تضطلع الأحزاب السياسية، في النظم السياسية، بوظيفة الوساطة بين المجتمع والدولة؛ إذ تُمثّل المواطنين، وتُعبِّر عن مصالحهم، وتَصُوغ البدائل السياسية وتَعْرضها على مؤسسات صُنع القرار، فضلًا عن مراقبة أداء الحكومات ومساءلتها أمام البرلمانات.
غير أن الأحزاب في كثير من النظم السياسية الإفريقية عانت قصورًا في أداء هذه الوظائف، مع تغليب التنافس على السلطة على تمثيل المطالب المجتمعية وتحويلها إلى سياسات عامة. وقد أسهم ذلك، إلى جانب عوامل أخرى، في إضعاف الثقة بالمؤسسات التمثيلية، واتساع الفجوة بين الدولة والمواطنين، وتفاقم السخط إزاء أداء الحكومات وتراجع مستوى الخدمات العامة.
وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وجدت قطاعات من الأجيال الإفريقية الجديدة في المنصات الرقمية مجالًا للتعبير عن تطلعاتها ومطالبها وتنسيق تحركاتها خارج الأُطُر الحزبية التقليدية. ومع انتقال هذه المطالب إلى الشارع، شهدت بلدان إفريقية مختلفة احتجاجات شعبية تفاوتت في دوافعها، ودرجة تنظيمها، وطبيعة مطالبها، ووسائل التعبير عنها. وقد فرضت هذه الاحتجاجات على السلطات التعامل معها باستجابات تراوحت بين تقديم تنازلات جزئية واتخاذ إجراءات سياسية، وبين اللجوء إلى التدابير الأمنية واستخدام القوة في مواجهة المحتجين.
ومن هنا يثور التساؤل حول مدى قدرة الحراك الشعبي على تحويل زَخمه التعبوي إلى تغيير سياسي وبرامج وسياسات عامة؟ وما إذا كان ذلك يُغني عن الأحزاب السياسية ودَوْرها؟
وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن هذا التساؤل من خلال دراسة حالات احتجاجية في مدغشقر وجنوب إفريقيا وموريشيوس، للوقوف على طبيعة العلاقة بين الحراك الشعبي والأحزاب السياسية، واستجابة الحكومات، ومِن ثَمَّ تقييم قدرة الشارع على إحداث التغيير خارج الأُطُر الحزبية التقليدية.
محتويات الورقة
أولًا: الحراك الشعبي والأحزاب السياسية في مدغشقر
شهدت مدغشقر، ولا تزال، أحداثًا وتحولاتٍ سياسية واجتماعية واسعة النطاق يمكن إيجازها فيما يلي:
- احتجاجات “جيل زد” ومطالب التغيير السياسي
في 25 سبتمبر 2025م، شهدت مدغشقر احتجاجات واسعة قادتها شبكات شبابية مرتبطة بـ”جيل زد” Generation Z، احتجاجًا على انقطاع المياه والكهرباء وتدهور الخدمات العامة. وسرعان ما تجاوزت الاحتجاجات مطالبها المعيشية المباشرة، لتشمل مكافحة الفساد، ومحاسبة المسؤولين، وتحسين الحوكمة، وتعزيز الشفافية في إدارة الشأن العام. وامتدت التظاهرات من العاصمة “أنتاناناريفو” Antananarivo إلى مدن أخرى، وتصاعدت المواجهة بين المحتجين والسلطات، حتى تحولت المطالب من تحسين الخدمات العامة إلى تحدٍّ مباشر لشرعية الرئيس “أندري راجولينا” Andry Rajoelina وحكومته ([1]).
وبلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر 2025م، حين تمردت عناصر من “فيلق الأفراد والخدمات الإدارية والتقنية” Corps d’Armée du personnels et des Services Administratifs et Techniques CAPSAT، ورفضت إطلاق النار على المحتجين، قبل أن تنحاز إلى الحراك الشعبي، في تطور أسهم في تسريع انهيار سلطة “راجولينا”. وفي 17 أكتوبر 2025م، أدى العقيد “ميشيل راندريانيرينا” Michael Randrianirina قائد هذا الفيلق، اليمين رئيسًا للبلاد، عقب استيلاء الجيش على السلطة، معلنًا اعتزامه قيادة مرحلة انتقالية تنتهي بإجراء انتخابات خلال عامين. غير أن هذا التحوّل لم يُنْهِ التساؤلات بشأن مدى قدرة السلطة الجديدة على تحقيق المطالب التي دفعت المحتجين إلى الشارع، ولا سيما فيما يتعلق بالحوكمة والمساءَلة وتحسين الخدمات العامة([2]).
وفي أبريل 2026م، تجددت الاحتجاجات الشبابية في مدغشقر؛ إذ خرج ناشطون من “جيل زد” في مظاهرات جديدة احتجاجًا على بطء تنفيذ الإصلاحات الموعودة. لكن السلطات الانتقالية ردّت باعتقال عددٍ من الناشطين والمدافعين عن الحقوق وأعضاء المجتمع المدني، بتُهَمٍ غامضة تتصل بـ”التآمر الجنائي”، و”تهديد الأمن القومي”، و”زعزعة استقرار الدولة”. وأثار ذلك انتقاداتٍ بشأن استمرار التضييق على الحريات العامة، ومخاوف من إعادة إنتاج أنماط القمع السابقة بدلًا من الاستجابة لمطالب الإصلاح والمساءلة([3]).
- موقف الأحزاب السياسية وعلاقتها بالحراك
تأخرت الأحزاب السياسية في التفاعل مع احتجاجات “جيل زد”؛ إذ ظلت متحفظة في البداية تجاه حراكٍ شبابي لم ينشأ داخل أُطرها التنظيمية. غير أن تصاعُد الاحتجاجات، وتوسُّع مطالبها من الخدمات العامة إلى مطالبة الرئيس “راجولينا” بالتنحي، دفَع قوى المعارضة إلى التحرك. ففي 1 أكتوبر 2025م، أصدرت منصة “فيراسانكينا” Firaisankina، وهي تحالف معارضة تأسس في فبراير 2024م، بيانًا مشتركًا نادرًا، وقّعه زعيم المعارضة “سيتيني راندريانيرينا سولونيايكو” Siteny Randrianasoloniaiko والرئيس السابق “مارك رافالومانانا” Marc Ravalomanana، أعربت فيه عن تضامنها مع الشباب ([4]).
وتبنّى البيان موقفًا داعمًا للمطالب الشعبية، لكنّه تجنّب قيادة الاحتجاجات أو تحويلها إلى مشروع حزبي موحد. كما رفض “سولونيايكو” و”رافالومانانا” عروض الانضمام إلى حكومة “راجولينا” مطالبين باستقالته، معتبرين الانضمام إلى حكومته “خيانةً للشعب الملجاشي”. وانضمت إلى الحراك أيضًا منصة “تضامن النقابات الملجاشية” Solidarité des syndicats malgaches، التي تجمع عدة نقابات، ما وسَّع قاعدته الاجتماعية والسياسية.([5])
وهكذا يمكن القول: إن الأحزاب السياسية لم تكن صاحبة المبادرة في إطلاق الحراك أو قيادته، بل تبعت ضغطه ودعمت مطالبه في تأخّر ملحوظ.
- استجابة السلطات ومآلات الاحتجاجات
اتخذ الرئيس “راجولينا” مسارًا جمع بين التنازل الجزئي والقمع؛ إذ حل الحكومة وعيّن رئيسًا جديدًا للوزراء وكلّفه بتشكيل حكومة، ودعا إلى حوار وطني. غير أنّ هذه الاستجابة لم تشمل التنحي عن السلطة، وهو المطلب الرئيسي وقتئذ لشباب “جيل زد”، ما دفع المحتجين إلى رفض الحوار. وفي الوقت نفسه، واجهت القوات الأمنية التظاهرات بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع، ما أوقع قتلى ومصابين وعمَّق انعدام الثقة، وعجَّل بأزمة الشرعية ([6]).
أما السلطة الانتقالية، فقد تبنَّت خطابًا إصلاحيًّا، وتعهدت بإشراك الشباب في المرحلة الانتقالية، لكنها لم تحقق بعدُ تحوّلًا مؤسسيًّا ملموسًا في هذا الاتجاه. وعندما تجددت الاحتجاجات في أبريل 2026م، لجأت إلى الاعتقالات والملاحقة القضائية، وسط اتهاماتٍ وصفَتها منظمة العفو الدولية بالفضفاضة، في سياق حملة استهدفت ناشطين من “جيل زد” وأفرادًا من المجتمع المدني([7]).
ثانيًا: الحراك الشعبي والأحزاب السياسية في جنوب إفريقيا
شهدت جنوب إفريقيا أحداثًا وتحولاتٍ سياسية واجتماعية واسعة النطاق يمكن إيجازها فيما يلي:
- الاحتجاجات المناهضة للهجرة وعلاقتها بالأزمات الاجتماعية
تصاعدت في جنوب إفريقيا خلال عام 2026م الاحتجاجات المناهضة للهجرة، قادتها حركات ومجموعات محلية من بينها “مسيرة ومسيرة” March and March و”عملية دودولا” Operation Dudula، في سياق تفاقم البطالة واتساع الفقر وتراجع الخدمات العامة. وربط المحتجون بين وجود المهاجرين، ولا سيما غير النظاميين منهم، والتنافس على فرص العمل والخدمات، غير أن جذور الأزمة ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية أوسع، تشمل ضعف النمو وقصور السياسات العامة وتراجع قدرة البلديات على تقديم الخدمات ([8]).
وبلغت الاحتجاجات ذروتها في 30 يونيو 2026م، حين نظّمت عدة مجموعات مظاهرات في مدن متعددة، مطالبةً المهاجرين غير النظاميين بالمغادرة. غير أن الحراك تجاوز التعبئة السلمية في بعض الحالات إلى أعمال عنف واستهداف للمهاجرين ومحالهم، ما أسفر -بحسب تقارير صحفية وحقوقية- عن مقتل عدد منهم وإصابة آخرين. وتزامنت هذه الاحتجاجات مع الاستعداد لانتخابات الحكم المحلي المجدولة في 4 نوفمبر 2026م، الأمر الذي أتاح للأحزاب السياسية توظيف خطاب مناهضة الهجرة في حشد الناخبين، في ظل استمرار أزمة البطالة وتراجع الخدمات العامة ([9]).
- موقف الأحزاب السياسية من الاحتجاجات ومطالبها
في سياق تصاعد الاستياء من البطالة وتراجع الخدمات العامة، تباينت مواقف الأحزاب السياسية في جنوب إفريقيا من الاحتجاجات المناهضة للهجرة؛ إذ دعمت بعض الأحزاب الحَراك أو تبنّت خطابه، وفي مقدمتها حزب “أكشن إس إيه” ActionSA، الذي أيَّد الحملة المطالبة بمغادرة المهاجرين غير النظاميين بحلول 30 يونيو 2026م. كما أبدى حزب “مخونتو ويسيزوي” uMkhonto weSizwe MK تعاطفًا مع مطالب الحركة، وشارك أنصاره في بعض التظاهرات، مع التأكيد على ضرورة إبقائها سلمية. وتبنّى حزب “التحالف الوطني” Patriotic Alliance وحزب “الحرية إنكاثا” Inkatha Freedom Party IFP مواقف قريبة من خطاب مناهضة الهجرة، وبذلك تزايد توظيف قضية الهجرة في التنافس السياسي قبيل انتخابات مجالس الحكم المحلي ([10]).
وفي المقابل، سعى حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” African National Congress ANC إلى الحد من التحريض، مع تبنّي موقف متشدد تجاه الهجرة غير النظامية، بينما أدان حزب “التحالف الديمقراطي” Democratic Alliance DA العنف ضد المهاجرين، مع تأييده سياسات أكثر صرامة في ضبط الهجرة ([11]).
ويعكس هذا التباين تعدُّد أساليب تعامل الأحزاب مع الحَراك، بين دعمه المباشر، وتبنّي بعض مطالبه، ومحاولة احتواء تداعياته؛ كما يكشف عن تداخل معالجة قضية الهجرة مع التنافس الانتخابي، رغم أن جذور البطالة وأزمة الخدمات تتجاوز مسؤولية المهاجرين وحدهم.
- استجابة السلطات ومآلات الحراك
اتخذت حكومة جنوب إفريقيا مسارًا أمنيًّا-قانونيًّا؛ إذ أكَّدت حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، ورفضت التخويف والتخريب والعنف، وشددت على اختصاص الدولة بإنفاذ قوانين الهجرة. وبالتزامن مع احتجاجات 30 يونيو 2026م، عززت الإجراءات الأمنية ونشرت قوات إضافية ودعمًا عسكريًّا احتياطيًّا، فيما وصف الرئيس “سيريل رامافوزا” Cyril Ramaphosa الاعتداءات بأنها تتنافى مع الديمقراطية الدستورية([12]).
ورغم احتواء معظم التظاهرات، وقعت حوادث اقتحام متاجر وسرقة بضائع، أسفرت عن اعتقال عدد من الأشخاص في “جوهانسبرج” و”كوازولو ناتال”. وبالتوازي، شدَّدت الحكومة إنفاذ قوانين الهجرة والعمل وتأمين الحدود، وقدمت مشروع تعديل لـ”قانون خدمات التشغيل” Employment Services Amendment Bill (B16-2026)؛ يتيح للوزير تحديد حصص لتوظيف الأجانب في قطاعات ومِهَن محددة، وهو قيد النظر في لجنة العمل بالبرلمان، كما عملت على توحيد الإطار القانوني للجنسية والهجرة ومراجعة إجراءات اللجوء والحماية([13]).

ثالثًا: الحراك الشعبي والأحزاب السياسية في موريشيوس
شهدت موريشيوس، أحداثًا وتحولاتٍ سياسية واجتماعية واسعة النطاق يمكن إيجازها فيما يلي:
- الاحتجاجات الشعبية ومطالب التغيير
انطلقت في 7 أكتوبر 2026م تظاهرات شعبية في موريشيوس؛ احتجاجًا على انقطاعات المياه المتكررة وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع الخدمات العامة. وبدأت الاحتجاجات من منطقة “لا كافيرن-فونيكس” La Caverne-Phoenix، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى. ومع استمرار المعاناة، اتسع التعاطف الشعبي مع مطالب المحتجين بمعالجة جذور الأزمة، بدلًا من الاكتفاء بتدابير جزئية لاحتواء الغضب([14]).
ومع تصاعد الاحتجاجات، أُصيبت إحدى الشابات إصابة خطيرة برصاص شرطي عند حاجز أمني، ما فجَّر موجة من الغضب والمواجهات، لجأ خلالها متظاهرون إلى حرق الإطارات وإغلاق الطرق والاعتداء على مراكز شرطة ومبانٍ حكومية. وفي المقابل، ردّت السلطات بفرض حظر تجوُّل وتشديد الإجراءات الأمنية، فيما تجاوزت المطالب معالجة أزمة المياه وغلاء المعيشة إلى مساءلة الحكومة عن مدى استجابتها للأزمات الاجتماعية وقصور حمايتها للحقوق الأساسية للمواطنين([15]).
- موقف الأحزاب السياسية وعلاقتها بالحراك
انطلق الحراك في موريشيوس خارج الأطر الحزبية، معبّرًا عن مطالب شعبية معيشية، ثم تباينت مواقف الأحزاب مع تفاقم أزمة المياه وتصاعد الاحتجاجات. فقد انتقد حزب “الحركة الاشتراكية المناضلة” Mouvement Socialiste Militant MSM ضَعْف استباق الحكومة للأزمة، وطالب بترؤس رئيس الوزراء لجنة لإدارتها، فيما ناشَد النائب “خوشل لوبين” Khushal Lobine، زعيم حزب “الديمقراطيين الجدد” Nouveaux Démocrates ND، هيئة المياه المركزية بتأمين إمداد يومي وضغط كافٍ. كما طرح حزب “التجمع الموريشي” Rassemblement Mauricien RM مقترحات لإنشاء مركز طوارئ وطني وتحسين التواصل مع السكان وتوزيع المياه بعدالة([16]).
وعقب إصابة الشابة “إيلودي توماس” Élodie Thomas برصاص الشرطة، تصاعدت المطالب بكشف ملابسات الحادث ومحاسبة المسؤولين؛ إذ طالب حزب “المقاومة والبديل” Rezistans ek Alternativ ReA بتحقيق العدالة، فيما أدان “الحزب الموريشي الاشتراكي الديمقراطي” Parti Mauricien Social Démocrate PMSD استخدام الشرطة النار، داعيًا إلى محاسبة الشرطي المسؤول، ومعالجة أسباب الاحتقان، خصوصًا البطالة بين الشباب وارتفاع تكاليف المعيشة، ودعا النائب عن الحزب “أندريان دوفال” Adrien Duval إلى استدعاء البرلمان لمناقشة الأزمة([17]).
وتكشف هذه المواقف عن تباين حزبي بين احتواء الاضطرابات ومساءلة الحكومة، دون ظهور قيادة سياسية موحدة للحراك أو قدرة واضحة على تحويل مطالبه إلى برنامج للتغيير.
- استجابة السلطات ومآلات الاحتجاجات
اتخذت السلطات في موريشيوس مسارين متباينين؛ إذ فرضت حظرًا ليليًّا للتجول في مناطق رئيسية، وعزَّزت الانتشار الأمني، ووسَّعت الاعتقالات لمواجهة أعمال السلب والعنف والتخريب، مع التأكيد على حق الاحتجاج السلمي والدعوة إلى ضبط النفس. كما احتُجز الشرطي المتهم بإطلاق النار على الشابة “إيلودي”، وأُحيل إلى القضاء([18]).
وتراجع زخم الاحتجاجات إلى أن رفعت الحكومة حظر التجول في 19 أكتوبر 2026م، بعد اعتقال ما لا يقل عن 188 شخصًا بتُهَم شملت السلب والحرق والإضرار بمراكز الشرطة وحيازة متفجرات. ومع ذلك، ظل أثر الحراك المؤسسي محدودًا، دون ترجمة مطالبه إلى إصلاحات واضحة أو معالجة جذرية لأزمات المياه وارتفاع تكاليف المعيشة وتردّي الخدمات([19]).

رابعًا: حدود الحراك الشعبي بين الشارع والأطر الحزبية
تُظهر دراسة الحالات الثلاث أن الحراك الشعبي يمتلك قدرة على كشف الأزمات، وحشد الضغط، وفرض القضايا الاجتماعية والاقتصادية على جدول الأعمال العام؛ ففي مدغشقر، نجحت احتجاجات “جيل زد” في تحويل أزمة الخدمات إلى أزمة سياسية انتهت بسقوط الرئيس “راجولينا”، بينما أبرزت احتجاجات جنوب إفريقيا عمق الأزمات الاجتماعية المرتبطة بالبطالة والخدمات العامة، وكشفت احتجاجات موريشيوس اتساع السخط من نقص المياه وارتفاع تكاليف المعيشة وعنف الشرطة. وبذلك، أثبت الشارع قدرته على تجاوز قنوات التمثيل التقليدية، وتعبئة قطاعات اجتماعية واسعة، والضغط على السلطات، لكنه لم ينجح في حمل هذه السلطات على تلبية مطالبه كاملة.
غير أن القدرة على التعبئة والضغط لا تعني بالضرورة القدرة على بناء بدائل مؤسسية أو معالجة الأزمات من جذورها. ففي مدغشقر، لم يُترجم سقوط “راجولينا” تلقائيًّا إلى تحقيق مطالب المحتجين أو إصلاحات مستدامة، بينما ظلت أزمات البطالة والخدمات العامة قائمة في جنوب إفريقيا على الرغم من الاحتجاجات، ولم تُفضِ احتجاجات موريشيوس، حتى الآن، إلى معالجة جذرية ودائمة لمشكلات المياه والغلاء وتراجع الخدمات. فالضغط الشعبي قد يفتح المجال للتغيير، لكنّه لا يحدد وحده مضمونه أو يضمن استمراره.
كما تكشف دراسة الحالات الثلاث أن غياب الأُطُر الحزبية المنظمة قد يَحُدّ من استمرارية الحراك وقدرته على التمثيل وصياغة برنامج سياسي مُوحّد. ففي مدغشقر، منح الطابع الشبابي والشبكي الاحتجاجات قدرة على التعبئة السريعة، لكنّه لم يضمن تحويل مطالبها إلى برنامج حكم متكامل، بينما ظل الحراك في جنوب إفريقيا عُرْضَة للاستقطاب والتوظيف الانتخابي، بما في ذلك توجيه الغضب الاجتماعي نحو المهاجرين. وفي موريشيوس، لم تتحوَّل الاحتجاجات المعيشية إلى قناة مستدامة للضغط على الحكومة.
خاتمة
أظهر التحليل أن الحراك الشعبي يمتلك قدرة كبيرة على كشف الأزمات، وحشد الضغط، وفرض القضايا الاجتماعية والاقتصادية على جدول أعمال الحكومات، لكنّه يظل محدود القدرة على التمثيل وبناء البدائل المؤسسية. ومِن ثَم، لا يغني الشارع عن الحزب؛ إذ لا يضمن الحراك، رغم قدرته على التعبئة والضغط، تحويل الغضب الشعبي إلى برامج حكم أو إصلاحات مؤسسية مستدامة. ويظل الحزب السياسي، من حيث المبدأ، الأقدر على تنظيم المطالب وتمثيلها مؤسسيًّا، وتحويلها إلى سياسات وقوانين وبرامج حُكم.
وعليه، لا يُعدّ الشارع والحزب بديلين أحدهما عن الآخر، بل طرفين متكاملين في مسار التغيير؛ فالشارع يُعبِّر ويضغط، والحزب يُنظِّم ويترجم المطالب إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، ويظل ذلك مشروطًا بأن تستعيد الأحزاب وظائفها وفي مقدمتها الوساطة السياسية.
نرشح لك: ندوة فكرية نظمتها مجلة “قراءات إفريقية” تناقش خلالها الأكاديمية المصرية الدكتورة رانيا خفاجة قضية “التعديلات الدستورية وتداعياتها على الديمقراطية في إفريقيا”:
([1]) Michelle Gavin, “Protests Arrive in Madagascar”, on Council on Foreign Relations Website, Last Visit at 1:00 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– Amnesty International, “Madagascar: Authorities must launch investigations into deadly force used against Gen Z protesters”, Amnesty International Website, Last Visit at 1:05 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([2]) Reuters, “Madagascar coup leader Randrianirina sworn in as president”, on Reuters Website, Last Visit at 1:10 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([3]) Amnesty International, “Madagascar: Immediately end repression of Gen Z activists and protect right to protest”, on Amnesty International Website, Last Visit at 1:15 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([4]) Sarah Tétaud, “Madagascar: «Rajoelina n’a pas compris le message» – Au pays, l’opposition se range derrière la Gen Z”, on AllAfrica Website, Last Visit at 1:20 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([6]) Reuters, “Madagascar protesters reject president’s offer of talks”, on Reuters Website, Last Visit at 1:25 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([7]) Nciko wa Nciko, “From Gen Z revolt to junta control, Madagascar’s promise of change is slipping away”, on Amnesty International Website, Last Visit at 1:30 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([8]) Ladd Serwat, Susanna Deetlefs, “Is South Africa experiencing its highest peak of anti-migrant mobilization?”, on ACLED Website, Last Visit at 1:40 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([9]) Reuters, “South Africa’s anti-migrant protesters march nationwide, after thousands flee violence”, on Reuters Website, Last Visit at 1:45 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– South African Government, “Minister gazettes date of Local Government Elections”, on South African Government Website, Last Visit at 1:50 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([10]) Kgothatso Madisa, “MK Party stands behind March and March movement and immigration issues”, on TimesLIVE Website, Last Visit at 1:55 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– Ladd Serwat, Susanna Deetlefs, Op. Cit..
([11]) African National Congress, “ANC Statement On The Outcomes Of The National Working Committee Meeting”, on Polity Website, 29 June 2026, Last Visit at 2:00 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– NM Nkosikhona Malinga-Mnisi, “ActionSA and DA’s mixed reaction to Ramaphosa’s migration address”, on EWN Website, 8 June 2026, Last Visit at 2:05 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([12]) Government of South Africa, “Government on peaceful protests against irregular migration in South Africa”, on South African Government Website, Last Visit at 2:10 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([13]) Government Communication and Information System, “Statement of Government following peaceful protests against irregular migration in South Africa”, on GCIS Website, Last Visit at 2:15 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– Parliament of South Africa, “Media Statement: Committee on Employment and Labour Receives Employment Services Amendment Bill”, on Parliament of South Africa Website, Last Visit at 2:20 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([14]) Michelle Gumede, “Mauritius Tightens Security and Extends Curfew After Days of Unrest,” on AP News Website, Last Visit at 2:25 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([16]) Le Mauricien, “Conference de presse ce matin – Le MSM charge le gouvernement sur l’eau, l’économie et les aides sociales,” on Le Mauricien Website, Last Visit at 2:30 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– Dhanishta Tania, “Eau, carburants, «National Crime Agency» : Le Rassemblement Mauricien propose des mesures face aux urgences nationale,” on L’Express Website, Last Visit at 2:35 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([17]) La Rédaction, “Coup de feu à Camp-Levieux : Élodie Thomas, blessée par un tir policier : le fil des événements,” on L’Express Website, Last Visit at 2:40 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– Top FM Mauritius, “Adrien Duval réclame le rappel immédiat du Parlement face aux tensions dans le pays,” on Top FM Mauritius Website, Last Visit at 2:45 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
([18]) Michelle Gumede, Op. Cit..
([19]) Agence France-Presse, “Mauritius lifts curfew imposed amid wave of violent protests,” on Al Jazeera Website, Last Visit at 2:50 pm, 21 Oct. 2026, at Link:
– Armed Conflict Location & Event Data (ACLED), “Why have water shortages in Mauritius sparked the worst civil unrest in recent years?,” on ACLED Website, Last Visit at 2:55 pm, 21 Oct. 2026, at Link:











































