جولة جديدة من المفاوضات المتعثرة لحل الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية، انطلقت اليوم الإثنين بين الحكومة الكونغولية، وتحالف المتمردين المعروف بـ”تحالف نهر الكونغو” بقيادة حركة 23 مارس.
وتفاقم الصراع في شرق الكونغو في نهاية يناير 2025، عندما سيطر تحالف المتمردين -بدعم من رواندا المجاورة- على غوما، عاصمة مقاطعة كيفو الشمالية. وبعد أسابيع، سيطر على بوكافو، في كيفو الجنوبية، بعد قتال مع الجيش الكونغولي.
ومنذ أن وقع الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي، ونظيره الرواندي بول كاغامي، اتفاقية سلام في 4 ديسمبر 2025، في واشنطن، بحضور نظيرهما الأمريكي دونالد ترامب، اتهم كلا الجانبين الآخر بانتهاك الاتفاقية.
ويُضاف هذا الاتفاق إلى جهود الوساطة التي ترعاها قطر بين الحكومة الكونغولية وحركة 23 مارس، اللتين وقعتا في 15 نوفمبر 2025 اتفاقًا إطاريًا في الدوحة للتحرك نحو إنهاء الصراع.
ومنذ عام 1998، تشهد منطقة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية صراعًا تغذيه الجماعات المتمردة والجيش، على الرغم من انتشار بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مونوسكو).
مسار المفاوضات هذه المرة من المقرر أن يستمر لمدة 5 أيام، وتستضيفها جنيف، ضمن مسار عملية الدوحة للسلام، ووسط تصعيد ميداني متواصل.
ويفرض كل ذلك تساؤلات حول فرص نجاح جولة جنيف بعد سلسلة من الإخفاقات السابقة، يسعى هذا التقرير إلى الإجابة عنها وشرح أبعاد هذه الجولة وتعقيداتها ومآلاتها المحتملة.

1- لماذا انتقلت المفاوضات من الدوحة إلى جنيف؟
جاء نقل المفاوضات من الدوحة إلى سويسرا نتيجة “الاعتبارات الأمنية” المرتبطة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط والحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر.
علاوة على امتداد تداعيات هذه الحرب إلى دول الجوار بما في ذلك قطر، راعية الجولة الأخيرة من المفاوضات، بدعم أمريكي.
وبينما أشارت إذاعة فرنسا الدولية أن نقل المفاوضات الجديدة من الدوحة إلى جنيف، يعود إلى البحث عن بيئة أكثر استقرارًا لاستئناف الحوار، يبدو أن هذا التفسير لم يكن كافيًا وحده.
وشكك تقرير لموقع الأخبار Afrikarabia المخصص للأخبار في جمهورية الكونغو الديمقراطية في أن يكون العامل الأمني وحده هو السبب لنقل المفاوضات من الدوحة إلى جنيف.
وأشار إلى أن الرئيس تشيسيكيدي زار الدوحة في 2 أبريل الجاري، في وقت كانت فيه المواجهات بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في ذروتها، دون أن يشكل ذلك مشكلة أمنية.
كما يعتقد التقرير أن المبادرة الدبلوماسية القطرية في الصراع في شرق الكونغو الديمقراطية قد وصلت إلى نهايتها، في وقت لن يشارك فيه الوسيط القطري الرئيسي في اجتماعات جنيف إلا عن بُعد.
وتشير معطيات ميدانية ودبلوماسية إلى أن المسار القطري نفسه وصل إلى حالة من الجمود، خاصة وأن مجمل البنود الرئيسية في بروتوكول اتفاق الدوحة، لم تنفذ بالكامل خصوص وقف النار وتبادل الأسرى.
وبقيت القضايا الجوهرية عالقة، مثل الترتيبات الأمنية والإصلاحات السياسية، علاوة على أن استمرار الخروقات اليومية لوقف إطلاق النار أضعف مصداقية الوساطة القطرية.
كما أن الاتفاقين الوحيدان اللذان وُقِّعا بين كينشاسا والمتمردين، والمتعلقان بإطلاق سراح السجناء وآلية التحقق من وقف إطلاق النار، لم يُنفذا قط، أما النقاط الست الأخرى في البروتوكول، فلا تزال محل خلاف.
والشهر الماضي أعلنت حركة 23 مارس عن إطلاق سراح ما بين 2700 و5000 جندي من القوات المسلحة الكونغولية، مؤكدة تسليمهم إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
لكن المنظمة اكتفت بالإشارة إلى أنها “أخذت علما” بالبيان، دون تأكيد وقوع الإفراج الجماعي فعليا. ما أثار تساؤلات حول مصداقية الإعلان وقتها.
ومع انطلاق مفاوضات جنيف، الإثنين، شكك زعيم حركة 23 مارس برتراند بيسيموا، في جدية الحكومة الكونغولية في التهدئة.
وقال عبر منصة “إكس” إن “نظام كينشاسا اختار لحظة استئناف المفاوضات السياسية ليقصف، بطائرات سوخوي، قرية مينيمبوي (الواقعة في مقاطعة جنوب كيفو/ شرق الكونغو)”.
وأشار إلى “استهداف المدنيين، بالإضافة إلى تدمير العديد من المساكن المدنية، والكنائس، والمدارس، والمستشفيات”.
Le régime de Kinshasa a choisi le moment de la reprise des négociations politiques pour pilonner, à l’aide de Sukhoi, plusieurs villages à Minembwe causant mort et désolation parmi les civils ainsi que la destruction des plusieurs habitations civiles, églises, écoles, hôpitaux,.. pic.twitter.com/y9oZH5XcLT
— Bertrand Bisimwa (@bbisimwa) April 12, 2026
مع ذلك، يبدو أن نقل المفاوضات إلى سويسرا يمثل محاولة لإعادة ضبط مسار “عملية الدوحة”، عبر خلق بيئة تفاوضية جديدة قد تساعد على كسر الجمود، خاصة مع انخراط أطراف دولية إضافية في الصراع في شرق الكونغو.
2- من أطراف الحوار؟ وما مواقفهم من الصراع في شرق الكونغو؟
تتوزع أطراف جولة جنيف الحالية بين ثلاثة مستويات رئيسية:
أولاً: الأطراف المباشرة، ويمثلها:
- وفد الحكومة الكونغولية، بقيادة سومبو سيتا مامبو، بصفته ممثلاً لرئيس للرئيس تشيسيكيدي، ما يعكس مستوى التمثيل الرسمي في هذه المحادثات.
- تحالف المتمردين، ويمثله قيادات قادمة من مدينة غوما (الواقعة على الحدود مع رواندا المجاورة)، بقيادة بنيامين مبونيمبا، الأمين العام لحركة 23 مارس. ويبرز أيضًا اسم رينيه أباندي كأحد كبار المفاوضين بالتحالف.
ثانيًا: الوسطاء
- سويسرا، وبحسب المعطيات، تتولى وزارة الخارجية الفيدرالية السويسرية قيادة الجهود اللوجستية والتنظيمية. بما يشمل توجيه الدعوات وتسهيل إجراءات السفر للمشاركين. في خطوة تعكس انخراطًا دبلوماسيًا نشطًا لدعم مسار التسوية.
- قطر، ورغم غياب الحضور المباشر، إلا أنه ستشارك عبر تقنية الاتصال المرئي، في استمرار لدورها في المسارات السابقة.
- الولايات المتحدة، وتشهد هذه الجولة تحولاً في طبيعة وساطتها الدولية، إذ ستلعب دورًا أكثر فاعلية كمُيسّر للمحادثات، بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة كما حدث في جولات سابقة استضافتها الدوحة.
ثالثًا: المراقبون الدوليون
- بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO)، بصفة مراقب.
- الاتحاد الإفريقي.
- المؤتمر الدولي لمنطقة البحيرات الكبرى.
لكن، على مستوى المواقف، فالصورة أكثر تعقيدًا، فحتى الآن لا تزال كينشاسا ترفض تقديم تنازلات سياسية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بشرعية الحركة المتمردة أو إعادة هيكلة الدولة.
بينما يستفيد تحالف المتمردين، حسب مراقبين، من تفوقه العسكري ويطرح مطالب جذرية، مثل الفيدرالية وإصلاح النظام السياسي. كما تراقب واشنطن المشهد مع ممارسة الضغوط من وقت لآخر على رواندا المتهمة بدعم المتمردين.
وفي السياق، مثلت ثروات شرق الكونغو عاملاً محوريًّا في تعقيد الصراع في شرق الكونغو، خاصةً مع تمتع المنطقة بحوالي 80% من احتياطيات معدن الكولتان في العالم المهم في صناعة الأجهزة الإلكترونية، والمعادن النادرة الأخرى.
وقد برزت أبعاد دولية للصراع، لا سيما في ظل التنافس الأمريكي الصيني على الموارد؛ حيث لعبت الشركات الصينية دورًا رئيسيًّا في قطاع التعدين الكونغولي لسنوات.
في حين تسعى واشنطن إلى تقليص هذا النفوذ من خلال اتفاقيات مثل “اتفاق المعادن” مع الحكومة الكونغولية. وذلك في إطار أوسع لإعادة تشكيل خارطة النفوذ الاستراتيجي في إفريقيا.
وبناء على ذلك، يبدو أن التباين الواضح في المواقف يجعل أي اتفاق محتمل مشروطًا بتوازنات سياسية وإقليمية دقيقة، لحل الصراع في شرق الكونغو.

3- ما الملفات المطروحة على طاولة جنيف؟
تشير المعطيات الميدانية وتقارير صحفية إلى أن مفاوضات جنيف لا تنطلق من أرضية مستقرة، بل تأتي في سياق تصعيد مستمر منذ توقيع اتفاق 4 ديسمبر في واشنطن.
وهو الاتفاق الذي أعلن تحالف المتمردين منذ البداية أنه “غير معني به”.
وقد تجلى ذلك عمليًا بعد أيام فقط من توقيعه، عندما سيطرت حركة 23 مارس على مدينة أوفيرا الاستراتيجية قرب الحدود مع بوروندي، ما استدعى رد فعل أمريكي غاضب دفع المتمردين إلى الانسحاب، دون أن يوقف ذلك دوامة العنف.
على الأرض، لم تتوقف الاشتباكات بين الحركة والجيش الكونغولي، المدعوم بميليشيات محلية، وصعد عملياته العسكرية عبر الطائرات المسيرة، وصولاً إلى تنفيذ ضربة نوعية في 24 فبراير الماضي.
وأسفرت هذه الضربة عن مقتل المتحدث باسم 23 مارس، ويلي نغوما.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح وقف إطلاق النار هشًا إلى حد كبير، مع تسجيل خروقات يومية من الطرفين، كان آخرها اتهام الحركة للحكومة بقصف قرية مينيمبوي.
وفي هذا السياق المعقد من بين المرتقب أن تناقش طاولة جينيف لحلحلة الصراع في شرق الكونغو، الملفات التالية:
- ملف وقف إطلاق النار وآليات مراقبته
ويعد أبرز القضايا المطروحة في مفاوضات جنبيف لحل الصراع في شرق الكونغو، حيث يُنتظر إعادة بحث آليات التحقق من الالتزام به.
علاوة على طرح مقترح إسناد هذه المهمة بشكل مشترك إلى بعثة الأمم المتحدة، ومؤتمر منطقة البحيرات العظمى. في محاولة لإضفاء قدر أكبر من المصداقية على أي اتفاق محتمل.
- ملف تبادل الأسرى
يأتي الملف كأولوية ثانية، لكنه لا يقل تعقيدًا، فحتى الآن، لا يوجد توافق واضح حول أعداد أو قوائم المحتجزين الذين سيتم الإفراج عنهم، رغم إدراج هذا البند ضمن تفاهمات سابقة في سياق مساعي حل الصراع في شرق الكونغو.
كما أن إعلان الحركة في مارس عن نيتها إطلاق سراح 5000 سجين لم يُنفذ، في حين تطرح كينشاسا مقاربة مختلفة تتحدث عن “دمج” بين الجيش والميليشيات المحلية، وهو طرح لم يكن جزءًا من الاتفاق الأصلي.
وفي المقابل، لا يزال المتمردون ينتظرون ردًا رسميًا على قوائمهم، ما يجعل هذا الملف مفتوحًا على احتمالات التعثر، رغم كونه من الملفات الإنسانية العاجلة.
- ملف الوصول الإنساني
يبقى أحد أبرز نقاط الإخفاقات في الجولات السابقة لحل الصراع في شرق الكونغو. فعلى الرغم من إعلان مؤتمر باريس لمنطقة البحيرات العظمى في خريف 2025 عن إعادة فتح مطار غوما لتسهيل وصول المساعدات.
بيد أن هذه الخطوة لم تُنفذ، بعد أن أكد تحالف المتمردين سيطرته على المطار ورفضه إعادة تشغيله في الوقت الحالي.
وبالتالي، يدخل هذا الملف إلى مفاوضات جنيف دون أي تقدم يُذكر، لكنه قد يشهد انفراجة نسبية في حال توافرت ضمانات دولية.
غير أن هذه الملفات الثلاثة، رغم أهميتها، تظل في جوهرها قضايا “إجرائية”، بينما تكمن العقدة الحقيقية في الملفات البنيوية الكبرى التي لا تزال معلقة منذ مفاوضات الدوحة.
وتشمل هذه القضايا: استعادة سلطة الدولة، والإصلاحات المؤسسية، والحوكمة، والترتيبات الأمنية، ونزع السلاح، إضافة إلى ملفات الهوية والمواطنة، وعودة اللاجئين والنازحين وإعادة توطينهم.
وذلك ضمن أولويات حل الصراع في شرق الكونغو.
وتزداد تعقيدات هذه الملفات في ظل تباين الرؤى بشكل حاد بين الطرفين؛ إذ يستند المتمردون إلى تفوق عسكري على الأرض لطرح مطالب جذرية، من بينها إعادة هيكلة النظام السياسي وتبني نموذج فيدرالي.
وهو ما ترفضه كينشاسا بشكل قاطع، نظرًا لما يحمله من تداعيات سياسية وسيادية.
في المقابل، تواجه الحكومة الكونغولية معضلة مزدوجة؛ فهي من جهة غير قادرة سياسيًا على تقديم تنازلات قد تُفسَّر كإضعاف لسلطة الدولة أو تهديد لوحدة البلاد، خاصة في ظل الضغوط الداخلية على الرئيس فيليكس تشيسيكيدي.
ومن جهة أخرى، تفتقر إلى التفوق العسكري الكافي لفرض شروطها على الأرض، حسب مراقبين.
هذا التوازن المختل يفسر حالة الجمود التي طبعت مفاوضات الدوحة، والتي يبدو أنها تنتقل الآن إلى جنيف، حيث تواصل كينشاسا التردد في الانخراط الكامل في تنازلات سياسية.
بينما تراهن الحركة على عامل الوقت لتعزيز مكاسبها الميدانية وترسيخ نفوذها.
وبذلك، فإن طاولة جنيف لا تبحث فقط في ملفات تقنية أو إنسانية، بل تواجه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بإمكانية معالجة جذور الصراع في شرق الكونغو، في ظل فجوة عميقة بين منطق الدولة ومنطق القوة على الأرض.

4- هل تمثل مفاوضات سويسرا الفرصة الأخيرة للسلام؟
من ناحية، يرى بعض المراقبين أن هذه الجولة تمثل فرصة أخيرة لإحياء المسار السياسي لحل الصراع في شرق الكونغو، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية وخطورة الوضع الميداني.
لكن من ناحية أخرى، تشير مؤشرات عديدة إلى احتمال تحولها إلى مأزق دبلوماسي جديد، للأسباب التالية:
- استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع المفاوضات.
- اتساع فجوة المواقف بين الأطراف.
- احتمال توسيع الحوار ليشمل شخصيات مثيرة للجدل مثل الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا، ما قد يزيد الانقسام.
- غياب توافق واضح حول مستقبل النظام السياسي.
كما أن التداخل الإقليمي في الصراع في شرق الكونغو، خاصة دور رواندا، يضيف طبقة إضافية من التعقيد، تجعل الحل غير مرتبط فقط بالإرادة الداخلية، بل أيضًا بالتوازنات الإقليمية والدولية.
في المحصلة، تبدو مفاوضات سويسرا أقرب إلى اختبار حاسم، إما أن تفتح نافذة لتهدئة مستدامة، أو تؤكد أن الصراع في شرق الكونغو دخل مرحلة أكثر تعقيدًا يصعب احتواؤها بالوسائل الدبلوماسية التقليدية.











































