دخل العام العام الجديد 2026م على وقع تصاعد في الأزمات وضربات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة وجَّهتها الولايات المتحدة لدولة فنزويلا في أمريكا اللاتينية، وسط مخاوف إفريقية بتكرار النموذج الفنزويلي في مقاربات الولايات المتحدة الإفريقية.
يتناول المقال الأول وصفًا موجزًا قدَّمه راديو فرنسا الدولي للعام 2025م الذي شهدت فيه إفريقيا تجارب سياسية مريرة كرَّست السلطوية، وهمَّشت الديمقراطية بشكلٍ لافت.
أما المقال الثاني فقد قدَّمه الخبير المتخصص في الاقتصاد الإفريقي بالفاينانشيال تايمز ديفيد بيلينج، وتناول فرضية تفوُّق النمو الاقتصادي في إفريقيا ككل على نظيره في آسيا، وطرح حيثيات استهلها بملاحظة أولية أنه ثمة مراوغة أو خداع في هذه الفرضية الرقمية (أخذًا في الاعتبار أن اقتصاد الصين وحدها يفوق سبعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لدول إفريقيا الـ54 مجتمعة).
وتناول المقال الثالث تطورات الأزمة في فنزويلا، والشبح الذي أثارته على الدول الإفريقية في الفترة المقبلة.
إفريقيا في العام 2025م: انتخابات وانقلابات ومداهمات([1])
مع انعقاد ما لا يقلّ عن عشرة انتخابات رئاسية في أرجاء القارة الإفريقية؛ فإن المجازفات السياسية كانت لا تزال مرتفعة في العام 2025م. وفي دول عديدة من القارة عزَّزت الانتخابات القيادات القائمة في السلطة بالفعل بدلًا من فتحها الباب أمام تجديد سياسي. وكان من أهمّ هذه الحالات الملحوظة: الكاميرون، التي أمَّن فيها الرئيس المسن بول بيا (92 عامًا) فترة الرئاسة الثامنة له على التوالي.
وعلى الرغم من أن النتيجة كانت متوقعة بشكل كبير؛ إلا أنها أثارت احتجاجات كبرى وجدَّدت تساؤلات بخصوص الخلافة السياسية والفضاء المتاح أمام أصوات المعارضة. كما كانت هناك مفاجأة قليلة بخصوص كوت ديفوار؛ حيث فاز الحسن وتارا، البالغ من العمر 83 عامًا، بفترة رئاسة رابعة. واتسم التصويت بغياب منافسيه السياسيين الرئيسيين الذين حِيلَ بين العديد منهم وخوض الانتخابات.
على أيّ حال، فإن الأمر الأكثر إثارة للانتباه كان في تنزانيا؛ حيث ادعت الرئيسة سامية حسن فوزها في التصويت على الرئيس بنسبة 98%. وقد جاء اكتساحها الانتخابات على خلفية عنف غير مسبوق. وادعت شخصيات من المعارضة مقتل مئات أو حتى آلاف الأفراد خلال الاحتجاجات على العملية الانتخابية، وهو ما ترفضه الحكومة.
الانتقال العسكري يصبح قوة دائمة:
وفيما يتجاوز الانتخابات المدنية، شهد العام 2025م أيضًا العديد من انتقالات السلطة التي قادها الجيش والتي تحوَّلت إلى حُكم بعيد المدى. ففي غينيا، ادَّعى الجنرال مامادي دومبايا الشرعية السياسية بإعلان فوزه في انتخابات رئاسية مثيرة للجدل، بعد أربعة أعوام من الاستيلاء على السلطة في انقلاب ووعده وقتها بتسليم السلطة لحكم مدني.
وجرى نفس النمط في الجابون؛ حيث فاز الجنرال برايس أوليجوي نجويما –الذي كان قد أسقط في وقتٍ سابق حكم أسرة الرئيس بونغو-، بالرئاسة بنسبة تقترب من 95% من الأصوات. وفي غينيا بيساو تدخَّل الجيش بشكل مباشر لوقف العملية الانتخابية، وأسقط الرئيس القائم وقتها، ومنع نشر نتائج الانتخابات. ووقعت محاولة انقلاب في بنين، بينما أُجبر رئيس مدغشقر على تَرْك منصبه بعد احتجاجات شعبية وحلّ محله ضابط من الجيش. وهكذا فإن هناك ما لا يقل عن ثمانية دول إفريقية يحكمها قادة من خلفيات عسكرية.
تدهور الديمقراطية:
يرى عدد من المراقبين أن الطابع الأكثر شيوعًا في انتخابات إفريقيا في العام 2025م كان صعود تطبيع القوة. ورأى هؤلاء أن قادة يُحْكمون قبضتهم بالفعل على السلطة ويستخدمون “كل الوسائل الممكنة” للبقاء في السلطة. وتتراوح تلك الوسائل من قمع مفرط –كما تم في تنزانيا؛ حيث لم تتضح بعدُ أعداد ضحايا العنف السياسي، لكن ثمة يقين أنه رقم مرتفع للغاية-، إلى اعتقالات جماعية في دول مثل الكاميرون وساحل العاج. ففي الأخيرة هناك نحو ألف شخص تم اعتقالهم وتم استبعاد مرشحي المعارضة الرئيسيين عبر مناورات قانونية وإدارية. ويرى المراقبون أن العام 2025م هو عام تدهور الديمقراطية في إفريقيا بامتياز.
النمو في إفريقيا قد يتجاوز نظيره في آسيا خلال العام الجديد([2]) :
حتى لو فرضنا أن هذه التقديرات عبارة عن مراوغة إحصائية؛ لكن إفريقيا ستنمو في العام الحالي 2026م، بقليل من الحظ، وربما بمعدل أسرع من آسيا. وإذا استطاعت اقتصادات الدول الإفريقية الأربعة والخمسين التفوق على نظيرتها الآسيوية، فإن ذلك سيكون المرة الأولى في التاريخ التي يحدث فيها ذلك.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف ستحتاج الدول الإفريقية إلى النمو بشكل أسرع هامشيًّا –على الأقل- من المتوسط الذي أنجزته في العام الماضي. ففي العام 2025م، وبالرغم من الحرب في السودان والعنف المُسلَّح في الساحل والانقلابات في مدغشقر وغينيا بيساو، يتوقَّع أن تُحقّق إفريقيا جنوب الصحراء نموًّا بنسبة 4.1% تقريبًا. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع النسبة قليلًا إلى 4.4% مع مواصلة حَصْد الاقتصادات الإفريقية لمكاسب ضعف الدولار؛ مما يُوفّر مناخًا جيدًا لخفض مدفوعات خدمة الدين وتخفيف وطأة ضغط التضخم، وارتفاع أسعار السلع والموارد الطبيعية التي تملكها القارة بما فيها الذهب والنحاس.
وفي الوقت نفسه يتوقع صندوق النقد الدولي أن تتباطأ اقتصادات آسيا مجتمعة، مع تراجُع سرعة المحرك الصيني بشكل ملحوظ، في العام 2026م إلى نسبة 4.1%. مما يُهيئ الأمر أمام مفارقة خادعة للقارتين -إحداهما معروفة بالنمو الاقتصادي المعجزة، والأخرى بالفقر المستوطن-، في معدل النمو. وحتى وإن لم يتم ذلك في العام 2026م، فإن الديموغرافيات المتباينة ومراحل التنمية المختلفة تجعل ذلك أمرًا مرجحًا في الأعوام المقبلة.
ولن يأتي ذلك كمفاجأة؛ إذ إنه من السهولة بمكان للدول الفقيرة أن تنمو بوتيرة أسرع من الدول الغنية. فالصين، التي كانت دولة فقيرة ذات مرة، شهدت توسُّعًا كبيرًا في النمو وبنسبة أكبر منذ أربعة عقود مضت، وتحديدًا في عهد دينج شاوبينج، مهندس الإصلاح الاقتصادي، الذي عمل على إخراج الرأسمالية من حقيبة الشيوعية. ووصل معدل النموّ في متوسطه إلى 10% في أغلب هذه الفترة؛ حيث نما اقتصاد الصين -وهو المحرك الأكبر لاقتصاد آسيا وأكبر مساهم حاليًّا في تباطئه-، من 150 بليون دولار في العام 1978م إلى حوالي 20 تريليون دولار. واليوم فإن اقتصاد الصين يبلغ سبعة أضعاف حجم اقتصاد إفريقيا، بينما يتساوى عدد سكان الصين بسكان إفريقيا. لكن بينما تقف الصين في وضع دولة ذات دخل مرتفع (ومع بدء ارتفاع أعمار عمالها وانكماشهم)، فإن النمو بمثل هذه المعدلات لم يَعُد ممكنًا في الصين.
ولربما يكون مستساغًا القول: إن إفريقيا تتَّجه في الاتجاه المقابل، وبشكل أكثر إيجابًا. لكن القارة تبذل جهدًا دون تقدُّم؛ إذ كانت تنمو أسرع عند نهاية القرن الماضي، عندما كانت شهية الصين مفتوحة على السلع الإفريقية –واستثماراتها في البنية الأساسية الإفريقية-، عند نسبة نمو 5%. وأحدث ذلك إثارة مبالغًا فيها عن سردية “إفريقيا الصاعدة”. وكالقارب عند حافة موجة صاعدة، فإن طفو إفريقيا كان سيصبح أكثر واقعية. ومنذ ذلك الوقت، قضت عوامل مثل الاستدانة المرتفعة، والسياسات السيئة، والفساد، والصراعات والصدمات العالمية، على كل هذه المنجزات. ولا تزال معدلات الادخار متدنية وحجم التدفقات الرأسمالية إلى إفريقيا غير كافية لإحداث نموّ تحولي. وقد تراجَع المستثمرون الأجانب بسبب التصورات المبالغ فيها للمخاطر الإفريقية وافتقار التقييم المعقول للمؤشر الدقيق، في ضوء أن اقتصادها البالغ 3 تريليونات دولار موزع على 54 قطعة.
لكنّ النسب لا تزال غامضة. فقد حققت بعض الدول تقدمًا منتظمًا وملحوظًا. فقد كانت ساحل العاج تنمو ما بين 6 و7% في الأعوام الخمسة عشر الماضية مع تعافيها من الحرب الأهلية ودخلت في التنوع اقتصاديًّا. وربما تستفيد البلاد مما لديها لاستخدام عائدات جديدة من البترول والغاز لتحقيق هدفها بالوصول لفئة الدخل المتوسط الأعلى بحلول العام 2035.
كما حققت دول أخرى سنوات من النمو القوي، بما فيها إثيوبيا وغانا وموريشيوس ورواندا والسنغال. وقد حققت بعض الدول ذلك بالرغم من الحروب الأهلية والأزمات السياسية والعجز عن تسديد الديون. وفي العام التالي سيكون ما لا يقل عن نصف قائمة أسرع 20 اقتصادًا في العالم نموًّا من الدول الإفريقية، وفقًا لصندوق. ورغم أن مصر ونيجيريا، أكبر اقتصادين إفريقيين، لن تلتحقا بهذه القائمة، فإن كلاً منهما ستقتربان من المتوسط القاري. ولن يلتحق من الاقتصادات الإفريقية الكبرى بالقائمة (أو يقترب منها) سوى جنوب إفريقيا.
وهناك أسباب في التفاؤل إزاء تحقيق إفريقيا نموًّا قد يبلغ حاجز 7% على الأقل. كما توجد أسباب للتخوُّف من عدم تحقق ذلك؛ إذ تفتقر الكثير من الاقتصادات الإفريقية للأساسيات المطلوبة لتحقيق انطلاقة صناعية مثل: الطاقة والبنية الأساسية وقوة عمل ماهرة ومتعلمة على نحوٍ كافٍ. وفي عصر الميكنة والذكاء الاصطناعي لا يزال هناك متسع لسلوك مسار التنمية عبر التصنيع الكثيف. وعلى العالم أن يحتفظ بالأمل في نجاح إفريقيا. وبحلول العام 2050م فإن أكثر من ربع سكان العالم سيكونون أفارقة. وسيكون لدى القارة سكان في سن العمل أكثر من الصين والهند معًا. وإن لم تكن إفريقيا في مسار أفضل، فسوف نعرف جميعًا بالأمر في حينه.
لماذا يجب على إفريقيا القلق من هجوم ترامب على فنزويلا؟([3])
سادت مخاوف في إفريقيا، بعد اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيقولاس مادورو وتعهدها بحشد شركات الطاقة الأمريكية لاستغلال ثورة فنزويلا البترولية، إزاء إجراءات واشنطن التي يمكن أن تنتقل في نزاعاتها مع الدول الإفريقية. ويحذر خبراء من أن عمل الولايات المتحدة في فنزويلا يمكن أن يُرْسِي مرحلة من تطبيع الهجمات ضد قادة الدول الأخرى التي تخوض مواجهات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وقد ردت الدول والجماعات الإقليمية الإفريقية في القارة بقوة إزاء العملية الدامية ضد الرئيس الفنزويلي، والذي كان آخر اجتماع عام له مع زعيم إفريقي الاجتماع مع إبراهيم تراوري رئيس بوركينا فاسو في موسكو خلال احتفالات يوم النصر في روسيا في مايو 2025م.
ووصف الرئيس الأوغندي يوري موسيفني العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا بدعوة يقظة للأفارقة لوضع أولوية للأمن الإستراتيجي من أجل الدفاع عن القارة برًّا وبحرًا وجوًّا وفي الفضاء الخارجي. وحذَّر القادة الأفارقة من البقاء في وضعية “السمكة الكبيرة في البركة الصغيرة”.
وكان ترامب قد استهدف بالفعل نيجيريا مع اتهامات دحضت على نطاق واسع بوقوع “إبادة مسيحية” وصنَّفتها “بلدًا تُثير مخاوف خاصة”. وفي الشهر الماضي سمح ترامب بضربات جوية ضد أهداف تابعة لداعش في شمال غرب نيجيريا، مدعيًا أن المجموعة كانت تستهدف مسيحيين (على وجه الحصر). وكانت الولايات المتحدة قد فرضت رسومًا جمركية ثقيلة ضد جنوب إفريقيا على خلفية ادعاءات “بإبادة بيضاء”، في إشارة إلى اتهامات لا أساس لها بأن هناك حملة كبيرة في جنوب إفريقيا لقتل المزارعين البيض والاستيلاء على أراضيهم.
ورأى خبراء معنيون بالقانون الدولي والشؤون الإفريقية ضرورة “أن تقوم الدول الإفريقية بإدانة (الخطوة الأمريكية)، واعتبار ما وقع (في فنزويلا) انتهاكًا غير مقبول للقانون الدولي. وأنه من الأهمية بمكان أن تقوم الدول الإفريقية بذلك لتفادي وضع سابقة، وتوصيل رسالة لترامب، وكذلك للدول الأخرى بأن مثل هذا السلوك غير مقبول، ولا يمكن للعالم التهاون نحوه. ويشير خبراء إلى أن القانون الدولي لا يُتيح لدولة بالقبض على زعيم دولة ذات سيادة إلا لو كانت في حالة دفاع عن النفس وبتصديق مِن قِبَل مجلس الأمن في الأمم المتحدة. ورأى الخبراء أن فنزويلا “لم تهاجم الولايات المتحدة، ولم ترغب في مهاجمتها. بل على العكس فإن مادورو أكَّد أنه منفتح على مناقشات مع ترامب عن تهريب المخدرات. كما أنه ليس هناك تفويض من مجلس الأمن، ومِن ثَم فإن الخطوة الأمريكية غير قانونية بالمرة. وهنا، بحسب هؤلاء الخبراء، تكمن أهمية وقوف الدول (الإفريقية) ضد ما فعله ترامب على أنه فعل غير قانوني وفق القانون الدولي.
وقد أكَّد الاتحاد الإفريقي على “قلقه العميق” من تحرُّك الولايات المتحدة العسكري في فنزويلا. وأكَّد الاتحاد أيضًا على التزامه الصارم بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي بما في ذلك احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وحق الشعوب في تقرير مصيرها كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة.
ودعت الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” إلى “احترام استقلال فنزويلا وسلامة أراضيها”. وأقرت “إيكواس” بحق الدول في مواجهة الجرائم الدولية، لكنها دعت جميع الدول لاحترام القانون الدولي. بينما تبنت جنوب إفريقيا موقفًا حاسمًا متهمة الولايات المتحدة بالانتهاك الواضح لميثاق الأمم المتحدة.
…………………………………….
[1] RFI, Elections, coups and crackdowns: Africa’s mixed democratic record in 2025, RFI, January 2, 2026 https://www.rfi.fr/en/africa/20260102-elections-coups-and-crackdowns-africa-s-mixed-democratic-record-in-2025
[2] David Pilling, Africa’s growth could outpace Asia’s this year, Financial Times, January 4, 2026 https://www.ft.com/content/204482a2-677c-42a0-bcec-a4cdac00eb92
[3] Emmanuel Oduor, Why Africa should be concerned with Trump’s raid on Venezuela, TRT Afrika, January 6, 2026 https://www.trtafrika.com/english/article/cdfc4bd1d60c











































