بقلم: عبد الكريم عبد اللهِ، وساليل تشيمباييل[1]
Abdulkarim Abdullahi & Saleel Chembayil
ترجمة: دعاء عبدالنبي حامد
دكتوراه في الفلسفة الإفريقية – كلية الآداب جامعة القاهرة – مصر
المستخلص:
تشير الأدبيات الأكاديمية إلى تدفق كمياتٍ هائلةٍ من المعارف حول الأثر المدمّر للاستعمار في إفريقيا. وتُعدّ الموروثات الاستعمارية مصدراً رئيساً لسلسلةٍ من التحولات العميقة التي طالت الشعوب الإفريقية ومجتمعاتها. فالبنية التحتية في السياق الاستعماري كانت موجهةً أساساً لتلبية احتياجات القوى الاستعمارية، لا لخدمة المجتمعات الخاضعة لها. كما أن قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية لم تكن تحظى باهتمامٍ يُذكر إلا بقدر ما تخدم المصالح الخاصة للمستعمرين.
بالإضافة إلى ذلك، فقد وُضعت أسسٌ غير ملائمةٍ في قطاع السوق، استناداً إلى تصوراتٍ تتعلق بالتقاليد المجتمعية الإفريقية. وقد حظيت التجارة الأوروبية بالحماية، بما أسهم في ربط مفهوم السوق «الحرة» بالتناقضات الاستعمارية. ويُعدّ تحديد هذه التحولات أمراً بالغ الأهمية. ومن ثَمّ، فإن الاستعمار، بدلاً من دعمه لآليات السوق الحرة، قد عمل على عرقلة سياسات التجارة الحرة والتنافسية، سواء على الصعيد الداخلي أم الخارجي.
وعلى الرغم من الكم الهائل من المعرفة المتراكمة، فإن هذا الحقل المعرفي لا يزال يفتقر إلى التنسيق. إذ تتسم الدراسات بالتجزئة، الأمر الذي يحد من إمكانات دمجها في إطار تحليلي متعدد التخصصات والأبعاد لفهم الموروثات الاستعمارية والقضايا المجتمعية المرتبطة بها. وبناءً على ذلك؛ ثمة حاجة ملحة لتجميع وتوحيد دراسات الاستعمار من مصادر دولية ومتعددة التخصصات.
وفي هذا السياق، تأتي هذه الورقة البحثية بوصفها محاولةً لتحليل أثر الموروثات الاستعمارية في النظام الاقتصادي الإفريقي، اعتماداً على المنهج الوصفي والمنهج النوعي. وتُفضي نتائج الدراسة إلى أن السياسات الاقتصادية ذات الجذور الاستعمارية، بما في ذلك التصوّرات المرتبطة بمفهوم «التنمية الإفريقية»، لم تُحقق على نحوٍ دائم أهداف التمكين الاقتصادي المحلي ولا تعزيز الرفاهية البشرية والاجتماعية، سواء في أبعادها المادية أو المعنوية.
1- مقدمة:
من المعلوم أن الوضع الاقتصادي لإفريقيا في الوقت الراهن يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحداث والسياسات التي تبنّتها الحكومات الحالية والسابقة. وقد خلّفت الموروثات الاستعمارية أثراً عميقاً في النظام الاقتصادي الإفريقي، حيث أسهمت في إيجاد عوائق جوهرية أمام النمو الاقتصادي، كما وجهت العديد من الاقتصادات نحو مساراتٍ محدودة الإمكانات. وتسعى هذه الدراسة إلى تقديم عرضٍ شامل يفسّر ملامح الاقتصادات الإفريقية في صورتها الراهنة، ويستكشف كذلك نقاط الانطلاق الممكنة للانخراط الفعّال في تنمية القارة، سواء في الحاضر أو في الأفق المستقبلي. وفي هذا السياق، فإن قضايا استمرار التخلف الاقتصادي والمشاكل الهيكلية المتأصلة تستدعي فهماً عميقاً لسياق النمو الاقتصادي الإفريقي ضمن سياقه التاريخي. ومن ثَمّ، تنطلق هذه الدراسة من معالجةٍ تاريخيةٍ لبعض مخلفات العلاقات الاقتصادية الاستعمارية وانعكاساتها في الاقتصادات الإفريقية المعاصرة.
لقد أنشأت المؤسسات الاستعمارية أولى البُنى التحتية الفعلية التي عرفتها إفريقيا. وقد صُمّمت هذه البُنى أساساً لنقل ثروات المناطق، بما في ذلك الضرائب والعمالة البشرية، من الموانئ إلى أوروبا. ونتيجةً لذلك، فإن كثيراً من الهياكل الاقتصادية الإفريقية الراهنة يمثل امتداداً أو انعكاساً لما ترسخ في الماضي الاستعماري، الأمر الذي يجعل جزءاً من واقع الاقتصاد الإفريقي المعاصر بمثابة امتداد فرعي للاستعمار. ومن ثَمّ، فإن فهم طبيعة العلاقات الاقتصادية القائمة يُعدّ أمراً ضرورياً، بدلاً من الاكتفاء بملاحظة النزعة الأبوية التي تتسم بها بعض الجمعيات الخيرية. كما أن هذا الواقع قد يُضفي نوعاً من الشرعية على تصورات سلبية مفادها استحالة التغيير، أو أن مظاهر اللامساواة داخل المجتمعات الإفريقية إنما تعود إلى خصائص كامنة فيها.
لقد شكلت آثار الاستعمار في الشعوب الخاضعة له موضوعاً للنقاش منذ ما يقارب نشأة الظاهرة الاستعمارية ذاتها. ففي القرن التاسع عشر، لجأت القوى الاستعمارية إلى توظيف فكرة «المهمة الحضارية» بوصفها مبرراً أيديولوجياً لهيمنتها على الأمم والشعوب الأخرى، وذلك استجابةً لتصاعد الانتقادات الموجهة إلى أوضاع السكان الخاضعين للاستعمار. ويفترض هذا المنظور أن الإدارة الاستعمارية كانت تهدف إلى تحقيق منفعةٍ عامة تشمل جميع رعايا الإمبراطورية، وليس الاقتصار على خدمة مصالح القوى الاستعمارية وحدها (Austin, 2010).
بالإضافة إلى ذلك، يشير روبنسون Robinson إلى أن استعمار إفريقيا قد خلف تداعياتٍ بعيدة المدى تجاوزت البعد الاقتصادي، حيث ألحق أضراراً عميقة ببنية الاقتصاد الإفريقي لأسبابٍ متعددة. أولاً: أسهم تقسيمُ الأوروبيين للقارة في تحديد عدد الدول الإفريقية وحجمها وشكلها، وهو ما ترتبت عليه آثارٌ مستمرة تتصل بشرعية الحكومات وسلطتها واستدامتها.
ثانياً: فإن توظيف سياسات الحكم غير المباشر، إلى جانب تنظيمات اللغة والعمل، فضلاً عن إنشاء الحدود الإدارية الداخلية، قد أدى إلى تشكيل ملامح الحدود الإثنية وتكريس أهميتها السياسية داخل المجتمعات الإفريقية.
ثالثاً: فإن عزل الدولة عن المجتمع المدني خلال الفترة الاستعمارية، وترسيخ حالةٍ عميقةٍ من انعدام الثقة في الدولة بوصفها فاعلاً إيجابياً، قد أسهما في إحداث تحول جوهري في طبيعة العلاقات بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب.
رابعاً: استمرت بعض التقاليد الاستعمارية بعد الاستقلال، ولا سيما في صورة دمج القانون العرفي بالمؤسسات الرسمية، وهو ما ترتبت عليه آثارٌ سلبية متعددة.
خامساً: أفضت الاستثمارات الاستعمارية غير المتكافئة عبر الجماعات والمناطق الجغرافية إلى تكريس اختلالات بنيوية، لا تزال لها تداعيات سياسية قائمة في القرن الحادي والعشرين. وقد أدت المقارنات بين الأنظمة الاستعمارية المختلفة، ولا سيما بين الأقاليم التي خضعت لإدارات استعمارية متعددة، دوراً محورياً في الكشف عن هذه الآثار طويلة الأمد. غير أن الدراسات المستقبلية مطالبةٌ بتجاوز هذا المنظور التبسيطي، من خلال السعي إلى تطوير مقاييس أكثر تفصيلاً ودقةً لكلٍ من أنماط الحكم الاستعماري وإرثه السياسي، فضلاً عن تعميق البحث في التفاعل طويل الأمد بين المؤسسات السياسية الاستعمارية ونظيراتها المحلية (Robinson, 2019).
تركز هذه الدراسة على تقديم مقاربة جديدة لفهم تأثير الموروثات الاستعمارية في الاقتصاد الإفريقي، من خلال تحليل ما اعتمده القادة الأفارقة تحت مسمى الإستراتيجيات الاقتصادية بهدف تحقيق التنمية وبناء النمو الاقتصادي. ولتحقيق هدف دراسة الموروثات الاستعمارية للنظام الاقتصادي الإفريقي، تعتمد على مقاربةٍ نوعية، موظفةً منهج تحليل النصوص لقياس تأثير الموروثات الاستعمارية في النظام الاقتصادي الإفريقي.
2- لمحة عامة عن الاستعمار الإفريقي:
لأكثر من أربعمائة عام، وحتى مطلع القرن العشرين، كانت إفريقيا باستثناء بعض المناطق المحدودة خاضعةً للاستعمار الأوروبي. وعلى الرغم من أن مؤتمر برلين يُشار إليه غالباً بوصفه ذروة «التدافع نحو إفريقيا»، فإن تطور الظاهرة الاستعمارية في القارة قد بدأ فعلياً قبل ذلك بقرون، وتحديداً في القرن الخامس عشر مع التوسع البرتغالي في إفريقيا وعبر المحيط الأطلسي. وقد تنوّعت دوافع الاستعمار الأوروبي، ويمكن تصنيفها أساساً إلى ثلاثة محاور رئيسة:
أولاً: الدوافع الاقتصادية، حيث كان يُنظر إلى رأس المال المستثمر في المستعمرات الإفريقية باعتباره وسيلة لتحقيق الأرباح وتعزيز ثقة المستثمرين.
ثانياً: الدوافع السياسية، إذ اعتُبر امتلاك المستعمرات الإقليمية مؤشراً على قوة الأنظمة الملكية والديمقراطية في الدول الأوروبية.
ثالثاً: الدوافع الاجتماعية، حيث رُوّج لفكرة أن استعمار المجتمعات الإفريقية «المتخلفة» كان يحمل أبعاداً إنسانية ودينية، تمثّلت في تطهيرٍ أخلاقيٍّ لما اعتُبر «بدائية» أو «بربرية».
كان من أبرز جوانب صعود الطموحات الاستعمارية في أوروبا ازدياد الطلب على العمالة، مما أدى إلى تزايد الطلب على الموارد داخل أوروبا. ومع بلوغ الثورة الصناعية ذروتها في أواخر القرن التاسع عشر، أتاحت توسعات رأس المال والتقدم التكنولوجي إمكانية تلبية الطلب المتزايد على الموارد الطبيعية والعمالة، وهو ما عزز بدوره من وتيرة التوسع الاستعماري في إفريقيا (Gilley, 2023).
كانت المستعمرات الإفريقية خاضعةً إلى حد كبير لسيطرة ثلاث قوى أوروبية رئيسة هي: بريطانيا وفرنسا وبلجيكا. ففي غرب إفريقيا البريطانية، كانت الإدارة الاستعمارية تعمل من خلال توظيف أفارقة محليين يتعاملون بشكل مباشر مع السكان الأصليين، إلا أنهم كانوا خاضعين لهرمٍ إداري ينتهي في قمته بحاكم عام بريطاني. وعلى النقيض من ذلك، في ساحل غينيا العليا، حيث تُنُوزِلَ عن توغولاند (Togoland) عام 1919م، سادت صيغةٌ أكثر مباشرة من الحكم الاستعماري، حيث لم توجد «مؤسسات وسيطة» باستثناء توفير بعض المحاكم المحلية.
أما في غرب إفريقيا الفرنسية، فقد اقتربت البنية الإدارية من نموذج «الاستيعاب» الفرنسي. ومع بداية عملية الاستعمار في القرن التاسع عشر، كانت البنى التحتية اللازمة للتصنيع غير متوفرة، في حين كان يُنظر إلى الحاجة إلى «التراكم البدائي» لرأس المال بوصفها شرطاً أساسياً للاستثمار في القرن العشرين وتوليد فائض القيمة. وقد أسهمت الحربان العالميتان في إبراز الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الاستعمارية الخاضعة للسيطرة، حيث وُضع ما سُمّي بـ «تخلف» الدول غير الصناعية في مقابل القدرات العسكرية لألمانيا، وهو ما انعكس على السياسات الدولية في تلك المرحلة. ونتيجةً لهذه العوامل، تم في عام 1941م دعم جمهورية ليبيريا من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية لتصبح عضواً في منظمة الأمم المتحدة (Michalopoulos & Papaioannou. 2020).
– الهياكل الاقتصادية التي أُنْشئت خلال الحكم الاستعماري:
كانت هناك عدة هياكل اقتصادية اعتمدتها القوى الاستعمارية في إفريقيا بهدف توظيف الموارد المحلية لصالح المستعمرين، حيث سعت هذه القوى إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الإفريقي بما يضمن تدفق المنافع نحوها. وقد انخرطت بعض هذه الأنظمة في عمليات استخراجٍ واسعة النطاق ومربحة، دون أن تُحدث في المقابل إعادة تنظيم شاملة لبقية مكونات الاقتصاد. بينما عملت هياكل أخرى على توفير الخدمات والعمالة الماهرة اللازمة لدعم مشاريع الاستخراج، أو لتلبية الاحتياجات اليومية للمستوطنين. ومع ذلك، ظل الهدف الأساسي لهذه الهياكل هو توجيه الفائض الاقتصادي والأموال نحو المراكز الحضرية. وفي نهاية المطاف، استُخدمت الموارد البشرية والطبيعية لخدمة الأولويات الإمبريالية (Robinson, 2023).
وهناك طرق أخرى حدد بها الحكم الاستعماري المسار التاريخي للقارة، ولا تزال آثارها قائمة حتى اليوم. فعند الاستقلال، وكذلك إلى حد كبير في الوقت الراهن، لم يتلق سوى نسبة ضئيلة من الأفارقة، غالباً أقل من 10%، أيَّ تدريبٍ رسمي.
وقد خضع معظمهم لنظام عرقي صارم باستخدام الإستراتيجيات والهياكل التي أُنشئت في ظل الحكم الاستعماري. ولا تزال العديد من الموروثات الاقتصادية للحقبة الاستعمارية تؤثر في بنية الاقتصادات الإفريقية المعاصرة. فبينما يعمل ما يقرب من 70% أو أكثر من السكان في الزراعة، وغالباً ضمن مزارع عائلية صغيرة النطاق، تعتمد ما بين 70% و90% من إيرادات الدول بدرجة أساسية على تصدير المواد الخام، رغم أن العوائد الفعلية لهذه الصادرات تذهب في معظمها إلى الخارج.
كما يواصل الاتجار في الموارد العسكرية تشويه الحياة الاقتصادية في إفريقيا، وهو ما يتجلى في الانتشار الإقليمي لما يُعرف بـ «الدولة القابلة للنهب»، وهي ظاهرة ذات جذور واضحة تعود إلى الحقبة الاستعمارية (Mkandawire, 2020).
– الاقتصادات الاستخراجية:
خلال الحقبة الاستعمارية، وعلى حساب السكان المحليين، نُظّمت العديد من الدول الإفريقية كدول ذات اقتصادات استخراجية. كان الهدف الرئيس لهذه الدول هو توفير موارد طبيعية قيّمة تُباع للدول الأخرى، بهدف تعظيم ثروة الدول الاستعمارية.
ونتيجةً لذلك، لم تُحقق هذه الأنظمة الإنتاجية سوى فوائد ضئيلة، بل وأقل بكثير، في الدول المنتجة، مما أدى إلى إفقار السكان الأصليين وتدهور البيئة التي يعتمدون عليها في حياتهم ورفاهيتهم. وحُرِمَ الأفارقة، على مر العصور، من حقوقهم في استخدام مواردهم. واقتصرت النظم الزراعية على محصول نقدي واحد يُزرع خصيصاً لتوفير الإيرادات للسلطة الاستعمارية والدول الأم. حيث أُجبر الفلاحون على زراعة محاصيل بعينها، بما في ذلك القطن وزيت النخيل والكاكاو والمطاط، ومؤخراً جوز الهند.
وفي السياق ذاته، استُغلت الأخشاب لأغراض بناء السفن وصناعاتها المرتبطة، حيث جرى استخراج أفضل أنواع الأخشاب الصلبة في المناطق المعنية لصالح الاستخدامات الاستعمارية، بما يعكس الطابع الانتقائي والاستخراجي لهذا النمط الاقتصادي (Greco, 2020).
بشكل عام، تتسم هذه الاقتصادات بقدرٍ محدود من التعقيد، كما تقوم على دوافع واضحة مرتبطة ببناء الدولة، وتُوجّه أساساً نحو تعظيم عائدات النقد الأجنبي من خلال تحقيق فوائض في الميزان التجاري. وقد أدى التدهور الاجتماعي والبيئي الناتج عن عقود طويلة من عمليات الاستخراج إلى تحول جذري في الأنظمة المادية والمؤسسية الإفريقية.
فقد ترتب على ذلك انخفاض الكثافة السكانية وإعادة هيكلة التدفقات السكانية، فضلاً عن تضرر رأس المال البشري، وتغييرات في آليات الوصول إلى الأراضي وأعراف حيازتها، إلى جانب تغيرات جوهرية في أنماط العمل، وإرساء نظام اقتصادي قائم على القطاع الأولي والمواد الخام التقليدية. كما اتسم التنظيم المدمج للقطاعات الأولية الصغيرة المستقلة، التي تُركت عملياً دون تنسيق فعّال، بدرجةٍ من التمايز الشديد، وهو ما ارتبط بجملةٍ من القيم والأهداف والتوجهات التخطيطية المتباينة والمتناقضة في بعض الأحيان (Friedmann. 2021).
على سبيل المثال: لم تكن القوى الاستعمارية والشركات الأجنبية معنية بوضع إستراتيجيات تهدف إلى زيادة إنتاج الموارد الغذائية، بل ركزت جهودها على ضمان توفير أنواع معينة من المواد الخام، التي كانت ضرورية للمشروع الاستعماري ذاته.
وقد اتسمت فرص العمل بالندرة، بينما انتشر الفقر والتخلف على نطاق واسع في مختلف أنحاء القارة الإفريقية. ومن منظورٍ عام، صُمّمت النظم الإنتاجية الاستعمارية ونُفذت بهدف خدمة الدول المركزية والاقتصادات الاستعمارية، مسُتغلةً الاقتصادات الإفريقية وفرض أولوياتها وأيديولوجياتها وثقافاتها.
كما واجهت أغلب إستراتيجيات التنمية صعوباتٍ عميقة تتعلق بالارتباك البنيوي وبالتحديات الكبيرة المرتبطة بترسيخ هذه المؤسسات. ونتيجةً لذلك، فضل العديد من القادة الأفارقة إبقاء هذه الموروثات الاستعمارية الممتدة لأكثر من قرنٍ دون تغيير، مع التوجه نحو سياسات حديثة من الجيل الجديد لمحاولة تغيير مسار الاقتصاد الوطني، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى التخلي حتى عن صياغة سياسة تنموية متكاملة وحقيقية (Friedmann, 2021).
3- أثر الاستعمار في النظم الاقتصادية الإفريقية:
لقد خلّف الاستعمار آثاراً بعيدة المدى في النظم الاقتصادية للدول الإفريقية التي خضعت له. وعلى الرغم من أن النتائج السياسية للاستعمار قد تكون بالغة الأهمية، فإن الأثر الاقتصادي يُعدّ من أكثرها دواماً واتساعاً. فقد امتدت تدخلات الدول الاستعمارية لتشمل مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، بحيث كانت، بحلول مرحلة تراجعها السياسي، قد أحدثت اضطراباً وتغييراً جذريين في معظم أنماط العيش الأصلية. وقد اتسمت هذه التحولات بطابعٍ شامل أدى إلى تفكيك البنى المجتمعية من القاعدة إلى القمة. كما شهدت المجتمعات الإفريقية الأصلية تحولاً عميقاً يكاد يكون لا رجعة فيه، حيث تضررت قدرتها على الوصول إلى وسائل العيش التقليدية، في الوقت الذي أصبحت فيه الموارد الجديدة التي تم إدخالها غير متاحة أو محدودة الوصول (Battani, 2020).
قام المسؤولون الاستعماريون بإعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية من نظمٍ معيشية قائمة على الاكتفاء الذاتي إلى اقتصاداتٍ تعتمد على محصولٍ واحد موجّه للتصدير، كما تم الانتقال من الأرياف التقليدية ذات النفاذ المتعدد إلى منظوماتٍ حديثة من «المحميات» و«المناطق المقيدة» و«المناطق الأصلية».
ولم تقتصر التغييرات التي أحدثتها الدول الاستعمارية على الأنماط المادية والاقتصادية فحسب، بل امتدت أيضاً إلى إعادة تشكيل الوعي والإدراك لدى السكان الأصليين، من خلال تعديل الممارسات الاقتصادية، وإعادة هيكلة القدرات والفرص الإنتاجية عبر تعطيل أنماط استخدام الأرض التقليدية وحقوق الملكية، بل وحتى التأثير في البنية النفسية والاجتماعية من خلال تغيير الهوية الجماعية والوعي الجمعي. لقد تشكلت الاقتصادات الإفريقية الحديثة في جوهرها ضمن سياقٍ استعماري.
وينبغي التركيز بشكل خاص على التحولات التي أحدثتها السياسات الاقتصادية بين الدول الخارجية في الاقتصادات المحلية الإفريقية. فقد شجع المستعمرون زراعة المحاصيل التجارية وتبادلها دون اعتبار كاف لتأثير ذلك في اقتصادات الاكتفاء الذاتي المحلية والأمن الغذائي.
ومنذ خمسينيات القرن العشرين، أسهمت السياسات التجارية في تقليص إمكانات الدول الإفريقية في مجال الصادرات الزراعية وتنويعها.
كما تتجلى آثار القوانين والسياسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في محاولات ترسيخ التحول من أنظمة الملكية العرفية إلى أنظمة الملكية الخاصة، وهو ما أسهم في زيادة الاستخدامات المُدمِّرة للموارد البيئية نتيجة التحول نحو الملكية الفردية للأراضي. وقد أعادت السلطات الاستعمارية تنظيم كيفية تقييم العمل الإفريقي واستخدامه وضبطه.
ولا تزال اقتصادات العديد من الدول الإفريقية تعتمد بصورة شبه كلية على قطاع تصديري أوّلي واحد. كما أن انتشار التهريب على الحدود بين كينيا وشمال أوغندا يُعزى إلى سياسات الحقبة الاستعمارية التي قيّدت حرية حركة العمالة، مما أدى إلى انحراف مسارات التجارة. وقد تدخلت الحكومات الاستعمارية في أنظمة استخدام الموارد والملكية المحلية، مما خلق مناخاً من انعدام الأمن والقلق، أفضى إلى ممارساتٍ أنانية ومدمرة للموارد البيئية. ونتيجةً لذلك، أسهم الاستعمار في ترسيخ الفقر والتبعية وضعف الحوكمة في العديد من الدول الإفريقية، إلى جانب إضعاف الثقة في القدرات الاقتصادية الذاتية لهذه الدول (Nwoke, 2020).
– استغلال الموارد:
كان استغلال الثروات الطبيعية لإفريقيا أبسط أشكال الاستغلال الاقتصادي خلال الحقبة الاستعمارية. فقد كانت القارة ولا تزال غنيةً بتنوعٍ كبير من الموارد، وقد أسهمت هذه الموارد، في إطار الاقتصاد الاستعماري، في خدمة مشروع الاستعمار ذاته، ودعمت عملية التصنيع في الدول الإمبريالية، كما أفادت المستوطنين الاستعماريين.
وقد شكلت المعادن، مثل النحاس والقصدير والذهب والفضة والماس وغيرها، عنصراً أساسياً بوصفها مدخلات حيوية في الإنتاج الصناعي. وينطبق الأمر ذاته في الوقت الراهن على النفط، ولا سيما في مناطق شمال إفريقيا ووسطها الجنوبي.
وبدرجة أقل، جرى أيضاً استخراج ومعالجة موارد أخرى، مثل المطاط المستخدم في صناعة الإطارات، وزيت النخيل الذي استُخدم في الصناعات الغذائية وصناعة الصابون. وفي إفريقيا ومدغشقر، بلغت كميات الموارد المستخرجة ثلاثة إلى أربعة أضعاف نظيراتها في جنوب وجنوب شرق آسيا مجتمعة.
وإضافةً إلى ذلك، كانت المنتجات الإفريقية في معظمها مواد خام، ما يعني أن الأفارقة غالباً تحت إشراف أو إكراه الإدارات الاستعمارية أو المستوطنين كانوا يشاركون في المراحل الأولية من الإنتاج، في حين كانت عمليات التصنيع النهائية تُنجز في أوروبا (Mumuni & Mwimba, 2023).
لقد أسهمت الموارد المختلفة بما تحمله من خصائص مميزة، سواء في قطاع التعدين من حيث ساعات العمل الطويلة والاستخدام المكثف لآليات الرقابة الدقيقة، أو في القطاع الزراعي من حيث التوسع في استخدام الأراضي وتداول زراعتها لإتاحة الفرصة لتجددها، في إحداث مسارٍ من التغيرات الاجتماعية غير المرغوب فيها لدى السكان الأفارقة.
فقد أتاح هذا السياق لبعض الأوروبيين، إلى جانب فئة مصطفاة من الأفارقة الذين وُصفوا بـ «المتحضرين»، تراكم رؤوس أموال ثابتة ومالية في مختلف القطاعات، الأمر الذي أسهم في تكريس أنماط واضحة من اللامساواة وتعميق أشكال التدخل الأجنبي.
وقد أسفرت هذه الشراكة بين «الدولة» الإفريقية وبعض الشركات متعددة الجنسيات عن خسارة إجمالية في رأس المال المتراكم، تفوق حجم رأس المال المتراكم على مدى ثلاثة أو أربعة عقود، وذلك بسبب التكاليف الباهظة الناجمة عن فقدان رأس المال الأصلي، وما صاحبه من خسارة في المعارف التقنية والأكاديمية.
وترتبط هذه الوقائع التاريخية بالصراعات المستمرة بين «الدول» الإفريقية والشركات متعددة الجنسيات الغربية. كما أدى ذلك إلى وضعٍ اجتماعي متدن للسكان الأفارقة، حيث إن معظم الموارد التي أُنتجت في ظل الاستعمار لم تُسهم في تمكين الاقتصادات المحلية أو تلك التي تعود إلى ما قبل الاستعمار، بل تركتها بنقطة انطلاق شبه معدومة لإقامة اقتصاد دينامي وحيوي، على خلاف ما تشهده بعض مناطق شرق وجنوب شرق آسيا في الوقت الراهن.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ما تعتمده الدول الأوروبية من منظوماتٍ تشريعية وقائية تهدف إلى الحد من الانخراط في مثل هذه الأنشطة الاقتصادية الجاذبة على المستوى العالمي، قبل أن تتسبب في اختلالات بنيوية أو أزمات اقتصادية عميقة (Michalopoulos & Papaioannou, 2020).
4- الآثار المستمرة للاستعمار على الاقتصادات الإفريقية:
وُصفت تداعيات الاستعمار الأوروبي في إفريقيا بأنها عميقة الجذور وشديدة التأثير. فخلال الحقبة الاستعمارية، بدأت الاقتصادات الإفريقية تُظهر مساراتٍ متباينة فيما بينها، وهو تباين استمر إلى ما بعد مرحلة الاستقلال.
ولا تقتصر هذه الاستمرارية على السياسات التي وُضعت آنذاك فحسب، بل تمتد أيضاً إلى البنى الاقتصادية الأساسية والمؤسسات التي ما زالت تعود في جذورها إلى الفترة الاستعمارية. وتواجه معظم الدول الإفريقية تحدي العمل ضمن بنى تحتية لا تتسم فقط بضعف الجودة، بل كثيراً ما تكون غير ملائمة للحفاظ على الأنشطة الاقتصادية عبر مساحات جغرافية واسعة. وفي العديد من الحالات، لا تزال الاقتصادات الإفريقية تتسم باعتمادها الكبير، أو شبه الكامل، على عددٍ محدود من السلع الأولية المخصصة للتصدير في الأسواق الدولية. وغالباً ما يؤدي هذا الاعتماد المرتفع على أسعار المواد الخام إلى تقلباتٍ حادة في مستويات الدخل والاستهلاك. وترجع العديد من هذه الترابطات الهيكلية ومسارات التنمية إلى جذورٍ تاريخية تمتد إلى الحقبة الاستعمارية (Roessler et al., 2022).
لقد أدت الممارسات الاستعمارية مثل نزع ملكية الأراضي الإفريقية بأسعارٍ منخفضة وثابتة، وفرض سياسات ضريبية تمييزية وحمائية، فضلاً عن إقصاء السكان من مجالات إنتاجهم التقليدية من جهة، وتوظيف العمالة التعاقدية والسخرة من جهةٍ أخرى، في تكريس تفاوتاتٍ اجتماعية واقتصادية واضحة. وقد تفاقمت هذه التفاوتات نتيجة ممارساتٍ بنيوية في الاقتصادات الاستعمارية ذات الطابع «التعددي»، التي حافظت على أنماطٍ متباينة من المواطنة حتى بعد عمليات التأميم. ففي منطقة جنوب إفريقيا، على سبيل المثال، تتحمل السلطات القبلية التي أنشأها الاستعمار في جنوب إفريقيا وزيمبابوي وليسوتو وسوازيلاند المسؤولية المباشرة عن استمرار الممارسات الاجتماعية والاقتصادية التمييزية بعد استقلالها. كما تُعدّ حالتا سيراليون وناميبيا دليلاً على فشل الدولة الممتد والانقسام الداخلي المزمن الناجم عن دمج عرقي قسري من قِبل المستعمرين. ولا تزال ظاهرتا الفقر وعدم المساواة قائمتين، في حين تُشكّل حالة عدم الاستقرار السياسي والصراعات العنيفة تحدياتٍ إضافية تؤثر في سبل العيش في المنطقة. ويمكن النظر إلى الموقف السياسي بوصفه أحد مخلّفات الاستعمار أيضاً، إذ أسهم في تشكيل الممارسات والمواقف السياسية، سواء على المستوى الداخلي أم الدولي، منذ تلك الحقبة وحتى الوقت الراهن (Koot, 2023).
– عبء الديون:
طُرح مؤخراً عبء الديون بوصفه بُعداً إضافياً من أبعاد التحدي الهيكلي المستمر الذي تواجهه الاقتصادات الإفريقية، وهو تحدٍّ متجذر في الموروثات الاستعمارية.
وتعود مشكلة الدين الخارجي، في جوهرها، إلى المرحلة الاستعمارية. فقد أدى غياب سوق محلية، عقب هزيمة المقاومة الوطنية الإفريقية، إلى عدم استدامة القاعدة الاقتصادية في المناطق الخاضعة للاحتلال.
ومن ثَمّ، ساد التخوف من أنه في حال زوال آليات الاستخراج القسري، فلن يصبح تحقيق الأرباح الفائضة مستحيلاً فحسب، بل سيغدو أيضاً استمرار مظاهر التنمية منخفضة التكلفة، التي تحققت في تلك المناطق، أمراً متعذراً (Tunçer, 2021).
ولضمان استمرارية هذه العملية، ومن ثَمّ ضمان الاستثمار في توسيع الاقتصاد الاستعماري، تم تحمل مستويات مرتفعة من الديون الخارجية، الأمر الذي أفضت تكلفته إلى ترسيخ الحاجة إلى استمرار عملية الاستخراج.
وقد أصبح تدبير هذه الديون عنصراً محورياً في إحكام السيطرة على الحيز السياسي الاقتصادي الإفريقي خلال الحقبة الاستعمارية، ما جعل استقلال المستعمرات السابقة مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالجدوى المالية للقوى الاستعمارية السابقة. وهكذا، أضحى هذا الدَّيْن البغيض المحَكَّ الرمزي لقياس السيادة الاقتصادية ومدى الاستقلالية اللاحقة في رسم السياسات (Gwaindepi & Fourie, 2020).
لقد لجأت الدول الإفريقية المستقلة، شأنها شأن دول أخرى تواجه ظروفاً مماثلة، إلى المساعدات الميسرة التي غالباً ما تكون شروطها على أسس سياسية أو أيديولوجية بحتة، أكثر من كونها شروطاً تقنية أو حتى اقتصادية، وذلك بما يوجه الدول المتلقية نحو نموذج محدد لاقتصاد السوق الحر.
وبدلاً من أن تؤدي هذه المساعدات دور المورد التكميلي الذي يمكن إدارته بحذر، فقد كان لها أثر سلبي. ففي ظل طبيعة الاقتصادات الإفريقية، فقد أدت الإجراءات المقيدة المرتبطة بهذه المساعدات إلى إضعاف تطوير البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن الخدمات التي كانت تعتمد سابقاً على المدخرات الوطنية لتحقيق العدالة بين الأجيال وداخل الجيل الواحد. وتجدر الإشارة إلى أن الدول تواجه حالة من المفاضلة عند معالجة الاستثمارات العامة أو الاجتماعية، إذ يتعين عليها الاختيار بين خفض مدفوعات خدمة الدين لصالح مجالات كالصحة أو التعليم، وما إلى ذلك.
وقد أصبحت المساعدات جزءاً من مشكلة تراكم الديون لأسباب مختلفة؛
أولاً: لأن ممارسة اقتراض المستفيدين الثانويين نيابةً عن الدول النامية قد كشفت عن هشاشة النظم القائمة، مما أفضى إلى سوء استخدام الموارد.
ثانياً: والأهم من ذلك، أن المساعدات المتعددة الأطراف والثنائية كانت متورطة في مثل هذه العمليات، إذ جرى، لفترة من الزمن، مضاعفة القروض أو حتى زيادتها إلى ثلاثة أضعاف، مشروطةً بعمليات التكيف الهيكلي، الأمر الذي أسهم في تفاقم أزمة الديون. وعليه، تتسم ممارسات إدارة ديون العالم الثالث بطابع دوري معيّن، حيث يصبح سداد دين ما شرطاً للحصول على دين آخر. ومن ثَمّ، فإن تحقيق إعفاء حقيقي من الديون، إلى جانب تبنّي إستراتيجية بديلة للنظام المالي القائم، الذي ظل حتى الآن مرتكزاً على ضرورة خدمة الدين الخارجي، قد أصبح أمراً ملحاً لفتح آفاق أمام نمو وتنمية مستدامين. وسوف نتناول بمزيد من التفصيل أسباب عدم استدامة الدين الخارجي في الفقرات الفرعية التالية (Blair et al., 2022).
5- السياسات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الاستعمار:
شهدت مرحلة ما بعد الاستعمار في التاريخ الإفريقي تداعيات وآليات الترتيبات التي وُضعت خلال الحقبة الاستعمارية وتجلياتها على أكثر من صعيد. فقد أدت الترتيبات السياسية التي فرضها الاستعمار إلى تفكك البنى السياسية التقليدية، وتولّي الأنظمة العسكرية وحكومات الحزب الواحد مسؤوليات الإدارة. وكان للهيكل الإداري الذي خلّفه الاستعمار أثر سلبي على مستوى الحوكمة والإدارة الداخلية. وبالمثل، فإن البنية الاقتصادية والبنية التحتية والمرافق التي ورثتها الدول الإفريقية عن التنظيمات الاقتصادية الاستعمارية اتخذت مساراً متدهوراً في التحليل والتقييم. وبالمثل، وفي ظل تنامي الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، ظلّ الاقتصاد الإفريقي في معظمه قائماً على إنتاج القيم المادية الأولية، حيث بدأ يندمج في بقية الاقتصاد العالمي بوصفه مزوّداً للمواد الخام منخفضة الأسعار والمنتجات الزراعية الأولية.
وتتمثل إحدى الإشكاليات المركزية في إفريقيا في قضية التنمية الاقتصادية، فالتحدي الذي يواجه التنمية في مرحلة ما بعد الاستقلال لا يقتصر على ما ينبغي فعله فحسب، بل يمتد أيضاً إلى ما ينبغي تجنبه. وعلى أساس هذه القواسم المشتركة والفوارق، سعت كل دولة إفريقية إلى بلورة نسختها الخاصة من الاشتراكية (Abotebuno, 2023).
إن تحقيق الاستقلال الإفريقي، اقتصادياً وسياسياً، كان الشعار الرئيس للقادة السياسيين. وعلى الرغم من تحقيق الاستقلال السياسي في مرحلة ما بعد الاستقلال، فإن الاستقلال الاقتصادي لم يتحقق. فقد تميز النظام الاقتصادي الإفريقي الناشئ، الذي تشكّل بفعل آليات الترتيبات الاقتصادية الاستعمارية، بانتشار العمل المأجور الحر في مجالات الزراعة والتجارة والتعدين والصناعة. ومع ذلك، ظل هذا النظام يعمل في ظل ظروف معيقة، تتمثل في هيمنة الملكية الأجنبية الاحتكارية والخاصة، التي تحظى بحماية الدولة ضد المنافسة الداخلية.
وقد دفعت المشكلات السياسية هذه الدول إلى تبنّي سياسات التنويع الاقتصادي التي شكّلت بدورها إستراتيجيات لمرحلة ما بعد الاستقلال.
غير أن الجهود الموجهة إلى بناء مؤسسات اقتصادية وطنية كبرى، حتى تلك التي اتجهت نحو الداخل، اصطدمت بهشاشة الاقتصاد المحلي، وكانت نتائجها متفاوتة بين دولة وأخرى. أما إعادة توجيه الاقتصاد في مرحلة ما بعد الاستعمار، فقد مثلت إحدى المهام الأساسية التي واجهت القيادات الإفريقية حديثة الاستقلال. إذ ورثت هذه الدول اقتصادات متخصصة إلى حد كبير في تصدير المنتجات الزراعية والموارد المعدنية إلى الأسواق الدولية، في حين كانت تنتج قدراً محدوداً نسبياً لتلبية الاستهلاك المحلي، وتعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتغطية احتياجاتها الاستهلاكية (Rauw et al., 2023).
– المعونة والمساعدة التنموية:
تُعدّ إحدى أبرز موروثات الحكم الاستعماري في إفريقيا، إذ تتمحور حول العلاقة الوثيقة بين الدول الإفريقية ونخبها المحلية من جهة، والدول الغربية ومؤسساتها متعددة الأطراف من جهةٍ أخرى.
ففي العديد من البلدان الإفريقية، يشكل رأس المال الخارجي نسبة كبيرة من الاستثمارات العامة والإنفاق الجاري. وتتلقى معظم الدول الإفريقية أشكالاً مختلفة من المساعدات التنموية، بهدف التخفيف من تحديات تكوين رأس المال البشري، مثل مكافحة الأمراض وتحسين النظم الصحية، وكذلك تحديات تكوين رأس المال المادي، كتحسين الوصول إلى مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، وتطوير البنية التحتية للنقل والاتصالات، وقطاع الطاقة، وغيرها. ومن ثَمّ، فليس من المستغرب أن تكون المساعدات التنموية جزءاً لا يتجزأ من الإطار السياسي للدول الإفريقية بعد الاستقلال. كما تقدم الوكالات الثنائية والمتعددة الأطراف والإنسانية مساعدات فورية في أعقاب النزاعات والكوارث، تشمل الإغاثة وإعادة التأهيل (Turshen, 2021).
بالنظر إلى أن التحديات الاجتماعية والاقتصادية كان ينبغي توقعها في أعقاب الاستقلال، وبالنظر أيضاً إلى أن بعض المستعمرات نالت استقلالها بعد تحرر مجموعات واسعة من أفقر السكان الأفارقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فقد تعرضت قنوات المعونة التنموية لانتقادات واسعة، ولا تزال كذلك.
وتتراوح هذه الانتقادات بين مبررات اقتصادية وسياسية وتوجيهية. فبعض النقاد، الذين نشؤوا خلال فترة الحرب الباردة، يرون في المساعدات التنموية مجرد حيلة متعمدة لإبعاد النخبة الإفريقية عن معسكر الاتحاد السوفييتي، وتهيئة الظروف اللازمة لإنشاء دول إفريقية تابعة لهم. وقد يكون لتدفق المساعدات التنموية بعد النزاعات آثار سلبية مماثلة لتلك المرتبطة باستخدام المساعدات الاقتصادية كسلاح في الحرب الباردة.
وتجادل انتقادات أخرى، تماشياً مع الادعاءات الشائعة، بأن معظم هياكل المساعدات الاقتصادية في أماكن أخرى تعزز التسلسل الهرمي الطبقي والمواقف السائدة، وتولد التبعية، وتزيد من احتمالية سيطرة المانحين على الاقتصاد والدولة، من خلال تعميق هشاشة الدولة، وزيادة التوافق المالي والسياسي بين الإدارات الموالية وتفضيلات المانحين. ومع ذلك، وعلى الرغم من وجود اتفاق نسبي على أن السلطة تنتقل عبر النخب، وأن هذه النخب تمتلك موارد متفاوتة ومساحات مختلفة لاتخاذ القرار، فإن هذا لا ينسجم مع وجهات النظر التي ترى أن الاقتصاد الرئاسي يُعدّ ملكية شخصية للرئيس (Sullivan & Hickel, 2023).
في ضوء الاتجاهات السابقة، يطرح بعضهم تساؤلاً حول سبب استمرار إفريقيا في تلقي المساعدات التنموية، رغم العجز المستمر لدى الجهات المانحة عن إثبات فاعليتها في تحسين حياة السكان. وكما هو الحال في العديد من أنماط الإدارة المركزية، قد تتسم المساعدات التنموية ذاتها بعدم الفاعلية، إذ يكتفي كثير من المانحين بمشروعات معيبة، مما يجعل تحقيق النتائج المرجوة أمراً صعباً.
ومع ذلك، فقد أثبتت المساعدات التنموية في بعض الحالات فعاليتها في المساهمة في سياسات تدعم الهدف العام المتمثل في تعزيز النمو، والحد من الفقر، وإحداث تغيير شامل. وتتجلى هذه النتائج الإيجابية في الحالات التي تتمكن فيها الجهات المانحة من حماية مصالحها من خلال مشاركتها المباشرة في التحول الاقتصادي والسياسي في بلد أو إقليم معيّن، وذلك عبر دعم بلدانها والمنظمات الدولية من خلال المخصصات المالية وغيرها من الموارد لإرساء السلام وإعادة بناء اقتصاد المناطق المتضررة من الحروب.
– العولمة والاستعمار الجديد:
تدفع العولمة العالم نحو مرحلة تتسم بمزيد من التبادل التجاري، والاستثمار، والتكامل الاقتصادي. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه في الظهور منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأصبح اليوم القوة المهيمنة التي تُشكّل بنية العالم.
وفي الوقت ذاته، أدت العولمة إلى ظهور أشكالٍ جديدةٍ من الاستعمار الجديد، حيث تتعرض الدول الإفريقية للاستغلال من قِبل الشركات متعددة الجنسيات، سواء الأجنبية منها أو المحلية، وذلك بالتواطؤ مع النخب الحاكمة.
وقد أُتيح انتشار ظاهرة «العولمة» جزئياً بفعل تحرير قطاعات النقل والاتصالات والخدمات المالية من القيود التنظيمية، إلى جانب بروز ظاهرة القرن الحادي والعشرين بامتياز، وهي شبكة الإنترنت. وتشير هذه التطورات إلى فرص جديدة لنقل المعرفة والتكنولوجيا، غير أن محصلتها غالباً ما تتمثل في تحقيق أرباح ضخمة لفئة محدودة. إلا أن هذه المسارات بدأت، في الوقت الراهن، تشهد تراجعاً (Poku-Boansi, 2020).
وتميل الشركات العابرة للحدود إلى انتهاج المسار الأسهل، من خلال الاتفاق مع النخبة البرجوازية لترسيخ وجودها في الاقتصادات الإفريقية. لكن الغالبية العظمى من الأفارقة لا يستطيعون تحمل تكاليف ممارسة الأعمال التجارية بهذه الطريقة، مما يؤدي إلى عرقلة مسارات التنمية المستقلة والسيادية.
وفي هذا الإطار، تُفرض برامج التكيف الهيكلي، ومخططات الخصخصة، وتخفيض قيمة العملة، وغير ذلك من أشكال الاستغلال الاقتصادي، قسراً على الدول الإفريقية. وفي المقابل، يجادل أنصار العولمة بأن إفريقيا ستجني فوائد أكبر في ظل العولمة مقارنةً بما قد تحققه في ظل الاستعمار الجديد (Dianda & Pandin, 2021).
وعلى الرغم من أن هذا الطرح أقرب إلى التصورات المتخيلة، فإنه يستند إلى عدد من الحقائق الجزئية أو الأكاذيب الكاملة. إذ توجد بالفعل جملة من الفرص المتاحة أمام إفريقيا في ظل العولمة، من بينها تدفقات رؤوس الأموال الخاصة، وإمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية، ونقل التكنولوجيا، وذلك في إطار الطرح النيوليبرالي.
غير أن هذه الفرص كثيراً ما تحولت إلى مصادر تهديد أو إلى عقبات خطيرة. فعلى مستوى التجارة العالمية، تُعدّ معظم هذه الدول مستوردة صافية، ولا تُصدر إلا عدداً محدوداً من السلع الأولية، ولا يُعالَج إلا جزء ضئيل منها. كما يُعدّ التحكم المؤسسي للشركات في المنتجات المعدلة وراثياً مثالاً كلاسيكياً على كيفية إدماج الاقتصادات الزراعية الإفريقية في متاهات التبعية السوقية. كذلك، لا تزال إفريقيا متأخرة بنحو مائة عام تقريباً عن الثورة الإلكترونية وظهور شبكة المعلومات فائقة السرعة، وهو ما أسهم في تعميق الفجوة الرقمية، وفتح المجال أمام ما يمكن وصفه بإعادة استعمار العقول الإفريقية. ويؤدي ذلك إلى تكريس وضعية تجعل من الكفاءات الإفريقية في حالة من التبعية شبه الدائمة، بما يحد من السيادة، ويقوض الاستقلالية التي تحققت على المستوى الإقليمي (Boateng, 2021).
– دراسات حالة لبلدان إفريقية (نيجيريا نموذجاً):
أظهرت دراسات الحالة أن الدول الإفريقية استطاعت التكيف مع واقعها الاستعماري القائم على السيادة ومجموعة من المصالح الخاصة المتضاربة، وذلك من خلال تبنّي مجموعة من الخيارات السياسية والمؤسسية ذات الطابع البراغماتي.
ولذلك؛ لم تتحول جميع الدول الإفريقية إلى كيانات ريعية تعتمد حصرياً على الموارد. حتى عندما أصبحت الموارد ذات أهمية بالغة لهذه الدول في فترات تاريخية مختلفة، تميزت اقتصاداتها بهيمنة قطاعات حضرية مستقلة وحيوية وتنافسية سيطرت على الجزء الأكبر من الموارد داخل تلك البلدان.
وحتى عام 2016م، واصلت كل من رواندا وإثيوبيا وأوغندا تسجيل أعلى معدلات النمو ضمن مجموعة تضم 40 دولة إفريقية منذ عام 1960م، في حين سجل كل من جنوب السودان وليسوتو أدنى معدلات النمو. وعلى الرغم من أن غينيا وليبيريا قد شهدتا ارتفاعاً ملحوظاً في متوسط دخل الفرد بحلول عام 2018م، فإن هذا التحسن ظل متفاوت الأثر من حيث الاستدامة والانعكاسات الهيكلية على الاقتصاد الكلي (Ngcayisa, 2021).
وتعاني العديد من الدول الإفريقية من نزاعات أهلية طويلة الأمد، يرتبط معظمها بمقاومة عمليات التحول الاقتصادي في المنطقة، فضلاً عن الدعم الخارجي الذي تقدمه أطراف تعارض التغيير. وفي الواقع، فإن الدول الإفريقية القديمة والجديدة الغنية بالموارد تتباطأ في الشروع في التحولات الاقتصادية الضرورية لاقتصاداتها، بما في ذلك تطوير مناطقها الغنية بالموارد، فضلاً عن إعادة هيكلة مجتمعاتها ذاتها.
وعلاوةً على ذلك، ظلت تقريباً جميع هذه الدول تعتمد على خبراء خارجيين، رغم ما يرافق ذلك من إخفاقات في السياسات والمؤسسات، من أجل إدارة عائدات الموارد بالنيابة عنها، وهو ما يعزز الحاجة الملحة إلى تعزيز الحوكمة المحلية في صياغة مسارات تحول اقتصادي مستدام في مثل هذه الدول.
ومع ذلك، تمكنت بعض الدول الإفريقية من تغيير أوضاعها بشكل ملحوظ، حيث استطاعت زيادة حصتها من العوائد المالية التي تُوزع وفق قواعد السوق. وبحلول عام 2019م، سجلت نحو عشر دول إفريقية جديدة غنية بالموارد معدلات فقر أقل، إلى جانب معدلات أعلى من النمو الشامل للفرد، في المتوسط منذ عام 1996م. ويُقصد بالنمو الشامل للفرد مقياس للدخل يدمج توزيع الدخل الدولي انطلاقاً من خط عدم مساواة إقليمي ثابت، ضمن قياس نصيب الفرد من الدخل القومي، بحيث تُحتسب قيمة دخل الفئات الواقعة تحت خط عدم المساواة وفق سعر الصرف الدولي، مما يعكس الفوارق في التوزيع والدخل الحقيقي (Phungula, 2020).
– نيجيريا:
تُعدّ نيجيريا حالة دراسية لافتة لإجراء تحليل معمق للإرث الاجتماعي الاقتصادي الذي أفرزته الخبرة الاستعمارية في إفريقيا. ففي خلال الحقبة الاستعمارية، أنشأ الاستعمار البريطاني نظامين اقتصاديين منفصلين عمداً في الشمال وفي بقية أنحاء البلاد، بما يعكس رؤية استعمارية قائمة على التمايز البنيوي داخل المجال الاقتصادي الواحد.
وفي غالبية الدراسات الحديثة، يُؤخذ على نحوٍ مسلَّمٍ به وجود نمط طويل الأمد يرتبط برفاهية المواطنين، ناتج عن هذا التقسيم التاريخي. فقد أسهمت سياسات اللامركزية، بالتزامن مع التعليم في الجنوب، في خلق تأثير «الجيب الاقتصادي» القوي في الجنوب، مما أثر إيجاباً في القطاعات الاقتصادية غير الزراعية.
والآن، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً على استقلال نيجيريا عقب نضالات ديمقراطية مريرة خاضها الشعب النيجيري، بات من الممكن تقييم مدى صحة هذا التصور بصورة عامة، والتحقق مما إذا كانت هذه الفرضية التفسيرية تعكس الواقع الفعلي لمسار التنمية غير المتكافئ داخل البلاد أم لا (Audu & Oshewolo, 2021).
تُعدّ المنتجات الأولية ذات أهمية كبيرة باعتبارها إحدى الوسائل الرئيسة لنشر الموارد الغذائية والمغذيات عبر القارة الإفريقية. وتُصنَّف نيجيريا ضمن أكبر خمس دول مُصدِّرة للنفط عالمياً، كما تمتلك نحو 4% من الاحتياطي العالمي من النفط.
ويشكل العاملون في إنتاج السلع الأولية نسبة كبيرة جداً من القوة العاملة في البلاد. وكما هو الحال في معظم الدول الإفريقية ما بعد الاستعمار، فقد اتضح بعد تفكيك الدولة الاستعمارية أن النظام السياسي الجديد الذي ورثته هذه الدول لم يكن يمتلك القدرة الكافية على توليد النمو الاقتصادي أو ممارسة احتكار الدولة في القطاعات الصناعية والتجارية.
وقد شهدت عدة هياكل اقتصادية رئيسة، التي أُنشئت في الأصل من قِبل المسؤولين الإداريين الاستعماريين وشركائهم المحليين، تراجعاً تدريجياً في أدائها ووظائفها. ويرى بعض المؤرخين والاقتصاديين السياسيين أن رد الفعل الاستعماري العكسي الذي تجلى في التشريعات ذات التوجه الرأسمالي في نيجيريا خلال خمسينيات القرن العشرين يُعدّ أحد العوامل التفسيرية لهذا المسار. كما يُشار إلى أن جذور مشكلة الفساد وسوء الحكم بدأت في التبلور منذ الحقبة الاستعمارية البريطانية نفسها، وإن كانت قد اتخذت أشكالاً أكثر وضوحاً وتعقيداً في مرحلة ما بعد الاستقلال (Turshen, 2021).
6- الخاتمة:
وختاماً استعرضت هذه الدراسة الكيفيات التي أسهم بها الوجود الاستعماري الأوروبي في إفريقيا في إحداث آثار اقتصادية ونفسية واجتماعية عميقة على السكان. وانطلاقاً من رفض الحتمية الاقتصادية الصارمة، جرى التأكيد على أن الأزمات التي تعانيها القارة الإفريقية في الوقت الراهن لا يمكن إرجاعها بالكامل إلى الماضي الاستعماري أو إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، رغم إمكانية الوقوف على أدلة واضحة تكشف عن الطبيعة البنيوية غير العادلة لهذه الاقتصادات، والتي لا تزال تُلحق الضرر بفئات واسعة من السكان حتى اليوم.
كما سعت الدراسة إلى تحليل بعض آليات الاقتصاد السياسي الاستعماري، وبيان دلالاتها للفاعلين المهتمين بالحركات الاجتماعية وصنع السياسات، فضلاً عن مختلف الأطراف الدولية الساعية إلى التأثير في مستقبل الاقتصاد الإفريقي.
وقد تبين أن السياسات الاقتصادية ذات الطابع الاستعماري الجديد، وكذلك نماذج «التنمية الإفريقية»، لم تحقق دائماً نجاحاً متكافئاً في تعزيز التمكين الاقتصادي المحلي أو في تحسين مستويات الرفاهية الإنسانية والاجتماعية، سواء في أبعادها المادية أو غير المادية. بل إن التدخلات الاقتصادية كثيراً ما أفادت الفئات التي تمتلك بالفعل موارد ونفوذاً. غير أنه إذا ما أُعيدت صياغة الإستراتيجيات الاقتصادية المستقبلية على نحو يراعي فهماً عميقاً لتجارب الصدمة والمعاناة الناجمتين عن الهيمنة الأجنبية، إلى جانب إدراك القيود التي تفرضها المصالح الاقتصادية من خلال البحث العلمي والآليات التشاركية، فإن فرص نجاح برامج التمكين الاقتصادي في تحقيق نتائج أكثر فاعلية وملاءمة ستزداد.
ورغم أن ذلك قد لا يكون قابلاً للتنفيذ على الفور في الراهن المعاش، فإن التركيز على سياسات الإصلاح الذاتي، وبناء نماذج تنموية مستدامة تنبثق من السياقات المحلية والتاريخية ومن بنية الاقتصاد السياسي للفقر، بدلاً من التركيز على الاستجابات الراهنة التي تفرضها منظمات المعونة، يبدو أكثر إنتاجية وجدوى.
وفي السياق ذاته، يكتسب التوجه الحالي الداعي إلى انخراط المجتمع الدولي في بناء القدرات من القاعدة إلى القمة أهمية خاصة، ولا سيما مع التأكيد على قوة ومرونة الممارسات الاقتصادية «غير الرسمية» اليومية التي تنطلق من القاعدة إلى القمة، في سيناريو متفائل وتقدمي، سيكون أمراً بالغ الأهمية. وربما تكون ملامح ثورة خضراء جديدة في القارة الإفريقية قد بدأت بالفعل في التشكل، وهي في انتظار من يُسمّيها ويعمل على رعايتها وتطويرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
– Abotebuno Akolgo, I. (2023). Ghana’s Debt Crisis and the Political Economy of Financial Dependence in Africa: History Repeating Itself?. Development and Change.
– Audu, M. & Oshewolo, R. (2021). Nigeria up to 1914: Some emerging political and economic issues. Nigerian Politics.
– Austin, G. (2010). African economic development and colonial legacies (No. 1, pp. 11-32). Institut de hautes études internationales et du développement.
– Battani, M. L. (2020). The Consequences of Early Colonial Policies on East African Economic and Political Integration.
– Blair, R. A., Marty, R., & Roessler, P. (2022). Foreign aid and soft power: Great power competition in Africa in the early twenty-first century. British Journal of Political Science.
– Boateng, F. G. (2021). A critique of overpopulation as a cause of pathologies in African cities: evidence from building collapse in Ghana. World Development.
– Dianda, A., & Pandin, M. G. R. (2021). E-Commerce in Strengthening The Economy During The Covid-19 Pandemic: A Historical Review. Jurnal Ekonomi dan Bisnis Jagaditha, 8(2), 179-186.
– Ferguson, N. (2012). Empire: How Britain made the modern world. Penguin UK.
– Friedmann, H. (2021). Changes in the international division of labor: agri-food complexes and export agriculture. Towards a new political economy of agriculture.
– Gilley, B. (2023). The case for colonialism.
– Greco, E. (2020). Africa, extractivism and the crisis this time. Review of African Political Economy.
– Gwaindepi, A. & Fourie, J. (2020). Public sector growth in the British Cape Colony: Evidence from new data on expenditure and foreign debt, 1830‐1910. South African Journal of Economics.
– Koot, S. (2023). Articulations of inferiority: From pre-colonial to post-colonial paternalism in tourism and development among the indigenous Bushmen of Southern Africa. History and Anthropology.
– Michalopoulos, S. & Papaioannou, E. (2020). Historical legacies and African development. Journal of Economic Literature.
– Mkandawire, T. (2020). Colonial legacies and social welfare regimes in Africa: An empirical exercise.
– Mumuni, S. & Mwimba, T. (2023). Modeling the impact of green energy consumption and natural resources rents on economic growth in Africa: an analysis of dynamic panel ARDL and the feasible …. Cogent Economics & Finance.
– Ngcayisa, L. (2021). Developmental authoritarianism in Africa: the cases of Ethiopia, Rwanda, and Uganda. Journal of Central and Eastern European African Studies, 1(3), 93-118.
– Nwoke, C. N. (2020). Rethinking the idea of independent development and self-reliance in Africa. African Review of Economics and Finance.
– Phungula, N. P. (2020). An assessment of the SADC conflict transformation capacity in the context of the recurring conflict in Lesotho 1998-2018: towards a conflict transformation model.
– Poku-Boansi, M. (2020). Path dependency in transport: A historical analysis of transport service delivery in Ghana. Case Studies on Transport Policy.
– Rauw, W. M., Gomez‐Raya, L., Star, L., Øverland, M., Delezie, E., Grivins, M.,… & Formato, G. (2023). Sustainable development in circular agriculture: An illustrative bee↺ legume↺ poultry example. Sustainable Development, 31(2), 639-648.
– Robinson, A. (2019, March 26). Colonial Rule and Its Political Legacies in Africa. Oxford Research Encyclopedia of Politics. Retrieved 17 Nov. 2024, from https://oxfordre.com/politics/view/10.1093/acrefore/9780190228637.001.0001/acrefore-9780190228637-e-1346.
– Robinson, R. E. (2023). The excentric idea of imperialism, with or without empire. Imperialism.
– Roessler, P., Pengl, Y. I., Marty, R., Titlow, K. S., & van de Walle, N. (2022). The cash crop revolution, colonialism and economic reorganization in Africa. World Development, 158, 105934.
– Settles, J. D. (1996). The impact of colonialism on African economic development.
– Sullivan, D. & Hickel, J. (2023). Capitalism and extreme poverty: A global analysis of real wages, human height, and mortality since the long 16th century. World development.
– Tunçer, A. C. (2021). Foreign Debt and Colonization in Egypt and Tunisia (1862–82). 2021). Sovereign Debt Diplomacies: Rethinking sovereign debt from colonial empires to hegemony. Oxford Scholarship Online.
– Turshen, M. (2021). Population growth and the deterioration of health: Mainland Tanzania, 1920-1960. African Population and Capitalism.
المصدر:
[1] Abdulkarim Abdullahi & Saleel Chembayil. (2025). Colonial legacies and their impact on Africa’s economic system. British Journal of Interdisciplinary Research. Vol. 2, No. 5, pp. 97-114.











































