ليس مدهشًا أن تُجرَى الانتخابات في أغلب دول إفريقيا، بعد نحو سبعة عقود من الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي، في سياقات منخفضة التنافسية وتوقعات حسم معروفة سلفًا؛ بحيث بات صوت الناخب الإفريقي إمّا مُوجَّهًا بشبكة من مصالح والتزامات “الحزب الحاكم”، أو عُرضة للتزوير والتصويب بعد عملية الاقتراع.
لكنّ المدهش في السياق الحالي، وبصورة بالغة التناقض، أن تتجسَّد هذه الحالة من خلال موت السياسة والحجر على صوت الناخب الإفريقي في جمهورية إثيوبيا الفيدرالية بعد ثمانية أعوام كاملة من وصول رئيس الوزراء “آبي أحمد” لقيادة بلاده وتعهداته -لا سيما بعد تتويج مساعيه غير المكتملة بجائزة نوبل للسلام-، بإطلاق نظام ديمقراطي في إثيوبيا يُعيدها إلى قيادة القارة الإفريقية سياسيًّا، ويُعزّز مكانتها كدولة “نموذج” لبقية دول القارة ثقافيًّا وسياسيًّا ودينيًّا.
تنطلق الانتخابات العامة المقبلة (مطلع يونيو 2026م) دون وجود أيّ تنافس سياسي يُذْكَر مع هيمنة حزب الازدهار الحاكم، والذي لا يتبنَّى برنامجًا حزبيًّا أو أيديولوجيًّا واضحًا سوى ما يُصرّح به رئيس الوزراء نفسه من حينٍ لآخر سواء في كتاب “بلاغي” ركيك، أم في مواقف أزمة تهدّد البلاد ونظامه السياسي، أم عقب إبادته عشرات الآلاف من بني وطنه؛ كما في حربه في إقليم التيجراي.
ومع غلبة توقّع فوز الحزب الحاكم، الذي أسَّسه “آبي أحمد”، ويستمر في رئاسته، فإن الانتخابات نفسها قد تمثل نقطة فاصلة في إدارة رئيس الوزراء الحالي بحيث تطلق يده تمامًا في أبنية السلطة في أديس أبابا وفي الأقاليم الإثيوبية المختلفة، ومِن ثَم تُتيح له انتهاج سياسات إقليمية أكثر عدائية وافتئاتًا على دول جواره التي تعاني بالأساس من أزمات مختلفة لأسباب عدة؛ من بينها: عمق التدخل الإثيوبي فيها، وتبني أديس أبابا سياسات الحق الدائم، والاستباقي، في الانتقاص من سيادة تلك الدول تحت غطاء من ادعاءات دعم الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية ومحاربة الإرهاب.
انتخابات يونيو 2026: مفترق طريق؟
يدخل حزب الازدهار الحاكم انتخابات 1 يونيو مُعوِّلًا على نتيجة حاسمة في الانتخابات الأخيرة (2021م)؛ حيث فاز فيها بـ485 مقعدًا من إجمالي 502 مقعد تم التنافس عليها حينذاك (بنسبة 96.7%)، وتوقعات تكرار هذه النتيجة رغم تغيُّر الظروف بشكل كبير (وقوع حرب التيجراي التي خلَّفت أكثر من 600 ألف قتيل)، فيما تستمر نفس السياسات الاستبدادية لحكومة “آبي أحمد”، وأبرزها التضييق على المعارضة واضطهاد قادتها بشكل منهجي، بالرغم من تعهداته السابقة بالسماح بمجال سياسي ديمقراطي([1]).
كما يُضاف إلى هذا الوضع السياسي المضطرب ضربة اقتصادية مؤلمة ضربت نظام “آبي أحمد” الذي أعطى أولوية لتحقيق تحرُّر اقتصادي تدريجي للاقتصاد الإثيوبي المثقل بسيطرة تقليدية للدولة؛ أملًا في جذب مزيد من الاستثمارات وتحقيق نمو اقتصادي كبير في العام الجاري 2026. لكن اعتماد إثيوبيا المفرط على واردات البترول (والدعم الإماراتي الكبير سواء للموازنة أم للدعم العسكري والأمني الإقليمي)؛ قاد إلى واحدة من أخطر الضربات للاقتصاد الإثيوبي في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران.
وعلى سبيل المثال، فإن إقليمي أوروميا وأمهرا واجَها تهديدات سياسية مستمرة منذ وصول “آبي أحمد” للحكم، وزادت تلك التهديدات بعد قيام حزب الازدهار وصدامه مع البنى السياسية في الإقليمين؛ وتم إلغاء 30 دائرة انتخابية من إجمالي 137 دائرة في إقليم أمهرا وحده، كما حذّرت جماعة فانو المسلحة في الإقليم الناخبين (في مارس 2026م) من أنها ستَعتبر أيّ ناخب يشارك في التصويت “متواطئًا ويستحق الهجوم عليه”.
وبحسب مراقبين؛ فإنه بالرغم من وجود نحو 500 ألف جندي فيدرالي ونحو 30 ألف شرطي في الإقليم؛ فإن فرص الفوضى تظل قائمة. فيما أكدت هيئة الانتخابات الوطنية في وقتٍ سابق أن التصويت لن يجري في إقليم التيجراي؛ حيث لا يزال مليون فرد يعاني من التشرد الداخلي جراء الحرب الأهلية.
وكان شهر أبريل الفائت (2026م)([2]) قد شهد انخراط قوات الدفاع الوطنية الإثيوبية (ENDF) في العديد من مناطق الصراع المحلي في أقاليم إثيوبية مختلفة يمكن رصدها على النحو التالي: المناطق الغربية والوسطى والجنوبية في إقليم أوروميا ضد “جيش تحرير أوروميا” المعارض لنظام “آبي أحمد”؛ وأجزاء من شمالي شوا وجنوبي قندر وولو، والمناطق المنخفضة الغربية في إقليم أمهرا، وضد قوات “فانو” هناك؛ وفي إقليم بني شنقول-قمز ضد العديد من الجماعات الإثنية هناك. إضافة إلى تصنيف 2.7 مليون مواطن إثيوبي (وفق تقديرات مركز مراقبة التشرد الداخليInternal Displacement Monitoring Centre (IDMC) ) في فئة التشرد الداخلي، مما يجعل الأزمة واحدة من أكبر أزمات التشرد الداخلي في إفريقيا وفي العالم.
على أيّ حال؛ فإن الاستعدادات تجري على قدم وساق لعقد هذه الانتخابات في حوالي 49 ألف مركز اقتراع، وبموازنة بقيمة 64 مليون دولار (10 بليون بير). ويمكن أن تمثل نتائج الانتخابات، المتوقع أن يحسمها “آبي أحمد” وحزب الازدهار الحاكم، مفترق طريق أمام النظام الفيدرالي الإثيوبي بأكمله حال رفض قوى المعارضة الإثيوبية –المتوقع أيضًا- مثل تلك النتائج، والتعبير عن هذا الرفض بخطوات على الأرض.
إثيوبيا بعد الانتخابات: سيناريوهات متوقعة
يُلاحظ في الأيام الأخيرة قبل انطلاق سباق الانتخابات الإثيوبية وجود عاملين مهمين للغاية:
أولهما: غياب معارضة سياسية قوية بسبب إجراءات قيام حزب الازدهار بسجن شخصيات في المعارضة، ومنها قادتها بتُهَم مختلفة، وتعميق آليات تجسُّس الدولة على المواطنين، ثم تهديدهم لاحقًا ونشر مشاعر الخوف في وسطهم، ومِن ثَم عزوفهم عن “المشاركة السياسية”.
أما العامل الثاني: فيتمثل في التضييق “المؤسساتي” للفضاء السياسي في إثيوبيا عبر فرض حزمة من القوانين التقييدية (بحجج مختلفة بطبيعة الحال)؛ مثل الأطر القانونية “لمحاربة الإرهاب”، وقوانين الجرائم السيبرانية، واستخدام هذه الأُطُر بشكل مباشر في “تنظيم الخطاب السياسي” على نحوٍ يُعيد تشكيل المجتمع المدني وفق رؤية نظام حزب الازدهار([3]).
ويمكن القول، إجمالًا: إن الانتخابات العامة الإثيوبية المرتقبة بعد أقل من شهر ستمثل اختبارًا حقيقيًّا لشرعية نظام “آبي أحمد” وقدرته مستقبلًا على قيادة البلاد في خِضَم توتر داخلي مستحكم، ومتوقع تصعيده، وبيئة إقليمية مضطربة للغاية، مضافًا لها خيارات “آبي أحمد” الصدامية مع عددٍ من دول جواره (إريتريا والصومال والسودان وجيبوتي)، لكن لا يعني ذلك سياق المقال الحالي.
يرجح أغلب المراقبين([4]) سيناريوهين اثنين لا ثالث لهما ربما، وهما على النحو التالي:
1-نجاح حزب الازدهار في الفوز الكاسح بالانتخابات وتثبيت دعائم نظام “آبي أحمد” (الذي يفتقر في واقع الأمر لقواعد سياسية حقيقية في أغلب الأقاليم الإثيوبية، لا سيما أوروميا وأمهرا والتيجراي بطبيعة الحال)؛ ويتوقع استمرار حالة عدم الاستقرار والتشظي التي تعاني منها البلاد، مصحوبةً بعنف من منخفض لمتوسط على مدى الأعوام القليلة المقبلة.
وبينما يُتوقع إجراء الانتخابات بسلاسة نسبية في عدد قليل من الأقاليم؛ فإن الوضع في إقليمي أمهرا وعفر أكثر هشاشة (فيما يتعلق بالعملية الانتخابية)، كما تمثل المعارضة رقمًا صعبًا أمام حزب الازدهار في إقليم أوروميا. ويتوقع استمرار خطر اندلاع صدامات مسلحة، بل والانقسام، وإن ارتبط كل ذلك بتصور الإثيوبيين في الأقاليم المختلفة لحزب الازدهار ومدى قناعتهم بالابتعاد شيئًا فشيئًا عن الأشكال السياسية القائمة على الإثنية والإقليمية في التمثيل السياسي، ومدى قبول قيام حزب الازدهار بمثل هذه العملية. ويتوقع هذا السيناريو استمرار التوتر في شرق إفريقيا (الذي تضطلع فيه إثيوبيا بدور بارز بحسب أغلب المراقبين الغربيين والأفارقة)، مع استبعاد وقوع حرب بين إثيوبيا ودول الإقليم، وأن تُشكّل الأزمة في شمالي إثيوبيا (إقليما التيجراي والأمهرا)، فرصة مثالية لمواجهةٍ بالوكالة، مع فرص اندلاع حرب مباشرة بين إريتريا وإثيوبيا.
2-أما السيناريو الثاني، والذي لا يتوقف كثيرًا على فوز حزب الازدهار بالانتخابات من عدمه، فإنه أقل ترجيحًا، ويتوقع وجود توتر في عملية الانتخابات، وأن العنف المحلي والمستمر سيزيد من مخاطر تفشّيه على نطاق إقليمي على المدى المتوسط.
ويمكن أن يقود ذلك إلى زعزعة استقرار التوازن الهشّ بالفعل بين قطبين في حالة التوتر الدائم الراهنة وهما: الاستقلال الذاتي على المستوى الإقليمي، والمركزية السياسية. وإن أيّ تغيُّر كبير في شكل الدولة الإثيوبية سيخلق، بالتالي، تحفظات إقليمية أوسع على المديين المتوسط والطويل، مع تغيير دول الجوار لإستراتيجياتها تجاه تغيير البيئة السياسية والأمنية.
وقد لخَّص الباحث الإثيوبي الشاب جيليتات ت. بيرسيو Geletat T. Berisso ([5]) الموقف الراهن لإثيوبيا؛ بأن بلاده ليست بحاجة لأسطورة وطنية جديدة (كما يسعى “آبي أحمد” جاهدًا)، سواء إمبريالية لهجةً أم ديمقراطية ترادفًا. كما أنها ليست بحاجة لذاكرة متطهرة. بل إنها بحاجة إلى سياسة أكثر نُضجًا: أي سياسة قادرة على مواجهة الماضي دون تقديس أو إنكار، سياسة عازمة على الاعتراف بأن مشاركة التجربة التاريخية تمَّت على نحوٍ غير عادل، وسياسة مستعدة لبناء مؤسسات قادرة على تحمُّل الاختلاف دون الوقوع في أَسْر الهيمنة.
لكن لا يبدو أن “آبي أحمد” -كما هو حال كثير من المستبدين في القارة السمراء-، قادر على فَهْم واستيعاب مثل هذه الدعوة الإثيوبية الشابة المخلصة، والمحبّة؛ لا سيما أن أوهام الإمبراطورية قد نضجت وتوطنت في عقله منذ نعومة أظفاره؛ الأمر الذي يمكن النظر له كسلوك طبيعي وفق مقتضيات “الدليل الذكي” الذي سار عليه أغلب السياسيين الأفارقة وسياساتهم؛ أي: تجاهل الأصوات “الوطنية” والشابة المخلصة، لصالح تبنّي رؤى “شخصية” للحكم تقوم في المقام الأول على ضمان ارتباطات خارجية داعمة، وشبكات مصالح محلية مستفيدة، وتحت لافتة شعارات وطنية “صفرية” أو إقصائية في أفضل حالاتها.
………………………………
[1] AFP, Ethiopia heads for one of ‘least competitive’ elections, Citizen Digital, May 1, 2026 https://citizen.digital/article/ethiopia-heads-for-one-of-least-competitive-elections-n381851
[2] Surafel Getahun, Why Ethiopia’s Coming June Election Is a Facade And How It Deepens Peace and Security Crisis from Tigray to Oromia to Amhara, Borkena, May 2, 2026 https://borkena.com/2026/05/02/how-ethiopias-coming-election-deepens-peace-and-security-crisis/
[3] George L. The Search for Legitimacy: Ethiopia’s Upcoming Election, Borkena, April 27, 2026 https://borkena.com/2026/04/27/the-search-for-legitimacy-ethiopias-upcoming-election/
[4] Teresa Nogueira Pinto, Ethiopia’s political rifts to persist after elections, Geopolitical Intelligence Services , April 28, 2026 https://www.gisreportsonline.com/r/ethiopia-rifts-to-persist/
[5] Geletat T. Berisso, Ethiopia Does Not Need a Golden Past – It Needs an Honest Future, African Arguments, May 2, 2026 https://africanarguments.org/2026/05/ethiopia-does-not-need-a-golden-past-it-needs-an-honest-future/










































