روضة علي عبد الغفار
صحفية متخصصة بالشأن الإفريقي
تقف إثيوبيا على أعتاب الانتخابات العامة وسط أجواء هادئة نسبيًا مقارنة بالانتخابات السابقة في 2021 أثناء حرب تيغراي، لكنّ هذا الهدوء الظاهري ينطوي على تحدياتٍ مصيرية، فبينما يسعى رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تجديد شرعيته السياسية عبر صناديق الاقتراع، تواجه الدولة تحديات أمنية وعرقية واقتصادية قد تهدد بتحويل الانتخابات من محطة ديمقراطية إلى اختبار لوحدة البلاد واستقرارها.
كما أن التوقعات بفوز الحزب الحاكم تطرح تساؤلات عن استقرار الدولة أو أزمتها السياسية المتصاعدة، بسبب ضعف المعارضة وتشتتها.. فما هي معالم السباق الانتخابي في إثيوبيا؟ وما هي أسوء السناريوهات بعد إعلان النتائج؟ وما أبرز نجاحات واخفاقات آبي أحمد والحزب الحاكم؟ وما مدى تأثير هذه الانتخابات على القرن الإفريقي؟
هذا وأكثر تطرحه “قراءات إفريقية” في هذا التحقيق..
سباق انتخابي أم استفتاء شعبي؟
تشهد إثيوبيا استعدادات مكثفة لإجراء الانتخابات العامة المقررة في 1 يونيو 2026م، على أن تكون هذه الانتخابات البرلمانية السابعة منذ اعتماد النظام الفيدرالي الحالي بعد 1991م، وسيُنتخب خلالها أعضاء مجلس النواب الإثيوبي البالغ عددهم 547 نائبًا.
تجري الانتخابات في إثيوبيا ضمن نظام برلماني فيدرالي معقّد، حيث تُعد الانتخابات العامة الوسيلة الأساسية لتشكيل السلطة التنفيذية عبر اختيار أعضاء مجلس النواب الفيدرالي، الذي يتولى بدوره تعيين رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة.
وتأتي هذه الانتخابات بعد سنوات من الاضطرابات، أبرزها حرب تيغراي التي خلّفت آثارًا سياسية وإنسانية عميقة، إلى جانب أزمات اقتصادية متفاقمة تشمل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية.
يرى الصحفي الإثيوبي أنور إبراهيم أن الانتخابات القادمة تختلف عن سابقاتها بسبب حجم التحديات والصراعات الداخلية التي تواجهها البلاد، مشيرًا إلى أن المشهد الحزبي الإثيوبي يعيش حالة من الضعف والانقسام غير المسبوق.
ويقول “إبراهيم” في حديثه لـ “قراءات إفريقية” إن عددًا من الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات حديثة التأسيس ولا تمتلك تاريخًا سياسيًا أو قواعد شعبية راسخة، موضحًا أن أغلبها ظهر خلال السنوات الأخيرة في ظل الانقسامات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2020.
ويضيف أن المعارضة الإثيوبية تعاني من غياب الأحزاب التاريخية القوية، فضلًا عن الانقسامات التي طالت بعض القوى السياسية بسبب النزاعات الداخلية، ما أدى إلى اختفاء بعض الأحزاب أو انضمام قياداتها إلى أحزاب أخرى.
وبحسب “إبراهيم” فإن جزءًا من أزمة المعارضة يعود إلى غياب المشروع السياسي الواضح، قائلاً إن بعض الأحزاب ظهرت بدافع “مطالب فردية للوصول إلى السلطة” دون مراجعة حقيقية لأهدافها وبرامجها السياسية، الأمر الذي انعكس على ثقة الشارع الإثيوبي بالأحزاب المعارضة.
ويؤكد أن حالة فقدان الثقة لدى الناخب الإثيوبي أصبحت واضحة، خاصة مع تطور الأحداث السياسية والأمنية في البلاد، معتبرًا أن الحزب الحاكم لا يواجه حتى الآن منافسًا قويًا قادرًا على تهديد نفوذه الانتخابي.
غير أن “إبراهيم” يحذر من سيناريوهات ما بعد الانتخابات، مشيرًا إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في تكرار أجواء التوتر والتشكيك التي شهدتها البلاد في مراحل سابقة، مع تصاعد الاتهامات المبكرة ضد الحزب الحاكم، وانتقاد بعض الأحزاب لتحركات مجلس الانتخابات الإثيوبي وآليات إدارة العملية الانتخابية.
آبي أحمد وحزب الازدهار.. نجاحات واخفاقات:
رغم التحديات المتزايدة لا يزال حزب الازدهار الحاكم بقيادة آبي أحمد الأوفر حظًا للفوز بالانتخابات المقبلة، مستفيدًا من حضوره السياسي الواسع وسيطرته على مؤسسات الدولة.
في هذا الصدد يرى رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية، ياسين أحمد، أن فوز الحزب الحاكم يعكس مشهدًا مركبًا يجمع بين الاستقرار المؤسسي والتحديات الهيكلية، موضحًا أن حزب الازدهار نجح في ترسيخ مشروع سياسي يسعى إلى الانتقال من التحالفات الإثنية التقليدية إلى مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.
ويشير “أحمد” إلى أن الحزب استطاع تعزيز شرعيته عبر الانتخابات، رغم مقاطعة بعض أحزاب المعارضة في عدد من الأقاليم، مؤكدًا أن استمرار الحزب في الحكم يعكس أيضًا رغبة قطاع من الناخبين في الحفاظ على الاستقرار التنموي.
لكن هذا الاستقرار بحسب “أحمد” في حالة اختبار دائم بسبب استمرار التوترات الأمنية في بعض المناطق، ما يجعل البلاد بين مشروع الدولة الموحدة وتحديات الانقسام العرقي والسياسي.
وحول شعبية آبي أحمد، يرى “أحمد” أنها لم تعد كما كانت في الفترة الأولى بعد وصوله إلى السلطة بين عامي 2018 و2019، موضحًا أن الضغوط الاقتصادية والتضخم وتداعيات النزاعات الداخلية أثرت على حجم التأييد الشعبي، وإن ظل الرجل محتفظًا بصورة “مهندس الإصلاحات” لدى قطاعات واسعة.
ويذكر “أحمد” أبرز النجاحات التي حافظت على حضور آبي أحمد سياسيًا، وفي مقدمتها الإصلاحات الاقتصادية، وتحرير قطاعات الاتصالات والطيران، إلى جانب استكمال المراحل الكبرى من مشروع سد النهضة، وإطلاق مبادرة “الإرث الأخضر”، فضلًا عن مشاريع البنية التحتية والتطوير العمراني في العاصمة أديس أبابا.
كما يعتبر توقيع “اتفاق بريتوريا للسلام” عام 2022 لإنهاء حرب تيغراي أحد أهم الإنجازات السياسية للحكومة الحالية، لما مثله من انتقال نحو الحلول السياسية بعد سنوات من الحرب.
وفي المقابل، تواجه حكومة آبي أحمد ملفات شائكة، أبرزها الأزمة الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم، وملف البطالة، إضافة إلى تحديات بسط سيادة القانون ونزع سلاح المليشيات المسلحة، والتعامل بحكمة مع التوترات العرقية والإثنية، وتعزيز الحوار الوطني الشامل لإدماج كافة الأطياف السياسية، والانتقال من مجرد الفوز الانتخابي إلى بناء توافق وطني مستدام.
ويؤكد “أحمد” أن إثيوبيا تعيش مرحلة سياسية مفصلية، مشيرًا إلى أن نجاح اللجنة الوطنية للحوار قد يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء التوافق الوطني وانهاء الخلافات التاريخية عبر طاولة المفاوضات لا عبر فوهات البنادق.
إثيوبيا وتحديات الداخل والخارج:
تواجه إثيوبيا اليوم حزمة معقدة من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية تجعلها تقف أمام مرحلة مصيرية، وكونها دولة محورية في منطقة القرن الإفريقي فإن أي تحولات سياسية أو أمنية تشهدها البلاد تنعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة بأكملها.
وفي خضم الجدل السياسي المتصاعد يعود النقاش مجددًا حول مستقبل النظام الفيدرالي القائم على القوميات، والذي تأسس بعد سقوط النظام الشيوعي عام 1991م.
في هذا الصدد يرى مدير المركز الإفريقي للأبحاث ودراسة السياسات، د. محمد صالح، أن إثيوبيا تمر حاليًا بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، في ظل توجه رئيس الوزراء آبي أحمد نحو نقل البلاد من النظام الفيدرالي القائم على الأسس القومية والإثنية إلى نموذج أكثر مركزية.
ويشير “صالح” إلى أن واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الحكومة الحالية تتمثل في غياب الحوار الوطني والاستفتاء الشعبي حول طبيعة النظام الجديد المقترح، معتبرًا أن التحولات الكبرى المتعلقة بهوية الدولة وشكل الحكم تحتاج إلى توافق وطني واسع.
ويضيف أن فقدان بعض الجماعات للمزايا والحقوق التي كانت تتمتع بها في ظل النظام الفيدرالي دفعها إلى معارضة الحكومة، بل والدخول في مواجهات مسلحة معها في عدد من الأقاليم غير المستقرة، مثل تيغراي وأمهرة، بسبب مخاوف متزايدة من توجهات الحكومة المركزية.
ويرى “صالح” أن تنظيم الانتخابات في ظل استمرار الحروب وخروج مساحات واسعة من البلاد عن نطاق السيطرة يثير تساؤلات حقيقية حول مستقبل الاستقرار السياسي في إثيوبيا.
ورغم إقراره بأن البلاد حققت إنجازات اقتصادية وتنموية مهمة، مثل التقدم في قطاع الزراعة ومشروع سد النهضة، إلا أنه يؤكد أن إثيوبيا تواجه في المقابل خلافات سياسية حادة تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم، وسط مخاوف من إقصاء بعض الجماعات والتغول على حقوقها السياسية.
ولا تتوقف أهمية الانتخابات الإثيوبية عند حدود الداخل فقط، بل تمتد تداعياتها إلى منطقة القرن الإفريقي بأكملها، التي تعيش أصلًا حالة من الهشاشة الأمنية والسياسية، حيث يؤكد د.محمد صالح أن نجاح الانتخابات في تحقيق الاستقرار داخل إثيوبيا سينعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة، بينما سيؤدي استمرار حالة عدم اليقين والحروب الداخلية إلى مزيد من الاضطرابات الإقليمية.
ويحذر من أن استمرار الأزمة الإثيوبية قد يسهم في ظهور جماعات مسلحة جديدة، وازدهار تجارة السلاح غير الشرعي، خاصة في منطقة يصفها بأنها “مشتعلة للغاية”، في ظل الأزمات المتواصلة في الصومال والسودان وجنوب السودان.
ويشدد “صالح” على أن قدرة الإثيوبيين على تجاوز خلافاتهم الداخلية والتوجه نحو الاستقرار ستكون مساهمة حاسمة في حماية منطقة القرن الإفريقي من موجة جديدة من الحروب والاضطرابات.
وختامًا.. فإن الانتخابات الإثيوبية المقبلة ليست مجرد منافسة سياسية على السلطة، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تجاوز سنوات من الصراع والانقسام، وتتجه أنظار الداخل والخارج إلى أديس أبابا لمعرفة ما إذا كانت هذه الانتخابات ستفتح باب الاستقرار السياسي، أم ستقود إثيوبيا إلى مرحلة جديدة من الانقسام والصراع؟










































