بعد أسابيع قليلة من انتقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدول الساحل خلال فعالية قمة فرنسا-إفريقيا (نيروبي 11-12 مايو 2026م)، وتعهده باستثنائها من استثمارات فرنسية مقررة في إفريقيا بقيمة تقترب من 30 مليار دولار، في مقابل توطيد باريس صلاتها «بمؤسسات المجتمع المدني» في إقليم الساحل؛ أقدمت بوركينا فاسو على خطوة قطع العلاقات الدبلوماسية كاملةً مع فرنسا، في خطوة وصفها مراقبون كُثر ببداية تراجع فرنسي جديد في غرب إفريقيا وإقليم الساحل تحديداً، ولاسيما مع اتهامات واغادوغو المدعومة بوثائق وشواهد قاطعة لفرنسا بدعم جماعات العنف والإرهاب في الإقليم.
يتناول المقال الأول: أهم ملامح استجابة فرنسا لخطوة واغادوغو، التي قد تتضمن إجراءات عقابية مؤلمة لبوركينا فاسو، ولاسيما أن سياسات فرنسا تحظى بدعم أوروبي غير مشروط راهناً.
ويتناول المقال الثاني: أثر خطوة واغادوغو في نمو المشاعر المناهضة للنفوذ الغربي والفرنسي في إفريقيا.
أما المقال الثالث: فيُقدّم رواية إفريقية لهذا التطور الخطير واحتمالات تصعيده بين فرنسا وبوركينا فاسو.
▪ فرنسا تنظر في الانتقام من بوركينا فاسو[1]:
تنظر فرنسا راهناً في اتخاذ إجراءات انتقامية بعد قطع بوركينا فاسو علاقاتها الدبلوماسية معها، فيما لا تزال باريس تواجه تراجعاً آخر في نفوذها في غرب إفريقيا وسط إعادة اصطفاف جيوسياسي واسع في أرجاء إقليم الساحل.
وفي بيان صدر 27 يونيو الجاري، وصفت وزارة الخارجية الفرنسية قرار بوركينا فاسو بأنه «عدائي، ولا يقوم على أساس سليم»، وأنه عكس «تهوراً مثيراً للقلق» من قِبل السلطات العسكرية بالبلاد. كما دعت الوزارة المواطنين الفرنسيين الذين يعيشون في بوركينا فاسو لممارسة أقصى درجات الحذر عقب هذه الخطوة الدبلوماسية. وجاءت استجابة باريس بعد يوم من إعلان بوركينا فاسو قطع صلاتها الدبلوماسية مع فرنسا واتهامها للأخيرة بدعم «شبكات التخريب والجماعات الإرهابية النشطة في بوركينا فاسو». وترفض فرنسا باستمرار هذه الاتهامات.
ما الذي تعنيه استجابة فرنسا؟:
لم تكشف السلطات الفرنسية حتى الآن عن الإجراءات العقابية التي تنظر فيها. وفي الممارسة الدبلوماسية، فإن مثل هذه الاستجابات تتراوح بين تغيرات في الاقتراب الدبلوماسي إلى إعادة ضبط التعاون الثنائي، رغم أن باريس لم تُشر إلى ماهية هذه الخطوات التي تنوي القيام بها. ومَثّل هذا التصعيد مزيداً من التدهور في العلاقات الذي أخذ توجهاً منتظماً منذ استيلاء الجيش في بوركينا فاسو على السلطة في العام 2022م. وخلال تلك الفترة انسحبت القوات الفرنسية من البلاد، وزادت حدة التوتر الدبلوماسي، وانهار التعاون الأمني بين البلدين بشكل واسع النطاق.
تراجع آخر لفرنسا في غرب إفريقيا:
يُعدّ قرار بوركينا فاسو هو الأخير في سلسلة من التراجعات الدبلوماسية التي عانت منها فرنسا في الساحل. وكانت الحكومات التي يسيطر عليها الجيش في مالي وبوركينا فاسو والنيجر قد خفّضت جميعها التعاون السياسي والعسكري مع باريس، فيما أخذت تنتهج تلك الدول توطيد صلاتها مع شركاء آخرين بمن فيهم روسيا.
وكونت الدول الثلاث منذ ذلك الوقت ما عُرف بـ«تحالف دول الساحل» Alliance of Sahel States AES من أجل تقوية التعاون حول الدفاع والأمن والتكامل الإقليمي، بعد انسحابها من الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس». ويعكس هذا التغير جهداً أكبر من قِبل الحكومات الإقليمية العسكرية من أجل إعادة تحديد العلاقات مع الحلفاء الغربيين التقليديين، مع اتباع ما يصفونه بسياسات خارجية وأمنية أكثر سيادية.
لماذا يراقب الإقليم التطورات عن كثب:
يأتي هذا التوتر فيما تواصل دول الساحل مواجهة واحدة من أشد الأزمات الأمنية في العالم حدةً ونمواً، مع انتشار الجماعات المسلحة في أرجاء الكثير من الدول على الرغم من التدخلات العسكرية المتكررة. وبالنسبة للأعمال والمستثمرين، فإن البيئة السياسية المتغيرة ذات أهمية كبيرة، ولطالما كانت فرنسا واحدة من أهم الشركاء النافذين على المستويين الاقتصادي والسياسي في غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية، مع وجود مصالح لها تتراوح بين قطاعات البنوك والاتصالات والبنية الأساسية واللوجيستيات والطاقة.
ورغم عدم وجود مؤشر مباشر على أن هذا النزاع الدبلوماسي الأحدث سيؤثر على النشاط التجاري؛ فإن الخلاف السياسي المستمر يمكن أن يعيد تشكيل الشراكات الاقتصادية مستقبلاً، ويسارع من تحول الإقليم نحو حلفاء دوليين جدد.
وستتم الآن مراقبة رد الفعل الفرنسي عن كثب في أرجاء إفريقيا؛ لأن بوركينا فاسو لم تعد بعد الآن حالةً معزولة. فقد باتت بوركينا فاسو، إلى جانب مالي والنيجر، جزءاً من حركة إقليمية أكثر اتساعاً تقوم بخفض النفوذ الفرنسي بالتدريج فيما تعيد تحديد ميزان القوة في الساحل. ويمكن أن تشكل طريقة الاستجابة الفرنسية مستقبل انخراط فرنسا في الإقليم، حيث تتراجع تأثيراتها الدبلوماسية والأمنية بشكل منتظم.
▪ بوركينا فاسو تقطع علاقاتها مع فرنسا وسط تعمق تحولات مناهضة الغرب[2]:
قطعت حكومة بوركينا فاسو التي يقودها الجيش العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا رسمياً، في خطوة مثلت انقطاعاً تاريخياً ودرامياً مع دولة الاستعمار السابقة، مع استمرار تدهور التوتر بين البلدين منذ العام 2022م. وقد جاء الإعلان يوم الجمعة (26 يونيو) عبر بيان رسمي تم بثه عبر شبكة التليفزيون الوطني في بوركينا فاسو RTB، ونشرته لاحقاً هيئة الاستعلامات الرسمية التابعة للحكومة البوركينية. وأكدت السلطات سريان قطع العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع فرنسا على الفور في 26 يونيو الجاري.
بوركينا فاسو تتهم فرنسا بالتدخل:
اتهمت بوركينا فاسو في بيانها الرسمي فرنسا بالتدخل في شؤونها الداخلية واتباع ما وصفه البيان «بالأطماع الإمبريالية» بهدف تحجيم سيادة البلاد. وقال وزير الإعلام البوركيني جلبرت وادراوجو Gilbert Ouedraogo إن الأسس الجوهرية للتعامل الدبلوماسي قد انهارت: «إن الشروط الجوهرية لتعزيز العلاقات، القائمة على الاحترام المتبادل والثقة الراسخة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية، لم تعد موجودة راهناً».
كما اتهمت الحكومة البوركينية باريس بدعم «شبكات تخريب» وجماعات مسلحة عاملة في الإقليم، وهي الاتهامات التي أنكرتها فرنسا باستمرار.
انقطاع العلاقات الدبلوماسية لن يؤثر في العلاقات الأهلية:
وعلى الرغم من هذا الخلاف الدبلوماسي الحاد، أوضحت بوركينا فاسو اقتصار القرار على العلاقات بين الدولتين، لافتةً إلى أنه لا يؤثر في الروابط التاريخية أو الثقافية أو الاجتماعية بين شعبي بوركينا فاسو وفرنسا. كما أكدت السلطات البوركينية أن المواطنين الفرنسيين والمقيمين الأجانب في البلاد سيستمرون في التمتع بالحماية القانونية الكاملة والضمانات الأمنية. كما أشارت الحكومة إلى أن «الروابط التاريخية والإنسانية والثقافية والاجتماعية بين شعبي بوركينا فاسو وفرنسا لا تزال قائمة».
تداعيات انقلاب 2022 العسكري:
تدهورت العلاقات بين باريس وواغادوغو بشكل مطرد منذ استيلاء إبراهيم تراوري على السلطة بانقلاب عسكري في سبتمبر 2022م. وطردت واغادوغو منذ ذلك الحين القوات العسكرية الفرنسية، وعلّقت التعاون الثنائي في مجال المساعدات، وفرضت قيوداً على عمل وسائل الإعلام الغربية (والفرنسية على وجه التحديد). وقد عززت الحكومة العسكرية موقفها الذي تبنته كجهة منافحة عن السيادة الوطنية في مواجهة ما تطلق عليه «التدخل الأجنبي». وفي المقابل، انتقدت فرنسا، بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون (الذي كان حماسياً أكثر من اللازم في قمة فرنسا-إفريقيا الأخيرة في العاصمة الكينية نيروبي، وأكد على ضرورة استبعاد أية مشاركة لحكومات الساحل في القمة)، مراراً وتكراراً الحكومات التي يقودها الجيش في منطقة الساحل، ودعمت الجهود الدولية الرامية إلى إعادة الحكم المدني.
فرنسا تفقد نفوذها في غرب إفريقيا:
تمثل خطوة بوركينا فاسو تراجعاً دبلوماسياً آخر لفرنسا في غرب إفريقيا؛ حيث تنامى الشعور المناهض لفرنسا وسط الأزمات الأمنية الجارية في الإقليم. إلى جانب مالي والنيجر، انضمت بوركينا فاسو إلى مسعى إقليمي أوسع لتقليص النفوذ الفرنسي. وقد طردت الدول الثلاث القوات الفرنسية، واتهمت مجتمعةً باريس بالتقاعس عن كبح جماح حركات التمرد، بل وتفاقم عدم الاستقرار. وقد أتاح هذا التحول المجال أمام شراكات أمنية واقتصادية جديدة، حيث أشارت بوركينا فاسو إلى خطط لتعزيز العلاقات مع القوى العالمية الصاعدة، وتوسيع نطاق التعاون بين بلدان الجنوب العالمي (ولاسيما روسيا والصين وتركيا).
استمرار تصاعد الأزمة الأمنية:
يأتي هذا الانقطاع الدبلوماسي في وقتٍ تواجه فيه بوركينا فاسو إحدى أسوأ أزماتها الأمنية منذ عقود، كما لا تزال مناطق واسعة من البلاد مهددة من قِبل جماعات متطرفة مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش. كما يلاحظ مواصلة الجماعتين الأكثر نشاطاً- جماعة نصرة الإسلام والمسلمين JNIM وتنظيم الدولة في الساحل ISSP- استغلال حالة الحدود الرخوة مع مالي والنيجر وسهولة الحركة فيها، مما أدى إلى اتساع رقعة الصراع الإقليمي في منطقة الساحل. وأدى تزايد نفوذهما إلى إلحاق أضرار بقطاع الزراعة وطرق التجارة والحياة المدنية، مما زاد من صعوبة مهمة الحكومة العسكرية الحالية في بوركينا فاسو.
عهد جديد لسياسة بوركينا فاسو الخارجية:
ومع خطوة قطع العلاقات الدبلوماسية رسمياً مع باريس، بدا توجه بوركينا فاسو نحو تعميق تحولها الإستراتيجي بعيداً عن القوى الغربية التقليدية أكثر وضوحاً. ويرى محللون أن هذا القرار يعكس تحولاً أوسع نطاقاً يجري في منطقة الساحل، حيث تعيد الحكومات العسكرية تعريف التحالفات، وتعطي الأولوية للسيادة، وتسعى إلى إقامة شراكات دولية بديلة في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار الحالية. أما بالنسبة لفرنسا، فإن هذه الخطوة تؤكد تراجع نفوذها السريع في منطقة كانت تُعتبر محورية في سياستها الإفريقية.
▪ بوركينا فاسو تقطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا[3]:
يمثل قرار واغادوغو تراكماً لسنوات من العلاقات المتوترة بين البلدين منذ استيلاء النقيب إبراهيم تراوري على السلطة في سبتمبر 2022م. وقالت الحكومة البوركينية إن القرار يسري من لحظة صدوره، وإنه يمثل مرحلة جديدة من التراجع المستمر في العلاقات بين واغادوغو وباريس.
توتر متصاعد:
وأتت هذه القطيعة في أعقاب سنوات من تصاعد التوترات بين البلدين، ولاسيما بعد وصول تراوري إلى السلطة في سبتمبر 2022م. وتلا هذا الحدث إنهاء سلطات بوركينا فاسو اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا، وأشرفت على انسحاب القوات الفرنسية المتمركزة في البلاد، وتعليق بث العديد من وسائل الإعلام الفرنسية، بما في ذلك إذاعة فرنسا الدولية RFI وقناة فرانس 24، ونددت مراراً بما تعتبره تدخلاً فرنسياً في الشؤون الداخلية. وفي الوقت نفسه، عززت واغادوغو علاقاتها مع روسيا، وعمقت تعاونها مع مالي والنيجر في إطار «اتحاد دول الساحل».
كما لاحظ مراقبون أن القرار البوركيني قد جاء بعد أيام من نزاع دبلوماسي جديد مع الاتحاد الأوروبي، إذ استدعى وزير الخارجية «كاراموكو جان ماري تراوري»، يوم الاثنين 22 يونيو، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي في واغادوغو للاحتجاج على قرار تبناه البرلمان الأوروبي بشأن وضع حقوق الإنسان في بوركينا فاسو. كما وصفت واغادوغو القرار بأنه «تدخل غير مقبول» يستند إلى «معلومات مغلوطة»، ومدفوع، بحسب الحكومة، من «شبكات خفية تخدم المصالح الفرنسية» تحديداً. وفي مذكرة دبلوماسية مؤرخة في 23 يونيو، أكدت وزارة الخارجية أن القرار الأوروبي يعكس نهجاً «استعمارياً جديداً» يتعارض مع مبادئ السيادة وعدم التدخل المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
كما جددت السلطات البوركينية موقفها بأن الأزمة الأمنية في منطقة الساحل تنبع (أو بدأت في الأصل) من تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011م، مع تسليط الضوء على ما وصفته بالتقدم الذي أحرزته قوات الدفاع والأمن FDS ومتطوعو الدفاع عن الوطن VDP في استعادة السيطرة على الأراضي. ورغم القطيعة الدبلوماسية، شددت الحكومة البوركينية على أن القرار لا يؤثر في الروابط التاريخية والثقافية والاجتماعية والإنسانية بين الشعبين البوركيني والفرنسي.
وقد تعهدت واغادوغو بمواصلة ضمان حماية المواطنين الفرنسيين المقيمين في بوركينا فاسو، ودعت المواطنين البوركينيين إلى التصرف بمسؤولية وضبط النفس تجاههم. كما أكدت مجدداً التزامها بسياسة خارجية مستقلة تقوم على شراكات متنوعة، وتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب، وعلاقات متوازنة مع الدول التي تحترم سيادتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المقالات:
[1] Ayodeji Adegboyega, France weighs retaliation after Burkina Faso cuts ties in latest blow to Paris’ West Africa influence, Business Insider Africa, June 27, 2026. at:
[2] African Country ‘Burkina Faso’ Ends Diplomatic Relations with France amid Deepening Anti-West Shift, TFIGlobal, June 27, 2026. at:
[3] Burkina Faso Severes Diplomatic Ties with France, Voice of Nigeria, June 28, 2026. at:
https://von.gov.ng/burkina-faso-severes-diplomatic-ties-with-france/









































