تواجه المملكة المتحدة موجة انتقادات بسبب خطة مقترحة لفرض رسوم دخول على الزوار الأجانب للمتاحف الكبرى، إذ أعربت غانا ومجموعات معنية باسترداد الآثار عن مخاوف تتعلق بالعدالة لإفريقيا، ما أعاد النقاش حول قضية كنوز إفريقيا المنهوبة زمن الاستعمار، في متاحف الغرب.
وانتقدت غانا ومدافعون دوليون عن استرداد الممتلكات الثقافية خطة بريطانيا لفرض رسوم دخول على الزوار الأجانب للمتاحف الكبرى، محذرين من أن هذه السياسة قد تعمّق المظالم التاريخية المرتبطة بقطع أثرية من حقبة الاستعمار لا تزال محفوظة في مؤسسات بريطانية.
وقال وزير الخارجية الغاني صامويل أوكودزيتو أبلاكو، تعليقًا على المقترح: “إنه يثير قضايا خطيرة تتعلق بالعدالة”.
كنوز إفريقيا المنهوبة في متاحف الغرب
ما قد يبدو سياسة تمويلية يتحول سريعًا إلى نقاش تاريخي أوسع. بالنسبة للدول الإفريقية، تمس القضية الاسترداد والسيادة والعدالة الاقتصادية، وتطرح سؤالاً حول ما إذا كان ينبغي للقوى الاستعمارية السابقة الاستمرار في تحقيق قيمة مالية من أصول ثقافية متنازع عليها.
وتصاعد هذا التوتر مع عمليات الإعادة الأخيرة، مثل استعادة نيجيريا التاريخية لبرونزيات بنين، التي منحت زخمًا لجهود الاسترداد العالمية بعد عقود من نزع الملكية الثقافية.
كما ينعكس ذلك في جهود غانا الخاصة بالاسترداد، بما في ذلك كشف ملك الأشانتي عن قطع أثرية معادة، حيث جرى تقديم الأغراض الملكية المستعادة بوصفها رموزًا لإعادة كنوز إفريقيا المنهوبة، والاعتبار الثقافي والعدالة التاريخية.
قلق دبلوماسي من الاستعمار المتحفي
كان رد غانا من بين أكثر المواقف مباشرة. فقد حذر أبلاكو من أن فرض رسوم بينما لا تزال مفاوضات الاسترداد غير محسومة قد يقوض الثقة بين المملكة المتحدة والدول الساعية إلى استعادة ممتلكاتها الثقافية.
وقال: “في وقت لا تزال هذه النقاشات جارية، فإن مطالبة دول المنشأ بدفع رسوم للوصول إلى تراثها الخاص يثير مخاوف جوهرية”.
وتعد غانا من بين عدة دول إفريقية تسعى إلى استعادة شعارات ملكية وقطع أثرية ذات أهمية تاريخية محفوظة في مؤسسات بريطانية. وفي السياق تقود غانا حملة دولية لإحياء ملف تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، مستفيدة من موقعها التاريخي كأبرز نقطة انطلاق للأفارقة المستعبدين نحو الأمريكتين وأوروبا، ومن دعم قاري ودولي.
تحول بريطاني عن سياسة عهد بلير
يمثل المقترح تحولاً كبيرًا عن سياسة أُدخلت عام 2001 في عهد رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، والتي جعلت دخول المتاحف الوطنية البريطانية مجانيًا.
وتقول الحكومة البريطانية الآن إنها تدرس ما إذا كان فرض رسوم على الزوار الدوليين يمكن أن يدر إيرادات لدعم قطاع الفنون في ظل ضغوط مالية.
وأشار مسؤولون إلى أن المشاورات لا تزال جارية، مع توقع صدور النتائج لاحقًا هذا العام. وقليل من القطع يرمز لهذا الجدل بوضوح مثل برونزيات بنين، التي أُخذت من نيجيريا الحالية -خلال الاحتلال البريطاني- عام 1897.
وقد سُرقت آلاف القطع وتوزعت في أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية، لتصبح من أكثر الأجسام الثقافية إثارة للجدل في مجموعات المتاحف العالمية. وبينما بدأت بعض المؤسسات إعادة قطع من كنوز إفريقيا المنهوبة، لا يزال الكثير منها في متاحف أوروبية، بما في ذلك المتحف البريطاني القائم وفق تقارير على إرث الجنوب العالمي عمومًا والإفريقي على وجه الخصوص.
نقاش العدالة للأفارقة
إلى جانب الاسترداد، بات النقاش يُصاغ بشكل متزايد من منظور اقتصادي. فالقطع الثقافية تولد قيمة عبر السياحة والمعارض والمكانة المؤسسية، ما يثير تساؤلات حول من يستفيد ماليًا من هذه الأصول.
ويرى منتقدون أن فرض رسوم قد يعزز نظامًا يستمر فيه التراث الإفريقي في توليد عوائد اقتصادية في الخارج، رغم استمرار النزاعات حول ملكية كنوز إفريقيا المنهوبة.
ويعكس ذلك تحولاً أوسع في التفكير السياسي الإفريقي، حيث لم يعد الاسترداد يُنظر إليه فقط باعتباره استعادة ثقافية، بل جزءًا من دفع أوسع نحو العدالة الاقتصادية.
حركة التعويضات العالمية
جاءت الانتقادات أيضًا من منطقة الكاريبي، حيث يرى المدافعون عن التعويضات أن المقترح يثير إشكالات أخلاقية.
إذ وصلت لجنة التعويضات في الجماعة الكاريبية، الخطة بأنها “غير أخلاقية”، وقالت: “لماذا ينبغي أن ندفع لرؤية تراثنا؟”.
وتسلط الأزمة الضوء على كيفية تداخل قرارات السياسة الثقافية بشكل متزايد مع الدبلوماسية والاقتصاد والمساءلة التاريخية.
وبالنسبة للمملكة المتحدة، قد يصبح المقترح اختبارًا لموازنة احتياجات التمويل المحلية مع الضغوط الدولية المتزايدة بشأن الاسترداد.
أما بالنسبة للدول الإفريقية، فيمثل الجدل تحولاً من السعي للوصول إلى التراث وكنوز إفريقيا المنهوبة، إلى التساؤل حول من يسيطر عليه ومن يربح منه.

كنوز الأشانتي
تُعد برونزيات بنين وهي مئات من الصفائح النحاسية والمنحوتات والأغراض الملكية -من أعمال مملكة بنين، الواقعة اليوم في جنوب نيجيريا- ويعود تاريخها إلى القرن السادس عشر.
واستولت القوات البريطانية على آلاف القطع خلال غزو مدينة بنين عام 1897، ونقلتها إلى أوروبا كغنائم حرب. ومع مرور الوقت، بيعت الأعمال لمتاحف وجامعي مقتنيات خاصين في أوروبا وأمريكا الشمالية، وتُعد اليوم من روائع فن صب المعادن الإفريقي.
وتُعد هذه السرقات في نيجيريا واحدة من أوضح أمثلة نزع الملكية الثقافية عن كنوز إفريقيا المنهوبة خلال الحكم الاستعماري.
وأعادت مؤسسات في ألمانيا وهولندا وبريطانيا وغيرها عدة مئات من القطع في السنوات الأخيرة، إلا أن الكثير منها لا يزال في مخازن المتاحف أو بحوزة جهات خاصة، مع بقاء مئات القطع مفقودة.
وفي ربيع 2024، في عرض تاريخي بمناسبة اليوبيل الفضي لتتويجه، كشف ملك الأشانتي أوتومفو أوسي توتو الثاني عن مجموعة من القطع الملكية التي أعادتها متاحف بريطانية، مسلطًا الضوء على التراث الغني لمملكة الأشانتي.
وشملت هذه الكنوز 32 قطعة من الذهب والفضة من كنوز إفريقيا المنهوبة خلال حروب الأنجلو أشانتي في القرن التاسع عشر، وعُرضت لأول مرة في قصر مانهيّا في كوماسي.
وتحمل القطع، التي أُعيدت على سبيل الإعارة طويلة الأجل من المتحف البريطاني ومتحف فيكتوريا وألبرت، قيمة ثقافية وتاريخية كبيرة لشعب الأشانتي. ومن بينها قطع بارزة مثل سيف مبومبونسو وشارات ذهبية استُخدمت في طقوس التطهير في بلاط الأسانتهيني.
كما أعاد متحف فاولر في الولايات المتحدة سبع قطع ملكية إلى ملك الأشانتي، ما أثرى مجموعة قصر مانهيّا. كما تشير إعادة هذه القطع إلى حركة أوسع تدعو المتاحف الأوروبية والأمريكية إلى معالجة إرث النهب الاستعماري وإعادة عناصر كنوز إفريقيا المنهوبة إلى موطنها الأصلي.
ويمثل المعرض في متحف قصر مانهيّا لحظة محورية في الاعتراف بالإرث المستمر لمملكة الأشانتي وتكريمه.
نقلاً عن:











































