على وقع سياسة دولية تذكر بأجواء العصر الحديث المبكر، وصراع الشركات التجارية على موارد “أعالي البحار” وخدمة الدول لمثل هذه الشركات، وتلصص زعيم أكبر دولة في العالم على دفتر ملاحظات نظيره، زعيم ثاني أكبر دولة اقتصاديًا في العالم، خلال قمة تشغل العالم أجمع، وعلى نحو يعكس بصدق عصر “الرجال متوسطو القيمة” the age of the middle men، تحاول إفريقيا على وقع هذا العالم المضطرب أن تجد، بطريقة أو أخرى، طريقًا للفكاك من هذا العصر وتوحش سياساته دون أدنى غطاء من قيم مثل النظام الدولي والقانون الدولي واحترام سيادة الدول واستقلالها.
يتناول المقال الأول ملامح لهذا السعي في علاقة إفريقيا بأوروبا وما تراه الأولى من حتمية الانتقال إلى علاقة أكثر تكافوءً وعدلًا.
ويعزز المقال الثاني هذه الفكر بتناوله علاقة إفريقيا (في الأغلب جنوب الصحراء حسبما يفهم من سياق المقال دون التصريح بذلك) بدول البحر الكاريبي وما قد تقود إليه من تعزيز اقتصاديات دول الإقليمين بقيمة قُدرت بنحو 5% إضافية من نواتجها المحلية الإجمالية.
ويتناول المقال الثالث والأخير مساعي إفريقيا للتحول الرقمي في عالم مليء بالتهديدات وهجمات مجرمو الأمن السيبراني؛ الأمر الذي يضع –على سبيل المثال- جهود إفريقيا المشار لها على المحك تمامًا.
إفريقيا وأوروبا نحو علاقة عادلة، وليست خيرية([1]) :
مع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نيروبي الأسبوع الماضي للدفاع عن دور أوروبا في إفريقيا، فإن القصة الحقيقية لم تكن عن فرنسا وحدها. بل كان ثمة تغير لا تخطئه العين آخذ في الوقوع في العلاقات الإفريقية-الأوروبية: ألا وهو الانتقال التدريجي، لكن راسخ القدم، من الأبوية نحو الشراكة.
باتت لغة “إعادة التموضع” شائعة في الدوائر الدبلوماسية. وبعيدًا عن البيانات التي تتم صياغتها بعناية فائقة والصور الفوتوغرافية للقاءات قادة القمم تكمن أمور أكثر عمقًا. إن أوروبا تتحرك ببطء للتفاهم مع حقيقة إفريقية جديدة. وهي حقيقة لم تعد فيها مسألة لاعدالة تطلعًا بل أمرًا محتومًا على الأفارقة نيله. ولطالما كانت العلاقات الإفريقية- الأوروبية جارية وسط أجواء غير عادلة بالمرة. إذ تقوم أوروبا باستخراج المواد الخام، وتستورد إفريقيا المنتجات تامة الصنع. وتقوم أوروبا بتوجيه إفريقيا بخصوص الحوكمة؛ ثم تقوم إفريقيا باستيعاب الشروط الأوروبية. كما تتحكم أوروبا في تدفقات رأس المال، والتكنولوجيا والهيكل المالي؛ بينما تقوم إفريقيا بتقديم السلع والعمالة. وقد استمرت هذه العلاقة بفضل التاريخ والتبعية وعدم التوازن المؤسسي الذي أبقى هذه الصلة قائمة.
الأسس الضعيفة للخلل المؤسساتي:
إن إفريقيا اليوم ليست إفريقيا ثمانينيات القرن الماضي أو أوائل مطلع القرن التالي حتى أن نموها السكاني وحده يمكن أن يغير كل شيء. فأسواق إفريقيا الحضرية آخذة في الاتساع. كما أن اقتصادها الرقمي آخذ في التسارع. وتمثل معادنها الاستراتيجية معينًا لا غنى عنه من قبل الانتقال الأخضر العالمي. وباتت أهميتها الجيوسياسية غير قابلة للتجاهل إطلاقًا. وبشكل هام، فإن لإفريقيا اليوم خيارات عدة.
فالصين تمول البنية الساسية، وتركيا توسع وجودها التجاري. كما تستثمر دول خليجية في إفريقيا بشكل موسع للغاية. وتقوم الصين بتعميق انخراطها الاستراتيجي. وانتهجت روسيا شراكات امنية في أجزاء من القارة. وبغض النظر عن رؤيتنا لهؤلاء الفاعلين المتنافسين، فإن وجودهم معًا غير من سيكولوجيا التفاوض الإفريقية. وتفهم أوروبا ذلك.
وهكذا فإن هذا الفهم يفسر سبب تحدث الاتحاد الأوروبي الآن بشكل متزايد بلغة “الازدهار المتبادل” mutual prosperity، والشراكة المتساوية والاستثمار المشترك والنمو المشترك. كما يفسر ذلك حزمة استثمارات الاتحاد الأوروبي في إفريقيا المقدرة بقيمة 150 بليون يورو وفق مبادرة “البوابة العالمية” Global Gateway.
منافسة جيوسياسية:
ربما يفند متشككون مبادرات مثل البوابة العالمية في الوقت الذي أثيرت فيه منافسة جيوسياسية في الدوائر الدبلوماسية. وبالتأكيد هناك قدر من الحقيقة تقوم عليه هذه الشكوك. إذ لا تتصرف أوروبا بشكل خالص سعيًا لمصلحة إفريقيا فحسب. ولئلا نكون ساذجون، فإنه لزامًا علينا الاعتراف بأنه لا يوجد لاعب جيوسياسي هام يقوم بخلاف ذلك.
فالتوجه الوروبي الجديد مدفوع أيضًا بالمخاوف الاستراتيجية والحقائق الاقتصادية: تنويع مصادر الحصول على الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، وصمود سلاسل الإمداد، وضغوط الهجرة، والتنافسية الصناعية، وحدة المنافسة مع الصين وتركيا ودول الخليج، والهند وفاعلين آخرين على نحو يعمق نفوذهم في إفريقيا. ومن عدة نواح، أصبحت إفريقيا محورية في المستقبل الاستراتيجي للعديد من لاقوى العالمية في نفس الوقت.
لكن تحجيم هذا التغيير بالكامل إلى منافسة تشاؤمية يفوت فهم أهمية الواقع الذي بدأ كثير من الأفارقة أنفسهم في التقليل من شأنه: أن عدد كبير من صناع السياسات الأوروبيين، والدبلوماسيين، والمستثمرين، وقادة الأعمال يقرون بأن النظام القديم لم يعد يعمل حاليًا. وليس ذلك أخلاقيًا أو سياسيًا فحسب، بل واقتصاديًا أيضًا.
التحالف مع دول الكاريبي لتوفير 5% من الناتج المحلي الإجمالي([2]) :
وصل تحالف إفريقيا- الكاريبي إلى نقطة تحول استراتيجية مع وضع ملف الطاقة في قلب مسار تعاون الجنوب- الجنوب فيما بين طرفي هذا التحالف. وفي سياق اتسم بوجود تحديات في الوصول للكهرباء والاعتماد القوي على واردات الطاقة، فإن مثل هذه الشراكة تهدف إلى تقوية المعاملات الاقتصادية المتبادلة والتي تقدر بـ 1.8 بليون دولار بحلول العام 2028، وفقًا لبنك الصادرات والواردات الإفريقي والمركز التجاري الدولي (ITC)، بينما تتم في الوقت نفسه عملية تسريع الاستثمارات في البنية الأساسية وتكنولوجيات الطاقة النظيفة بين إفريقيا والجماعة الكاريبية CARICOM.
ويقول كين موجامبي Ken Mugambi من مجموعة ترانيتي للطاقة Trinity Energy Group الكيينة أن “إفريقيا والكاريبي قد حافظا على صلات تاريخية ممتدة لأكثر من 400 عام، ترجع إلى بداية تجارة العبيد. ومن ثم فإننا نحتاج إلى البدء في إعادة بناء علاقاتنا على أساس من هذا التاريخ المشترك، بهدف تقوية التعاون في قطاع الطاقة (تحديدًا). كما نرى فرصة كبيرة في العمل المشترك بين الإقليمين، ولاسيما في قطاع الطاقة المتجددة. إن لإفريقيا، كما للكاريبي تمامًا، وفرة في موارد الطاقة المتجددة”.
ويدخل المحور الإفريقي- الكاريبي مرحلة استراتيجية جديدة من تعاون الجنوب- الجنوب حيث تظهر الطاقة كرافعة مركزية للتكامل الاقتصادي. وانطلاقًا من منطق السيادة المشتركة والتكاملية فإن مثل هذه الدينامية ستكون مدعومة بمقدرات واضحة: فوفقًا للمركز التجاري الدولي International Trade Centre وبنك الصادرات الإفريقية فإن التجارة بين الدول الإفريقية والدول الأعضاء في الجماعة الكاريبية Caribbean Community (CARICOM) يمكن أن تصل إلى 1.8 بليون دولار، بفضل التحسينات في البنية الأساسية. وفي هذا السياق فإن الدول المذكورة تضاعف من عدد المبادرات المشتركة لهيكلة الاستثمارات في الطاقة والإسراع بنقل التكنولوجيات النظيفة.
ويرى موجامبي “أنه ثمة فرصة كثيرة وعظيمة بين الإقليمين لتحقيق تكامل حقيقي في قطاع الطاقة، والوصول للطاقة واستخدامها، والبنية الأساسية الطاقوية كطريقة لخفض العجز الطاقوي الذي يواجهه كلًا من الإقليمين بالفعل، في ضوء حقيقة أنهما من أفقر الأقاليم في العالم امتلاكًا للطاقة.
وفيما يتجاوز الطموحات الاقتصادية فإن التحدي لا يزال بنيويًا في طبيعته وماثلًا في أن بناء مزيد من نظم الطاقة المرنة لقارة لا يزال يعاني 600 مليون نسمة من سكانها من عدم الوصول للكهرباء في العام 2025. ويهدف هذا التعاون إلى خفض الاعتماد على الصدمات الخارجية، فيما تظل إفريقيا، على وجه التناقض المستغرب، مستوردًا خالصًا لمنتجات البترول المكررة بالرغم من مواردها الكبيرة فيه. كما أن هذا التعاون الطاقوي مصحوب بتحدٍ لوجيستي مثل: تحسين سلاسة طرق النقل البحري ونظم النقل من أجل تيسير التجارة بين الإقليمين.
وفيما يلي الطاقة، فإن هذه الدينامية جزء من رؤية أوسع لتحقيق تنمية مستدامة مشتركة، حيث يصبح أمن الطاقة محركًا لنمو شامل. وفي العام 2026، بينما يتوقع أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا نموًا بنسبة 4.3% مقارنة بنسبة 2.1% لمجموعة الكاريبي، فإن مثل هذا التحالف العابر للأطلسي يبدو وسيلة صمود هامة في مواجهة الصدمات المناخية، والتي تكلف اقتصادات الإقليمين نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي لهما سنويًا.
الرقمنة الإفريقية في مرمى الهاكرز([3]):
تعرضت السنغال، قرب منتصف مايو الجاري، لثالث هجمة سيرانية على إحدى مؤسساتها العامة فيما يقل عن فترة ستة أشهر. وقد أكدت الحكومة أن “الحادث” بدأ يؤثر في نظم تكنولوجيا المعلومات في مؤسسة الخزانة العامة في 10 مايو مع مواصلة المستخدمون في الإبلاغ عن أعطال في الأيام التالية. ووفقًا لتقارير إعلامية فإن الهاكرز ادعوا مسؤوليتهم عن هذا الهجوم وهددوا بالإفراج عن 70 جيجابايت من البيانات الحساسة .
وفي أكتوبر 2025، تم استهداف الموقع الشبكي لهيئة الضرائب السنغالية لاستهداف من مجموعة اختراق سيبراني تحمل اسم Black Shrantac. وادعى المتخرقون أنهم كانوا قد حصلوا على واحد تيرابايت من البيانات وطالبوا بفدية قيمتها 10 مليون دولار. وفي يناير 2026 تمت مهاجمة قسم وزارة الداخلية المسؤول عن إصدار بطاقات الهوية الوطنية من قبل هاكرز يطلقون على انفسهم “مجموعة الدماء الخضراء” Green Blood Group. وقالت الجماعة التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم أنها قد سرقت 139 تيرابايت من قاعدة بيانات يقال أنها تحتوي معلومات عن كل سكان السنغال- بما فيها سجلات الهوية الخاصة بهم، والبيانات الإحصائية البيولوجية (البيومترية) والمعلومات الانتخابية وملفات الهجرة. وقامت بالفعل بنشر قدر من هذه البيانات في الإنترنت المظلم Dark Web.
ويقول خبراء في الأمن السيبراني أن السنغال أحدث دولة إفريقية تجد نفسها في مرمى الهاكرز. وحسب جيرار جوزيف فرانسوا ديكوستا المتخصص في الدفاع السيبراني ويعمل في داكار، فإن السنغال باتت عرضة لمثل هذه الهجمات بالنظر إلى سمعتها الدولية في كرة القدم، واكتشافات موارد البترول والغاز بها، والانتقال السياسي الأخير، إذ أصبحت السنغال هدفًا جذابًا لجماعات الجريمة السيبرانية الصاعدة والساعية لنيل الاعتراف والشهرة.
نمط قاري إفريقي:
كانت الهجمات السيبرانية في أرجاء القارة الإفريقية في صعود واضح في السنوات الأخيرة. ففي عام 2024، على سبيل المثال، كلف هجوم سيبراني على بنك أوغندا سرقة ودائع لمواطنين بقيمة 17 مليون دولار. وفي يناير 2025 أدى هجوم سيبراني على جهاز خدمة الطقس الوطني في جنوب إفريقيا إلى تعطيل نظم العمل به، مما أدى إلى اضطراب في توقعات الملاحة الجوية والبحرية في أرجاء الإقليم.
ووفقًا لبحث قامت به شركة شيك بوينت Check Point، المتخصصة في برمجيات الأمن السيبراني، فإن الجهات الإفريقية تواجه الآن ما متوسطه 2940 هجمة سيبرانية في الأسبوع الواحد، وهو معدل يفوق المعدل العالمي بحوالي 700 هجمة. وفي تقريرها الشهري عن معلومات التهديد العالمي (Global threat Intelligence, April 2026) حددت الشركة كل من الخدمات المالية والحكومة والسلع الاستهلاكية والخدمات باعتبارها القطاعات الأكثر استهدافًا من هجمات سيبرانية في إفريقيا. وعلى حد قول لورنا هاردي Lorna Hardie، المدير الإقليمي لشيك بوينت في إفريقيا، فإن “الرقمنة السريعة المصحوبة بعدم نضج أمني جعلت القارة هدفًا للهاكرز”
آلاف الضحايا:
وفي قارة ينتشر فيها نمط “الأموال المحمولة” mobile money، فإن الأفراد يكونون، كما المؤسسات، عرضة لهجمات الأمن السيبراني. كما أن ظهور تقنيات الأمن الصناعي قد فاقمت من مثل هذا التهديد، حسبما يحذر خبراء معنيون، بينما رصدت “شيك بوينت” الخداع الذي يتم توليده بالذكاء الاصطناعي باعتباره “التهديد الأسرع نموًا”. ويمكن لتقنيات التزييف العميق الصوتي والمرئي أن تخدع عدد من المستخدمين وإقدامهم على الموافقة على مدفوعات، بينما تسمح أدوات الذكاء الاصطناعي للمزورين بشن هجمات أسرع وأكثر رخصًا. وحسب تقرير للإنتربول عن تقييم التهديد السيبراني في إفريقيا (Africa Cyberthreat Assessment Report 2025) فإن الجرائم السيبرانية في غرب إفريقيا وشرق إفريقيا مسؤولة عن أكثر من 30% من جميع الجرائم الواردة في التقرير. وقالت منظمة الشرطة الدولية أن عمليات الخداع على الإنترنت online scams كانت الهجمات الأكثر وقوعًا، فيما كانت جرائم أخرى تتعلق بالبرمجيات الضارة واختراق البريد الإلكتروني والجنس الرقمي digital sextortion شائعة بشكل ملحوظ.
ونسق الإنتربول، في العام 2025، عملية مشتركة انخرطت فيها 18 دولة إفريقية نتج عنها إلقاء القبض على 1209 من مجرمي الجرائم السيبرانية الذين استهدفوا نحو 88 ألف ضحية. كما نتج عن العملية، التي حملت اسم عملية سيرينجيتي 2.0 (Operation Serengeti) استعادة 97.4 مليون دولار وفككت نحو 11.5 ألفًا من البنية التحتية الضارة رقميًا.
…………………………………….











































