تعود الأزمة في إقليم تيغراي إلى واجهة المشهد السياسي في إثيوبيا في مرحلةٍ تبدو فيها البلاد وكأنها خرجت من حرب طويلة أنهكت بنيتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما ظلت تداعياتها حاضرة داخل بنية الدولة. فالاتفاق الذي جرى التوصل إليه في بريتوريا برعاية إفريقية، والذي طُرح باعتباره خاتمة للحرب الأهلية بين الحكومة الاتحادية وجبهة تحرير شعب تيغراي، أفرز حالة تهدئة مؤقتة سرعان ما واجهت تحديات بنيوية أعادت إنتاج التوتر داخل الإقليم.
ويكتسب إعلان الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي توجهها نحو استعادة موقعها السياسي والإداري داخل الإقليم دلالات تتجاوز حدود الحدث، ليعكس مؤشرات على عودة التنافس السياسي إلى واجهة المعادلة الإثيوبية، وعلى هشاشة الترتيبات التي أعقبت توقيع اتفاق السلام. ويكشف الواقع القائم عن فجوة واضحة بين الالتزامات السياسية الواردة في الاتفاق، وبين مسار التنفيذ على الأرض، خصوصاً فيما يتعلق بملفات تقاسم السلطة، وإعادة الإعمار، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وهي ملفات ما تزال تُمثل نقاطاً جوهرية في بنية الأزمة.
وتتضاعف حساسية هذا المسار في ضوء الطبيعة الهيكلية للدولة الإثيوبية، القائمة على توازنات إثنية وقومية معقدة تجعل من أي اضطراب في أحد أقاليمها الكبرى عامل ضغط مباشر على الاستقرار العام للدولة. ومن هذا المنظور، تتقاطع أزمة تيغراي مع إشكاليةٍ أوسع تتصل بقدرة المركز على إدارة التعدد الداخلي، وبمدى نجاح المشروع السياسي الإثيوبي في بناء عقد وطني يوازن بين تطلعات المكونات المحلية ومتطلبات الوحدة.
وعلى هذا الأساس، تبرز إشكالية تحليلية مركزية تتعلق بمدى قدرة الدولة على احتواء التوترات المتجددة داخل بنيتها، أو اتجاهها نحو إعادة تشكيل موازين القوة الداخلية بصيغة أكثر تعقيداً. وتمتد هذه الإشكالية لتشمل مستقبل النموذج السياسي الإثيوبي برمته، في ظل بيئة إقليمية متحركة في القرن الإفريقي، تضيف طبقات جديدة من التعقيد على المشهد وتعيد رسم حدود تأثيره الإقليمي.
ويناقش المقال ذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: جذور الأزمة الإثيوبية وبنية الدولة الهشة.
ثانياً: اتفاق بريتوريا – تسوية مؤجلة أم هدنة تكتيكية؟.
ثالثاً: ديناميات الانهيار الجديد في تيغراي.
رابعاً: حدود الدولة الإثيوبية في إدارة الأطراف.
خامساً: البعد الإقليمي والدولي للأزمة.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية.
أولاً: جذور الأزمة الإثيوبية وبنية الدولة الهشة:
يرتبط تصاعد التوتر في إقليم تيغراي بالبنية التاريخية للدولة الإثيوبية، التي تشكّلت في سياق تعدد قومي وإثني وديني واسع، في ظل غياب إطار اندماج وطني قادر على استيعاب هذا التنوع ضمن صيغة مستقرة. ومع اعتماد النظام الفيدرالي الإثني منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، جرى تنظيم الدولة على أساس وحدات إقليمية ذات طابع هوياتي، وهو ما منح الأقاليم سلطات سياسية وأمنية واسعة. وتوضح دراساتٌ تحليلية أن هذا النموذج أسهم في تعزيز الهويات الفرعية وترسيخ مطالب الحكم الذاتي، وهو ما انعكس في تصاعد التنافس بين المركز والأقاليم[1].
في هذا السياق، أدت الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية دوراً مركزياً في إدارة الدولة منذ عام 1991م، حيث قامت على تحالف إثني قادته جبهة تحرير شعب تيغراي، مع نفوذ واضح داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. وتشير تحليلاتٌ متخصصة إلى أن هذا النمط من الحكم اعتمد على توازنات دقيقة بين المكونات، مع استمرار مركزية القرار داخل النخبة الحاكمة، وهو ما ساهم في تراكم التوترات بين الفاعلين السياسيين[2].
مع وصول آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018م، اتجهت القيادة السياسية نحو إعادة تشكيل بنية السلطة، عبر تقليص نفوذ النخبة السابقة وتعزيز دور الحكومة المركزية. وقد أدت هذه التحولات إلى تصاعد التنافس بين الفاعلين السياسيين، خاصةً في ظل غياب توافق شامل حول طبيعة الإصلاحات. وتوضح بيانات متابعة النزاعات أن هذه المرحلة شهدت تزايد الاحتكاك بين المركز والأقاليم، مع انتقال التوتر من المجال السياسي إلى الأمني[3].
وقد انعكس ذلك في تفكك التوازنات التي كانت تنظّم العلاقة بين المركز والأقاليم، مما أدى إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة في إقليم تيغراي خلال الفترة (2020–2022م). وتوضح تقارير تحليلية مفصلة أن الصراع اتسم بطابع معقد وطويل، نتيجة تداخل العوامل السياسية والعسكرية، إلى جانب قدرة القوى المحلية على الاستمرار في القتال ضمن بيئة إقليمية متشابكة[4].
كما تشير التقديرات الحديثة إلى استمرار حالة التوتر، مع وجود مؤشرات على قابلية تجدد المواجهات في شمال إثيوبيا، في ظل تحركات عسكرية وتباينات سياسية بين الأطراف المختلفة. وتبرز بيانات متابعة النزاعات أن البيئة السياسية لا تزال عرضة للتصعيد نتيجة غياب تسوية مستقرة تعالج جذور الخلاف[5].
تشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة الإثيوبية ترتبط بطبيعة العقد السياسي الذي تشكّل بعد عام 1991م، حيث أسهمت الفيدرالية الإثنية في إعادة إنتاج الهويات القومية ضمن إطار تنافسي. وقد أدى ذلك إلى بروز تصورات متباينة حول الشرعية والتمثيل، مع اختلاف رؤى الأقاليم لدورها داخل الدولة. وفي هذا الإطار، تعكس الأزمة خللاً بنيوياً في طبيعة الدولة، يرتبط بآليات إدارة التنوع وتوزيع السلطة، وهو ما يفسر استمرار التوتر وإعادة إنتاج الصراعات خلال مراحل التحول السياسي.
ثانياً: اتفاق بريتوريا – تسوية مؤجلة أم هدنة تكتيكية؟:
جاء اتفاق بريتوريا بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي بوصفه إطاراً لإنهاء الحرب في شمال إثيوبيا، عبر وقف العمليات القتالية وفتح مسار سياسي جديد. غير أن تحليل بنود الاتفاق يشير إلى أنه ركّز على الترتيبات الأمنية وإدارة وقف إطلاق النار أكثر من معالجة جذور الأزمة السياسية داخل الدولة.
نص الاتفاق على وقف شامل للأعمال القتالية، ونزع تدريجي لسلاح قوات تيغراي، وإعادة الخدمات الأساسية، إضافةً إلى ترتيبات إدارية انتقالية لإدارة الإقليم. وتشير تقارير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن هذا الاتفاق صُمّم كآلية لوقف الحرب دون معالجة بنيوية شاملة للنزاع السياسي في إثيوبيا[6].
وفي السياق الإنساني، أوضحت الأمم المتحدة أن مرحلة ما بعد الاتفاق شهدت استمرار تحديات كبيرة تتعلق بإعادة الخدمات الأساسية وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالنزاع[7].
كما يبرز ملف العدالة الانتقالية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، حيث ظل خارج التفاصيل التنفيذية المباشرة للاتفاق. وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى استمرار تداعيات الانتهاكات المرتبطة بالحرب وتأثيرها على الاستقرار السياسي في البلاد[8].
وفي الإطار السياسي العام، يوضح تحليل تشاتام هاوس أن غياب توافق شامل حول شكل النظام الفيدرالي في إثيوبيا ساهم في تعقيد مرحلة ما بعد الاتفاق، وأضعف فرص الانتقال السياسي المستقر[9].
كما يشير تقرير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن النزاع في شمال إثيوبيا بقي قابلاً للتجدد نتيجة استمرار الخلافات حول تنفيذ بنود الاتفاق، خصوصاً في الجوانب الأمنية والإدارية[10].
ومع مرور الوقت، تحولت بنود الاتفاق إلى مساحة خلاف سياسي، حيث تبادلت الأطراف اتهامات بشأن الالتزام بالإجراءات المتعلقة بإعادة الخدمات وإعادة الانتشار العسكري وإدارة المؤسسات المحلية. هذا التباين أسهم في استمرار حالة عدم اليقين السياسي.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن اتفاق بريتوريا نجح في وقف الحرب في مرحلتها الأكثر عنفاً، بينما بقيت القضايا البنيوية للصراع دون معالجة شاملة، وهو ما يجعل الاستقرار في شمال إثيوبيا مرتبطاً بقدرة الأطراف على الانتقال من الترتيبات الأمنية إلى تسوية سياسية مستدامة.
ثالثاً: ديناميات الانهيار الجديد في تيغراي:
تشير التطورات في إقليم تيغراي إلى أن مرحلة ما بعد اتفاق بريتوريا دخلت في سياق يتسم بتزايد التباينات بين الفاعلين المحليين والحكومة الفيدرالية، إضافةً إلى استمرار التنافس الداخلي داخل القوى السياسية في الإقليم. وقد انعكس ذلك على طبيعة الإدارة الانتقالية، التي واجهت تحديات مرتبطة بالشرعية السياسية وآليات التنفيذ[11].
وتبرز مسألة السلطة في الإقليم كأحد أهم محاور التوتر، حيث تتباين المواقف بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الفيدرالية بشأن إدارة المرحلة الانتقالية. وتشير تقارير حديثة إلى أن الانقسام السياسي داخل الإقليم نفسه ساهم في تعقيد المشهد بعد اتفاق بريتوريا، خصوصاً مع تصاعد الخلافات حول إدارة المؤسسات المحلية[12].
وفي تطور لافت، أظهرت التقارير أن بعض الفصائل السياسية في تيغراي أعلنت خطوات اعتُبرت تراجعاً عن ترتيبات ما بعد الاتفاق، ما أثار مخاوف من تجدد التوتر. فقد ذكرت رويترز أن قيادة سياسية في تيغراي أعلنت إعادة تفعيل مؤسسات ما قبل الحرب، وهو ما اعتُبر مؤشراً على اهتزاز مسار الاتفاق[13].
كما أن الوضع الأمني في الإقليم ما زال مرتبطاً بملفات حساسة، مثل دمج القوات المسلحة وإعادة تنظيمها ضمن إطار وطني. وتشير التحليلات إلى أن بطء تنفيذ هذه العملية ساهم في استمرار حالة عدم الاستقرار، مع بقاء المخاوف من عودة الاحتكاك العسكري في بعض المناطق[14].
وفي السياق السياسي الأوسع، تؤكد تحليلات تشاتام هاوس أن اتفاق بريتوريا نجح في إنهاء الحرب المباشرة، لكنه ترك قضايا بنيوية دون معالجة، ما جعل مرحلة ما بعد الحرب عرضةً لتجدد التوترات السياسية والإقليمية[15].
كما تظهر التقارير الإخبارية أن التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقيادات الإقليم ارتبط أيضاً بقضايا التمويل والخدمات العامة، وهو ما جعل الملف الاقتصادي جزءاً من الصراع السياسي بين الأطراف، وقد أدى ذلك إلى زيادة الضغط على الإدارة الانتقالية في تنفيذ مهامها.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الوضع في تيغراي لا يزال يتحرك ضمن نطاق هش، حيث تتقاطع الخلافات السياسية مع التحديات الأمنية والاقتصادية، ما يجعل استقرار الإقليم مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على إعادة بناء الثقة وتنفيذ ترتيبات ما بعد الحرب بشكل متوازن.
وعليه؛ فإن ما يجري في تيغراي يعكس أزمة انتقال سياسي معقدة، حيث لم يتحول اتفاق بريتوريا بعد إلى إطار مستقر للحكم، وهذا ما يجعل احتمالات التوتر قائمةً ضمن مسار سياسي غير مكتمل.
رابعاً: حدود الدولة الإثيوبية في إدارة الأطراف:
تكشف الأزمة المتجددة في تيغراي عن إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الدولة الإثيوبية على إدارة تنوعها الداخلي ضمن إطار سياسي مستقر، إذ تبدو الدولة في صورتها الحالية أقرب إلى كيان مركّب من مراكز قوة متنافسة منها إلى دولة مركزية قادرة على فرض نموذج حكم موحد.
ومنذ التحول السياسي الذي أعقب عام 2018م، دخلت إثيوبيا مرحلة إعادة تشكيل عميقة لمعادلات السلطة، غير أن هذا التحول ترافق مع تصاعد التوترات بين المركز والأقاليم، خصوصاً في إقليم تيغراي الذي شهد انفجاراً واسعاً للصراع المسلح[16].
فالتجربة الإثيوبية في إدارة التعدد الإثني والقومي، رغم ما حملته من وعود في مرحلة ما بعد التسعينيات، اصطدمت تدريجياً بواقع سياسي أكثر تعقيداً من التصورات التي قامت عليها الفيدرالية الإثنية، حيث تحولت الأقاليم إلى فاعلين سياسيين داخل بنية الدولة[17].
وفي هذا السياق، لم يتمكن المركز من بناء صيغة توازن دائمة بين متطلبات الوحدة الوطنية وتطلعات الفاعلين المحليين، الأمر الذي جعل العلاقة بين الطرفين محكومة بمنطق الشك المتبادل أكثر من منطق الشراكة السياسية، خاصةً في ظل تراكم الخلافات حول السلطة وإدارة الموارد.
وتعكس هذه الإشكالية أزمة بنيوية في مفهوم الدولة ذاته داخل السياق الإثيوبي، حيث تتداخل مستويات متعددة من الشرعية بين المركز والأقاليم، ما جعل بناء هوية وطنية جامعة عملية شديدة التعقيد.
كما أن أحد أبرز مظاهر هذا العجز يتمثل في إشكالية احتكار العنف المشروع، إذ لم تعد الدولة هي الجهة الوحيدة القادرة على تنظيم القوة داخل حدودها، في ظل وجود تشكيلات مسلحة إقليمية وقوات محلية تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة.
هذا الواقع أسهم في خلق بيئة أمنية هشة، حيث يمكن لأي تصعيد سياسي أن يتحول سريعاً إلى مواجهة مسلحة، كما أظهرت تطورات الحرب في تيغراي التي عكست حدود قدرة المركز على فرض السيطرة بالقوة وحدها[18].
وفي المقابل؛ فإن محاولات الدولة إعادة فرض سلطتها عبر أدوات سياسية أو أمنية لم تنجح في معالجة جذور الأزمة، وإنما أدت إلى تعميق الانقسام الداخلي، نتيجة غياب رؤية شاملة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومكوناتها المحلية.
كما أن المقاربة التي اعتمدت على إدارة الأزمات بدل حلها، وعلى التهدئة المؤقتة بدل التسويات الدائمة، جعلت من الاستقرار حالة غير مستقرة وقابلة للتغير مع أي تحول في موازين القوة الداخلية.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الدولة الإثيوبية تواجه حدوداً واضحة في قدرتها على إدارة أطرافها، بسبب طبيعة البنية الفيدرالية نفسها التي لم تتحول إلى مشروع وطني جامع، وهو ما يجعل مستقبل التوازن الداخلي مفتوحاً على احتمالات متعددة.
خامساً: البعد الإقليمي والدولي للأزمة:
يتصل مسار تطورات الأزمة في تيغراي بالسياق الإقليمي الأوسع في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الداخلي في إثيوبيا مع شبكة واسعة من التفاعلات الجيوسياسية المرتبطة بدول الجوار والمجال الإستراتيجي للبحر الأحمر، بما يجعل تأثير الأزمة ممتداً خارج حدودها الوطنية[19].
وتبرز إريتريا كطرف رئيسي في معادلة الصراع، نتيجة التداخل التاريخي والحدودي مع إقليم تيغراي، إضافةً إلى الأبعاد الأمنية التي رافقت الحرب الأخيرة، وهو ما جعل العلاقة بين الطرفين جزءاً من تعقيدات المشهد الإقليمي في القرن الإفريقي[20].
كما يمتد أثر الأزمة إلى السودان والصومال من خلال تدفقات اللاجئين وتغير أنماط التوازن الحدودي، إلى جانب تأثيرات غير مباشرة على ترتيبات الأمن الإقليمي في المنطقة، وهو ما يعكس الترابط البنيوي بين دول القرن الإفريقي[21].
وعلى المستوى الدولي، تندرج الأزمة ضمن سياق تنافس جيوسياسي متصاعد على النفوذ في القرن الإفريقي، حيث تحظى إثيوبيا بموقع إستراتيجي مهم بوصفها أحد أكبر اقتصادات شرق إفريقيا وأكثرها تأثيراً في التوازنات السياسية الإقليمية[22]. ويشمل هذا التنافس مجالات متعددة، مثل الاستثمار في البنية التحتية، والتعاون الأمني، وإعادة تشكيل مسارات النفوذ الاقتصادي بين القوى الإقليمية والدولية، مما يجعل استقرار إثيوبيا عاملاً مؤثراً في التوازن الإقليمي الأوسع.
كما يرتبط الوضع في إثيوبيا بملف البحر الأحمر الذي يُمثل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة الدولية، الأمر الذي يرفع من مستوى الاهتمام الدولي بأي اضطراب في محيط القرن الإفريقي، نظراً لتأثيره المباشر في أمن الملاحة العالمية[23].
وبذلك؛ يتضح أن الأزمة في تيغراي تتجاوز نطاقها المحلي لتصبح جزءاً من منظومة إقليمية ودولية مترابطة، حيث تتداخل فيها اعتبارات الأمن والسياسة والاقتصاد ضمن بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية:
تفتح التطورات الأخيرة في إقليم تيغراي الباب أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة التي تعكس درجة عالية من عدم اليقين في مسار الدولة الإثيوبية خلال المرحلة المقبلة، حيث تتداخل العوامل السياسية والأمنية والإقليمية في تشكيل مستقبل معقد يصعب التنبؤ باتجاهاته النهائية.
السيناريو الأول: الاحتواء الهش واستمرار الوضع المجمّد:
يرجّح هذا السيناريو استمرار حالة الـ«لا حرب ولا سلم»، عبر بقاء اتفاق بريتوريا قائماً من حيث الشكل، مع استمرار التوترات السياسية والأمنية بشكل منخفض الحدة. في هذا الإطار، لا تنزلق البلاد إلى حرب شاملة، لكنها أيضاً لا تنجح في معالجة جذور الأزمة، ما يؤدي إلى إدارة دائمة للتوتر دون حلول نهائية. ويعتمد هذا المسار على استمرار الوساطات الإقليمية والدولية، وعلى قدرة الأطراف على تجنب الانفجار المباشر رغم غياب الثقة.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود وتآكل الاتفاق:
في هذا السيناريو، تتصاعد التوترات تدريجياً بين المركز وإقليم تيغراي، بما يؤدي إلى اندلاع اشتباكات متفرقة، وتراجع فعلي في الالتزام ببنود الاتفاق. ويعني ذلك دخول البلاد في مرحلة صراع منخفض الشدة، قد يمتد إلى أقاليم أخرى، خاصةً في ظل هشاشة البنية الأمنية وتعدد مراكز القوة. هذا المسار يُبقي الباب مفتوحاً أمام الحرب دون أن يصل إليها بشكل شامل.
السيناريو الثالث: الانفجار الشامل وإعادة إنتاج الحرب:
يُمثل هذا السيناريو الأخطر، حيث يؤدي انهيار كامل لمسار التسوية إلى عودة الحرب على نطاق واسع، مع إعادة تشكّل التحالفات العسكرية داخل البلاد، واحتمال امتداد الصراع إلى دول الجوار. ويُعدّ هذا المسار نتاجاً مباشراً لفشل إدارة التوازنات الداخلية، وتراجع الثقة بين الأطراف، وغياب أي إطار سياسي جامع قادر على ضبط التناقضات.
وفي ضوء هذه السيناريوهات، تبدو إثيوبيا أمام لحظة مفصلية، حيث يتوقف مستقبلها السياسي على قدرتها على تحويل التسويات المؤقتة إلى عقد سياسي مستدام، أو الانزلاق مجدداً إلى دائرة العنف المتكرر.
الخاتمة:
تكشف التطورات المتجددة في إقليم تيغراي أن الأزمة الإثيوبية تتجاوز حدود الحرب الأهلية التي انتهت باتفاق سياسي، لتشير إلى اختلالات بنيوية عميقة في بنية الدولة وقدرتها على إدارة التعدد الإثني والسياسي ضمن إطار مؤسسي مستقر. وتبرز الفجوة بين وقف العمليات العسكرية وتأسيس سلام مستدام، ما يجعل اتفاق بريتوريا محطة انتقالية في مسار طويل من إعادة التشكل السياسي.
كما تعكس المستجدات أن الدولة الإثيوبية ما تزال تعمل ضمن منطق إدارة الأزمات أكثر من التوجه نحو تسويتها، مع استمرار إعادة إنتاج ترتيبات سياسية مؤقتة قابلة للتآكل عند أي اختبار ضاغط. وفي ظل غياب عقد سياسي جامع يعيد تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، تتزايد احتمالات عودة التوتر بأشكال مختلفة في الشدة والمدى. وتُظهر التجربة أن الفيدرالية الإثنية، بصيغتها الحالية، تواجه تحديات في تحويل التنوع إلى مصدر استقرار، ما يُبقي المشهد السياسي مفتوحاً على سيناريوهات متعددة.
وعلى هذا الأساس، تتجاوز أزمة تيغراي نطاقها الجغرافي لتطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل النموذج الإثيوبي ذاته، في ظل الحاجة إلى إعادة صياغة عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين المكونات الداخلية على أُسس أكثر توازناً وشمولاً. كما أن استمرار حالة التوتر يعكس اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الحفاظ على وحدتها واستقرارها، ويضع منطقة القرن الإفريقي أمام معادلات أمنية وسياسية معقدة تتطلب مقاربات إقليمية ودولية أكثر تنسيقاً وفاعلية.
وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على تحويل التهدئة إلى مسار سياسي مستدام، يحد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات متجددة، ويؤسس لبيئة أكثر استقراراً في الإقليم. ويظل ذلك مرتبطاً بتطورات موازين القوى الداخلية وإرادة التسوية السياسية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] International Crisis Group, “Flare-up in Tigray Highlights Risk of More War in Northern Ethiopia”, International Crisis Group, 3 February 2026. at:
https://www.ecoi.net/en/document/2136850.html
[2] Simon Rynn and Ahmed Hassen, “Ethiopia: What Next?”, Royal United Services Institute (RUSI), 22 October 2021. at:
https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/ethiopia-what-next
[3] Council on Foreign Relations, “Conflict in Ethiopia”, Center for Preventive Action, Council on Foreign Relations, 18 February 2026. at:
https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/conflict-ethiopia
[4] International Crisis Group, “Ethiopia’s Tigray War: A Deadly, Dangerous Stalemate”, Crisis Group Africa Briefing No.171, 2 April 2021. at:
https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/b171-ethiopia-tigray-war_0.pdf
[5] Council on Foreign Relations, “Conflict in Ethiopia”, Center for Preventive Action, Council on Foreign Relations, 18 February 2026. at:
https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/conflict-ethiopia
[6] International Crisis Group, “Ethiopia’s Tigray War: A Deadly, Dangerous Stalemate”, Crisis Group Africa Briefing No.171, 2 April 2021. at:
https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/b171-ethiopia-tigray-war_0.pdf
[7] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs (OCHA), “Ethiopia Humanitarian Situation Overview”, ReliefWeb (OCHA), Approximately 2023 (continuously updated during 2023–2024). at:
https://reliefweb.int/country/eth
[8] Human Rights Watch, “World Report 2024 – Ethiopia”, Human Rights Watch, 2024. at:
https://www.hrw.org/world-report/2024/country-chapters/ethiopia
[9] Abel Abate Demissie, “Navigating the regionalization of Ethiopia’s Tigray conflict”, Chatham House – Royal Institute of International Affairs, 8 September 2023. at:
https://www.chathamhouse.org/2023/09/navigating-regionalization-ethiopias-tigray-conflict
[10] Council on Foreign Relations, “Conflict in Ethiopia”, Center for Preventive Action”, Council on Foreign Relations, 18 February 2026. at:
https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/conflict-ethiopia
[11] Adam Hancock (and Reuters / AFP reporting), “Fears over Ethiopia peace deal as TPLF restores Tigray government”, Al Jazeera, 20 April 2026. at:
https://www.aljazeera.com/news/2026/4/20/fears-over-ethiopia-peace-deal-as-tplf-restores-tigray-government
[12] BBC News, “Ethiopia’s Tigray war: The short, medium and long story”, BBC News, 29 June 2021. at:
https://www.bbc.com/news/world-africa-54964378
[13] Reuters, “Tigray party to restore pre-war administration, jeopardising northern Ethiopia peace”, Reuters News, 20 April 2026. at:
https://www.reuters.com/world/africa
[14] BBC News, “Ethiopia’s Tigray war: The short, medium and long story”, BBC News, 29 June 2021. at:
https://www.bbc.com/news/world-africa-54964378
[15] Abel Abate Demissie, “Navigating the regionalization of Ethiopia’s Tigray conflict”, Chatham House – Royal Institute of International Affairs, 8 September 2023. at:
https://www.chathamhouse.org/2023/09/navigating-regionalization-ethiopias-tigray-conflict
[16] Adam Hancock (and Reuters / AFP reporting), “Fears over Ethiopia peace deal as TPLF restores Tigray government”, Al Jazeera, 20 April 2026. at:
[17] International Crisis Group, “Ethiopia’s Tigray War: A Deadly, Dangerous Stalemate”, Crisis Group Africa Briefing No.171, 2 April 2021. at:
https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/b171-ethiopia-tigray-war_0.pdf
[18] BBC News, “Ethiopia’s Tigray war: The short, medium and long story”, BBC News, 29 June 2021. at:
https://www.bbc.com/news/world-africa-54964378
[19] International Crisis Group, “Ethiopia’s Tigray War: A Deadly, Dangerous Stalemate”, ecoi.net, 2 April 2021. at:
https://www.ecoi.net/en/document/2048811.html
[20] Alex de Waal, “How the International Community is Betraying Tigray—and its Principles”, World Peace Foundation, 26 September 2022. at:
https://worldpeacefoundation.org/blog/how-the-international-community-is-betraying-tigray-and-its-principles
[21] United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), “Ethiopia Situation (Global Report 2022), UNHCR 2022. at:
https://reporting.unhcr.org/ethiopia-situation-global-report-2022
[22] Abel Abate Demissie, “Navigating the regionalization of Ethiopia’s Tigray conflict”, Chatham House – Royal Institute of International Affairs, 8 September 2023. at:
https://www.chathamhouse.org/2023/09/navigating-regionalization-ethiopias-tigray-conflict
[23] International Institute for Strategic Studies (IISS), “Red Sea Security and the Horn of Africa: Regional Fragility and Global Interests”, International Institute for Strategic Studies, 2022. at:
https://www.iiss.org/publications










































