عرض وتقديم/ شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
نشر معهد إيجمونت EGMONT البلجيكي للعلاقات الدولية، ومقره بروكسل، موجز سياسات عن شهر مارس بعنوان «مشهد أمني متشظٍّ في إفريقيا: ثلاثة مسارات وتداعياتها»، أعده كلٌّ من «جوناثان فيشر» Jonathan Fisher، أستاذ الأمن الدولي في جامعة برمنغهام، و«نينا فيلين» Nina Wilén، مديرة برنامج إفريقيا في معهد إيجمونت للعلاقات الدولية وأستاذة مشاركة في قسم العلوم السياسية بجامعة لوند وزميل دولي في معهد أبحاث السلام في أوسلو PRIO.
تطرق التقرير إلى إلقاء الضوء على المشهد الأمني المتشظي في إفريقيا، فعلى الرغم من مرور أكثر من عقد منذ أن أقرت الأمم المتحدة آخر عملية حفظ سلام متعددة الأبعاد في إفريقيا؛ فإن القارة تشهد أعلى معدل للصراعات بين الدول في العالم. كما شهدت القارة انتشاراً هائلاً للجماعات المسلحة، ما أدى إلى زيادة بنسبة 300% في معدل عنف تلك الجماعات خلال العقد الممتد بين عامي 2012 و2022م، مع ارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بهذا العنف بين عامي 2022 و2025م. في الوقت نفسه، شهدت إفريقيا موجة انقلابات جديدة، حيث تم تنفيذ 11 انقلاباً ناجحاً، و19 محاولة انقلاب بين عامي 2020 و2025م، ما أسفر عن تشكيل حكومات عسكرية جديدة وتحوّل قوي في اتجاه إرساء الحكم الاستبدادي، ولا سيما في منطقة الساحل. وقد تزامنت هذه التطورات مع ظهور أنواع جديدة من التحالفات الإقليمية المؤقتة، وجماعات المرتزقة، والشركات العسكرية الخاصة، التي انتشرت بهدف قمع التمردات، ومكافحة التطرف، وتحقيق الاستقرار في المناطق، إلا أنها- على العكس من الهدف الذي صُمِّمَت من أجله- غالباً ما تساهم في زعزعة استقرارها. وفي هذا السياق، يلاحظ هيمنة ثلاثة اتجاهات على المشهد الأمني الإفريقي خلال العقد الماضي:
▪ تراجع التعددية.
▪ ازدياد البعثات الإقليمية المؤقتة.
▪ إسناد الأمن إلى جهات ثنائية وخاصة.
تُسهم المسارات الثلاثة، إلى حدٍّ كبير، في تفتيت الحوكمة الأمنية وتآكل الديمقراطية وحقوق الإنسان ومعايير المساءلة، مما يُنذر بدائرة عنف خارجة عن السيطرة بين الجهات الأمنية الحكومية والجهات المسلحة غير الحكومية، حيث يتحمل المدنيون وطأة هذا التطور. ومن المرجح أن يُحدّد استمرار صعود قوى متوسطة كمصدر للأمن، مثل تركيا ورواندا والإمارات العربية المتحدة، وتزايد الاعتماد على وكالات الأمن الخاصة، ملامح المشهد الأمني الإفريقي على امتداد سنوات قادمة. وفيما يلي استعراض المسارات الثلاثة بمزيد من التفصيل:
المسار الأول: تراجع التعددية:
ركز الباحثان على هذا المسار باعتباره أبرز الاتجاهات الأمنية الجلية في إفريقيا، والتي تجلت من خلال الابتعاد عن نموذج بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة متعددة الأبعاد ذات الصلاحيات الواسعة. فمنذ عام 2014م، لم تُرسل الأمم المتحدة أي بعثة لحفظ السلام متعددة الأبعاد إلى القارة الإفريقية، على الرغم من تسجيل الأخيرة رقماً قياسياً مخيباً للآمال في النزاعات بين الدول عام 2024م، حيث وقع 28 نزاعاً في إفريقيا من أصل 61 نزاعاً مسجلاً عالمياً. إلا أن أزمة التعددية تتجاوز حدود إفريقيا، وتتفاقم بفعل تزايد النزاعات المسلحة، وعودة التنافس بين القوى العظمى، والتعامل مع جائحة كورونا، وقد ساهمت هذه العوامل مُجتمعة في تآكل شرعية المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة، التي بات يُنظر إليها، على نحوٍ متزايد، باعتبارها مؤسسة غير فعّالة أو مُسيّسة.
كذلك، أدى انتخاب «دونالد ترامب» رئيساً للولايات المتحدة عام 2016م وعودته إلى منصبه عام 2025م إلى تقويض التعددية، على نطاقٍ أوسع، إذ انسحبت الولايات المتحدة من مواقع القيادة العالمية في المؤسسات متعددة الأطراف. وقد استهدفت إدارتا ترامب (الأولى والثانية) الأمم المتحدة تحديداً، حيث خفضتا التمويل المخصص لعدد من وكالاتها، وانسحبتا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مرتين، بالإضافة إلى تمرير خفض قدره 600 مليون دولار من ميزانية حفظ السلام السنوية عام 2017م، واقتراح إلغاء تمويل عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة عام 2025م. وفي الوقت نفسه، أدى صعود القادة المستبدين الذين يقاومون الرقابة والمساءلة الدوليتين، إلى جانب محدودية النتائج الملموسة للأمم المتحدة على أرض الواقع، إلى مزيدٍ من تراجع رغبة الحكومات المضيفة في منح الموافقة، وهي إحدى الركائز الثلاث لتنظيم عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ولضمان مشاركتها.
اتخذ رفض بعثات حفظ السلام متعددة الأطراف أشكالاً متعددة، بدءاً من عرقلة تنفيذ ولايات هذه البعثات من قِبَل الحكومات المضيفة، وصولاً إلى طرد العملية برمتها فجأة. ففي مالي، اتخذ المجلس العسكري، الذي استولى على السلطة بانقلاب عام 2020م وعزز سيطرته بانقلاب ثانٍ عام 2021م، إجراءات ممنهجة لعرقلة بعثة الأمم المتحدة عن أداء مهامها، مثل فرض مناطق حظر طيران، واشترط الحصول على إذن مسبق لاستخدام الطائرات المسيّرة قبل 48 إلى 72 ساعة- مع تأخير أو رفض الطلبات في كثير من الأحيان-، مما جعل قيام قوات حفظ السلام بدوريات دون استطلاع كافٍ أمراً بالغ الخطورة. وهناك أيضاً الإجراءات التي اتخذتها حكومة جنوب السودان في نوفمبر 2025م، حيث طالبت، بعد سنوات من المماطلة، الأمم المتحدة بسحب 70% من قوات حفظ السلام الدولية التابعة لها، وإيقاف طائراتها المروحية، وإغلاق قواعدها العملياتية ومواقع حماية المدنيين. وفي ردٍّ حازم غير مسبوق، تحدّت الأمم المتحدة في مارس 2026م دعوات الحكومة لإغلاق إحدى قواعدها القريبة من الحدود الإثيوبية، للحفاظ على وجودٍ لحماية المدنيين. ومع ذلك، يبقى هذا الردّ القوي من الأمم المتحدة استثناءً يُؤكّد حقيقة تراجع نفوذها.
المسار الثاني: التحالفات الإقليمية المؤقتة:
تطرق الموجز السياسي إلى المسار الثاني، الذي يتمثل في الزيادة المطردة في عدد البعثات الإقليمية المؤقتة ذات التفويضات لمكافحة التمرد والإرهاب في مختلف أنحاء القارة الإفريقية، إذ تقع هذه البعثات المؤقتة الجديدة خارج الأطر الدولية والإقليمية الموضوعة لحفظ السلام وعملياته، ولكنها غالباً ما تستغل القوات المتوافقة ثقافياً والثقافات المشتركة التي نشأت ضمن هذه الأطر، كأحد أشكال الاستغلال المؤسسي. تُعدّ قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات، المؤلفة من قوات من خمس دول في غرب ووسط إفريقيا (بنين، والكاميرون، وتشاد، والنيجر، ونيجيريا)، والمكلفة بمحاربة جماعة بوكو حرام وتأمين حوض بحيرة تشاد، مثالاً على هذا الاتجاه. تأسست هذه القوة لأول مرة عام 1994م، ولكنها لم تحصل على تفويض لمكافحة الإرهاب إلا في عام 2012م. وأُعيد تفعيلها عام 2014م بتفويض من الاتحاد الإفريقي، ولكن دون قرار رسمي منه، ما منحها شرعية نسبية من المؤسسة متعددة الأطراف، مع تجنبها آليات المساءلة الفعّالة.
تُعدّ قوة الساحل المشتركة التابعة لمجموعة دول الساحل الخمس[1]، والتي حُلَّت لاحقاً، وحظيت بدعم كبير من فرنسا، مثالاً آخر على قوة إقليمية مؤقتة لمكافحة الإرهاب، والتي أذن بها الاتحاد الإفريقي عام 2017م، لكنها لم تحصل على تفويض رسمي. وقد حُلَّت هذه القوة المشتركة في أعقاب موجة الانقلابات في منطقة الساحل، وانسحاب دول تحالف دول الساحل الثلاث: بوركينا فاسو، والنيجر، ومالي. وأعلنت هذه الدول الثلاث الأخيرة إنشاء قوة مشتركة جديدة لمكافحة الإرهاب في مارس 2024م، والتي تم تدشينها في ديسمبر 2025م. ومن المفترض أن تُموَّل هذه القوة من صناديق وطنية، مع دعمها بالمعدات والأسلحة من جانب روسيا وتركيا وإيران والصين.
تُعدّ منطقة البحيرات العظمى منطقة أخرى شهدت انتشاراً واسعاً للتحالفات الإقليمية المؤقتة في السنوات الأخيرة، مدفوعةً إلى حدٍّ ما بمفهوم «الانتقاء من المنتديات». ويشير هذا المفهوم إلى كيفية انضمام مجموعة من الدول الإفريقية إلى العديد من التجمعات الاقتصادية الإقليمية المتداخلة، وذلك في سياق التفاوض على هوياتها الإقليمية والوطنية، والأهم من ذلك، سعياً وراء أهداف سياسية متباينة. وقد هيأ موقع جمهورية الكونغو الديمقراطية المحوري في إفريقيا لها الفرصة لتصبح رائدةً في هذا المجال، إذ تتمتع بعضوية سبع منظمات إقليمية[2]، بالإضافة إلى عضويتها القارية في الاتحاد الإفريقي.
بموجب عضوية جمهورية الكونغو الديمقراطية في المنظمات الإقليمية طالبت بتشكيل تحالفات إقليمية مؤقتة للمساعدة في قمع المتمردين. ففي عام 2022م، وبعد انضمامها مباشرةً، طلبت من جماعة شرق إفريقيا نشر قوة في شرق البلاد لتحييد الجماعات المسلحة وتحقيق الاستقرار في المنطقة. وقد تم نشر القوة الإقليمية لجماعة شرق إفريقيا في نوفمبر من العام نفسه بموجب تفويض من الجماعة، إلا أنها لم تحظَ إلا بموافقة الاتحاد الإفريقي، متجاوزةً بذلك إطار عمل الاتحاد الإفريقي للسلام والأمن. ومع ذلك، وبعد عام واحد فقط من نشرها، طلبت حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية سحبها، جراء إخفاقاتها.
بدلاً من ذلك، طالبت الحكومة الكونغولية، بحكم عضويتها في الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي SADC، بنشر قوة جديدة ذات طابع هجومي أكثر ضراوة. نُشرت قوة التدخل الإقليمي لجنوب إفريقيا SAMIDRC في ديسمبر 2023م كقوة تدخل إقليمية بموجب مبدأ الدفاع الجماعي عن النفس المنصوص عليه في ميثاق الدفاع المشترك للجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي لعام 2003م، إلا أنها لم تحظَ بموافقة الاتحاد الإفريقي إلا في مارس 2024م، متجنبةً بذلك إطاراً إقليمياً موسعاً متعدد الأطراف. وفي مارس 2025م، وبعد إخفاقها في حماية مدينتي «جوما» و«ساكي» الرئيسيتين من سيطرة المتمردين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بدأت القوة الإقليمية انسحابها.
لقد ساهم انتشار هذا النوع من التحالفات الإقليمية المؤقتة في زيادة تشرذم المشهد الأمني. كما أن تركيزها على أهداف مكافحة الإرهاب العسكرية، بما يتماشى مع مطالب الحكومة المضيفة، بدلاً من حفظ السلام أو بنائه، يعني غياب أي محاولة صريحة لإيجاد حل سياسي للوضع. وإذا ما نجحت هذه التحالفات في قمع المتمردين أو الإرهابيين، وهو ما لم تحققه أيٌّ من هذه المهمات حتى الآن، فمن المرجح أن يكون تأثيرها قصير الأجل، نظراً لكون الأسباب الجذرية للصراع لا تزال دون معالجة. كما أن تجاوزها للرقابة المؤسسية واللوائح والأطر التنظيمية، من خلال عدم نشرها عبر منظمة متعددة الأطراف، يعني أيضاً أن هذه العمليات تتحاشى متطلبات المساءلة والشفافية.
وبالعودة إلى حالة جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبعد انسحاب قوتين إقليميتين خلال عامين، قرر الرئيس الكونغولي «فيليكس تشيسكيدي» اللجوء إلى جهات فاعلة خاصة، مما مهد إلى الاتجاه الأمني الثالث في القارة الإفريقية، ألا وهو الاستعانة بـ«شراكات» خارجية في مضمار الأمن.
المسار الثالث: الاستعانة بشركات أمن خارجية:
سلط الباحثان الضوء على ما شهده العقد الماضي من تصاعد ملحوظ في نشاط شركات الأمن الخاصة والمرتزقة في القارة الإفريقية، وأبرزها مجموعة فاجنر الروسية. وإلى جانب هذه الجهات الأمنية الخاصة، هناك دول تُبرم اتفاقيات ثنائية لمكافحة الإرهاب أو توفير الخدمات الأمنية مع جيرانها الإقليميين، مثل رواندا، التي تُلقب بـ«دَرك إفريقيا» نظراً لتنوع عملياتها الخارجية. ويشترك مقدمو الخدمات الأمنية الثنائية، مثل رواندا، مع مُقدمي الخدمات الأمنية الخاصة، في ميلهم إلى اقتراح وقبول عروض من الحكومات التي تحتاج إلى غطاء أمني دون فرض أي شروط محددة تتعلق بقواعد النزاعات المسلحة الدولية، أو طرح أي تساؤلات جوهرية حول شرعية النظام الحاكم أو العملية نفسها. ولكن، في الوقت الذي تتمتع فيه رواندا بسجل حافل كإحدى أبرز الدول المساهمة في حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وما لديها من سمعة طيبة في هذا المجال (على عكس مشاركتها العسكرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية)، غالباً ما تُربط الجهات الأمنية الخاصة بانتهاكات حقوقية واستهداف المدنيين.
انتشرت جماعة فاجنر في إفريقيا منذ عامي 2017-2018م، حين انخرطت في تعدين الذهب والتدريب الأمني في السودان، وتدخلت في الحرب الأهلية الليبية عام 2019م، واتخذت من جمهورية إفريقيا الوسطى مركزاً رئيسياً لعملياتها الشاملة من خلال التعاون العسكري والسياسي والاقتصادي، وذلك بعد تجربة قصيرة فاشلة في موزمبيق عام 2018م. وبينما كانت أنشطتها في السودان تتسم بالسرية النسبية؛ فقد جعلت جمهورية إفريقيا الوسطى منها- من خلال الجمع بين الخدمات العسكرية، بما في ذلك توفير الحماية الشخصية للرئيس، واستغلال الموارد الطبيعية كالأخشاب والألماس، والتدخل السياسي في إعادة انتخابه، بالتزامن مع بدء دورات اللغة الروسية في بانغي- مركزاً ومثالاً على نطاق نشاط الجماعة. إلا أن هذا الوصف يُغفل انتهاكات حقوق الإنسان العديدة التي ارتكبتها الجماعة في جمهورية إفريقيا الوسطى، بما في ذلك «الاستخدام المفرط للقوة، والقتل العشوائي، واحتلال المدارس، وعمليات النهب الموسعة»، وفقاً لفريق خبراء الأمم المتحدة.
ومع ذلك، رسّخت جماعة فاجنر في مالي سمعتها كـ«مُرتكبة جرائم» لا كـ«فرق حماية». وتُعدّ مجزرة بلدة «مورا» في مالي، في مارس 2022م، التي راح ضحيتها نحو 500 مدني، من أبرز الأحداث التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة. إلا أن جماعة فاجنر متورطة في هجمات استهدفت المدنيين في مواقع أخرى بالبلاد، كما اتُّهمت بتحويل قواعد عسكرية إلى مراكز تعذيب، في حين تُشكّل عمليات الخطف والاعتقالات التعسفية والتعذيب الممنهج جزءاً من النهج الوحشي لمكافحة الإرهاب الذي يتبعه الروس. وعلى نطاق أوسع، تُحارب جماعة فاجنر- التي استُبدلت في مايو 2025م بـ«فيلق إفريقيا»، وهو كيان أكثر ارتباطاً بالدفاع الروسي- الانفصاليين الطوارق والجماعات المسلحة إلى جانب القوات المسلحة المالية. ولكن فشلت الجماعة، إلى حدٍّ كبير، في منع انتشار المسلحين داخل البلاد وخارجها، على الرغم من وجود «كوادر مدربة» لها في النيجر وبوركينا فاسو المجاورتين. بل إنها أدت إلى نفور السكان المحليين من خلال انتهاكاتها، وتكبدت خسائر فادحة، مما أظهر حدود نهجها الوحشي، بيد أنها ليست جماعات المرتزقة الروسية الوحيدة في إفريقيا. هناك أيضاً مرتزقة رومانيون سلّموا أنفسهم إلى الأمم المتحدة في يناير 2025م خلال سيطرة حركة إم 23 على مدينة جوما. معظم هؤلاء المرتزقة كانوا نتاج الشراكة الثانية بين شركتين عسكريتين خاصتين استأجرتهما حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية في أواخر عام 2022م: شركة أجيميرا، المؤلفة من حوالي 40 عنصراً أمنياً فرنسياً سابقاً، والشركة الثانية التي يرأسها جندي سابق في الفيلق الفرنسي من ترانسيلفانيا، وهناك مزاعم أنها كانت تضم في وقت من الأوقات حوالي 1000 جندي في جمهورية الكونغو الديمقراطية. مع ذلك، لم تثنِ هذه التجربة الحكومة الكونغولية، وعقدت صفقة مع المرتزق الأمريكي إريك برينس، مؤسس شركة «بلاك ووتر» الأمنية الخاصة، عام 2025م. وتشمل الصفقة نشر مرتزقة، أغلبهم من الكولومبيين، لتوفير الأمن لمناجم البلاد والإشراف على أنظمة تحصيل الضرائب. لكن «برينس» لم يقتصر نشاطه على جمهورية الكونغو الديمقراطية، بل اقترح أيضاً خدمات حماية المسيحيين في نيجيريا، وهو مشروع الرئيس ترامب المفضل مؤخراً لكسب تأييد الناخبين المسيحيين في الداخل.
وبفضل التغطية الإعلامية المكثفة لمجموعة فاجنر، ومسيرة برينس السابقة (المثيرة للجدل)، تمكنت شركة «سادات» التركية للخدمات والاستشارات الدفاعية، التي تحمل أيضاً لقب «فاجنر التركي»، من توسيع وجودها في القارة الإفريقية بشكل سري نسبياً. وبعد أن بدأت عملياتها في ليبيا عام 2013م، وسّعت نطاق عملياتها هناك منذ عام 2019م، بينما تشير مصادر متعددة إلى وجودها في صورة «كوادر تدريب» وقوات لعمليات مكافحة الإرهاب في الصومال، الشريك القوي لتركيا، وهو ما نفته المنظمة عام 2025م. كما ترددت شائعات عن قيام «سادات» بتوفير نحو ألف جندي للنيجر لحماية المناجم والقواعد العسكرية وغيرها من البنى التحتية، إلا أنه لا يوجد تأكيد قاطع على ذلك. لكن من الواضح أن تركيا، من خلال «سادات»، قادرة على تعزيز سياستها الخارجية في إفريقيا، إلى جانب دبلوماسية الطائرات المسيّرة، في الوقت الذي تلعب فيه دوراً في المنطقة الرمادية سيئة السمعة لشركات الأمن الخاصة المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلطات الدولة.
وينطبق الأمر نفسه، بطبيعة الحال، على العديد من شركات الأمن الصينية الخاصة/الحكومية التي تنتشر حول مواقع التعدين والبنية التحتية الصينية في القارة الإفريقية. وتعمل حالياً شبكة من شركات الأمن الصينية المرتبطة بالدولة في 14 دولة إفريقية، حيث توظف أفراداً سابقين من جيش التحرير الشعبي الصيني لحماية عُمّالها. إلا أن هذه الشركات تختلف حتى الآن عن شركات الأمن الخاصة الروسية والتركية في أنها تركز على حماية شركاتها ومواطنيها، ولا تعرض خدماتها مباشرةً على الحكومات الأجنبية. ولكن، من المرجح أن يصبح هذا الأمر مسألة وقت، نظراً للانتشار السريع لهذه الشركات في إفريقيا، والسوق المتنامية لها.
وعليه؛ لقي المشهد الأمني الإفريقي ترحيباً كبيراً بصعود رواندا كقوة فاعلة على مستوى القارة، قادرة على التدخل لمواجهة المتمردين والإرهابيين داخل منطقتها وخارجها. ففي جمهورية إفريقيا الوسطى، نشرت رواندا قواتها إلى جانب بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام بموجب اتفاقية دفاع ثنائية في عام 2021م، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مساهمتها في البعثة. وعلى مر السنين، تقاسمت رواندا النفوذ مع مجموعة فاجنر الروسية، متقاسمةً المهام والتأثير في القطاعين الأمني والاقتصادي للبلاد. ومنذ عام 2021م، نشرت رواندا أيضاً قوات لقمع تمرد في كابو ديلغادو، موزمبيق، مما أدى إلى توطيد العلاقات مع فرنسا، حيث سمحت مؤخراً لشركة «توتال إنيرجيز» الفرنسية باستئناف مشروعها للغاز في بالما، الذي تبلغ قيمته 20 مليار دولار، بعد توقف دام خمس سنوات. قبل ثلاث سنوات، بدت رواندا على وشك نشر قوات في بنين لعملية مكافحة الإرهاب لحماية الحدود بعد توقيع اتفاقية تعاون عسكري، بينما لم يتحقق ذلك حتى الآن.
خاتمة:
يعكس المشهد الأمني في إفريقيا الوضع الأمني العالمي، الذي يتسم بتنامي النزعة الاستبدادية، وعسكرة الأمن، وخصخصته. وتساهم المسارات الثلاثة المحددة في الموجز السياسي- تراجع التعددية، والتحالفات الإقليمية المؤقتة، والاستعانة بمصادر خارجية في مضمار الأمن- في تفتيت الحوكمة الأمنية وتآكل معايير المساءلة والشفافية والديمقراطية. كما تُظهر هذه الاتجاهات تحولاً من عمليات حفظ السلام متعددة الأطراف السابقة، التي كانت تهدف إلى تسويات سياسية وبناء سلام مستدام، إلى استجابات عسكرية مباشرة للتهديدات الفورية، دون أي آفاق واضحة لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع المسلح أو التمرد.
على المدى القريب إلى المتوسط، من غير المرجح عودة بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى إفريقيا على نطاق واسع. فإذا أرادت الأمم المتحدة تجاوز الأزمة الراهنة، سوف يتعين عليها التكيف مع السياق وإعادة ابتكار نفسها من خلال ولايات هجينة وبعثات مصممة خصيصًا. ولكن في سياق الصراع المعاصر، من المحتمل أيضاً أن تضطر إلى التخلي عن بعض مبادئها الأساسية، كالحياد، لتجد لنفسها موطئاً في ساحة الصراع الإفريقي.
من المرجح أن يستمر التوجه نحو خصخصة الأمن وإسناده إلى جهات فاعلة خاصة وثنائية في السنوات القادمة لثلاثة أسباب:
أولاً: النزاعات المسلحة (غير) الحكومية التي تعصف بالقارة حالياً ليست قريبة من الانتهاء في أي وقت قريب. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الاستجابات الوطنية عسكرية وليست سياسية، وبالتالي تتجنب معالجة الأسباب الجذرية، وجزئياً لأن اقتصاديات الحرب تدر أرباحاً لبعض الجهات الفاعلة، مما يقلل من الحوافز لإنهاء النزاعات.
ثانياً: أوضح الحكام العسكريون الذين وصلوا إلى السلطة عبر انقلابات، خلال السنوات الخمس الماضية، أنهم باقون في مناصبهم. وبالتالي؛ ستظل خدمات حماية النظام مطلوبة، سواءٌ من شركات الأمن الخاصة أو الجهات الأمنية الاستبدادية الثنائية.
وأخيراً: تُنذر الحرب في أوكرانيا بتدفق أعداد كبيرة من الجنود المُسرّحين والمتمرسين في القتال من روسيا وأوكرانيا، والذين سيبحثون عن مصادر دخل جديدة. ومن المرجح أن تكون الصراعات الإفريقية على رأس قائمة الخيارات، ولا سيما في ظل الطلب المستمر. وبينما قد يختار الجنود الأوكرانيون دولاً غربية ذات رواتب عالية حريصة على تطوير قدراتها في مجال حرب الطائرات المسيّرة، فمن غير المرجح أن تتمكن هذه الدول من استيعاب ما يقارب 350,000 إلى 500,000 جندي ممن يُتوقع تسريحهم، مما يجعل الدول الإفريقية خياراً ثانياً قابلاً للتطبيق، وخاصةً أن ذلك سيُجبرها على قتال الروس في جبهة أخرى. ويتطلب معالجة هذا التشرذم تجديد الالتزام السياسي بالتعددية، وتعزيز آليات تنظيم الجهات الفاعلة الأمنية الناشئة في إفريقيا وخارجها. ولكن، لا تزال الإرادة السياسية والقدرة على القيام بذلك غائبة حتى الآن.
رأي المترجم:
عقد التقرير مقارنةً بين ثلاثة مسارات عمل تُلخّص المشهد الأمني المتشظي في إفريقيا، ممثلةً في:
1) الدور الأوروبي الغائب: بانسحاب بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الذي يدق كثيراً على نغمة الالتزام بالدور المؤسسي والقانوني والتمويلي، لكنه في الواقع يعاني من عجز بنيوي، إذ تتذرع هذه البعثات بمهمة حماية المدنيين وحقوق الإنسان من أجل بقاء قواتها على الأراضي محل النزاع دون إحراز تقدم ملموس، بل ومع استمرار ارتفاع معدل الوفيات جراء الإرهاب والفقر.
2) الشراكات الأمنية المؤقتة: التي تقدم حلاً «سريعاً» لكنه ليس «جذرياً»، إذ حققت بالفعل نجاحات تكتيكية قصيرة الأجل في الحد من نشاط الجماعات المسلحة، لكنها ركزت على العسكرة وإهمال التنمية والانخراط في مصالح محلية مقننة لا تفي بالأهداف الأكبر والحلول الأكثر شمولاً.
3) الشراكات الأمنية مع أطراف خارجية: التي تحقق نفوذاً سياسياً ودعماً عاجلاً للأنظمة الحالية بواسطة تقديم دعم لوجيستي وتدريب سريع للجيوش الوطنية، بيد أنها تؤدي إلى انتهاكات حقوقية فجة ضد المدنيين، وتسرع من وتيرة التجنيد في خطوط الجماعات المسلحة.
……………………………………..
[1] الدول الأعضاء هي: تشاد وموريتانيا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو.
[2] المجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا (ECCAS)، والمجموعة الاقتصادية لدول البحيرات الكبرى (ECGLC)، والمجموعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (SADC)، والسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (COMESA)، والمؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات الكبرى (ICGLR)، ومجموعة شرق إفريقيا (EAC)، وتجمع دول الساحل والصحراء (CEN-SAD).
رابط التقرير:











































