مقدمة:
يحفل التاريخ الإفريقي بنماذج مشرقة للعلاقات المترتبة على التواصل بين شمال إفريقيا وغربها؛ أولًا: على مستوى المناطق، وثانيًا: على مستوى المدن؛ وذلك أن الصحراء الكبرى لم تُشكّل يومًا من الأيام عائقًا في التواصل التجاري والديني والحضاري والثقافي.
وقد مثّل الإسلام -بثقافته وقيمه وتعاليمه-، القدح المُعلَّى في إثراء المجتمعات الإفريقية، التي يحطّ رحاله بها، منذ انتقاله من شمال إفريقيا إلى غربها؛ من خلال التجار والدعاة، الذي شكَّلوا رأس الرمح في هذا المجال.
ومن التجارب الملهمة، التي تعكس طبيعة العلاقة بين المدن في شمال إفريقيا وفي غربها: تجربة مدينتي: تمبكتو (المالية)، وغدامس (الليبية)، التي تُشكّل عماد مقالنا هذا، الذي نُقدّم من خلاله قراءة تحليلية لست أوراق علمية، وردت في كتاب صدر حديثًا، يتصدر عنوانه: “المؤتمر العلمي الدولي حول تراث غدامس وتمبكتو…”.
شهد الأول من مارس من العام الحالي (2026)؛ صدور كتاب “المؤتمر العلمي الدولي حول تراث غدامس وتمبكتو، الدورة الخامسة، من غدامس إلى تمبكتو حوار حضارات الصحراء“، تأليف: نخبة من الباحثين. وهو أحد إصدارات شركة كيدامي للإنتاج الفني والخدمات الفنية والإعلامية، منظمة تورينكا للثقافة والتراث (مقرها: غدامس ليبيا).
يحتوي الكتاب في الأصل على أوراق علمية، قُدّمت لمؤتمر علمي دولي، يحمل عنوان الكتاب نفسه. ونظّم المؤتمر معهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية (مالي)، ومركز غدامس للأبحاث والدراسات وتوثيق التراث (ليبيا)، في مدينة تمبكتو بجمهورية مالي، تحت شعار: “تاريخ، عمارة، ثقافة، تجارة”، في يومي 29- 30 أبريل 2025. وهدف المؤتمر إلى تسليط الضوء على التراث الثقافي والتاريخي الغني لمدينتي غدامس وتمبكتو الصحراويتين الشهيرتين، مع استكشاف روابطهما التاريخية من خلال التبادل التجاري والثقافي والحضاري.
تمبكتو وغدامس.. جسرا التبادل الفكري والتجاري والروحي:
يُشكِّل كتاب “المؤتمر العلمي الدولي حول تراث غدامس وتمبكتو، الدورة الخامسة، من غدامس إلى تمبكتو حوار حضارات الصحراء”، -ويتكون من 475 صفحة-؛ وثيقة معرفية مفتوحة، تُسهم في حفظ تمبكتو داخل المجال الأكاديمي المعاصر. وتؤكد هذه الوثيقة أن المدن العريقة لا تُصان بالأسوار وحدها، بل بالبحث، وبإعادة قراءتها في ضوء أسئلة الزمن الراهن. وتُعدّ هذه الوثيقة -في السياق ذاته- دعوة ضمنية لأن تبقى تمبكتو، ومعها غدامس، ومدن الصحراء الكبرى، حاضرةً في النقاش العلمي، لا بوصفها تراثًا منتهيًا، بل بوصفها خبرة إنسانية قابلة للفهم والتجديد. إضافة إلى ذلك، يكشف الكتاب بأن العلاقة التاريخية بين مدينتي غدامس وتمبكتو؛ تُعدّ مثالًا بارزًا على ثراء التبادل الثقافي والاقتصادي عبر الصحراء الكبرى. فقد مثلّت هاتان المدينتان -على الرغم من اختلاف موقعهما الجغرافي- جسرًا يربط بين المغرب العربي، وعالم جنوب الصحراء، وتقاسمتا مصيرًا مشتركًا، تميّز بالتبادل الفكري والتجاري والروحي.
يبدأ الكتاب بالتعريف بوثائق المؤتمر، ابتداءً بمقدمة، تشمل كلمة رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر، وكلمة المدير العام لمعهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية (مالي)، رئيس اللجنة العلمية للمؤتمر، وكلمة مدير مركز غدامس للأبحاث والدراسات وتوثيق التراث (ليبيا)، رئيس المؤتمر العلمي لتجارة القوافل في شمال وغرب إفريقيا. مرورًا بأهداف المؤتمر، ومحاوره، وشروط المشاركة فيه، وتواريخه المهمة، والأنشطة والبرامج المرتبطة بالمؤتمر، ولجان المؤتمر المختلفة، وصور من رحلة تمبكتو وأعمال المؤتمر. وانتهاء بعرض لبرنامج المؤتمر العلمي، ثم توصياته.
التبادل التجاري وتجارة القوافل وجدلية التأثير الثقافي والمعرفي:
في البدء لا بد من الإشارة إلى أن الأوراق العلمية، التي وردت في برنامج المؤتمر؛ يمكن عرضها بحسب محاور المؤتمر الخمسة، على النحو التالي: محور التاريخ والشخصيات المؤثرة (7 أوراق). ومحور العمارة والفنون (6 أوراق). ومحور التقاليد (5 أوراق). ومحور التبادل التجاري وتجارة القوافل (8 أوراق). ومحور الاستدامة والتحديات المعاصرة (5 أوراق). وهذا يعني أن مجمل الأوراق الواردة في جدول المؤتمر 31 ورقة علمية، شارك في إعدادها باحثون ينتمون إلى عدد من الأقطار الإفريقية والعربية الإفريقية. غير أن عدد الأوراق العلمية، التي نُشرت بالكتاب فعليًّا، هو 24 ورقة؛ مما يدل على أن بعض الأوراق، وعددها 7 أوراق، خلا منها الكتاب، لأسباب لا نعلمها.
تبيّن لنا أنه من الصعوبة بمكان عرض الكتاب عرضًا شافيًا من خلال 24 ورقة علمية، تُعبِّر عن محاور المؤتمر الخمسة. لذلك رأينا أن ننتخب أحد محاور المؤتمر؛ الذي أخذ حظًّا معتبرًا في نشر أوراقه. فوقع الاختيار على المحور الرابع (التبادل التجاري وتجارة القوافل). ولم يجئ هذا الاختيار اعتباطًا، وذلك أن هذا المحور يتميز بعددٍ مُعتَبر من الأوراق. كما أنه يتنوّع بأقطار المشاركين فيه. فهذا المحور نُشِرَ له في الكتاب 6 أوراق علمية من جملة ثماني أوراق، وردت في جدول برنامج المؤتمر. أعدّها باحثون، على التوالي، من: تشاد، والمغرب، ومالي (اثنان)، والجزائر، وليبيا. إضافة إلى ذلك تجمع أوراق هذا المحور الربط بين التجارة والتأثير الثقافي والمعرفي، وهو هدف أساسي من أهداف المؤتمر. كما أن الأوراق جميعها تتفق في النكهة التاريخية في التناول، مما يجعها أيضًا ركنًا ركينًا في أهداف المؤتمر الأساسية.
وعليه سنقوم بعرض الأوراق الست في الجزء المتبقي من هذا المقال، مع الإشارة إلى صفحات كل منها في الكتاب.
غدامس وسلطنة كانم: علاقات تجارية واجتماعية تجاوزت التحديات الجغرافية والبيئية
تستعرض ورقة محمد صالح يونس ضواي، الأستاذ في قسم التاريخ، بكلية الشارقة للعلوم التربية، في جامعة الملك فيصل بتشاد، وعنوانها: “حركة القوافل التجارية بين غدامس وسلطنة كانم من القرن الثامن حتى القرن التاسع عشر الميلادي” (من ص193، إلى ص207)؛ حركة القوافل التجارية بين مدينة غدامس الليبية، وسلطنة كانم من القرن الثامن، حتى القرن التاسع عشر الميلادي؛ وذلك للمساهمة في إبراز المسالك التجارية، التي سلكتها حركة القوافل على جانبي الصحراء بين المدينة، والسلطنة المشار إليهما. وقد استعانت الورقة بالمناهج: التاريخي والوصفي والمقارن، لتوصيف جذور حركة القوافل بين غدامس وكانم، وتسليط الضوء حول السلع التجارية المتبادلة بينهما، آنذاك.
تهدف هذه الورقة إلى المساهمة في إضافة قيمة نوعية عن حركة القوافل التجارية بين غدامس وسلطنة كانم خلال القرن الثامن، وحتى القرن التاسع عشر الميلادي. كما تهدف أيضًا إلى الاستفادة من البيئة الحضارية والفكرية والسياحية لغدامس وباماكو. إضافةً إلى ملامسة الفرص المشروعة أمام الشعوب لتقويتها، ومِن ثَم الاستفادة منها في عملية التطوير والتحسين. يرى صاحب الورقة أنها ربما تسهم في إثراء المعرفة بشكل عام، والمعرفة التاريخية بشكل خاص. وأن نتائجها ربما تسهم في معرفة التحديات، التي تُواجه التجارة عبر الصحراء. إضافة إلى ذلك أنها ربما تُزوّد نتائجها القارئ، أو المهتم بهذا الشأن عمومًا، بمعلومات عميقة عن حركة القوافل التجارية بين غدامس وسلطنة كانم في القرن الثامن، حتى القرن التاسع عشر الميلادي.
تتكون الورقة بالإضافة إلى مقدمة، وخاتمة؛ من خمسة مباحث أساسية. يركز المبحث الأول على إبراز الموقع الجغرافي لسلطنة كانم، ومدينة غدامس، وامتدادهما الطبيعي. ويتناول المبحث الثاني: طرق حركة القوافل التجارية من مدينة غدامس إلى سلطنة كانم. أما المبحث الثالث فيستعرض دور التجار الليبيين في نهضة كانم إبّان ازدهار غدامس. وأما المبحث الرابع فيحاول حصر أهم البضائع التجارية المتبادلة بين سلطنة كانم ومدينة غدامس. بينما يرصد المبحث الخامس موجات التدفق الليبي إلى سلطنة كانم منذ نشأتها حتى ازدهارها.
يخلص صاحب الورقة -بعد أن استوفى حقّ محاورها الخمسة-، إلى جملة من النتائج المركزة، منها: إن سلطنة كانم تقع في إفريقيا جنوب الصحراء. بينما تقع مدينة غدامس في إفريقيا شمال الصحراء، ومع ذلك نمت بين المنطقتين المتباعدتين علاقات تجارية واجتماعية لم تؤثر فيها الصحراء الكبرى، ولا العوامل البيئية ولا الجغرافية. وإن علاقة مدن وواحات ليبيا بإفريقيا جنوب الصحراء في كانم، كانت ضاربة في القدم؛ إذ تعود إلى ما قبل القرن الثامن الميلادي. إضافة إلى ذلك أن مدينة غدامس مثلت منذ القدم مركزًا تجاريًّا رائدًا في الصحراء، تنطلق منه معظم القوافل التجارية إلى جنوب الصحراء. وأن مدينة غدامس شكَّلت على مرّ التاريخ ممرًّا عابرًا للحضارات؛ لأنها تقع في مفترق طرق القوافل التجارية والهجرات البشرية القادمة من طرابلس إلى حوض بحيرة تشاد. علاوة على أن مجموعة عوامل طبيعية وإستراتيجية واجتماعية وسياسية واقتصادية، أسهمت في إنعاش حركة القوافل التجارية بين غدامس وسلطنة كانم.
ويخلص صاحب الورقة أيضًا إلى أن كثيرًا من القبائل الليبية، قصدت حوض بحيرة تشاد لدوافع اجتماعية وسياسية وتجارية؛ مما سهّل لها فيها أسباب الاستقرار والتوطن في سلطنة كانم. وأن للتجار الليبيين دورًا كبيرًا في نهضة “كانم” أيام ازدهار مدينة غدامس خلال القرن الثامن والتاسع عشر الميلاديين. وأن هناك منفذين، ساهما في التواصل التجاري والتوغل الاجتماعي بين الغدامسيين والكانميين، هما: المنفذ الشمالي الليبي، والمنفذ الشمالي الغربي. إضافة إلى ذلك، فإن من أهم البضائع والسلع التجارية، التي يستوردها الغدامسيون من كانم: الرقيق والعاج وريش النعام وأنواع الجلود. في حين يجلب التجار الغدامسيون إلى كانم: الملح والخيول وأدوات الزينة والأسلحة والملابس والعطور. وأخيرًا فإن ثلاث موجات بشرية كبرى حدثت من ليبيا إلى تشاد في العصر الحديث، أي خلال القرن التاسع عشر والعشرين؛ إذ هاجرت فيها مجموعات هائلة من القبائل الليبية إلى سلطنة كانم في تشاد.
شمال إفريقيا والسودان الغربي: تبادل القِيَم الاجتماعية والاقتصادية والفنية
تهدف ورقة “تأثير التجارة الصحراوية على الجانب الاجتماعي والثقافي بين بلدان شمال إفريقيا وبلاد السودان الغربي“؛ لمُعِدّها الحيان عثمان، أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي، الطالب بسلك الدكتوراه بجامعة مولاي سليمان ببني ملال في المغرب، (من ص209 إلى ص232)، إلى التأريخ لبعض الفئات الاجتماعية من العنصر الإفريقي، مثل: العبيد والإماء الذين نقلوا عاداتهم وثقافاتهم إلى بعض بلدان شمال إفريقيا، التي جلبوا إليها في إطار التجارة الصحراوية. وتمكنوا من الاندماج في هذه المجتمعات. كما تهدف أيضًا إلى التأريخ إلى فئة تجار شمال إفريقيا، الذين استقرّ العديد منهم بصفة نهائية في السودان الغربي، إلى جانب بعض الفقهاء والعلماء، الذين يزاوجون بين النشاط التجاري، والأنشطة الدينية في غرب إفريقيا؛ حيث لعبت القوافل التجارية دورًا بارزًا في توطيد العلاقات الاجتماعية بين شمال القارة الإفريقية وغربها.
يشير الحيان عثمان في صدارة ورقته إلى أن التجارة الصحراوية؛ عرفت الازدهار في بعض الفترات التاريخية، إلا أنها شهدت تراجعًا ملحوظًا أحيانًا. ومن بين الأسباب، التي ساهمت في هذا التراجع: حدوث اضطرابات سياسية وصراعات قبلية ودينية. وظهرت منافسة قوية بين بلدان شمال إفريقيا والدول الأوروبية للحصول على الذهب والعبيد. فقد حاولت الدول الأوروبية الوصول إلى عمق إفريقيا وغربها، وذلك عن طريق السواحل الأطلسية، التي أسَّست بها العديد من المراكز التجارية؛ حتى تتمكن من تزويد إفريقيا بالسلع الأوروبية، والمنتجات المحلية لبعض بلدان شمال إفريقيا، والحصول على البضائع السودانية. أما في الجهة المقابلة، فقد صمدت تجارة القوافل على الرغم من هذه المنافسة الشرسة. واستمرت في رحلاتها على الرغم من تراجع أعدادها في بعض الأحيان.
يرى الحيان عثمان أنه على الرغم من الغِنَى الذي يُميّز العلاقات المغاربية الإفريقية، إلا أننا نجد أغلب الباحثين ركزوا اهتمامهم بشكل كبير على تبيين جوانب عديدة من التفاعل السياسي والاجتماعي والديني والأدبي، لكنهم تغافلوا عن جوانب أخرى من التفاعل والتأثير المشترك. ويتعلق الأمر هنا بالتفاعل الثقافي الفني بين الطرفين، خاصة الشق المتعلق بالتأثير الإفريقي على الثقافة الفنية المغاربية. لذلك يحاول في هذه الورقة إبراز العلاقات الاجتماعية بين بلدان الشمال الإفريقي وغرب إفريقيا. بالإضافة إلى المؤثرات الثقافية خاصة ما يتعلق منها بالشق الفني، من خلال الإشارة لبعض الفنون الوافدة للبلدان المغاربية من إفريقيا الغربية أو العكس. وانطلاقًا من ذلك ركزت الورقة على المستويات: الاجتماعية، والدينية، والثقافية. فأبرزت التأثير الفكري والديني بين البلدان المغاربية وغرب إفريقيا. إضافة إلى التأثيرات الموسيقية بين المنطقتين.
اتضح للحيان عثمان -من خلال عرضه ونقاشه لتفاصيل موضوع ورقته- حصول تأثير وتأثر بين بلدان الشمال الإفريقي، وغرب إفريقيا في كلٍّ مِن الجانب الاجتماعي والثقافي، فالقوافل التجارية الصحراوية لم يقتصر دورها على نقل السلع والبضائع، بل أصبحت جسرًا، تمر بواسطتها القِيَم الاجتماعية والصلات الاقتصادية؛ حيث لعبت القوافل التجارية دورًا بارزًا في توطيد العلاقات الاجتماعية، بين شمال القارة الإفريقية وغربها. فقد استقرت بعض العائلات المغاربية ببلاد السودان الغربي، إما لممارسة الأنشطة التجارية أو مهام تعليمية أو دينية. كما توافد العنصر الإفريقي إلى هذه البلدان، خاصةً على يد القوافل التجارية، فحملت هذه العائلات معها إلى بلدان الاستقرار عاداتها وتقاليديها؛ حيث أصبحت بعض الفنون الموسيقية دخيلة على الفنون الموسيقية المحلية في كل من القطرين، دون أن ننسى الجوانب الثقافية الأخرى. وكذا الجانب الديني والروحي، فانصهرت هذه الفئات في مجتمعاتها في بلدان الاستقبال على الرغم من حنينها إلى وطنها الأم.
أسرة عيسى بن أحميد الغدامسي.. رائدة تجارة القوافل بين تنبكت وغدامس:
تحاول ورقة محمد القاضي سليمان ميغا، أستاذ باحث بمعهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية، في تمبكتو بمالي، وعنوانها: “دور أسرة عيسى بن أحميد الغدامسي في تجارة القوافل بين تنبكت وغدامس، دراسة وثائقية موضوعية من خلال وثائق معهد أحمد بابا” (من ص233 إلى ص248)؛ التصدي لإبراز دور التّاجر عيسى بن أحميد الغدامسي، وبعض أفراد عائلته في تاريخ تجارة القوافل بين ليبيا ومالي، خلال القرنين التّاسع عشر والعشرين الميلاديّين. وذلك أن هذه الأسرة تعد من أبرز التجار، الذين خلّدت الوثائق التجارية أنشطتهم ورحلاهم الاقتصادية بين تنبكت وغدامس خلال القرنين المذكورين. وساهموا بشكل كبير في تفعيل الحركة التجارية، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين المنطقتين آنذاك.
تهدف هذه الورقة إلى استكشاف مساهمات أسرة عيسى بن أحميد الغدامسي في تطوير تجارة القوافل من خلال الوثائق المحفوظة، وإظهار حجم التّراث التّجاري والحضاري والتّاريخي المشترك بين الشّعبين: المالي واللّيبي. إضافة إلى بيان ظاهرة الاندماج اللغوي بين اللغة العربية (لهجة ليبيا) واللغة المحلية السنغية من خلال الوثائق. ولتوثيق حجم ذلك النشاط الإنساني والحضاري، وأثره اللامع في دعم العلاقات الاجتماعية والتجارية والثقافية بين ذينك القطرين الإفريقيين؛ ارتأى صاحب الورقة القيام بدراسة تاريخية وثائقية توثيقية، ليس فقط لفهم تاريخ التجارة في تلك الحقبة، وإنما للكشف عن تلك العلاقات الإنسانية، التي كانت قائمة على قِيَم الثقة، وحُسْن المعاملة، والتعايش السِّلمي بين تجار من تنبكت وآخرين من غدامس. معتمدًا في هذه الورقة على المنهج الوثائقي الوصفي التحليلي.
قسّم محمد القاضي ميغا الورقة إلى ثلاثة مباحث رئيسية. استعرض في المبحث الأول منها لمحة تاريخية عن مدينة تنبكت. مضيفًا إليها لمحة تاريخية عن مدينة غدامس. أما في المبحث الثاني فقام بالتعريف التفصيلي بأسرة عيسى بن أحميد الغدامسي، وأبرز شخصياتها، كما وردت في الوثائق والمخطوطات. كما عرّف ببعض المخطوطات في معهد أحمد بابا في تنبكت. علاوة على التعريف بدور المعهد في حفظ المخطوطات، وصون التراث. وأما في المبحث الثالث فتم فيه تسليط الضوء على إسهام أسرة عيسى بن أحميد الغدامسي في حركة القوافل التجارية بين تنبكت وغدامس. وإبراز المكانة الاجتماعية لهذه الأسرة في مجتمعي تنبكت وغدامس. إضافة إلى دراسة الاندماج اللغوي بين العربية ولغة “سنغي”، من خلال الرسائل التجارية المخطوطة لهذه الأسرة.
يخلص محمد القاضي ميغا، بعد دراسته للوثائق والمخطوطات، التي تخص أسرة عيسى بن أحميد الغدامسي في تجارة القوافل بين تنبكت وغدامس، وهي عبارة عن رسائل كانت متبادلة بين القطرين إلى أن هذه الرسائل، التي كانت تتم بين تنبكت وغدامس في فترة ما تحتوي على قضايا اقتصادية (تجارية) في أغلبها. كما تتناول جانبًا من القضايا الاجتماعية (الأسرية) والثقافية، وأنّ تنبكت وغدامس كلتاهما تُعدّ من المدن التاريخية الثقافية العتيقة الواقعة في منطقة الصحراء الكبرى. وأنّ معهد أحمد بابا بتنبكت منذ تأسيسه؛ يؤدّي دورًا بارزًا ومُهمًّا في حفظ المخطوطات، وصون التراث المشترك بين شعوب كثيرة من الشعوب الإفريقية.
ويخلص في هذا المنحى أيضًا إلى أنّ أسرة عيسى بن أحميد الغدامسي من خلال أنشطتها ورحلاتها الاقتصادية بين تنبكت وغدامس خلال القرنين التاسع عشر والعشرين؛ أدّت دورًا مُهمًّا في تجارة القوافل بين تنبكت وغدامس. وأنّ ثمة وثائق كثيرة في معهد أحمد بابا بتنبكت مشتملة على رسائل متبادلة بين تنبكت وغدامس في مجالات مختلفة، أهمّها المجال الاقتصادي التجاري. إضافة إلى أنّ بعض الرسائل مكتوبة بالعربية الفصحى، وبعضها باللهجة الليبية. وأخيرًا فإن ثمة رسائل منها مزدوجة اللغة؛ أي أنّها مكتوبة باللغة العربية مع ما فيها من كلمات سنغيّة.
طرق الصحراء المغاربية: إظهار هوية التراث الصحراوي وإبراز العطاء الحِرفي التجاري
تنطلق ورقة “طرق الصحراء المغاربية وإسهاماتها الحضارية: نماذج من إقليم توات الجزائر“؛ لمُعِدّها عبدالحميد بن حاج خليفة، الأستاذ في قسم العلوم الإنسانية، بكلية العلوم الاجتماعية، في جامعة مستغانم، بالجزائر”، (من ص249 إلى ص263)؛ من فرضية مفادها أنه ما من شكّ أن أقدم المراكز الحضارية في العالم القديم، التي يمكن أن نقول عنها: إنها تماثل الحياة في المدن؛ كانت جلّها في وديان الأنهار العظيمة، وقد تترك تلك المسالك أثرها في منشأ طرق برية تتماشى مع الأماكن التي توفر للإنسان مبتغاه وحاجته. وتحسين حياة الإنسان هي الأساس العملي لمعنى الحضارة.
تطرح الورقة في ضوء حركية التنقل من وإلى المغرب الأوسط، وربطه بالسودان الغربي، -التي كان لها الدور الفعال في انتعاش تلك المسالك ومحطات الترحال- جملة من التساؤلات، يأتي ضمنها: ما أهم الطرق التي توافرت واستُخدمت آنذاك؟ وما الدور الحضاري الذي كانت تؤديه تلك المسالك؟ وأين تجلّت مظاهره في الماضي؟ وهل كان لها (المظاهر) امتدادات في وقتنا الراهن؟ ومِن ثَم وجب علينا، في نظر مُعِدّ الورقة- اتخاذ مناهج عديدة، هي: التاريخي، والوصفي، والتحليلي المناسبة للغوص في أغوار موضوعها. فالمراجع والمسالك في الصحراء الجزائرية بصفة عامة؛ كانت لها علاقة وطيدة بالدول المجاورة، وقتذاك كغدامس، وتوات، وتمبكتو، وسجلماسة وغيرها. بل شكلت شرايين نشطة؛ حقّقت بها مبتغيات وأهدافًا تجارية، كانت لها نتائج أخرى على مستويات عديدة.
تقف على رأس قائمة تلك المستويات: المستويات الاقتصادية، المتمثلة في ظهور حِرف متباينة داخل القصور، تعتمد على الحدادة، والنجارة، والحلي. وقد غذّته تلك المسالك بالبضائع والسلع والمواد الأولية. ويلمس ذلك التشابه بين جلّ البلدان، ذات الصلة المسلكية. تليها المستويات الثقافية؛ إذ لا يَخْفى أن أحد الأسماء والاشتقاقات الأولى لكلمة توات وأدرار بالجنوب الجزائري، كانت لكنكان موسى (مالي)، ما يحمل دلالة حضارية أولى. تليها المستويات المعمارية؛ حيث نلمس ذلك في اللمسة الفنية المتجلية في نمط العمارة وتخطيطها، وتصميمها، وأنواعها، وكذا مادة البناء، التي تماشت والنمط البيئي، الذي فرضها كتحصيل حاصل، وما تزال إلى الآن معالمه شاهدة للعيان.
إضافة إلى المستويات الثلاثة المذكورة أعلاه؛ تضاف المستويات الاجتماعية المتمثلة في ظهور تركيبات مختلفة؛ تمثلت في وجود مجموعة كثيرة ومتباينة من السكان، تستقر في ذلك المكان، بوصفهم حرفيين مهرة أو عمالًا وغيرها، ولكل منها عاداتها. وأخيرًا المستويات العلمية، التي تدل عليها الحركة العلمية، بما تركت من ذخيرة وإرث، لا يمكن إغفالهما كالمخطوطات. فضلًا عن الجانب الديني، كالمحافظة على تمظهرات المذهب المعتمد لحركية تلك الطرق بغرب الشمال الإفريقي عمومًا. ومهما يكن فالمسالك والطرق تاريخيًّا تُعدّ بمثابة أوردة حياة في خلق ديناميكية حضارية داخل البلدان قديمًا وحديثًا.
يطرح عبدالحميد خليفة بين يدَي تطرُّقه لجوهر موضوع ورقته (طرق الصحراء المغاربية وإسهاماتها الحضارية: نماذج من إقليم توات الجزائر)، جملة من المداخل المهمة، أولها: توات وأهم الطرق والمسالك المرتبطة بها. وثانيها: حيوية تلك المسالك (الارتباط بالضروري الطبيعي “المسلك بوصفه حيزًا جغرافيًّا” و”الارتباط بالماء”، و”الارتباط بالكائن الحي، مثل: جلب الأيدي العاملة. والارتباط بالحيوان، مثل الجمل والحصان”، و”المسلك من منظور حضاري عمراني”). وثالثها: النواتج الحضارية للمسالك (النواتج اللامادية: “المسالك والتراث اللامادي”، و”الممارسات الثقافية”، و”استعمال اللهجة والمسميات”، و”الدور العلمي والديني”. والنواتج المادية: “الدور الاقتصادي والتجاري للمسالك”، و”عمارة توات”، و”المسالك وعلاقتها بنمطية عمارة القصور” في الفترات: الجيتولية، واليهودية، والزناتية والمرابطية).
يتبين لصاحب الورقة، من خلال عرضه ونقاشه لمحتوى ورقته؛ أنه بفضل الطرق تبوأت تجارة الصحراء أهمية بالغة قديمًا وحديثًا؛ نظرًا للمدخول المالي المغدق لخزائن الدول في شمال إفريقيا، وكذا مختلف البضائع على أسواق الشمال، وذلك دأب المنطقة منذ القدم؛ إذ كانت أحد أهم مصادر تجارة العبيد والذهب والعاج والأقطان وريش النعام في العالم. وأن المسالك والطرق تعطي نتائج تظهر هوية التراث الصحراوي من خلال اللمسات الأثرية والفنية المجسدة في الجانب المادي كالمساجد، والمخطوطات، والمتاحف… إلخ. وبالخصوص القصور، التي عبَّرت عن فنّ معماري أصيل من كل جوانبه، أُنشئ بمواد محلية، تستجيب للخصائص الموجودة بالمنطقة وللعادات والتقاليد المتعارف عليها أيضًا.
تبيّن لصاحب الورقة أيضًا فيما يخص الجانب اللامادي، الذي يظهر في الزخم العلمي البشري والمخطوط، وكذا العطاء الحرفي التجاري (الحدادة، والجلود، والفخار الأسود، وصناعة الزرابي، والأطباق، والفضة، والنجارة…)؛ أنه قد ساهم في الاستقرار وازدهار المنطقة، على الرغم من الصعوبات المختلفة. وأنه لمّا أدركت الدول المستعمرة دور هذه المسالك، وأهميتها البالغة؛ سعت إلى ربط مستعمراتها بعضها ببعض؛ خاصةً عن طريق إنشاء طرق بينها، متخطية الهدف الاستعماري، والتوسع الإستراتيجي؛ إلى العوائد الاقتصادية من تسهيل مرور القوافل التجارية بين الشمال والجنوب، ومِن ثَم يسهل التحكم في تجارة الصحراء، التي تجني من خلالها مداخيل لا تُحصَى، ضامنة بذلك انتعاشًا اقتصاديًّا سهلًا.
مدينة غات: متلازمة الأهمية التاريخية والمحطة التجارية
تتخذ ورقة عبد العزيز محمد علي الحسناوي، الذي يعمل في مكتب التفتيش التربوي، بغات، في دولة ليبيا، التي تحمل عنوان: “التأثير الثقافي والمعرفي من خلال التبادل التجاري على المدن الواقعة على طرق القوافل في الصحراء الكبرى (مدينة غات نموذجًا)“؛ (من ص265 إلى ص271)؛ هدفًا أساسيًّا لها، يتمثل في تسليط الضوء على التأثير المعرفي والثقافي للمدن الواقعة في نطاق طرق القوافل الصحراوية، متخذًا من مدينته (غات) نموذجًا لهذا التأثير. وقد سعى إلى تحقيق هذا الهدف من خلال مناقشة أربعة محاور، تم التركيز عليها في ورقته.
يشير عبد العزيز الحسناوي من خلال المحور الأول (ليبيا… وتجارة القوَافل: لَمْحة تاريخِية)؛ إلى أن ليبيا احتلت موقعًا جغرافيًّا ممتازًا بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، فلقد كانت ليبيا وما تزال حَلْقة الوصل بين المَشرق والمَغرب العربيين، وبين بلاد جنوب أوروبا، وبلاد ما وراء الصحراء .ولعلّ أهمية هذا الموقع هي التي دفعت الرحالة الألماني الشهير (غيرهارد رولفس) إلى القول بأَنّ من يريد أَن يكون حاكمًا على السودان (النيجر وتشاد)؛ يجب أن يستولي على طرابلس.
يسرد عبد العزيز الحسناوي في المحور الثاني (غات وأهميتها التاريخية)، ما مفاده أن مدينة غات تعدّ إحدى الواحات الصحراوية في أقصى الجنوب الغربي من ليبيا. وقد اكتسبت أهميتها، وتطورت مع نمو تجارة القوافل، بحكم موقعها على ملتقى طرق تجارية صحراوية مهمة، تربط فزان فمصر بالسودان، وغدامس فطرابلس، وغدامس فتونس بالسودان. وتربط بلاد الهوسا وتمبكتو وأيير وبلاد توات ببلدان المغرب العربي ومصر. وقد وفّر لها هذا الموقع الإستراتيجي هذه القدرة الكبيرة على الربط بين مدن ودول شمال إفريقيا وغربها.
يرى عبد العزيز الحسناوي في المحور الثالث (غات… المحطة التجارية)؛ أن لموقع غات الجغرافي، قديمًا أثرًا كبيرًا في أن تصبح ملتقى لطرق القوافل التجارية الفرعية والرئيسية. ولما كانت الوظيفة التجارية قد ارتبطت بمدينة غات منذ نشأتها؛ فقد انعكس ذلك على تخطيط المدينة ذاتها. وقد واكب ذلك الأهمية، التي حظيت بها غات، كونها أصبحت هي نفسها؛ حلقة وصل، ومركزًا رئيسيًّا للعلاقات الاقتصادية الصحراوية. كما أصبحت التجارة شريان الحياة بالنسبة لها، وتعتمد عليها اعتمادًا كليًّا في حياتها الاقتصادية. وأضحت أسواقها الشتوية والصيفية قِبْلة لتجارة القوافل، ومستودعًا لأهم السلع الواردة من بلاد السودان، ومن الشمال الإفريقي، وما وراء حوض المتوسط.
يورد عبد العزيز الحسناوي في المحور الرابع (غات وتنبكتو… صفحة من سجلات التاريخ)، ما نصّه أن “غات وتنبكتو محطتان من أهم محطات القوافل التجارية قديمًا عبر الصحراء. وغات تحديدًا شكَّلت حلقة وصل مهمة بين أهمّ تلك المحطات. فهي تتحكم في أحد أهم المسالك المؤدية إلى جنوب الصحراء. ويذكر الرحالة ريتشاردسون أن طوارق غات يتولون إرشاد تجار غدامس، حتى يصلوا بهم إلى غات، ثم يقوم طوارق الأيير بمرافقة تجار غدامس حتى منطقة الأيير. وغات بالإضافة إلى كونها محطة للقوافل؛ فلقد كانت تُعدّ من أهم الأسواق الموسمية. وكانت البضائع تنهال عليها من عدة أسواق. ومن تلك الأسواق تنبكتو، التي تنبكتو ببضائعها المتمثلة في الذهب، والذي كان يُقايَض أحيانًا بالملح. وكذلك الحبوب والجلود وريش النعام”.
ويورد عبد العزيز الحسناوي في المحور نفسه؛ أن مِن أشهر تلك البضائع الواردة من أسواق تنبكتو في غات تلك الأبواب المميزة، والتبر، والمنسوجات. وكذلك التأثير المعماري كان واضحًا في كثير من التفاصيل. وما تزال بعض العائلات الغاتية، تؤكد نسبها العائد إلى ضواحي تنبكتو. وتحديدًا إلى مدينة أروان، التي تبعد حوالي 250 كيلومترًا عن تنبكتو. ويضيف في هذا السياق أن البعض من أهل غات؛ يذكر كخبراء للمسالك والدروب، التي تتجه إلى تنبكتو. ويقدر الخبراء أن المسافة بين غات وتنبكتو إلى حوالي 2800 كم. ويتم قطعها تقريبًا في أربعة أشهر.
ومن هنا يتضح وفقًا لما يذكره عبد العزيز الحسناوي؛ أنه بيَّن لمحة مختصرة عن العلاقة التاريخية بين مدينتي غات وتنبكتو. وذلك نظرًا لقلة المراجع، ولقلة حركة التدوين. ونلتمس من تلك اللمحة التي قدّمها أهمية مدينة غات بوصفها محطة تجارية، شكَّلت حلقة وصل مهمة بين أهم المحطات في الطرق الصحراوية، بل أصبحت محطة تجارية أساسية، تتحكم في أهم المسالك المؤدية إلى جنوب الصحراء. إضافة إلى أنها أصبحت أحد أهم الأسواق الموسمية.
تمبكتو وغدامس: التفاعل الاجتماعي والثقافي وحسن استقبال القوافل التجارية
تهدف ورقة “أثر التجارة الصحراوية على الحياة الثقافية والاجتماعية في تمبكتو وغدامس” (من ص445 إلى ص 473)؛ لمعدّها بوبكر كوليبالي، هو طالب بمرحلة الدكتوراه، في مالي، -وهي آخر ورقة منشورة في الكتاب- إلى تحقيق هدف عام، وأهداف خاصة. أما الهدف العام فيتمثل في التعرف على الأثر الثقافي والاجتماعي للتجارة الصحراوية بين تمبكتو وغدامس. وأما الأهداف الخاصة فتتمثل في تقديم لمحة جغرافية وتاريخية عن تمبكتو وغدامس. والتعرف على مسالك قوافل التجارة الصحراوية. والوقوف على السلع المتبادلة بين شمال وجنوب الصحراء. إضافة إلى الوقوف على الأثر الثقافي والاجتماعي على تمبكتو وغدامس. ولتحقيق مجمل هذه الأهداف اتبع في الورقة منهج الوصف والتحليل من خلال الوثائق، التي تناولت الحديث عن تمبكتو وغدامس عبر الزمان والمكان.
تتكوّن هذه الورقة من عناصر عديدة، هي: مقدمة، وأربعة مباحث، وخاتمة. يبيّن بوبكر كوليبالي في المبحث الأول (لمحة جغرافية وتاريخية عن تمبكتو وغدامس)؛ أنه كان لمواقع القرى والمدن عبر العصور قديمًا وحديثًا أهمية بالغة. وهذه الأهمية يمكن أن تكون إستراتيجية أو اقتصادية أو تجارية أو ثقافية. وقد لعبت من تمبكتو وغدامس دورًا مهمًّا في التجارة الصحراوية، التي راجت على حافتي الصحراء، فنتجت عنها الأرباح من المنتوجات، والسلع المختلفة؛ حيث كانت تمبكتو ملتقى القوافل القادمة من الجنوب والشمال. وبمرور الزمن تحوَّلت إلى مراكز تجارية ومهمة. وكذلك الحال في غدامس، التي تُعدّ حلقة وصل بين مدن شمال الصحراء الإفريقية (ما بين مشرقها ومغربها) ومدن جنوب الجنوب، مما أدّى إلى تحوُّلها إلى مركز تجاري، وملتقًى للقوافل التجارية.
يخصص بوبكر كوليبالي المبحث الثاني (مسالك قوافل التجارة الصحراوية)؛ للحديث عن تعدد مسالك القوافل التجارية ما بين شمال الصحراء وجنوبها، من مصر إلى بلاد المغرب، مرورًا بتونس وليبيا، وبعض المدن المشهورة من بلاد السودان. وكانت هذه المسالك تنطلق أيضًا من سواحل البحر الأحمر والمتوسط جنوب الصحراء وشواطئ محيط الأطلنطي في غرب القارة. وقد كان تجار غدامس يسلكون في تجارتهم إلى تمبكتو: طريق طرابلس-السودان، بدءًا من طرابلس، مرورًا بغدامس وغات والأيير وأغاديس وزندر وكانو. ويتميز هذا الطريق بانتشار الآبار فيه، وبتزود القوافل بالماء، وهو طريق كثير المخاطر من جراء السلب والنهب، التي تقوم به بعض القبائل الصحراوية. وتستغرق الرحلة فيه مدة لا تقل عن ثمانية أشهر. ومن غدامس وغات تتوزع عدة طرق إلى عين وفزان وتمبكتو.
ويشير بوبكر كوليبالي، في المبحث ذاته، إلى أن القوافل كانت تعقد اتفاقيات مع الطوارق لتأمينها، وتستأجر الإبل منهم، وكانت غات محل تجمُّع وتفرُّق القوافل. واعتمد الغدامسة بشكل كبير على وكلائهم التجاريين المقيمين في أسواق المدن السودانية؛ لرعاية مصالحهم خاصة في: زندر وكانو وبرنو وتمبكتو، وغيرها من الأسواق السودانية. وقد حققت لهم معاملتهم التجارية أرباحًا عظيمة. وإن مكتبة معهد أحمد بابا، تحتوي على بعض مخطوطات رسائل تجار غدامس في التبادلات التجارية بينهم، وعلى أسعار الملح والعسل والبخور… إلخ. إضافة إلى أماناتهم وديونهم في تمبكتو وجني.
يركز بوبكر كوليبالي في المبحث الثالث (السلع المتبادلة بين شمال وجنوب الصحراء)؛ على موضوع التجارة الصحراوية، مسلطًا الضوء على بعض السلع الأساسية في الجانبين الشمالي والجنوبي، بعضها من المنطقة أصلًا، وبعضها مستوردة من أوروبا. فيحدثنا أولًا عن السلع القادمة من شمال إفريقيا. وقد كان من البضائع المصدرة إلى جنوب الصحراء: الجياد التي تأتي من بلاد البربر. إضافة إلى المخطوطات الكثيرة، التي كانت تُباع أيضًا. وقد كانت تأتي من بلاد البربر، وتُدِرّ أرباحًا تفوق سائر البضائع. ويخبرنا ثانيًا عن السلع الموجودة جنوب الصحراء؛ حيث كانت حركة التجارة الصحراوية نَشِطَة، عبر العصور على اختلاف الحكام، وتسهيلات الطرق من أمن ونقل. وقد كان أبرز السلع الإفريقية وقتها تتمثل في: الملابس، والعاج، وريش النعام، والذهب، والجلود، والأسلحة، والرقيق.
يوضح بوبكر كوليبالي في المبحث الرابع (الأثر الثقافي والاجتماعي على تمبكتو وغدامس)؛ أن كلًّا من تمبكتو وغدامس تتمتع بالأثر الثقافي للتجارة الصحراوية؛ لكونهما مركزين تجاريين وثقافيين في آنٍ واحد. وأن بعض التجار كانوا علماء وفقهاء، بالإضافة إلى امتيازات احترام ودعم الملوك والسلاطين للعلماء والثقافة. وهذا الدعم مكَّنهم من نشر الثقافة، وهي الحركة التي أثرت على التركيب السكاني والاجتماعي للمنطقة طول هذه الفترة الذهبية للنشاط التجاري عبر الصحراء. وأن من مظاهر الثقافة في تمبكتو كثرة العلماء فيها؛ حيث يقول السعدي عن تمبكتو: “مأوى العلماء والعابدين والصالحين. وسكن فيه الأخيار من العلماء والصالحين. ومن كل بلاد من أهل مصر ووجل وفزان وغدامس”.
يخلص بوبكر كوليبالي في ختام معالجته لموضوع أثر التجارة الصحراوية على الحياة الثقافية والتجارية في تمبكتو وغدامس- إلى جملة من النتائج، لعل أهمها: أن نشأة غدامس أقدم من تمبكتو، حيث يرجع آثر النقوش الخاصة بغدامس إلى العصور الحجرية، بينما نشأت تمبكتو في القرن الحادي عشر الميلادي. وأن سكانهما تمتعوا بخاصية في استقبال القوافل التجارية، التي تأتيها بعد عبور الصحراء ذهابا وايابا. وتنقل العلماء والفقهاء إلى تمبكتو أثناء تجارتهم واستقرارهم فيها. وأن الغدامسة سيطروا على التجارة فيما بين البحر والمتوسط والصحراء وجنوبها، بالإضافة تفوقهم في الجلود، وقد تأثر بهم أهل تمبكتو في صناعة الجلود.
ويخلص أيضًا -إضافة إلى ما ذكر من نتائج-؛ إلى أن وجود حي في تمبكتو يعرف بالحي الغدامسي، يدل على كثرة نزولهم بها؛ نتيجة التفاعل الاجتماعي والثقافي. وأن التجار تجاوزوا عقبات المسالك ووعورتها من قطع الطرق، وقلة الماء، وشدة حرارة وبرودة الصحراء في سير القوافل، وحسن تعامل القوافل مع مناطق العبور، ودفع ما يطلبونه من الضرائب، وكانت التجارة الصحراوية تجارة رابحة. علاوة على ذلك هناك تنوع للسلع المتبادلة بين شمال الصحراء وجنوبها بصفة عامة، وخاصة بين غدامس وتمبكتو، مع غلاء ثمن الملح والخيل. وأخيرًا وجود سوق المخطوطات في تمبكتو، وهو من لوازم المركز الثقافي؛ لأن العلم يزداد بكثرة الاطلاع في كتب متون الكتب.
كلمة أخيرة:
تمثّل قراءتنا للأوراق الست الواردة في المحور الرابع (التبادل التجاري وتجارة القوافل) من كتاب “المؤتمر العلمي الدولي حول تراث غدامس وتمبكتو، الدورة الخامسة، من غدامس إلى تمبكتو حوار حضارات الصحراء”؛ مجرد لوحة غير مكتملة للتنظير في طبيعة العلاقة، التي تشكَّلت بصورة تراكمية بين مدينتي: تمبكتو وغدامس.
وعلى الرغم من أن قراءتنا، قدمت معلومات تفصيلية في مسيرة هذه العلاقة في مجال تجارة القوافل، بمسالكها المختلفة، وعمليات التبادل التجاري، بتفاصيل سلعها المتباينة، إضافةً إلى إبراز جوانب ثقافية وحضارية كانت تصحب تلك العلاقة؛ إلا أن هذه اللوحة لا تكتمل، إلا بالاطلاع الفاحص على الأوراق العلمية الـ24 التي حواها الكتاب.









































