ألقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خطابه نصف السنوي أمام البرلمان الإثيوبي (3 فبراير الجاري) قبل أقل من أربعة أشهر من انعقاد الانتخابات العامة المقررة في إثيوبيا (1 يونيو المقبل)، وقدّم في الخطاب دفاعًا عن أداء حكومته وحزبه في المجالات الاقتصادية والسياسية والتنموية؛ كما تطرّق في خطابه لملفات سياسات إثيوبيا الخارجية، وفي قلبها مسألة “سد النهضة”، وتفنيد الموقف الأمريكي الأخير منها.
ويبدو من الخطوط العامة للخطاب، ونزوعه إلى تبرير إخفاقات حكومة آبي أحمد الاقتصادية والسياسية، ثم إعادة إنتاج خطاب خارجي تقليدي “بتصفير المشكلات”؛ أن رئيس الوزراء الإثيوبي يُمهّد لولاية جديدة لحكومته مع ضمان ألّا تتم مُساءلتها شعبيًّا عن الفترة السابقة، أو التدخل في إدارتها لاحقًا.
تقييم الوضع الداخلي: التخلُّص من “الصراع التاريخي”
قدَّم آبي أحمد في خطابه المُطوَّل إضاءات حول الوضع في بلاده؛ ورأى أنه من بين أهداف الإصلاح الاقتصادي الرئيسة في إثيوبيا تحقيق استقرار في اختلالات الاقتصاد الكلي، وتحقيق نموّ رفيع المستوى.
وربما كان المشهد السياسي الحالي في إثيوبيا مثيرًا للدهشة وسط دعوات آبي أحمد للإصلاح السياسي؛ إذ لا يوجد في البلاد حزب معارض واحد مستقلّ بشكل حقيقي، بحسب رَصْد عدد من المراقبين الإثيوبيين، يمكنه خوض المنافسة مع حزب الازدهار بشكل حرّ وذي مصداقية؛ فالأحزاب المُدرَجَة في قوائم الانتخابات المرتقبة إما تعمل في فلك الحزب الحاكم، أو أنها قائمة لتحافظ على شكل التعددية الحزبية في ظل حكم “حزب الازدهار”، كما أنها لا تفرض –في المحصلة- أيّ تهديد على الحزب الأخير. كما توجد أحزاب هي من صنع النظام نفسه لتغذية الفُرْقَة في وسط “المعارضة الإثيوبية”.
كما أن الشخصيات السياسية الهامة في إثيوبيا قد تم تحييدها بشكل كامل تقريبًا عبر القمع أو التضييق القانوني أو الاستمالة أو بالقوة، ونتيجة لذلك فإن المنافسة السياسية قد تغيَّرت من صناديق الاقتراع على الاحتكام لمنطق القوة العسكرية والأمنية بشكل كامل، وفي ظل هذه الأوضاع فإن الانتخابات الإثيوبية المُقبلة تظل شكلية تمامًا.
وعلى طرف نقيض خطاب آبي أحمد عن ضرورة العمل على التخلص من “الصراع التاريخي” بين المجموعات الإثنية الرئيسة في بلاده، فإنه ثمة دعوات حثيثة في إثيوبيا إلى ضرورة “تكوين حكومة انتقالية” كمخرج وحيد للمأزق السياسي الحالي ونزعة الاستبداد السياسي لآبي أحمد وحزب الازدهار، على أن يتم تكوين مثل هذه الحكومة عبر “حوار وطني واسع النطاق”، وأن تشمل جميع القوى السياسية (وحتى القوى المسلحة أو غير المسلحة في الأقاليم المختلفة)، وأن تضمن العملية تمثيلًا عادلًا للقوميات المتنوعة في إثيوبيا.
وأشار معارضون إثيوبيون، ردًّا على خطاب آبي أحمد في واقع الأمر، إلى أن خيار تكوين حكومة انتقالية لا يعني (بالضرورة) فشل الحكومة الحالية أو حزب الازدهار، بل إنها ستمثل حلًّا عمليًّا للأزمة السياسية الراهنة، لا سيما أن مَهمتها ستقتصر على تحقيق الاستقرار في البلاد، وإصلاح مؤسسات الدولة الرئيسة، واستعادة الحريات المدنية والسياسية وإعادة بناء الثقة بين مكونات الدولة الإثيوبية المختلفة، وإعداد المناخ العام لعقد انتخابات أكثر شفافية وقدرة على التعبير عن خيارات المواطن الإثيوبي.
الصراع مع إريتريا: التبرؤ من دماء حرب التيجراي!
شهد خطاب آبي أحمد نصف السنوي أمام البرلمان الإثيوبي تصريحًا هو الأول من نوعه عن ارتكاب القوات الإريترية (التي تدخلت في حرب التيجراي الأخيرة لصالح نظام آبي أحمد والحيلولة دون سقوطه)، بارتكاب جرائم وانتهاكات في حرب التيجراي (2020- 2022م). واعترف آبي أحمد بقيام القوات الإريترية بمذابح مروعة في أكسوم، وهي الاتهامات التي سبق أن أنكرتها إريتريا في السابق بعد تقارير صدرت وقتها عن عمليات قتل جماعي في المدينة على مدار يومين في نوفمبر 2020م.
كما أقر آبي أحمد خلال الخطاب بإقدام الجيش الإريتري على عمليات قتل جماعية بحق الشباب الإثيوبيين وعمليات “تدمير المنازل، ونهب الممتلكات وتدمير الصناعات والاستيلاء على آلات المصانع في أماكن مثل عدوة وأكسوم وأديجرات وشاير”. كما أوضح في الخطاب إرساله مبعوثين إلى إريتريا خلال الصراع داعيًا حكومتها إلى إنهاء “التخريب والقتل”.
ثم أضاف رئيس الوزراء الإثيوبي، في نَهْج معروف عنه بالقفز فوق المشكلات واتهام شركائه بارتكاب الجرائم التي يتورط فيها شخصيًّا مع جنوح لإثارة خلافات خارجية للتغطية على أزماته في الداخل، أن التدهور في العلاقات الإثيوبية-الإريترية بدأ خلال المراحل المبكرة من حرب التيجراي، وما ارتكبته القوات الإريترية من جرائم “وليس بسبب مساعي إثيوبيا الأخيرة للوصول إلى منفذ على البحر الأحمر” بحسب زعمه.
وأكّد في الخطاب أن “البعض يرى أن المشكلة بين الحكومتين الإثيوبية والإريترية قد ظهرت بسبب إثارة الحكومة الإثيوبية مسألة البحر الأحمر. إن ذلك الرأي غير صحيح”، كما أوضح في السطور السابقة. وبرَّر تأخره في إعلان انتهاكات الحكومة الإريترية بحق مواطنيه إلى نأي الحكومة (الإثيوبية) الفيدرالية في ذلك الوقت بنفسها عن اتهام إريتريا علنًا بما ارتكبته قواتها. مؤكدًا: “لقد افتقرت الحكومة الفيدرالية للقدرة على خوض معركة في جبهات متعددة”، حسبما أضاف، مؤكدًا أن قواته “كانت تركز على ملاحقة جبهة التحرير الشعبية التيجرانية”، ثم ذكر آبي أحمد أنه سعى على نحوٍ متكرر لإنهاء الانتهاكات عبر القنوات السلمية، داعيًا القوات الإريترية إلى “عدم إرهاب شعب التيجراي” أو نهب ثروته.
ويتضح من سردية آبي أحمد جهوده الحثيثة لغسل يديه من دماء عشرات الآلاف من القتلى في حرب التيجراي على يد القوات الفيدرالية والإريترية وقوات أخرى وفدت من خارج إثيوبيا لدعم حكومة أديس أبابا في حربها تلك؛ إضافة إلى معاناة مئات الآلاف ممن شُرِّدوا وعانوا أشد المعاناة من تَبِعات الحرب في إقليم التيجراي. كما يبدو أن غاية آبي أحمد من هذه السردية المفككة، والتي يضعها في سياق تصريحات “جريئة”، تتمثل في استعادة قدر من الثقة الشعبية المفقودة فيه وفي قدرته على تمثيل كافة مكونات الشعب الإثيوبية دون تمييز أو تفرقة عرقية ودينية وسياسية.
سد النهضة وتسويق السردية الإثيوبية:
انتهز رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد فرصة مخاطبته لأعضاء البرلمان الإثيوبي لإبداء ملاحظات هامة حول موقف أديس أبابا من مسألة سد النهضة (مع مصر والسودان)، وتوضيح موقفه من ملاحظات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أكَّدها في منتدى دافوس الاقتصادي (المنتدى الاقتصادي العالمي) في منتصف يناير 2026م والتي أكَّد فيها، عبر خطاب وجَّهه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تقديره دور الرئيس المصري المشهود في وساطة وقف إطلاق النار في غزة، قبل إعلان استعداده لإطلاق الوساطة الأمريكية مجددًا بين إثيوبيا ومصر من أجل “تسوية مسؤولة لقضية التشارك في مياه النيل” مرة واحدة وللأبد؛ وأن بلاده تريد التوصل لنتيجة تضمن حاجات مصر والسودان وإثيوبيا المائية، عبر دور أمريكي قوي في “مراقبة الأطراف والتنسيق فيما بينها، وعلى خلفية توافر خبرة فنية سليمة ومفاوضات نزيهة وشفافة، لتحقيق حل دائم؛ الأمر الذي اعتبره مراقبون إثيوبيون اتساقًا تامًّا مع مطلب مصر الأساسي في الملف بوجود ضامن أمريكي وحلّ مُلزم ودائم. كما طالب ترامب في الخطاب بتصريف متوقّع للمياه خلال فترات وسنوات الجفاف التي تُواجه مصر والسودان، وأنه يجب ألا تسيطر دولة منفردة على النيل، أو أن تُلحق الضرر بجيرانها (في إشارة ضمنية لإثيوبيا)، ويمكن أن تقوم الأخيرة ببيع الكهرباء المتولدة من سد النهضة للسودان ومصر. ولفت في ختام خطابه إلى أن المسألة تأتي في قمة أجندته فيما يعمل على تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وإفريقيا.
وبدوره رأى آبي أحمد في خطابه (3 فبراير) أنه لا صحة “لادعاءات” ترامب أن بلاده قد مَّولت سد النهضة “وأنه يحجز مياه النيل” عن مصر والسودان. ورد آبي أحمد على الخطوط العريضة لرؤية ترامب قائلًا: “لم نتلقَّ برًا واحدًا (عُملة إثيوبيا) سواء في شكل قروض أو معونات مالية من أيّ مصادر خارجية لتشييد السد العملاق. لقد حققنا ذلك (بناء السد) عبر الالتزام القوي للإثيوبيين الذين يعيشون في البلاد أو في الخارج”، وأوضح أن “سد النهضة الإثيوبي العظيم، والذي بدأ تشييده في العام 2011م، قد تم تمويله عبر الضرائب والقروض من الإثيوبيين”، ولفت إلى أن الشركة التي قامت بتشييد السد تقول: إنه ليست هناك حاجة لمنع مياه النيل عن مصر، وأن السد –بحسب آبي أحمد- يصرف المياه لإنتاج الطاقة، وأنه “لا توجد مشاريع للري تستهلك مياه (بحيرة) السد” حسبما نُقل عن بيترو ساليني Pietro Salini الرئيس التنفيذي لشركة Webuild التي قامت بتشييد السد.
وفي مناورة دبلوماسية مألوفة دعا آبي أحمد القاهرة للانخراط في مفاوضات جديدة حول المسألة، دون وضع أيّ آفاق واضحة لتسوية حقيقية وقانونية ملزمة حسبما يُفْهَم بديهيًّا من أي عملية مفاوضات مقترحة.
خلاصة:
يبدو من خطاب آبي أحمد، وأهم ثلاث قضايا قام بطرحها خلاله، أنه بات مشغولًا بهواجس تولّي فترة إدارة البلاد بعد الانتخابات البرلمانية المقررة منتصف العام الجاري. وكشف الخطاب المطول الذي تجاوز ثلاث ساعات عن تراجعات ضرورية في سياسات آبي أحمد (شكليًّا على الأقل) من أجل تبرئة نفسه من جرائم الحرب التي ارتُكبت بحق شعب التيجراي، وعلى خلفية التصعيد الذي شهدته البلاد في الإقليم في يناير الماضي، وتهدئة الداخل الإثيوبي بأن فترة ولايته الجديدة ستكون أكثر نزوعًا للسلم وتحقيق التوافق الوطني بين مكونات الشعب الإثيوبي، وعدم إتاحة الفرصة أمام قوى خارجية مثل إريتريا بالعبث بالأمن القومي لبلاده كما كان الحال في حرب التيجراي باعترافه غير المباشر بذلك في الخطاب (وعند وضع ما رصَده إلى جانب الحقائق التي كانت ظاهرة للعيان في هذه الحرب، ودور القوات الإريترية في إنقاذ نظامه بدعم من بعض دول القرن الإفريقي ودول خليجية عربية).
أما فيما يخص مصر، والتي تظل الورقة الرابحة التي يثيرها دومًا لتحقيق اصطفاف شعبي زائف أو حقيقي خلف سياساته؛ فإن آبي أحمد يستشعر جدية الموقف الأمريكي هذه المرة في حسم ملف سد النهضة بشروط ملزمة، أو “مرة واحدة وللأبد” على حد تعبير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وهكذا فإن حسابات آبي أحمد تجاه مصر، -بغض النظر عن الحسابات الأمريكية المُعقّدة للبحر الأحمر وإقليم القرن الإفريقي وارتباطهما بالشرق الأوسط بشكل مباشر-؛ ستأخذ في اعتبارها نفاد صبر القاهرة نحو سياساته، وإمكانية تحقق سيناريوهات صدامية غير مسبوقة بين البلدين، تتجاوز ربما الحدود “الدبلوماسية” المتعارَف عليها.











































