بعيدًا عن المستطيل الأخضر، أشهرت الولايات المتحدة عند بوابات الهجرة الأمريكية “بطاقة حمراء” بوجه الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان، وذلك قبل ساعات من انطلاق منافسات كأس العالم 2026.
الحكم الصومالي الذي كان يستعد لأداء مهامه ضمن منظومة كروية عالمية، تعرض لـ”عرقلة” أمريكية من الخلف، تُبين أن المنافسة المونديالية، لم تبدأ عند صافرة المباراة الافتتاحية التي تجمع منتخبي المكسيك وجنوب إفريقيا، غدًا الخميس، بقدر ما بدأت قبلها بكثير، في مسارات السفر وإجراءات الدخول ومكاتب التأشيرات.
ومع توسع كأس العالم إلى 48 منتخبًا وتوزيعها بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وجدت إفريقيا نفسها أمام منافسات لم تقتصر على الساحرة المستديرة، بل بتحديات مرتبطة بالوصول إلى الأراضي الأمريكية التي تستضيف الجزء الأكبر من مباريات البطولة (78 من أصل 104 مباريات بما فيها المباراة النهائية)، لتبدأ مباراة تفتقد “للعب النظيف” لا تتعلق بالرياضة وحدها، بل تتداخل معها سياسات الهجرة الأمريكية.
تاريخيًا، كانت بطولة كأس العالم مساحة رمزية لتلاقي الثقافات، حيث تمثل المنتخبات الوطنية واجهة شعوبها، وتتحول البطولة إلى حدث يتجاوز الرياضة نحو الدبلوماسية الناعمة، ولكن؛ في نسخة 2026، بدت الولايات المتحدة كـ”الخصم والحكم”؛ خصم “يعرقل غريمه من الخلف” وحكم يشهر بسياساته فصلاً عنصريًا جديدًا عند مرابض الطائرات ومكاتب الهجرة.
سياسات الهجرة وعرقلة الوصول
قبيل انطلاق كأس العالم 2026، بدت قضايا الهجرة كأحد الملفات الأكثر حساسية في السياق التنظيمي للبطولة، التي مُنحت للولايات المتحدة وكندا والمكسيك عام 2018، على أساس وعود تتعلق بالشمولية والانفتاح وإتاحة تجربة عالمية جامعة.
لكن هذه الوعود اصطدمت بإدارة أمريكية كانت قد وضعت قائمة حظر السفر الخاصة بالرئيس دونالد ترامب، وهي عبارة عن أوامر تنفيذية تُقيد دخول مواطني دول محددة إلى الولايات المتحدة بناءً على “مخاوف أمنية”، اتسعت القائمة لتشمل قيودًا كاملة أو جزئية على عشرات الدول، وتستثني وتجمد قطاعات واسعة من برامج الهجرة.
وفي مايو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستُلغي شرط دفع وديعة تصل إلى 15 ألف دولار لمواطني دول متأهلة لكأس العالم، وهي الجزائر، والرأس الأخضر، وكوت ديفوار، والسنغال، وتونس، شريطة امتلاكهم تذاكر صالحة للمباريات، ومع ذلك، كان على مشجعي السنغال وكوت ديفوار تأمين تأشيراتهم قبل ديسمبر.
هذه التطورات أعادت فتح النقاش حول قدرة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على تنظيم بطولة كأس العالم، والصمود أمام تشديد سياسات الدخول والتأشيرات، خصوصًا في الولايات المتحدة، وهو ما أثاره منتقدون منذ سنوات، إذ ظلت “فيفا” تؤكد أن تنظيم البطولة يسير وفق الضمانات المقدمة من الدول المستضيفة دون تبني تقديرات سياسية بشأن أثر تلك السياسات.
وفي فبراير، أصرَّ جياني إنفانتينو، رئيس “فيفا”، الذي يصف نفسه بأنه صديق للرئيس ترامب، على أن إجراءات الدخول إلى الولايات المتحدة ستكون “سلسة”.
جياني إنفانتينو، قال وقتها: “الجميع سيكون موضع ترحيب في كندا والمكسيك والولايات المتحدة”، لكن منذ ذلك الحين، وجدت مجموعات مختلفة مرتبطة بكأس العالم من لاعبين ومشجعين إلى إعلاميين وصحفيين، أن إجراءات الدخول كانت بعيدة كل البعد عن السهولة التي وُعدوا بها.
ومع اقتراب موعد البطولة، تتزايد المخاوف من انعكاس سياسات الهجرة والرقابة الحدودية في الدول الثلاث المستضيفة على حركة الوفود والجماهير، في ظل بيئة سياسية تتسم بتشديد إجراءات الدخول.
وتشير تقارير حقوقية دولية، من بينها منظمة العفو الدولية، إلى تحول هذه السياسات إلى عائق أمام المشاركة العامة في حدث رياضي عالمي يفترض أن يقوم على الانفتاح وتكافؤ الفرص، مشددة على مسؤولية الفيفا والدول المستضيفة في توفير بيئة آمنة وشاملة لجميع المشاركين.
ويظل ملف الهجرة في الولايات المتحدة محل جدل داخلي وخارجي، خصوصًا فيما يتعلق بسياسات الترحيل وإعادة التوطين وصفقات “الدول الثالثة الآمنة”، إذ سبق أن تعهد ترامب قبل توليه الرئاسة في ولايته الثانية بتنفيذ “أكبر عملية ترحيل في تاريخ أمريكا”، ضمن مساعي إدارته نحو تصدير أعباء اللجوء والهجرة إلى الخارج.
إفريقيا الأكثر تضررًا.. لماذا؟
على الرغم من أن سياسات الهجرة والتأشيرات الأمريكية طالت جنسيات عدة، فإن تداعياتها تبدو أكثر وضوحًا بالنسبة للمشاركة الإفريقية في كأس العالم 2026.
وفقًا لمؤشرات قوة جوازات السفر العالمية، لا تزال غالبية الدول الإفريقية تحتل مراتب متأخرة، الأمر الذي يجعل مواطنيها أكثر عرضة لإجراءات التدقيق الأمني، وأطول انتظارًا للحصول على التأشيرات، وأكثر عرضة لرفض طلبات السفر مقارنة بمواطني العديد من المناطق الأخرى.
ويكتسب هذا الواقع أهمية خاصة في سياق البطولات الرياضية الكبرى، حيث لا تقتصر المشاركة على اللاعبين فقط، وإنما تشمل الحكام والإداريين والطواقم الطبية والإعلاميين والجماهير والرعاة التجاريين.
وفي ظل تشديد إجراءات الهجرة الأمريكية، فقد فشل عشرات الصحفيين، ومعظمهم من إفريقيا والشرق الأوسط، في الحصول على الموافقات اللازمة لتغطية كأس العالم إعلاميًا، مما دفع هيئة دولية جامعة للصحفيين الرياضيين إلى تقديم شكوى إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
منع الصحفيين الأفارقة
مطلع الأسبوع، كشفت الرابطة الدولية للصحافة الرياضية (AIPS) عن منع صحفيين أفارقة وإيرانيين من الحصول على التأشيرات اللازمة لتغطية فعاليات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة.
وطالبت الرابطة الدولية، فيفا، بالتدخل العاجل لمعالجة مشكلات التأشيرات التي تواجه عددًا من الصحفيين المعتمدين لتغطية نهائيات المونديال، معتبرة أن حرمانهم من دخول الولايات المتحدة يمثل أمرًا “غير مقبول”.
آنذاك، قالت الرابطة، في بيان صدر من مدينة لوزان السويسرية، إنه لم يتبق سوى أيام قليلة على انطلاق البطولة، ومع ذلك لا يزال العديد من الصحفيين الحاصلين على الاعتماد الرسمي من “فيفا” يواجهون صعوبات متفاوتة في الحصول على التأشيرات الأمريكية، داعية الاتحاد الدولي إلى ضمان عدم حرمان ممثلي وسائل الإعلام المتضررين من دخول الولايات المتحدة بصورة غير عادلة.
كما حذر رئيس الرابطة الدولية للصحافة الرياضية من أن التأخير في إصدار التأشيرات ألحق بالفعل أضرارًا بالصحفيين المتضررين، إذ فقد عدد منهم فرصة الاستفادة من تذاكر الطيران التي حجزوها مسبقًا، فضلاً عن اضطرارهم إلى تحمل نفقات إضافية كبيرة.
حرمان أفضل حكم إفريقي من المونديال
الحكم الصومالي عمر عبدالقادر أرتان، الذي يُعد واحدًا من نحو 50 حكمًا فقط تم اختيارهم لإدارة مباريات كأس العالم، قد احتُجز هو الآخر، ليصبح مثالاً جديدًا على الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها سياسات الهجرة الأمريكية سلبًا على أكبر حدث رياضي في العالم.
استجوب مسؤولو الهجرة الأمريكية أرتان، ووضعوه في زنزانة احتجاز، ثم رحّلوه خارج البلاد، بعد أن كان من المقرر أن يكون أول حكم صومالي في نهائيات كأس العالم.
أرتان، الذي نال جائزة أفضل حكم في إفريقيا لعام 2025 من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف)، مُنع من دخول البلاد عبر مطار ميامي الدولي، ووصل اليوم إلى مقديشو على متن الخطوط الجوية التركية، وشهد وصوله حفاوة شعبية.
ولم تُصدر سلطات الهجرة الأمريكية أي سبب لترحيل أرتان، لكن الصومال من بين الدول المدرجة على قائمة حظر السفر التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وبعد التواصل مع السلطات الأمريكية، أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أن أرتان سيغيب عن البطولة، مشيرًا إلى أنه لا يتدخل في إجراءات الهجرة في الدولة المضيفة، بما في ذلك البتّ في طلبات التأشيرة، وقد أُبلغ من قبل السلطات بأن وضع أرتان لن يتغير في الوقت الراهن، حسب بيان للفيفا.
كان مستشار رفيع المستوى في وزارة الشباب والرياضة الصومالية أكد رفض دخول أرتان، وقال إنه كان مسافرًا بوثائق سارية المفعول.
كما صرّح مسؤول في السفارة الصومالية في نيروبي بأن جواز سفر أرتان الدبلوماسي قد صدر خصيصًا لتسهيل سفره بعد معاناته السابقة من صعوبات في الحصول على التأشيرة، وقد تواصل الاتحاد الصومالي لكرة القدم مع الفيفا طالبًا توضيحًا عاجلاً.
وقال أندرو جولياني، رئيس فريق عمل البيت الأبيض المعني بكأس العالم: “مع أنني لا أستطيع الخوض في تفاصيل المعلومات المسيئة، إلا أنني أؤكد لكم أن قرار الجمارك وحرس الحدود كان صائبًا وأنا أؤيد هذا القرار”.
ويُعد الصومال من الدول التي استهدفتها إدارة ترامب بشكل متكرر، ففي وقت سابق من هذا العام، شهدت ولاية مينيسوتا الأمريكية -التي تضم أكبر جالية صومالية في الولايات المتحدة- تصاعدًا في حملات مداهمة المهاجرين، كما استخدم ترامب أوصافًا سلبية تجاه الصومال، الذي يواجه قيودًا شديدة على السفر والتأشيرات.
مشجعو الكونغو الديمقراطية
وتأثر مشجعون أفارقة أيضًا بتغييرات في قواعد الدخول إلى الولايات المتحدة، ومن بينهم مجموعة من حاملي التذاكر من جمهورية الكونغو الديمقراطية، الذين مُنعوا من السفر بسبب تفشي فيروس إيبولا في بلادهم، كما أنهم غير قادرين على استرداد قيمة تذاكر كأس العالم التي اشتروها.
وامتدت تداعيات أزمة فيروس الإيبولا في الأسابيع الماضية إلى بطولة كأس العالم، بعدما اضطر منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى تعديل ترتيباته الصحية والسفرية.
اقرأ أيضًا: أزمة إيبولا تربك إفريقيا والعالم.. تطورات “الفيروس القاتل” في 8 نقاط
وأكد الاتحاد الكونغولي لكرة القدم والاتحاد الدولي لكرة القدم ”فيفا” التزام الوفد الكامل بالبروتوكولات الصحية الأمريكية، بما في ذلك نقل المعسكر التدريبي إلى خارج الكونغو الديمقراطية، كما تقرر أن يقضي بعض أعضاء الطاقم فترة حجر صحي في أوروبا قبل السفر إلى الولايات المتحدة.
أزمة التأشيرات
مطلع الشهر الجاري، أعلن وزير الرياضة الجنوب إفريقي غايتون ماكنزي بأن منتخب بلاده “واجه صعوبات في الحصول على تأشيرات لبعض اللاعبين والمسؤولين”، لكنه لم يُدلِ بمزيد من التفاصيل.
وأكد ماكنزي لاحقًا أن جميع اللاعبين حصلوا على تصاريح السفر وسيغادرون إلى البطولة الدولية يوم الاثنين. ووصفت هيئة الإذاعة الوطنية (SABC) ما حدث بأنه “خطأ إداري فادح”.
ومن المقرر أن يخوض منتخب جنوب إفريقيا، الملقب بـ”بافانا بافانا” (الأولاد)، المباراة الافتتاحية لكأس العالم ضد المكسيك، التي تشارك في استضافة البطولة مع الولايات المتحدة وكندا، غدًا الخميس.
كما سبق أن رفضت السفارة الأمريكية في داكار منح تأشيرات دخول لعدد من مسؤولي الاتحاد السنغالي لكرة القدم، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، وقتها، مع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم 2026.
في النهاية، تكشف التطورات المرتبطة بكأس العالم 2026 أن تداعيات سياسات الهجرة تتجاوز حدود الرياضة، لتلامس أبعادًا سياسية واقتصادية وثقافية أوسع، فمنذ عقود، استخدمت الدول البطولات الرياضية العالمية كأداة للقوة الناعمة، تعزز من خلالها صورتها الدولية، وتبني جسورًا للتواصل بين الشعوب والثقافات، غير أن تصاعد القيود على التنقل يضع هذا الدور أمام اختبار حقيقي.
وبالنسبة لإفريقيا، لا تتعلق القضية بمجرد حضور مباريات أو دعم المنتخبات الوطنية، وإنما بقدرة القارة على المشاركة الكاملة في حدث عالمي يفترض أنه يجسد قيم الانفتاح والتنوع والتقارب بين الشعوب، فكل عقبة تواجه اللاعبين أو الحكام أو الجماهير أو الإعلاميين الأفارقة قد تنعكس على حجم الحضور الإفريقي دوليًا وعلى مكاسبه.










































