تسعى فرنسا لاستعادة قدر من صورتها المفقودة في القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد خساراتها المؤثرة في معاقلها التقليدية في غرب إفريقيا وإقليم الساحل لصالح فاعلين آخرين، وكذلك تراجع شعبية فرنسا كقوة ثقافية ومثال سياسي وسط كثير من شعوب القارة ونُخبها، ولا سيما الشباب منهم. وجاءت قمة إفريقيا-فرنسا الأخيرة في العاصمة الكينية نيروبي (11- 12 مايو 2026) ضمن هذه المحاولة غير مأمونة العواقب بعد.
ويمكن أن يكون الجانب الأبرز في موقف فرنسا الإفريقي الراهن ما ذكره “ماكرون” عن ضرورة إنهاء وضع الشركات الدولية المهيمن في استغلال موارد القارة الإفريقية، وبغضّ النظر عن عدم واقعية هذا المطلب راهنًا، وفي المستقبل القريب؛ لصعوبة تفكيك الوضع الاقتصادي العالمي الراهن أو لعدم قدرة الحكومات الإفريقية على المدى القصير على الاستغناء عن تلك الشركات، أو تحسين شروط التعامل معها؛ إما لأسباب اقتصادية أو أخرى تتعلق بحسابات السلطة وجماعات النفوذ والمصالح داخل الدول الإفريقية.
كما أن الشركات الكبيرة التي تعمل في إفريقيا تمثل القاطرة الحقيقية حاليًّا لسياسات فرنسا الاقتصادية في إفريقيا، وكذلك العامل الأبرز ربما في وضع باريس سياساتها في كثير من الدول مثل موزمبيق وبنين وتشاد وكينيا، وغيرها.
يتناول المقال الأول الخطوط العامة التي وضعها ماكرون خلال قمة إفريقيا-فرنسا في كينيا، وتراوحها بين دفع الاستثمار المتبادل وتشجيع الاستثمارات الإفريقية في فرنسا، ودعوته -المثيرة لكثير من علامات الاستفهام- لإعادة القطع الفنية والأثرية الإفريقية المنهوبة في العهد الاستعماري، لا سيما أنه كان قد تعهَّد في العام 2017 بإعادة جميع القِطَع المنهوبة في غضون خمسة أعوام (انتهت في العام 2021، أي قبل خمسة أعوام كاملة دون أي خطوات حقيقية في هذا المسار).
أما المقال الثاني فقد تناول جانبًا من مخاوف فرنسا من تراجع نفوذها الإقليمي في غرب إفريقيا وإقليم الساحل كما تبلور في غياب تمثيل حكومي لعدد من دول الإقليم في القمة الأخيرة.
ثم يتناول المقال الثالث دعوة ماكرون لشراكة تقنية بين إفريقيا وأوروبا مفترضًا بداهة لعب بلاده دور الوسيط التقليدي في هذه الشراكة، وهي مسألة لا تزال على المحك بلا شك.
وبعد انتهاء أعمال القمة، ورغم زخمها الإعلامي الكبير، تظل ترجمة هذه الوعود على الأرض مهمة عسيرة أمام الرئيس الفرنسي ماكرون، بينما تقع على كاهل القادة الأفارقة مسؤولية عدم الترويج المبالَغ فيه لقضايا ومواقف فرنسية لم تُحسم بعدُ، ولم تستطع حتى كسب مصداقية ومقبولية لدى قطاعات من الشباب الأفارقة.
ماكرون يدفع الاستثمار الإفريقي ويدعم إعادة القِطَع الفنية الاستعمارية([1]) :
أكَّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أهمية الاستثمار في إفريقيا في بَدْء القمة الاقتصادية في نيروبي بكينيا، واستهدف من وراء ذلك تجديد انخراط فرنسا مع القارة (من بوابة الاقتصاد). كما أشار ماكرون لتشريع فرنسي جديد “لتيسير” إعادة القطع الفنية والأثرية المنهوبة في العصر الاستعماري. وقال ماكرون (11 مايو): إن إفريقيا “تحتاج الاستثمار حتى تصبح أكثر سيادة، وأن تحل الفرص الاقتصادية محل المعونات”، معلنًا عن استثمار فرنسا 23 بليون يورو في إفريقيا.
وخلال كلمته في جامعة نيروبي، في افتتاح القمة الإفريقية الفرنسية التي استمرت ليومين، قال ماكرون: إن المخصصات ستشمل 14 بليون دولار في الاستثمارات الخاصة والعامة مِن قِبَل جهات فرنسية، و9 بلايين يورو مِن قِبَل مستثمرين أفارقة، وتركّز إجمالًا على الانتقال الطاقوي، والرقمنة والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد البحري والزراعة.
وستخلق هذه الاستثمارات 250 ألف وظيفة مباشرة في فرنسا وإفريقيا بحسب ماكرون. ولفت الأخير، الذي لم يضع سقفًا زمنيًّا لضخّ مثل هذه الاستثمارات المتوقعة، إلى “أننا لم نأتِ هنا للاستثمار ببساطة في القارة الإفريقية إلى جانبكم؛ بل إننا بحاجة إلى أن يأتي رجال أعمال أفارقة كبار إلى فرنسا ويستثمروا بها”. وكان ماكرون قد صرَّح لأفريكا ريبورت Africa Report قبيل القمة بأنه لا يمكن توجيه اللوم للاستعمار عن جميع التحديات التي تواجه القارة الإفريقية.
تحسين الحوكمة:
وقال ماكرون للمجلة المعروفة: “علينا ألّا نتبرأ من المسؤولية عن العقود السبعة التي تلت الاستقلال، ودعا القادة الأفارقة لتحسين الحكم، ولفت إلى أن القوى الاستعمارية السابقة في أوروبا “لم تكون وحوش ذلك القرن”. وقال ماكرون: إنه في الماضي كان القادة الأوروبيون يحاضرون نظراءهم الأفارقة حول ما يحتاج إليها هؤلاء الأخيرون، لكن لم يعد ذلك ما يرغب في سماعه الأفارقة.
وقال ماكرون، خلال جلسة للنقاش مع رواد أعمال شباب عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وخلال جلوسه إلى جوار الرئيس الكيني وليام روتو: إن إفريقيا وفرنسا شريكان متساويان لديهما أهداف مشتركة”، ولفت إلى أن “هناك كثيرًا من الحلول صنعت في الولايات المتحدة أو الصين، وأعتقد أن علينا خوض معركة مشتركة، قائمة على استقلالنا الإستراتيجي بالنسبة لأوروبا وإفريقيا، وإذا بنينا على ذلك معًا، فإننا سنكون أقوى بكثير (مما نحن عليه الآن)”.

وتم الإعلان عن صفقات بقيمة 850 مليون يورو خلال لقاء ماكرون بروتو، بما في ذلك خطط من قبل مجموعة CMA CGM الفرنسية للشحن باستثمار 700 مليون يورو لتحديث أحد أرصفة ميناء ممباسا في كينيا.
إعادة القِطَع المنهوبة:
كما تناول ماكرون مسألة إعادة القِطَع الفنية والأثرية الإفريقية المنهوبة خلال العهد الاستعماري، والتي يملك الكثير منها مؤسسات وأفراد فرنسيون. وفي العام 2017، خلال كلمة له في بوركينا فاسو، تعهَّد ماكرون بتيسير إعادة القِطَع المسروقة في غضون خمسة أعوام. وكان البرلمان الفرنسي قد مرَّر في الأسبوع الماضي قانونًا يسمح للحكومة بإعادة قِطَع فنية دون اللجوء لتمرير قوانين مفردة لكل قطعة فنية.
وقال ماكرون في 11 مايو: “أوقن أننا قد شيَّدنا أمرًا لا يمكن التراجع عنه أو إيقافه”، وانتقد ماكرون مناوئي القانون، مؤكدًا أن الأمر يتعلق بـ”الندم”، وقال: “حتى لو وصل أحد للسلطة في فرنسا، وكان يريد التراجع عن مثل هذه الخطوات، فلا أعتقد أنهم سينجحون في ذلك”.
فرنسا تُواجه مخاوف إقليمية إفريقية([2]) :
بات دور غرب إفريقيا في الانخراط الدبلوماسي العالمي تحت الاهتمام المتجدد مع قدرة التحالفات السياسية في الساحل على إعادة تشكيل العلاقات بين العديد من الدول الإفريقية والشركاء الخارجيين بمن فيهم فرنسا.
وقد ظهرت تلك المسألة خلال قمة “إفريقيا إلى الأمام” التي شارك فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (في نيروبي 11- 12 مايو الجاري)؛ إذ ثارت تساؤلات حول غياب عدد من قادة دول غرب إفريقية على نحو يؤشر لخفض التمثيل الإقليمي في المناقشات رفيعة المستوى.
وبدوره رفض ماكرون قبول فكرة تهميش فرنسا لغرب إفريقيا (في القمة) قائلًا: إن الإقليم لا يزال محوريًّا في مقاربة فرنسا الدبلوماسية الجارية، وأشار إلى وجود قادة من دول مثل السنغال، وكوت ديفوار، والجابون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب الدول الأخرى المشاركة في القمة.

على أيّ حال فقد أقرَّ ماكرون بأنه لم يتم شمول ثلاث دول من دول الساحل رسميًّا في النقاشات “بسبب عمليات استيلاء الجيش على السلطة؛ مما أخلّ بالحُكم الدستوري بها. وذكر أن هذه التطورات قد أثَّرت أيضًا على موقفها داخل أُطُر إقليمية مثل إيكواس التي تبنَّت موقفًا حازمًا نحو التغيير غير الدستوري للحكومات.
فرنسا تدافع عن إستراتيجية الشمول وسط الاستبعاد السياسي لدول الساحل:
أكَّد ماكرون أن غرب إفريقيا ككل تظل منخرطة في الحوار، مؤكدًا أن المشاركة تتجاوز الحكومات لتشمل فاعلين اجتماعيين أكبر. وأكَّد على شمول أصوات المجتمع المدني من دول الساحل بما فيها مثقفون وفنانون ورُوّاد أعمال وأكاديميون، وكذلك من دول تخضع للحكم العسكري حاليًّا. ووفقًا لماكرون فإن ذلك يعكس التزام فرنسا المستمر بالتعامل مع الأفراد بالرغم من الاختلافات السياسية مع السلطات الحاكمة.
وقال ماكرون: “يمكننا الاختلاف مع بعض تلك الحكومات، لكننا لا نختلف أبدًا مع الشعوب”، مؤكدًا أن إستراتيجية فرنسا هي الحفاظ على الصلات مع مواطني مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ويُبرز هذا السجال التعقيد المستمر في علاقة فرنسا بغرب إفريقيا؛ حيث تُعيد الانقلابات والشكوك الإقليمية، والتحالفات المتغيرة، تشكيل الديناميات الدبلوماسية القائمة لفترة طويلة.
ماكرون يدعو لشراكة تقنية إفريقية-أوروبية([3]):
افتتحت قمة “إفريقيا إلى الأمام” أعمالها في نيروبي بدعوة الرئيس الفرنسي ماكرون لتعاون أعمق بين إفريقيا في مجالات التكنولوجيا والطاقة والابتكار، ورأى أن القارتين تواجهان تحديات لخفض التبعية التكنولوجية للقوى العالمية الكبرى. وقال: إنه يجب على إفريقيا وأوروبا التحرك لما بعد العلاقات التقليدية القائمة على المعونات، وأن تنتهج بدلًا من ذلك شراكات مساوية قائمة على الاستثمار والتعليم والتقدم التكنولوجي.
وقال ماكرون: إن إفريقيا آخِذَة في النجاح، وهي أكثر قارات العالم شبابًا وصاحبة أعلى معدل نمو في العالم. وأن كل ما تحتاجه إفريقيا استثمارًا يكون أكثر سيادية “ونريد أن نكون شركاء على مستوى واحد”. وقال الزعيم الفرنسي: إن التعاون (الأوروبي-الإفريقي) سيضع أولوية للعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الرقمية، وبرامج التدريب المدفوعة بالابتكار للشباب في أرجاء القارة.

ولفت ماكرون إلى وجوب “تدريب المزيد من الشباب مع وفرة الاستثمارات من أجل بناء قدرات STEM والذكاء الاصطناعي، والشراكة مع أفضل الجامعات، وتعليم المزيد من المواهب من أجل ضمان أن يكون الشباب صغير السن مُدرَّبًا هنا، حتى يساعد على تطوير القارة. وقال الرئيس وليام روتو: إن إدارته وضعت أولوية لتغيير نظام التعليم ليُعِدّ الفرص للمواهب الشّابّة الطموحة.
وأكد روتو “لقد كان ثمة زمن كان فيه التعليم رهنًا بالأكاديميات، وما تحفظونه وما يمكنكم ترديده وما يمكنكم فِعْله. أما اليوم فإننا نُغيِّر ذلك التعليم ليكون أكثر تجريبية حتى تتحصلوا على قدر أكبر من المهارات ومزيد من الكفاءات، وهذا هو سبب أن 60% من تعليمنا يستهدف طلاب STEM ومقرراتهم التي ستشير لهؤلاء القادة الشباب بما يتحدثون عنه.
وقد تعاملت القمة التي حضرها أكثر من 30 قائدًا إفريقيًّا مع مسألة تحسين مخرجات التعليم، وتوسيع التدريب الفني والعلمي، وتقوية نُظُم الابتكار وخلق فرص العمل لشباب إفريقيا الذين تزداد أعدادهم بشكل متسارع للغاية.
كما شهدت افتتاح مجمع هندسي وعلمي جديد بجامعة نيروبي، تم تطويره عبر تعاون كيني-فرنسي، ووصفه القادة الحاضرون بالاستثمار التحويلي في قوة العمل المستقبلية في إفريقيا.
………………………………………………………………………………
[1] Macron champions African investment, backs restitution of colonial artefacts, RFI, May 11, 2026 https://www.rfi.fr/en/africa/20260511-macron-champions-african-investment-backs-restitution-of-colonial-artefacts
[2] Solomon Ekanem, France faces regional backlash concerns as Macron defends West Africa participation at summit, African Business Insider, May 11, 2026 https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/france-faces-regional-backlash-concerns-as-macron-defends-west-africa-participation/zl355s2











































