُ التوتّرات بين الثلاثية السياسية الإيفوارية (غْبَاغْبُو Gbagbo، بِيدِيِي Bédié وَتَارَا Ouattara) الممتدُّ في ثلاثين عاماً (1990-2030م) بلا رجعةٍ. وكوت ديفوار ليست وحيدة في هذا المضمار، ولذا فأهمية الأحداث التي شهدتها إفريقيا منذ الثلاثينيات إلى اليوم جعلتها موضوعاً خصباً للبحوث والدراسات، لاستنباط دروس الماضي، وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وعليه؛ وفي ضوء تعدد مناهج الدارسين، وتنوع اهتمامات الباحثين، فإننا سنستنطق النصوص الشعرية لريغِي Reggae، باعتبارها نصوصاً شاهدةً حيّةً على الأحداث والوقائع التاريخية، منطلقةً من روحٍ أفريقانيةٍ ذات نظامٍ موازٍ للسياسات الإفريقية. وفاتحتها في هذا السياق: قصيدة «التعددية الحزبية» Multipartisme (1992) للإيفواري سَعِيدُ كُونِي «أَلْفَا بْلُونْدِي» Alpha Blondy.
أولاً: الشعر والغناء في المجتمعات الإفريقية: المفهوم والخصائص وسؤال الترجمة:
يتناول المبحث مسمّى الشعر ومكانته وخصائصه في إفريقيا، مستشكلاً ترجمته وأثره السياسيّ.
أ- مفهوم الشعر والغناء في الثقافة الإفريقية:
للشعر مكانة اجتماعية ودينية وثقافية في إفريقيا قديماً وحديثاً. والشعر، فطنة، ولذا قيل: «ليتَ شعري: أي: ليت فطنتي»[2]. وخلافاً للتفريق بين مفهومي الشعر poésie والغناء Chanson، في اللغتين الفرنسية والعربية مثلاً، فإنّهما بمعنىً في كثيرٍ من اللغات الإفريقية، مثل دُونْغِيرِي Dongguiri في لغة البَامْبَارَا Bambara أو الجُولَا Djoula، ووَايْ Waye في الوُلُوفْ Wolof، باستثناء فروقاتٍ قليلةٍ في حدودٍ ضيّقة، يصرفنا التوسّع فيها عن مرامينا الحالية.
هذا، وتسمح لنا قراءاتنا المحدودة لمعاني الشعر والغناء إفريقيّاً وعربيّاً وغربياً أوروبيّاً إلى تصنيف أنواعٍ منهما إفريقيّاً في مسمّى الشعر ومفهومه عربيّاً، ومنها: زُوغْلُو Zouglou، ورِيغِي Reggae، لاعتباراتٍ، منها منطق الدفاع عن قضيّة ما، ولا سيّما أنهما من الإنتاجات العلمية والفكرية للشعراء أو المُغَنِّين الملتزمين Les chanteurs engagés[3]، في سبيل دفاعهم عن قضايا وأفكارٍ بقناعة راسخةٍ، بصرف النظر عن العواقب المادية والمعنوية.
ومثاله: قصيدة حكومة 20 عاماً Gouvernement 20 ans (2020م) للإيفواري تِيكِينْ جَاهْ فَاكُوليِ[4] Tiken Jah Facoly، الذي اتّهم من خلالها سلطات أبيدجان عام 2020م بمجازفة إصدار أحكامٍ بالسجن 20 عاماً، لكلّ معارضٍ أو ناقدٍ، بينما تُؤَاكِل المُطَبِّلِين 20 عاماً برغدٍ.
وقد تعرّض جرّاء ذلك لضغوطاتٍ في أسرته وشيوخ قبيلته، فضلاً عن مضايقاتٍ سياسيةٍ منعته من التمتع مؤقّتاً بحقوقه النجمية وامتيازاته الفَنِّيَّةٍ، علماً أنّ الرجل كان في غنًى عن ذلك في ظلّ حكم النظام السياسي القائم، الذي يتزعّمه بنو جنسه من الشماليين، ولكنّ نزعته الأفريقانية تأبى إباءً إلّا أن يصدع بالحقّ مهما كلّفه ذلك من ثمن.
ب- خصائص الشعر الإفريقي وسؤال الترجمة:
يتميّز الشعر الإفريقي باعتماده على النغمات، مثل اعتماد الشعر العربي على البحور، مثلاً. وهو وسيلة للتعبير عن الذات والهوية، ورسم طموحات الإنسان «الأسود». ومنذ ستينيات القرن العشرين إلى اليوم، شكّل الرِّيغي Reggae أداةً للنضال ضد القمع والعنصرية والفقر، وتقرير الروحانية والهوية الإفريقية، وسايرَ سياسات إفريقيا الداخلية والخارجية نقداً وتوجيهاً.
ويمتاز الريغي بالرؤية المستقبلية، فالتجربة والحسّ النقديّ والرؤية الثاقبة تُلهم الشعراء الاقتدار العقليّ على توقع مستقبل الأحداث ومآلاتها، فتتحقّق توقعاتهم مثل فلق الصبح.
هذا، وقد أملت علينا لغةُ القصيدة ترجمتَه إلى العربية. وترجمة الأدب مهمّة صعبة، أمّا ترجمة الشعر فتكاد أن تكون مستحيلة «لتعذّر وجود المقابل اللفظيّ والدلاليّ، ولصعوبة خلق التكافؤ المعنوي والثقافي، بل ولاستحالته في أحايين كثيرة»[5]، فالجاحظ ممن قال باستحالة ترجمة الشعر[6]، وهو مذهبنا، فالمترجم قد يصيب هدفه كلَّه أو بعضه، أو يخطئه.
ومع ذلك؛ فباب المحاولة مفتوح، نظراً للمادة العلمية الهائلة من النصوص الشعرية الوفيرة في مختلف مجالات الشؤون الإفريقية، لا يُستغنى عنها في البحوث والدراسات الإفريقية المعاصرة، مثلما لا يُستغنى عن الدراسات الأوروبية الغربية، خصوصاً وأنّ الأفريقانية منظومة فكرية مستقلّة. وعليه؛ سنحاول إيصال الفكرة وتقريبها إلى القارئ العربيّ، دون ادّعاء الإحاطة وكمال الرأي.
ثانياً: قصيدة التعددية الحزبية لألفا بلوندي: الترجمة، والمفردات، والأفكار الرئيسة:
ساير الرِيغِي تفاصيل الأحداث السياسية في إفريقيا وفي كوت ديفوار منذ ستينيات القرن العشرين إلى اليوم. ويعتبر أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy ملك الريغي الإفريقيّ بلا نزاع، ومن الخطأ النظر إليه باعتباره شاعراً يتبعه الغاوون، فحسب؛ أو اعتبار شعره ترفاً من القول، وإنما هو بمثابة مفكرٍ حامل رسالةٍ للإنسانية، ومناضلٍ أفريقانيّ مصلحٍ للراعي والرعية.
أ- ترجمة قصيدة: «التعددية الحزبية» لـ«ألفا بلوندي»:
قال الشاعر:
|
1- مِسِكَارَا جَارَةِ[7]؛ الْمَالُ، يَا مَالُ 2- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ؛ وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 3- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ؛ وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 4- نَفِدَ الْمَالُ، نَفِدَ؛ وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 5- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ؛ وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 6- لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ؛ لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ 7- لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ؛ لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ دِي[8] 8- التَعَدُّدِيَّةُ الْحِزْبِيَّةُ لَيْسَتْ قَبَلِيَّهْ؛ التَعَدُّدِيَّةُ الْحِزْبِيَّةُ لَيْسَتْ قَبَلِيَّهْ 9- عِنْدَمَا تُرِيدُ الكَلَامَ[9]؛ اُسْكُتْ اُسْكُتْ أيُّها الجُولَاَ[10] 10- عِنْدَمَا تُرِيدُ الكَلَامَ؛ اُسْكُتْ اُسْكُتْ أيُّها البِيتِي[11] 11- عِنْدَمَا تُرِيدُ الكَلَامَ؛ اُسْكُتْ اُسْكُتْ أيُّها البَاوْلِي[12] 12- عِنْدَمَا تَتَكَلَّمُ قَلِيلاً؛ اُسْكُتْ اُسْكُتْ أيُّهَا الْبُيُورُجَانْ[13] 13- اَلْجُنُودُ غَاضِبُونَ…. لِأَنَّ أُجُورَهُمْ زَهِيدَةٌ 14- اَلشُّرْطَةُ غَاضِبُونَ…. لِأَنَّ أُجُورَهُمْ زَهِيدَةٌ 15- الأَسَاتِذَةُ غَاضِبُون… لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ النِّضَالِيَّةِ مُنْتَهَكَة 16- اَلطُّلَّابُ غَاضِبُونَ… يُرِيدُونَ مَزِيداً مِنَ الْحُرِّيَّهْ 17- غَضِبَ ذَوُو الأَوْرَاقِ الطَّوِيلَةِ[14]… لِأَنَّهُمْ مُرْتَطَمُونَ 18- اَلْأَطِبَّاءُ غَاضِبُونَ…. لِأَنَّ أُجُورَهُمْ زَهِيدَةٌ 19- وَالْعُمَّالُ غَاضِبُونَ… لِأَنَّهُمْ مُضْطَهدُونَ 20- اَلْحُكُومَةُ غَاضِبَةْ… خَزَائِنُ الدَّوْلَةِ فُرِّغَتْ فُرِّغَتْ |
21- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ…… وَعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ
22- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ…… وَعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 23- نَفِدَ الْمَالُ، نَفِدَ…… وَعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 24- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ…… وَعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 25- مِسِكَارَا جَارَتِي….. المَالُ، يَا مَالُ 26- مُشْكِلَةٌ فِي أَبِيدْجَانْ، مُشْكِلَةٌ فِي كُوتُونُو؛ وَفِي بَمَاكُو مُشْكِلَةٌ كُبْرَى 27- مُشْكِلَةٌ فِي لِيبْرِيفِيلْ، مُشْكِلَةٌ فِي كُونَاكْرِي؛ وفي مُونْرُوفِيَا مُشْكِلَةٌ كُبْرَى 28- مُشْكِلَةٌ فِي لُومِي، مُشْكِلَةٌ فِي كِينْشَاسَا؛ وَفِي أَدِيسْ أَبَابَا مُشْكِلَةٌ كُبْرَى 29- مُشْكِلَةٌ فِي أَبِيدْجَانْ، مُشْكِلَةٌ فِي كُوتُونُو؛ وَفِي بَمَاكُو مُشْكِلَةٌ كُبْرَى 30- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ…… وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 31- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ…… وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 32- نَفِدَ الْمَالُ، نَفِدَ…… وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 33- نَفِدَ الْمَالُ نَفِدَ الْمَالُ…… وعَمَّتِ الْأَزْمَةُ الْجَمِيعَ 34- لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ…. لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ 35- لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ…. لِنَتَّحِدْ يَا إِخْوَانِي لِنَتَّحِدْ 36- عِنْدَمَا تُرِيدُ الكَلَامَ:…. اُسْكُتْ اُسْكُتْ PDCI 37- عِنْدَمَا تُرِيدُ الكَلَامَ:…. اُسْكُتْ اُسْكُتْ PIT 38- عِنْدَمَا تُرِيدُ الكَلَامَ:…. اُسْكُتْ اُسْكُتْ USD 39- عِنْدَمَا تَتَكَلَّمُ قَلِيلاً:…. اُسْكُتْ اُسْكُتْ FPI 40- كلُّ النَّاسِ غَاضِبُونَ، غَاضِبُون |
ب- قصيدة «التعددية الحزبية» مفرداتها وأفكارها الرئيسة:
1- تعريف بالشاعر والقصيدة:
تعود القصيدة للشاعر الإيفواري أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy[15]، واسمه الحقيقي سِيدُو كُونِي Seydou Koné[16]، المولود في 01/ 01/1953م، في دِيمْبُوكْرُو Dimbokro[17] بكوت ديفوار. مفكّر أفريقانيّ وفيلسوف شاعر، أدّى فريضة الحجّ عام 2018م. وقد عُيِّنَ سفيراً للسلام للأمم المتحدة في كوت ديفوار في 21 شتنبر (سبتمبر) 2005م، كما عُيّن سفيراً للسلام لسيدياهو CEDEAO، وما زال على رأس المنصبَين، حتى اللحظة.
2- تعريف بالقصيدة:
ولقصيدته الصادرة عام 1992م في 40 بيتاً عنوانان: أوّلهما: «التعددية الحزبية»، أي: Multipartisme بالفرنسية، وثانيهما: «نَفِدَ الْمَالُ»، أي: Wari Bâna بلغة جُولَا. وهي منسوجة بثلاث لغاتٍ: لغة الجوُلَا، ثم الفرنسية، ثم العامية الإيفوارية المسمّاة نُوشِي Nouchi. ومن ثَمّ؛ فهي غنيَّةٌ من الناحية الفكرية والمعرفة اللغوية والتاريخية، فضلاً عن الثقافة العربية الإسلامية والإفريقية، لكون الشاعر ماندينغيّاً مسلماً.
ج- مفردات النصّ وغرائبه:
1- مِسِكَارَا جَارَتِي: [البيت 1]: كلمة في الجُولَا، محرّفة من العربية «مثقال ذرة»، وهي ملفوظةً بلكنة إفريقية تقليدية.
2- دِي [البيت 7]: حرف حثٍّ وتحريضٍ في الجُولاَ، وتنطَق بالإمالة Dè.
3- الجُولَا Djoula والبِيتِي Bété. والبَاوْلِي Baoulé [الأبيات: 9-11]: أشهر القبائل المتنازعة في السلطة.
4- الْبُيُورُجَانْ Bôyôrôdjan في الجُولَا: الآتي من مكانٍ ناءٍ. واستُعمل هنا بمعنى العنصرية والتعصّب.
5- أصحاب الأَوْرَاقِ الطَّوِيلَةِ: حملة الشهادات العليا في المجتمع آنذاك، كالماجستير والدكتوراه.
6- PDCI ـ PIT ـ USD ـ FPI: نماذج الأحزاب السياسية المتنازعة عام 1992م.
د- الأفكار الرئيسة للنص الشعري:
الأولى: ذكر نفاد المال وانتشار الأزمة الاقتصادية في الدولة [الأبيات: 1-5 / 21-25 / 30-33].
الثانية: دعوة الشاعر إلى الوحدة الوطنية والإفريقية [الأبيات: 6-7، ثم الأبيات: 34-35].
الثالثة: تصحيح مفهوم التعددية الحزبية ونفي المساواة بينها وبين التعددية القَبَلية [البيت: 8].
الرابعة: منع حرّية التعبير وإسكاتُ الأصوات الناصحة، بتعييرهم بانتمائهم القبلي والعشائري [الأبيات: 9-12].
الخامسة: بيان الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وفراغ خزائن الدولة، وغضب جميع شرائح المجتمع [13-20].
السادسة: ذكر عموم بلوى الأزمات والتوترات في إفريقيا، كعواصم مالي وغينيا وإثيوبيا وكونغو [26-29].
السابعة: تقييد حرّية التعبير، وإسكات أصوات النشطاء المصلحين عامة بتعييرهم بانتماءاتهم الحزبية [36-39].
الثامنة: انتشار الغضب، واعتباره واقع عامّة المواطنين [البيت: 40].
ولم يألُ الشاعر جهداً في تقريع الأسماء بالإيقاع الداخلي، كالتكرار والحذف، وتنوّع الأساليب اللفظية والتركيبية، كأسلوب الخبر الطاغي على الإنشاء، والمجاز «يَا مَالُ»، إلخ.
ثالثاً: الأزمة الاقتصادية ومحنة الخلط بين التعددية الحزبية والقبائلية (1990-1992م):
فهم القصيدة يتطلّب وضعها في سياقها التاريخي الآتي:
أ- ثورة أبريل 1990م وميلاد التعددية الحزبية في كوت ديفوار:
أحيا سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989م آمال المعارضين في إفريقيا جنوب الصحراء، وتزامن ذلك مع انهيار سعر الكاكاو Cacao، ما أدخل الاقتصاد الإيفواري في أزمة حادة. وفي هذا السياق؛ قاد الأستاذ الجامعي وزعيم المعارضة لُورَانْ غْبَاغْبُو، رئيس حزب الجبهة الشعبية الإيفوارية FPI آنذاك[18]، مظاهرةً كبرى ضدّ الحكومة في 30 أبريل 1990م بأبيدجان، هي الأولى منذ الاستقلال.
حمّل المتظاهرون الرئيس فِلِيكْسْ هُوفُوِيتْ بُوَانْيِينْ (1905-1993م)[19] مسؤولية الأزمة الاقتصادية، واتّهموه بالسرقة بتفريغ خزائن الدولة، وطالبوا باستقالته بعد ثلاثة عقود في الحكم، رافعين شعار «لم نعد نريد هوفويت». وكان المطلب الأساسي هو إقرار التعددية الحزبية باعتبارها مدخلاً للديمقراطية. وأسفرت الضغوط عن الاستجابة؛ ففي 31 مايو 1990م وافق مجلس الوزراء على تسجيل الأحزاب التسعة المعارضة الأولى، ممهداً الطريق للتعددية السياسية في البلاد.
ب- الأزمة الاقتصادية ونهاية المعجزة الإيفوارية (1990م):
وفي حين احتفال المعارضة بالفوز باعتماد التعددية الحزبية كانت خزائن الدولة فارغةً، وكانت أصابع التهم موجّهة أساساً إلى رئيس الجمهورية هوفويت، باعتباره «سارقاً». وهي تهمة قديمة متجددة، فظلّ الرئيس ينفيها عن نفسه منذ بدايات الثمانينيات حتى وفاته[20].
ومهما يكن، فقد كانت الأزمة الاقتصادية الإيفوارية حينها حقيقة مرّة، نتيجة الهبوط الحادّ لسعر الكَاكَاوُ Cacao، فكان بذلك نهاية المعجزة الإيفوارية Miracle Ivoirien، التي كان يطمح إليها كثيرٌ من الدول الإفريقية. ولذا؛ فرض صندوق النقد الدولي FMI شرطاً على كوت ديفوار في يونيو 1990م، لتحسين وضعها الاقتصادي.
ولم يكن بيد الرئيس هوفويت حلٌّ سوى استدعاء الحسن وتارا، وتعينه الوزير الأوّل للحكومة في 07 نوفمبر 1990م، نظراً لخبرته الاقتصادية.
ج- أثر التعددية الحزبية في تغذية التمييز العنصري والصراع القبلي:
في يوم 31 مايو 1990م، أَذِن مجلس الوزراء رسمياً بتوقيع إيصالات تسجيل أول تسعة (9) أحزاب معارضة، وهي حسب ترتيب إعلانها: الجبهة الشعبية الإيفوارية FPI، والحزب الجمهوري لكوت ديفوار PRCI، والحزب الإيفواري للعمال PIT، واتحاد الديمقراطيين الاجتماعيين USD، والحزب الاشتراكي الإيفواري PSI، وحزب التنمية والتضامن PDS، والحزب الوطني الاشتراكي PNS، والحزب الاشتراكي الديمقراطي PSD، وحزب الوحدة الشعبية PUP.
وبعد مرور عامٍ واحدٍ فقط من ولادة التعددية، أي: في مايو 1991م، وصل عدد الأحزاب السياسية في كوت ديفوار إلى 40 حزباً سياسياً معارضاً، وفي ملكيتها 19 وسيلةً إعلامية معارضة مقابل 3 وسائل إعلامية للحزب الحاكم. والحالة هذه أنّ كوت ديفوار تحتوي على أكثر من ستين (68) قبيلة، وفي ظلّ غياب مشاريع سياسية حقيقية تحوّلت القَبَلية ذاتها إلى مشروعٍ سياسيٍّ لدى بعض المعارضين، فصار الانتماء الحزبيّ تابعاً للانتساب القَبَلي.
وعليه؛ لم يكُ تعيين الخبير الاقتصاديّ الحسن وتارا الوزير الأوّل للحكومة كافيّاً في حلّ الأزمة الاقتصادية في الدولة. فهو مسلمٌ وجُولَا من أبناء الشمال، وعُيِّنَ وزيراً أوّل على رأس حزب PDCI الحاكم، المحسوب لقبائل بَاوْلِي Baoulé، ورَاعي المسيحية الكاثوليكية في آنٍ، وقد بلغ الرئيس هُوفْوِيتْ من الكِبَر عتيّا، إذ كان ابن 86 عاماً في عام 1992م، فبرز موضوع خلافته مطروحاً بين ورثته في الحزب الحاكم والمعارضة.
وكان من الأسماء المتداولة بين الإيفواريين:
▪ هَانْرِي كُونَانْ بِيِدِيِي (1934-2023)[21]: وهو كاثوليكيّ من قبائل بَاوْلِي Baoulé، ورئيس البرلمان آنذاك، وقد ظلّ يُعَرّف نفسه كالوريث الشرعيّ الوحيد للحكم بعد هوفويت.
▪ الحسن وَتَارَا: وهو مسلمٌ منحدرٌ من الشمال، وقد فهم كثيرٌ من الإيفواريين في تعيينه الوزير الأوّل لإنقاذ الدولة من الأزمة الاقتصادية إيحاءً من الرئيس هوفويت بكونه الأصلح للرئاسة بعده.
▪ لُورَانْ غْبَاغْبُو: زعيم المعارضة الكاثوليكي، من قبائل بِيتِي Bété، الذي كان يرى نفسه الرجل الأقوى والأنسب في الحكم بعد هوفويت.
رابعاً: التعددية الحزبية والقبلية بين الرؤية السياسية والأفريقانية: (1992م): توقع وإنذار:
ترسم قصيدة «التعددية الحزبية» لألفا بلوندي لوحة الأيام السوداء التي عاشتها إفريقيا وكوت ديفوار بين عامي 1990م و1992م، بسبب الأزمات الاقتصادية، وسوء تدبير تعدد الأحزاب السياسية، راجياً السعي لاحتواء المشكلات قبل الانفجار، وانهيار البنيات الاجتماعية برمّتها.
وبتفحص محتوى النصّ الشعري، نسجّل الوقفات الآتية:
الوقفة الأولى: التعددية الحزبية (1989-1990م): آمال ومحاذير:
طالما عُدَّت الديمقراطية، عبر اعتماد التعددية الحزبية، بمثابة عصا موسى التي ستحلّ مشكلات إفريقيا. ولكن، أوجس الأفريقانيون في أنفسهم خيفةً من تحويل التعددية الحزبية إلى أسلحةٍ مرعبة وخطيرة ضدّ الوحدة الوطنية. يقول أَلْفَا بْلُونْدِي: «لما وصلت حادثة الديمقراطية، كان خوفنا عدم تحويلها إلى بُعْدٍ قَبَليٍّ»[22]. وكأنّه شعر بأنّ إسناد تعدد القبائل والأزمة والاقتصادية إلى تعدد الأحزاب يمكن أن يؤول إلى نتائج كارثية في النهاية، خصوصاً عند دعوة كلّ مكوّن قَبَلي إلى حزبٍ أسّسه فردٌ من قبيلته دون غيره، وهذا بالفعل ما حصل لاحقاً، وللأسف.
الوقفة الثانية: أثر التعددية الحزبية في تأجيج العنصرية والصراعات القبلية:
يشير الواقع السياسي في إفريقيا إلى توظيف النعرات الطائفية وصناعة صراعات قَبَلية. وقد وُفِّقَ السعودي د. عبد الله الغزامي[23] في تفريقه بين القبيلة بوصفها كياناً اجتماعياً تاريخياً تراجعت وظيفته، والقبائلية كأيديولوجيا ذهنية انتقلت روحها إلى مؤسسات الدولة الحديثة، مثل الأحزاب والتيارات الفكرية والجامعات، حيث يمارس الأفراد الانحياز والتعصب للفئة بنفس العقلية القديمة[24].
فباسم الديمقراطية أُنشئت الأحزاب السياسية في إفريقيا، فنجحَتْ في حسن تنظيمها دولٌ، كغَانَا والسنغال، بينما وقعت أخرى في فخّ القبائلية كغينيا وكوت ديفوار، فبمنطقها تتنازع الثُلاثية الحزبية الإيفوارية، وهي: حزب PDCI لقبائل البَاوْلِي Baoulé أتباع هُوفْوِيتْ، ثم بِيدِيي Bédié، وحزب RDR للجُولَا Djoula أنصار الحسن وتارا، وتحوّل عام 2017م إلى حزب RHDP، وحزب FPI للبِيتِي Bété لأنصار لُوَرَانْ غْبَاغْبُو، الذي أسّس بدله حزب PPA-CI عام 2021م. وآلَتِ الحالةُ إلى أنّ «الحقّ ليس الحقّ؛ بل ما تؤمن به قبيلتي»[25].
وهذه المشكلة أراد الشاعر علاجها بقوله: «التعددية الحزبية ليست قبيلة». ويعزّزه السنغالي د. سُلَيْمَانُ بَشِيرُ جَانْ[26] بقوله: «نحن نعيش في عالم يعاني من الانقسامات القَبَلية، فعلينا التصرّف بإنسانية»[27].
الوقفة الثالثة: كراهية الأجانب: بُيُورُجَانْ Bôyôrôdjan:
مصطلح بُيُورُجَانْ Bôyôrôdjan مفهوم سياسي يعني التمييز العنصريّ وزرع كراهية الأجانب، وبُنِيَ عليه تصنيف الشماليين والمسلمين أجانب، أو مواطنين من الدرجة الثانية. فقد أصدر أَلْفَا قصيدته عام 1992م لشُعوره بالخوف من أن يستغلّ السياسيون هذا المفهوم مستقبلاً لتفضيل بعض الإيفواريين على بعض، وتحقيق أجنداتٍ سياسية، فيؤدّي ذلك إلى انهيار التماسك الاجتماعي في الدولة.
فلا عجب- والأمر كذلك- فقد أعاد بِيِدِيِي Bédié صياغته بمفهوم إِيفُوارِتِي Ivoirité عام 1993م، لتحييد الحسن وتارا، أقوى منافسيه من رئاسيات 1995م، وتتطوّر الأمر بعده إلى إدخاله في دستور 2000م.
الوقفة الرابعة: عموم الأزمة الاقتصادية والسياسية في إفريقيا:
كانت أزمة التعددية الحزبية والاقتصادية مما عمّت به البلوى في إفريقيا (1990-1992م)، حيث عمّت آثارها المجتمع الإيفواري، كما سادت حالة غليان مماثلة في دول أخرى.
ففي مالي اندلعت احتجاجات 1990م، وتطوّرت إلى انقلاب عسكري بقيادة أَمَادُو تُومَانِي تُورِي ATT ضد حكم موسى تراوري في 26 مارس 1991م، أعقبه انتقال سياسي انتهى بفوز أَلْفَا عُمَرُ كُونَارِي في انتخابات أبريل 1992م، بينما عانت غينيا وغيرها من الدول المذكورة في القصيدة أزمات متقاربة، ما يؤكد أن الأزمة عمّت الجميع حقّاً.
الوقفة الخامسة: البعد الأدبيّ والتعدد الثقافي واللغوي:
يكمن البعد الأدبي والتعدد اللغوي الثقافي في القصيدة من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: استثمار ثلاث لغاتٍ في القصيدة:
▪ الأولى: جُولَا Djoula: وهي أشهر لغات الماندينغ، وهي لغة التعليم والخطاب الإسلاميَّيْنِ في مناطق في إفريقيا، مثل كوت ديفوار ومالي، وبوركينا فاسو وغينيا، وغَامبيا.
▪ الثانية: الفرنسية: وتنصّ الفقرة 5 من المادة 48 من دستور 2016م بأنّ «اللغة الرسمية هي الفرنسية»[28].
▪ الثالثة: العامّيّة الإيفوارية نُوشِي Nouchi.
الوجه الثاني: العامّية الإيفوارية نُوشِي Nouchi:
وهي لغةً في الجُولَا: شَعْرُ الْأَنْفِ، واصطلاحاً: عَامِّيَّةٌ إيفوارية وُلدت في السبعينيات من القرن العشرين،[29] ثمّ تطوّرت من الثمانينيات إلى اليوم. وتتشكَّل من الخلط بين لغات إيفوارية وأوروبية: مثل جُولَا وبَاوْلِي وبِيتِي، والفرنسية والإنجليزية والإسبانية[30]. واندماج اللغات من آثار تعدد الثقافات، إذ نشأت العامّية بين الشباب الذين انقطعوا عن الدراسة في سنٍّ مبكرة، وفي غيابٍ لغةٍ واحدةٍ تجمعهم للتواصل في ظلّ اختلاف لهجاتهم، لجؤوا إلى الخلط بين مفردات لغاتهم الأمّ وبقايا مفردات اللغات الأوروبية العالقة في أذهانهم.
الوجه الثالث: الاقتراض اللغوي بين الجُولَا والعربية:
فكلمة مِسِكَارَا جَارَتِي Missikarra djarati الواردة في النصّ[31] من لغة من جُولَا، وهي مُحَرَّفَةٌ من المصطلح العربي الإسلامي «مثقال ذرة»[32]. وفي نطقها بتلك اللكنة الإفريقية «مِسِكَارَا جَارَتِي» تجلّيات التعليم العربي الإسلامي القديم، في الكتاتيب والدهاليز. وقد ورد ذكرها أيضاً في قصيدة أخرى للشاعر عنوانها: «سُوقُ الذِّئَابِ» Souroukou logo، (2002)، حين كان يحكي يأسَه من انعدام العمل بسبب الأزمات وفقدان الأمل، فأصبحت أوروبا والغرب قِبلةً للشباب، فقال: «بِدُونِ عَمَل؛ فَلَا مِسْكاَرَا جَارَتِي مِنَ الْمَال».
الوقفة السادسة: تجليات المبادئ الأفريقانية في القصيدة:
تُعتبر الأفريقانية نفسها نظام حكم موازٍ يسعى لإصلاح اعوجاج السياسات الداخلية (الوطنية والإقليمية) والخارجية (التأثير الآتي من الغرب والعرب) في إفريقيا جنوب الصحراء. وخلافاً للأنظمة السياسية المالكة لسلطة الزجر والردع؛ فإنّ الأفريقانية لا تملك سوى استعمال سلاح القول؛ بالاستنكار والتنديد، والإبلاغ والشكاوى في المحاكم الإنسانية في المجتمعات المدنية.
ومن هذا المنطلق؛ فإنّ القول الأفريقانيّ ليس مريحاً في إفريقيا، بل هو قولٌ مزعجٌ تسعى السلطات الحاكمة دوماً لإسكاته أبداً. وفي سياق هذه القصيدة؛ نلاحظ ما يأتي:
▪ الملاحظة الأولى: وجوب القول لتصحيح الأخطاء والمفاهيم السياسية:
المبدأ الأفريقاني في الفكر السياسيّ ينطلق من مبدأ «السياسة سيّئة» و«السياسة جهلٌ»[33]، وأنّها «فتنة» و«مصيبة»، تؤدّي إلى الهرج والحرب، وقطع الأرحام وهجران الأقارب[34]. وعليه؛ تَعتبرُ السياسة منكراً يجب تغييره وإصلاح مساوئه باللسان. ومبدأ البلاغ يكمن في محاولات الشاعر المتكرّرة لقول الحقّ، وكلّ مرّة يُقَابَل بسياسة قمعية لإسكاته بمنعه من حرّية التعبير، إمّا بتهمة الانتماء إلى قبيلةٍ معيّنة، أو حزبٍ معيّنٍ، أو بكونه مواطناً من الدرجة الثانية «بُيُورُجَانْ» Bôyôrôdjan.
هذا، ومن موجبات القول الأفريقاني، تصحيح المفاهيم المغلوطة في السياسات الإفريقية. ولما اختلط مفهوم التعددية الحزبية بالتعددية القَبَلية، وجب تصحيحه لمصلحة الراعي والرعية، سعياً لتحقيق الوحدة الوطنية.
▪ الملاحظة الثانية: الدعوة إلى الوحدة الإفريقية:
الوحدة الإفريقية من أهم ركائز الأفريقانية وحلمها منذ القدم. والمقصود بها توحيد أمم إفريقيا جنوب الصحراء بتشكيل دولٍ فيدرالية، بتأسيس ولاياتٍ متحدّة إفريقية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية. وإلى الآن، لم أر نصّاً وصف تفاصيل هذا الحلم بشكلٍ أدقّ، مثل قصيدة «سيكون رائعاً» ça va faire mal (2004)[35]، للإيفواري تِيكِينْ جَاهْ فَاكُولِي Tiken Jah Facoly، الذي يرى الوحدة وسيلةً لاستبدال النظام الدوليّ الحالي بنظامٍ آخر أكثر عدالةً وإنصافاً، يمنح الإفريقيين حقّ المفاوضة ومعارضة القوى الكبرى عند اختلاف المصالح، ومحاربة الفقر… إلخ.
وبالجملة؛ فهذه هي الوحدة الإفريقية التي دعا إليها ألفا بلوندي في قصيدته «التعددية الحزبية». وما زال يدافع عن موقفه، بقوله: »بصفتي قائد الرأي Leader d’opinion كان عليّ أن أُنَبِّهَ إخواني وأخواتي في كوت ديفوار بأنّ تعدديتنا ثراءٌ، فلا ينبغي استغلالها كعامل تنازعٍ«[36]. بل، يرى بأنّ محتوى القصيدة كان موضع اتفاقٍ لدى الساسة قاطبة، بقوله: «كلّهم شجّعوني بأنني كنت محقّاً، ولكن، هل فهموا رسالتي؟ فلستُ أدري!»[37].
الخاتمة:
لاحت آفاق الديمقراطية في إفريقيا، بين عامي (1989-1990م) الميلاديين، بميلاد التعدد الحزبي. لكن، سرعان ما انقلبت الموازين، وتحوّل مبدأ تعدد الأحزاب إلى كابوسٍ سياسيٍّ في إفريقيا، إذ طُبقت التعددية الحزبية بمعيار التعددية القَبَلية، فتعدّدت الأحزاب بتعدد المجموعات العرقية، وصار الانتماء الحزبي تابعاً للانتساب القَبَلي، ليكونا بعد ذلك من موانع النقد البنَّاء في السياسات الإيفوارية والإفريقية.
وبما أنّ الأفريقانية نظام حكمٍ موازٍ يَدَّعي تبنّي البعد القيميّ والأخلاقي في مواجهة السياسيات الداخلية والخارجية في إفريقيا، فقد توقع الشاعر الأفريقاني أَلْفَا بْلُونْدِي أنّ يكون الخلط بين التعددية الحزبية والقَبَلية قنبلةً موقوتة ستنفجر إذا لم يُعَطّل مفعولها، فكان أَلْفَا بْلُونْدِي بمثابة نذير يرى الحريق قبل اندلاعه، فأنذر من انهيار البنيات الاجتماعية وأعذر.
فبناءً على كون الكلام سلاحاً ماضيّاً للنضال الأفريقاني ومحاربة الفجور السياسي؛ فإنّ قصيدة «التعددية الحزبية» أتت لتأكيد وجود الأزمة الاقتصادية في إفريقيا وفي كوت ديفوار ما بين عامي 1990-1992م، فدعت إلى الوحدة والاتحاد، والتوعية والإصلاح السياسي والاجتماعي بتجنّب الخلط بين التعددية الحزبية والقَبَلية، ونبذ التعصّب والعنصرية وتقييد حرّية التعبير. وأجمعت كلمة الساسة قاطبةً على صحّة أطروحة القصيدة، لكنّ تغليب المصالح الشخصية أبعدهم عن الأخذ الحاسم بما فيها من تنبيهات وتحذيرات، فشهدوا انقلاباً عسكريّاً، فحرباً أهلية.
………………………………
[1] Investiture de SEM Alassane Ouattara Président de la République de Côte d’Ivoire, Diffusée en direct le 8 déc. 2025, sur: https://www.youtube.com/watch?v=5ZrPLOMghrs
[2] النهشلي، عبد الكريم: الممتع في صنعة الشعر، منشأة المعارف بالإسكندرية، تحقيق محمد زغلول سلام، ص6.
[3] للتفاصيل، يراجع بعنوان: «الشعر الإفريقي مفهوماً ومدخلاً إلى الأفريقانية: اُهْرُبْ يا سَامُورِي لِأَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy نموذجاً»، نشرته مجلة قراءات إفريقية.
[4] هذا اسم الشهرة، واسمه الحقيقي هو موسى دومبيا Moussa Doumbia.
[5] بن عبد العزيز أحمد / قلو ياسمين: شروط ترجمة المصطلحات القرآنية وضوابطها، العدد:12. المجلد 09، السداسيّ الثاني: 2019م، مجلة معالم، الجزائر، ص170.
[6] الجاحظ، الحيوان: دار الكتب العلمية، ط2، ج1، 1992، ص (77-78).
[7] كلمة في الجُولَا Djoula محرّفة من «مثقال ذرة» في العربية.
[8] دِي/ dè: حرف حثٍّ وتحريضٍ في الجولا. وتُنطق بالإمالة.
[9] في الكلام إضمارٌ، تقديره: عندما تريد الكلام يقال لك: اُسْكُتُ أيّها…
[10] الجُولَا Djoula: قبائل الماندينغ، ويُعرَفُون أيضاً بـ«الشَّمَاليين» و«المسلمين»، ومنهم الرئيس الحسن وتارا.
[11] بِيتِي Bété: المجموعات العرقية الساكنة في الوسط الغربي للدولة، ومنهم الرئيس السابق لوران غباغبو.
[12] بَاوْلِي Baoulé: : المجموعات العرقية الساكنة وسط كوت ديفوار، ومنهم الرئيسان هوفويت، وكونان بيديي.
[13] الْبُيُورُجَانْ Bôyôrôdjan في جولا: الأجنبي والغريب: الإنسان الآتي من منطقة نائية.
[14] الطبقة المثقفة في المجتمع، حملة الشهادات العليا.
[15] أَلْفَا Alpha: من أسماء الله تعالى في الكتاب المقدّس. وبُلُونْدِي Blondy، كلمة محرّفة من اللفظة الفرنسية Bandit، وتعني: المجرم: وتطلق على المراهق المشاغب. نادته جدّته يوماً، فقالت: «ألفا بَانْدِي»، أي: Alpha Bandit، فأخطأت في الفرنسية فقالت: Blondy، بدل: Bandit، فذاعت التسمية بين الناس.
[16] «سِيدُو» محرّف من «سعيد».
[17] مدينة وسط كوت ديفوار، تبعد عن أبيدجان بنحو 240كلم.
[18] ـ الرئيس السابق لكوت ديفوار (2000-2011م)، وزعيم المعارضة الحالية، ورئيس حزب (PPA-CI).
[19] أول رئيس للدولة، وفترة حكمه بين عامي (1960-1993م).
[20] https://web.facebook.com/reel/1344220393591211
[21] شغل منصب وزير الاقتصادية والمالية (1966-1977م)، ورئيس البرلمان (1980-1993م)، ثم رئيس الجمهورية (1993-1999م)، وظلّ رئيس حزب PDCI بعد هوفويت حتى وفاته (1993-2023م).
[22] https://www.rfi.fr/fr/podcasts/des-refrains-pour-l-histoire/20250816-multipartisme-d-alpha-blondy-l-alerte-avant-la-fracture?fbclid=IwY2xjawPLHLZleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFuNXpFaTU2U0F6b1Yzekswc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHs9gIFvaL01hQTtZfISVBhoB6miKbxKwqDUE5GmDmYmDVaJdkNfP_p2mGtgF_aem_vdJBKZy4SRr9kIgQ2U8V-A&utm_slink=rfi.my%2FBvYf
[23] مفكر سعودي، وأستاذ النقد والنظرية بكلية الآداب، قسم اللغة العربية- جامعة الملك سعود بالرياض.
[24] الغذامي، عبد الله محمد: القبيلة والقبائلية، أو هويات ما بعد الحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 2009م.
[25] المرجع السابق.
[26] مفكر إسلامي وفيلسوف الترجمة، مهتمّ بقضايا الحوار بين إفريقيا والغرب، والإسلام والحداثة، وأستاذ دولي في جامعة هارفارد بأمريكا، وجامعة باريس، فضلاً عن جامعة شيخ أنتا ديوب في دكار، وغيرها.
[27] Souleymane Bachir Diagne : “Nous avons un monde tribalisé. Nous devons agir en tant qu’humanité”, https://www.youtube.com/watch?v=KjHNwyn_iyw
[28] LOI n° 2016-886 du novembre 2016 portant Constitution de le République de Côte d’Ivoire, Art 48, alinéa 5.
[29] http://www.nouchi.com/le-nouchi/origine-du-nouchi.html
[30] Béatrice Akissi Boutin, Jérémie Kouadio N’Guessan. Le nouchi c’est notre créole en quelque sorte, qui est parlé par presque toute la Côte d’Ivoire. Peter Blumenthal. Dynamique des français africains : entre le culturel et le linguistique, Peter Lang, 2015, p.2.
[31] القصيدة [البيت 1].
[32] وردت 6 مراتٍ في 4 سور في القرآن الكريم. ومنها سورة الزلزلة في [الآيتين: 7 و 8]. كما وردت في السنة النبوية أيضاً.
[33] Alpha Blondy, Politiki, 1993.
[34] Tiken Jah Facoly, Politiqui kele, 1999.
[35] الترجمة الحرفية لجملة ça va faire mal هي: «سيكون مؤلماً»، وهذا السياق بمعنى «سيكون رائعاً»، من باب «إطلاق الشيء وإرادة ضدّه»، وهو أسلوب معروفٌ في علاقة التضاد في باب المجاز المرسل في البلاغة العربية.
[36] https://www.rfi.fr/fr/podcasts/des-refrains-pour-l-histoire/20250816-multipartisme-d-alpha-blondy-l-alerte-avant-la-fracture?fbclid=IwY2xjawPLHLZleHRuA2FlbQIxMABicmlkETFuNXpFaTU2U0F6b1Yzekswc3J0YwZhcHBfaWQQMjIyMDM5MTc4ODIwMDg5MgABHs9gIFvaL01hQTtZfISVBhoB6miKbxKwqDUE5GmDmYmDVaJdkNfP_p2mGtgF_aem_vdJBKZy4SRr9kIgQ2U8V-A&utm_slink=rfi.my%2FBvYf
[37] المرجع السابق.











































