يوم الأحد الموافق 19 يوليو 2026، توجّه ناخبو جمهورية ساوتومي وبرينسيبي الديمقراطية، البالغ عددهم 142,296 ناخباً، إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيسهم الخامس منذ الاستقلال، في ظل ظروف البلاد المضطربة، ما يجعل هذه الانتخابات تكتسب أهمية استثنائية تتجاوز حجم هذه الدولة الجزرية الصغيرة في خليج غينيا، حيث تتحول هذه الانتخابات إلى اختبار حقيقي لاستقرار المؤسسات الديمقراطية.
تأتي هذه الانتخابات بعد عام ونصف من أزمة دستورية حادة هزت أسس النظام السياسي في البلاد، حين أقال الرئيس كارلوس فيلا نوفا رئيس الوزراء رئيس الحكومة باتريس تروفوادا وحكومته في يناير 2025، مما وصفته المعارضة “بإقالة غير دستورية”، ما أدى إلى فتح باب أمام انقسامات حادة غير مسبوقة داخل حزب العمل الديمقراطي المستقل الحاكم “ADI” .
في هذا المقال:
خلفية سياسية
في عام 18 يوليو 2021م، تم إجراء الانتخابات الرئاسية في جمهورية ساوتومي وبرينسيبي في مشهد سياسي مختلف تماماً عما تشهده البلاد اليوم، ففي تلك الانتخابات كانت البلاد تحت حكم ائتلاف حزب حركة تحرير ساوتومي وبرينسيبي (الحزب الديمقراطي الاجتماعي) “MLSTP-PSD”، بعد فوزه في الانتخابات التشريعية السابقة، حيث تنافس على الرئاسة ستة مرشحين، كان أبرزهم كارلوس فيلا نوفا مدعوماً من قبل حزب العمل الديمقراطي المستقل.
وأخيرا، وصل كارلوس فيلا نوفا إلى الحكم في الجولة الثانية من الانتخابات لعدم حصوله على أكثر من 50% من الأصوات في الجولة الأولى، حيث حقق فوزاً ساحقاً بنسبة 57% من الأصوات، متغلباً على منافسه غيلهيرمي بوسير دا كوستا، الذي كان مدعوماً من ائتلاف واسع ضم “MLSTP-PSD” وتحالفات أخرى، وعقب تلك الانتخابات تولى السيد/ كارلوس فيلا نوفا منصبه رسمياً في 2 أكتوبر 2021م.
ومع أن فوز الرئيس كارلوس فيلا نوفا كان قوياً، إلا أن بذور الانقسام أخذت تظهر في فترة ولايته الأولى من خلال توترات متصاعدة مع حكومة رئيس الوزراء باتريس تروفوادا، الذي ينتمي إلى الحزب الحاكم “ADI”، مما خلق حالة من الازدواجية المؤسسية والصراع على النفوذ داخل الحزب الحاكم، ومع مرور الوقت، تحولت هذه التوترات إلى شرخ عميق، بلغ ذروته في يناير 2025م.
الأزمة الدستورية في ساوتومي وبرينسيبي وتداعياتها على الانتخابات
يُعدّ إصدار الرئيس الساوتومي كارلوس فيلا نوفا مرسوماً رئاسياً بتاريخ 6 يناير 2025م يقضي بإقالة رئيس الوزراء باتريس تروفوادا وحكومته الشرارة القوية التي وسعّت شرخ الانقسامات داخل الحزب الحاكم، حيث برّر المرسوم الإقالة بغيابات تروفوادا المتكررة عن البلاد وعجز حكومته عن حل أزمات البلاد المتعددة، في خطوة اعتبرتها المعارضة تجاوزاً للصلاحيات الدستورية للرئيس.
وفي المقابل، وصف تروفوادا الإقالة بأنها “غير قانونية” و”غير دستورية”، مما أشعل أزمة سياسية حادة، وعقب صدور المرسوم، عيّن الرئيس فيلا نوفا وزيرة العدل السابقة إيلزا أمادو فاز رئيسة للوزراء، فسرعان ما استقالت، معلنة أن استمرارية رئاستها لن يساهم في نجاح السياسات العامة والتنمية المتناغمة مع مؤسسات البلاد.
ما جعل الرئيس كارلوس فيلا نوفا يعين أميريكو راموس رئيساً للوزراء ورئيسا للحكومة، في خطوة لم تحظ بتأييد قيادة الحزب الحاكم، مما عمق الانقسام داخل الحزب، حيث انقسم الحزب إلى جناحين: جناح موالٍ لتروفوادا، وآخر متحالف مع كارلوس فيلا نوفا وأمريكو راموس.
وفي تطور لافت، أصدرت المحكمة العليا في البلاد حكماً اعتبرت فيه أن إقالة الرئيس للحكومة تجاوزت صلاحياته الدستورية، موضحة أن قرارها لن يكون له أثر رجعي، مما يعني أن الإقالة ستظل قائمة رغم عدم دستوريتها، وفي خطوة أخرى، قام برلمان البلاد – الذي يسيطر عليه حزب ADI بأغلبية – باعتماد قرار إبقاء أمريكو راموس في منصبه.
خلفت هذه الأزمة الدستورية ندوباً عميقة في المشهد السياسي الساوتومي، حيث أظهرت هشاشة التوازن بين مؤسسات الدولة الرئيس، والحكومة، والبرلمان، والقضاء. كما كشفت عن حجم الانقسامات داخل الحزب الحاكم، الذي أصبح يعاني من أزمة قيادية حادة في وقت حساس.
كما أن قرار المحكمة العليا، رغم عدم ترتيبه آثاراً عملية، أضعف شرعية الرئيس كارلوس فيلا نوفا وأثار تساؤلات حول حدود صلاحياته، وهذا ما جعل انتخابات 2026، وفقاً لمركز لانسينغ للأبحاث، “استفتاءً على تعامل الرئيس كارلوس فيلا نوفا مع الأزمة الدستورية لعام 2025، وانقسامه مع رئيس الوزراء السابق باتريس تروفوادا، ومستقبل توازن القوى داخل حزب العمل الديمقراطي المستقل الحاكم.
بيئة الانتخابات والناخبون:
وبحسب المراقبين، فإن من المحتمل أن تحسم الانتخابات الرئاسية 2026م جولة ثانية في 9 أغسطس القادم، وقد سجلت اللجنة الوطنية للانتخابات 142,296 ناخباً، منهم 121,771 داخل البلاد و20,525 في الخارج، ويمثل هذا ارتفاعاً ملحوظاً عن انتخابات 2021 التي سجلت 123,103 ناخبين، مما يعكس توسعاً في المشاركة السياسية.
ويشكل الشباب نسبة كبيرة من الناخبين، حيث يبلغ عدد من هم دون 30 عاماً حوالي 67,883 ناخباً (44.82%)، في مؤشر على أهمية القضايا الشبابية في هذه الانتخابات. كما تجدر الإشارة إلى أن نحو 18% من السكان هاجروا في السنوات الأخيرة، أكثر من نصفهم إلى البرتغال، مما يعكس أزمة هجرة حادة.
المرشحون المعتمدون:
قدّم ستة مرشحين أوراق مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية إلى المحكمة الدستورية حيث تم قبول خمسة مرشحين منهم ورفض السادس وهم على النحو التالي:
يخوض كارلوس مانويل فيلا نوفا – الرئيس المنتهية ولايته الانتخابات كمرشح مستقل لكنه يحظى بدعم واسع من معظم الأحزاب السياسية الساوتومية، بما فيها “MLSTP-PSD”، وحركة “كفى”، وحزب الوفاق الديمقراطي “PCD”، والتحالفات الديمقراطية الأخرى، إضافة إلى جناح من “ADI” بقيادة رئيس الوزراء أميريكو راموس، وذلك تحت شعار “جمهورية ساو تومي وبرينسيبي أولاً” مركزا على استقرار البلاد واستمرارية المشاريع التنموية.
وأما نيتو دي سوسا فييغاس دابريو فهو زعيم برلماني لـ ADI، يخوض الانتخابات مدعوماً من جناح الحزب بقيادة رئيس الوزراء السابق باتريس تروفوادا، ويركز حملته الانتخابية على شعارات التجديد مثل “حان دورنا الآن” و”أزل القديم وأدخل الجديد”، كما يتعهد بإعداد خطة وطنية شاملة للتنمية.
بينما يخوض ميكيس جواو دو ناسيمينتو دي جيسوس بونفيم كمحامٍ ومستقل، الانتخابات للمرة الثانية بعد مشاركته في 2021 حيث يركز على ضرورة سيادة القانون ومكافحة الفساد وإصلاح الإدارة العامة، إضافة إلى الدعوة إلى تجديد الطبقة السياسية.
وأما يوجينيو رودريغيز دا ترينداد تيني فهو أستاذ جامعي ومرشح مستقل، يطرح أفكاراً جريئة مثل تغيير الاسم الرسمي للبلاد إلى “جمهورية وسط الاستوائية” وتقليص عدد الدوائر الانتخابية.
بينما أعلن خورخي بوم جيسوس رئيس الوزراء السابق (2018-2022)، انسحابه مؤخرا عن سباق الرئاسة لكن اسمه بقي على أوراق الاقتراع.
هذا، وقد أثار رفض ترشيح نينو مونتيرو البرلماني البارز وزعيم حزب حركة المواطنين المستقلين “MCIPS” من قبل المحكمة الدستورية بدعوى عدم استيفائه شروط الانتساب لمقاطعة سانتو دومينغو الساوتومية، واعتبر حزبه هذا القرار “انتهاكاً لمبدأ المساواة في الحقوق” وتعهد بالطعن عليه.
قضايا الحملة الانتخابية:
معلوم أن منصب الرئيس في جمهورية ساوتومي وبرينسيبي شرفي إلى حد كبير، إذ تتركز السلطة التنفيذية في يد رئيس الوزراء، ومع ذلك فإن هذه الانتخابات تتحول إلى استفتاء على أداء الرئيس كارلوس فيلا نوفا في إدارة أزمة البلاد، وتسعى أحزاب المعارضة إلى تأطير الانتخابات كفرصة لاستعادة النظام المؤسسي.
ومن أهم قضايا الحملة الانتخابية ما يلي:
-
الأزمة الاقتصادية والهجرة
يعاني الاقتصاد الساوتومي من هشاشة شديدة بسبب صغر السوق، والاعتماد على الواردات، وضعف البنية التحتية، ووفقاً للبنك الدولي، يعيش 13% من السكان تحت خط الفقر (3 دولارات يومياً)، بينما لا تتجاوز نسبة العمالة بين السكان فوق 15 عاماً 21%. وقد دفع هذا الوضع نحو 18% من السكان إلى الهجرة، معظمهم إلى البرتغال، حيث تضاعف عدد الساوتوميين أربع مرات بين 2021 و2025 ليصل إلى نحو 47 ألف شخص.
ويركز المرشحون على قضايا المعيشة والبطالة والخدمات العامة. ويبرز نيتو دابريو بقوة في هذا الملف، متعهداً بوضع خطة وطنية تشمل التعليم والصحة والطاقة والزراعة، ومحذراً من أن الشعب سئم الوجوه القديمة والعادات القديمة.
-
الفساد والشفافية
يشكل الفساد والمحسوبية أزمة حساسة في السياسة الساوتومية، وقد حذرت اللجنة الوطنية للانتخابات من شراء الأصوات، ودعت المرشحين إلى الالتزام بقواعد الحملة النزيهة، كما أثار نيتو دابريو، في ختام حملته، قضية شراء الأصوات محذراً الناخبين من قبول رشاوى مالية مقابل أصواتهم.
-
أزمة الطاقة والمياه
كانت أزمة الطاقة والمياه من أكبر التحديات التي تواجه جمهورية ساوتومي في الآونة الأخيرة بسبب تعليق خدمات الشركة التركية بسبب قرار الجمعية الوطنية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، بل ما دفع بالمعارضة ينتقد حكومة البلاد في عجزها عن إيجاد حلول لتك الأزمة.
-
التحديات الأمنية
شهدت الحملة الانتخابية حادثة أمنية خطيرة، حيث اتهم المرشح ميكيس بونفيم القوات المسلحة باقتحام منزله، مما دفعه إلى الجوء إلى مقر الأمم المتحدة طالباً الحماية الدولية، ونفت القوات المسلحة هذه الاتهامات، وأكدت أنها كانت تنفذ عملية اعتقال لجنود فارين من الخدمة على بعد 500 متر من منزل بونفيم، ورفعت دعوى جنائية ضده بتهمة الافتراء.
المشاركة الدولية والمراقبة:
- الحكومة اليابانية
قامت الحكومة اليابانية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدعم العملية الانتخابية بمبلغ 851 ألف يورو إضافة إلى دعم تكميلي بهدف تحديث المراجعة الانتخابية وجعل الانتخابات أكثر شمولاً وشفافية.
- بعثة الاتحاد الأوروبي
استجابة لدعوة من الحكومة الساوتومية واللجنة الوطنية للانتخابات، أرسل الاتحاد الأوروبي بعثة لمراقبة الانتخابات في ساوتومي وبرينسيبي للمرة الثانية ويترأس البعثة عضو البرلمان الأوروبي سيرجيو هومبرتو، الذي وصل إلى البلاد في 1 يوليو 2026، حيث بدأت البعثة بنشر مراقبيها في جميع مقاطعات ساوتومي ومنطقة برينسيبي ذاتية الحكم قبل أربعة أيام من موعد الاقتراع، مع تركيز خاص على مراقبة يوم التصويت وعمليات الفرز.
- الاتحاد الإفريقي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي
يشارك الاتحاد الإفريقي في عملية مراقبة الانتخابات، كما أطلق برنامجاً تدريبياً للإعلاميين وممثلي المجتمع المدني لتمكينهم من مراقبة الانتخابات بشكل أكثر وعياً ومسؤولية. وتناول التدريب مواضيع مثل مبادئ مراقبة الانتخابات، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ الديمقراطية، وتأثير التقنيات الحديثة على نزاهة الانتخابات.
خاتمة
تقف جمهورية ساوتومي وبرينسيبي الديمقراطية اليوم على مفترق طرق حاسم؛ لأن انتخابات 19 يوليو 2026 ليست مجرد استحقاق دستوري روتيني، بل هي اختبار لصلابة المؤسسات الديمقراطية في هذه الدولة الجزرية الصغيرة، فالأزمة الدستورية التي اندلعت في يناير 2025 كشفت عن هشاشة التوازن بين السلطات، وعمقت الانقسامات داخل الحزب الحاكم، ما أضعفت الثقة في العملية السياسية.
وفي يوم الاقتراع، تظل التحديات كبيرة، متمثلة في أزمة اقتصادية واجتماعية وساسية ما يدفع بالشباب إلى الهجرة، إضافة إلى مخاوف أمنية تلوح في الأفق. ورغم أن كولوس فيلا نوفا يظل المرشح الأوفر حظاً للفوز، كما تشير التحليلات فإن أي نتيجة ليست مضمونة في ظل هذا المشهد السياسي المتشابك.
أحدث المقالات
- الفولكلور ودوره في فهم التاريخ والمجتمع الإفريقي
- الانتخابات الرئاسية في ساوتومي وبرينسيبي واختبار صلابة المؤسسات الديمقراطية
- ساوتومي وبرينسيبي تتجه إلى انتخابات رئاسية وسط انقسام سياسي
- الكونغو الديمقراطية تمهد لحوار وطني شامل وسط أزمة سياسية وأمنية متفاقمة
- مدغشقر تعيد فرض حالة الطوارئ في قطاع الطاقة تحسبًا لأزمة وقود











































