تمهيد:
يتزايد تأطير تقاطع الإستراتيجيات الأمريكية الإسرائيلية مع النفوذ الإيراني وإستراتيجياته في إفريقيا من منظور حرب دينية أو صراع حضارات. وهذا التأطير ليس مجرد خطابٍ بلاغي، بل هو متجذر في سرديات لاهوتية راسخة، وسوابق تاريخية لعقلية الحملات الصليبية، والتعبئة الإستراتيجية للهوية الدينية لتبرير التوسع العسكري والسياسي. وفي الجهة الأخرى؛ تقديم إيران نفسها بأنها ملاذ المستضعفين، والقوى الفاعلة في مواجهة الشيطان الأكبر. وفي سياق الحرب الجارية؛ انتقل هذا البُعد الديني من هامش الخطاب الدبلوماسي إلى صميم التبرير العسكري.
وقد وَجد هذا البُعد بعض الأراضي الخصبة في إفريقيا، تلك الأرض التي أُلقيت فيها بذور هذا البُعد منذ عقود. ومنه؛ فإن تتبع هذا البُعد من منظور ديني، بالإضافة إلى البُعدين الاقتصادي والأخلاقي، لَهُو من الأهمية بمكانٍ لاستبيان الخيارات الموجودة أمام بلدان القارة، للنأي بنفسها عن هذه الصراعات الدينية والحضارية. وهو ما سيتناوله المقال من خلال المحاور الآتية:
أولاً: التأطير اللاهوتي للصراع والسوابق التاريخية للخطاب الديني.
ثانياً: إيران ضد إسرائيل- في المنظور الديني الإفريقي.
ثالثاً: البُعد الاقتصادي للصراع على إفريقيا.
رابعاً: الحرب من منظور أخلاقي إفريقي.
أولاً: التأطير اللاهوتي للصراع والسوابق التاريخية للخطاب الديني:
يُفسّر الصراع القائم بين أمريكا وإسرائيل في مواجهة إيران من قِبل جهات فاعلة من خلال منظور علم الأخرويات (نهاية الزمان). فداخل الولايات المتحدة؛ استخدمت بعض قطاعات القيادة السياسية والعسكرية روايات توراتية من «سفر الرؤيا» لتصوير الحرب ضد إيران على أنها مقدمة لنهاية العالم[1]، حيث تحولت القواعد العسكرية الأمريكية إلى منابر تبشيرية تُنذر بنهاية العالم. تسبَّب هذا الانحراف في موجة فزع داخل الجيش نفسه، إذ كشفت مؤسسة الحرية الدينية العسكرية عن تلقيها سيلاً من الشكاوى بهذا الخصوص[2]. يخدم هذا الخطاب غرضين: توفير مبرر أخلاقي مطلق للعمل العسكري، وضمان دعم الدوائر الصهيونية المسيحية التي تنظر إلى الدفاع عن إسرائيل ومواجهة إيران على أنه تكليف إلهي[3]. وبالمثل؛ استحضرت القيادة الإسرائيلية رواية «عماليق»، وهي إشارة توراتية إلى عدو أبدي للشعب اليهودي يجب استئصاله[4]. استشهد نتنياهو بـ«عيد بوريم» في تصريحاته، مُقارِناً بين بلاد فارس القديمة قبل 2500 عام والنظام الإيراني الحديث: في بلاد فارس القديمة؛ ثار عدوٌّ ضدنا بنفس الهدف تماماً، وهو إبادة شعبنا. لكنّ مردخاي اليهودي والملكة أستير أنقذا شعبنا. في سفر أستير، سعى مسؤول فارسي إلى إبادة الشعب اليهودي. واليوم، تُهدد القيادة الإيرانية إسرائيل.
ينطبق القلق نفسه على الولايات المتحدة، فقد ظهرت تقارير تصف خطاباً دينياً بين شخصيات عسكرية وسياسية أمريكية، من بينهم قائد وحدة قتالية، يستشهد بسفر الرؤيا، «هرمجدون وعودة يسوع المسيح الوشيكة» كمبرر للحرب مع إيران. وأضف إلى ذلك ما صرح به السفير الأمريكي في تل أبيب، في فبراير 2026م، حول الحق التوراتي لإسرائيل[5].
يُقدّم التاريخ دروساً مُرّة؛ فخلال الحروب الصليبية صوّر الحكام طموحاتهم الإقليمية والسياسية على أنها واجبات مقدسة، فكانت النتيجة أجيالاً من إراقة الدماء التي رسّخت الانقسامات الحضارية. وفي حرب الثلاثين عاماً، دمّر الاستبداد الديني أوروبا وجعل السلام التفاوضي شبه مستحيل.
لا يعني هذا أن إيران ليست تهديداً خطيراً، بل هي كذلك. فحرسها الثوري يدعم ميليشيات وكيلة في أنحاء المنطقة، وتُنذر طموحاتها النووية بإشعال سباق تسلح أوسع في الشرق الأوسط. في المقابل؛ فإن استخدام مصطلح «الحملة الصليبية» يُضيّق الخناق على الجميع. فملايين الإيرانيين احتجوا على حكومتهم، يتوق الكثيرون إلى الحرية، والفرص الاقتصادية، وعلاقات طبيعية مع العالم. وعندما يُؤطّر القادة الغربيون الصراع بمصطلحات دينية صريحة؛ فإنهم يُخاطرون بتنفير هؤلاء المعارضين أنفسهم، وحينها يبدو الصراع حضارياً لا سياسياً، وعندما يحوّل القادة الحرب إلى صراع ديني؛ فإنهم يضيّقون خياراتهم ويزيدون من صلابة خصومهم[6].
ويشير الباحثون إلى أن خطاب «الحملة الصليبية» الذي استخدمته إدارة بوش في أعقاب هجمات 11 سبتمبر؛ قد أرست سابقةً للنظر إلى الصراعات الإقليمية على أنها دراما أخلاقية وليست نزاعات سياسية[7]. فمن خلال الاستشهاد بالنصوص المقدسة والخطط الإلهية؛ يُحوّل القادة قضايا معقدة تتعلق بالحدود الإقليمية وانتشار الأسلحة النووية إلى معارك وجودية لا تترك مجالاً يُذكر للتسوية. إنّ «تقديس السياسة» هذا يضمن اعتبار المخاطر أزلية، ما يجعل وقف الأعمال العدائية مسألة خيانة دينية لا ضرورة إستراتيجية[8].
كل ذلك يمكن وضعه تحت ما يُسمّى بـ«الرسالية الأمريكية»، وهو المبدأ الذي صاغ الهوية الوطنية للولايات المتحدة، حيث ترى نفسها أنها تمتلك مهمة حضارية كونية تفرض عليها دوراً ريادياً في توجيه البشرية نحو قيم محددة، وقد تغذت الرسالية الأمريكية من جذور دينية بروتستانتية، وصُبغت بصبغة ليبرالية خلال عصر التنوير، وتحولت إلى إستراتيجية جيوسياسية للهيمنة العالمية[9].
ثانياً: إيران ضد إسرائيل- في المنظور الديني الإفريقي:
في المواجهة بين إيران وإسرائيل، ورغم وجود مؤيدين متحمسين للنظام الإسرائيلي في بعض الأوساط البروتستانتية الإفريقية الخاضعة للنفوذ الأمريكي، فإن التعاطف يتحوّل بشكلٍ متزايد نحو إيران. كما يُعرب غالبية مؤيدي العالم متعدد الأقطاب بوضوح عن تعاطفهم مع إيران. ويمكن فهم المنظور الإفريقي للصراع الإيراني الإسرائيلي، ولو جزئياً، من خلال عدسة الحرب الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين، وفي مقدمتها غزة. فبعد ما يقرب من عامين من الإبادة الجماعية لا يزال نظام تل أبيب عاجزاً عن السيطرة على قطاع غزة. وهذا الفشل تحديداً هو ما يدفع النظام إلى محاولة إشعال حرب إقليمية واسعة النطاق، بمشاركةٍ مباشرة من واشنطن. أما فيما يتعلق بالمنظور الإفريقي تحديداً، فيكمن الاختلاف الجوهري في أننا نشهد أولاً: تطرفاً أكبر بين مؤيدي إسرائيل، يرتبط غالباً بحركات دينية بروتستانتية. من جهة أخرى؛ فإن المتعاطفين مع إيران هم في الغالب أفراد يتبنون قيم السيادة والوحدة الإفريقية، وبالطبع: النظام العالمي متعدد الأقطاب.
وهناك نقطة جوهرية؛ وهي تبدد الخرافات المحيطة بمكانة إسرائيل المزعومة كقوة عظمى إقليمية، والتي تشمل الاعتقاد بعدم وجود قوى جادة في المنطقة قادرة على شن ضربات انتقامية مؤثرة عليها، وفكرة أن أنظمة الدفاع الجوي لديها «منيعة»، فقد أثبتت الضربات الإيرانية الانتقامية عكس ذلك تماماً. وتؤثر هذه التطورات تأثيراً إستراتيجياً في تشكيل الرأي العام في العديد من الدول الإفريقية.
وعلى الرغم من وضوح هذه الحقائق؛ فلا يزال أنصار إسرائيل في إفريقيا- وخاصةً في بعض دول غرب إفريقيا- يدعمون أعمال إسرائيل، كما أنهم يستحضرون روايات شبه دينية فيما يُشبه سلوك الطوائف، تزعم هذه الروايات أن شعب إسرائيل «مختار»، وأن تصرفات إيران وحلفائها ستؤدي حتماً إلى «عقاب إلهي»، وكل ذلك يُزعم أنه يتماشى مع الوصايا «المسيحية». يؤكد كل هذا التلاعب السافر، على يد من يُسمّون بـ«الرعاة»، حجم التأثير الذي طال قطاعات واسعة من السكان في أنحاء متفرقة من إفريقيا. غير أنه بفعل العدوان الإسرائيلي ورد إيران عليه؛ بدأ يتضاءل عدد الأشخاص- في إفريقيا وخارجها- الذين يتقبلون تلك الأكاذيب الفاضحة والتلاعب الفجّ[10].
في الوقت نفسه، يُمثل تعامل إيران مع إفريقيا مزيجاً متقناً من «القوة الناعمة» والتواصل الديني. فمنذ 1979م، سعت طهران إلى تصدير أيديولوجيتها الثورية، وغالباً ما قدّمت نفسها كبطلة «المستضعفين» في مواجهة «الغطرسة» الغربية[11]، ويتجلى ذلك من خلال دعم المجتمعات الشيعية، وإنشاء مراكز ثقافية ومدارس ومستشفيات. وقد نجحت طهران في دعم المجتمعات الشيعية في دول غرب إفريقيا مثل نيجيريا والسنغال وغانا. وتُعدّ الحركة الشيعية في نيجيريا، بقيادة إبراهيم الزكزكي، أبرز مثال على حركة مستوحاة من إيران تتحدى النظام السُّنّي[12]. ومن خلال جامعة المصطفى، ومنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، تُقدّم منحاً دراسية للطلاب الأفارقة، الذين يعودون إلى أوطانهم كسفراء للفكر الإيراني[13].
وفضلاً عن ذلك؛ أدى انسحاب القوى الغربية من منطقة الساحل، وتحديداً مالي وبوركينا فاسو والنيجر، إلى فراغ تسعى إيران جاهدةً لملئه. ويلقى تصوير الصراع على أنه حرب دينية صدًى واسعاً في هذه المناطق، حيث تتصاعد المشاعر المعادية للغرب. وقد سعت إيران إلى تعزيز علاقاتها مع تحالف دول الساحل، عارضةً تكنولوجيا عسكرية، مثل الطائرات المسيّرة، ومناقشة التعاون في قطاع التعدين، ولا سيما فيما يتعلق باحتياطيات اليورانيوم في النيجر[14]. وبالنسبة لهذه الدول؛ تُمثل إيران شريكاً لا يفرض نفس شروط «الديمقراطية الليبرالية» التي يفرضها الغرب، بينما توفر هذه التحالفات لإيران وسيلةً للالتفاف على العقوبات وبسط نفوذها بعيداً عن حدودها[15].
لتصعيد هذه «الحرب المقدسة» آثارٌ اقتصادية وحضارية ملموسة على إفريقيا. أدى تعطيل طرق التجارة، وتحديداً تحويل مسار الشحن من قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح، إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود[16]. كذلك؛ فإن «التأطير الحضاري» الذي يستخدمه الأمريكيون والإسرائيليون- والذي يصوّر الحرب على أنها صراع ضد «أوهام إسلامية نبوية»- يُنذر بتنفير السكان السُّنة والشيعة على حدٍّ سواء في القارة، مما قد يُؤجّج التطرف[17].
ثالثاً: البعد الاقتصادي للصراع على إفريقيا:
يعود الوجود الإيراني في إفريقيا إلى شبكات التجارة في المحيط الهندي في القرن السادس عشر. ومنذ ستينيات القرن الماضي، شهدت العلاقات التجارية تحديثاً وتكثيفاً في عهد آخر شاه للبلاد (محمد رضا بهلوي)، واستمرت هذه العلاقات في ظل حكم الملالي.
لدى طهران مصلحة في تعزيز شراكاتها الإستراتيجية مع الدول الإفريقية، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب العقوبات الدولية قدر الإمكان. ويلعب تصدير المعرفة التكنولوجية والصناعية دوراً بالغ الأهمية. في عام 2025م، شهد حجم التبادل التجاري بين إيران وإفريقيا ارتفاعاً ملحوظاً، حيث زادت الصادرات الإيرانية بنسبة 85% مقارنةً بعام 2024م. وتستقبل إيران أعداداً كبيرة من الطلاب الأفارقة في جامعاتها، كما تُقيم شراكات تكنولوجية وثقافية مع العديد من دول القارة. وتنشط أيضاً في القطاعين الإنساني والصحي.
اقتصادياً؛ تأتي الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في وقتٍ عصيب بالنسبة للعديد من الاقتصادات الإفريقية[18]، إذ إن ضعف الدولار وانخفاض أسعار الفائدة قد منحا بعض الراحة للعديد من الدول المثقلة بالديون. تُعطّل الحرب التجارة العالمية، إذ تُحوّل مسار السفن من قناة السويس إلى رأس الرجاء الصالح، مما يزيد تكاليف الشحن ويرفع الأسعار على المستهلكين. فعلى سبيل المثال: ارتفعت أسعار الوقود في محطات نيجيريا بنحو 11% هذا الأسبوع. ويُحذر المحللون من تداعيات اقتصادية على العاملين في الخارج، مثل أكثر من 400 ألف كيني يعملون في دول الخليج.
إيران لا تزال أقل حضوراً في إفريقيا من بعض القوى الغربية بنحو 22 بعثة دبلوماسية فقط، ومن خلال هذه السفارات تحافظ على علاقات في مجالات عديدة، كما تنظم منتديات ولقاءات مع إفريقيا. وحاولت ملء الفراغ الذي تركه تراجع النفوذ الغربي في الساحل، ساعيةً إلى تعميق علاقاتها مع تحالف دول الساحل. في نهاية فبراير، استقبل الرئيس الإيراني وزير دفاع بوركينا فاسو في طهران لبحث تعزيز الشراكة في المجال الأمني. وزار رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين طهران في يناير 2024م.
تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى إيران بالسعي لتخصيب اليورانيوم. لذا؛ قد يكون سوق اليورانيوم الإفريقي ذا أهمية بالنسبة لطهران، ولا سيما سوق النيجر، التي تضم منجمين مهمَّين، حيث استُخرج منهما نحو 5% من إنتاج اليورانيوم العالمي في عام 2022م. ويُذكر أن المجلس العسكري الحاكم في النيجر وإيران كانا «يعملان سراً على صفقة» لشراء 300 طن من اليورانيوم، بعد نحو شهر من انقلاب يوليو 2023م[19].
رابعاً: الحرب من منظور أخلاقي إفريقي:
أوحى مقتل ما لا يقل عن 165 طفلةً في غارة واحدة على مدرسة ابتدائية جنوب إيران، والاستهتار التام من قِبل إسرائيل بحياة الإنسان في حرب الإبادة الجماعية في فلسطين، بالتراجع الأخلاقي للإمبراطورية الغربية وتوابعها، بل كشف أيضاً عن هيمنة العرق الأبيض في أبشع صورها. إن تحالف الصهاينة والفاشيين في الولايات المتحدة ليس مجرد محاولة لإحياء إمبريالية تحتضر، بل هو محاولة لإعادة تشكيل العالم بطريقة تجعله ساحة لعب للأثرياء البيض.
في الوقت الراهن، يُعدّ هذا العدوان هجوماً على حق تقرير المصير لإحدى أقدم الحضارات في العالم. وعلى المدى البعيد، تُعتبر الحرب على إيران حرباً على الشعوب الإفريقية، وعلينا أن ندرك أن تداعياتها بدأت تظهر بالفعل في بعض المناطق. إن علاقات إفريقيا، ولا سيما منطقة شرق إفريقيا، مع غرب آسيا تتجاوز مجرد 500 عام من الهيمنة والوساطة الرأسمالية الغربية. فروابط تنزانيا مع عُمان، وتاريخ إثيوبيا وإريتريا مع اليمن، هذه الروابط وإنْ لم يُسلَّط الضوء عليها اليوم؛ إلا أنها واضحة في المسار التاريخي لهذه البلدان. يمكن أيضاً النظر في كيفية حصول نضال إريتريا من أجل الاستقلال على دعم من مقاتلي التحرير اليمنيين، وتواصله مع حركة التحرير الفلسطينية.
هذه الحقائق مهمة في تصوّر عالَم يتجاوز الهيمنة الغربية، ولكن في المشهد الجيوسياسي الراهن، يجب وضعها في سياقها وفقاً لتسلسل القوى الإمبريالية. لقد فاقم الهجوم على إيران، واحتمالية اندلاع حرب إقليمية شاملة، التناقضات، وأدى إلى ضرورة استخدام القوة الغاشمة لتحقيق موقع متميز في تسلسل القوى الإمبريالية، الضعيفة والقوية. كما أعادت هذه التناقضات طرح مسألة الأغلبية العالمية، ودورها الفاعل في العملية التاريخية[20].
إن الهدف النهائي للولايات المتحدة هو دعم استقرار الكيان الصهيوني وتوسعه لضمان هيمنته الإقليمية بالوكالة؛ في محاولتها لعكس تراجع هيمنتها. ومع إحياء مبدأ مونرو في محاولات السيطرة على الأمريكيتين؛ تُعتبر الحرب الصهيونية على إيران فرصةً للهيمنة على غرب آسيا. كما برزت مساعي الولايات المتحدة بشكلٍ أوضح في تحركاتها في إفريقيا: صفقات المعادن الضرورية للتقدم التكنولوجي على حساب الشعب الكونغولي[21]؛ وانتهاج السياسات الصحية الاستغلالية في إفريقيا، وسط تراكم البيانات اللازمة للحرب الحديثة[22]؛ والهجوم على فنزويلا وكوبا، ومنطقة الكاريبي ككل، لتأمين النفط وسحق التعاون؛ يجب اعتبار كل ذلك نابعاً من حاجة الهيمنة الأمريكية والصهيونية إلى تجاوز تراجعها وحدودها الموضوعية.
يجب فهم مدى تفاقم تداعيات هذه الحرب على إفريقيا. فبالنسبة لإسرائيل؛ فإن مواجهة إيران لم تُعزز فقط اعتمادها على الهيمنة الأمريكية، بل زادت أيضاً من حاجتها لاستغلال إفريقيا ومحاولة السيطرة عليها. يجب على الأفارقة أن يدركوا كيف تتواطأ بعض الدول الإفريقية، كإثيوبيا، في استغلال الأفارقة، ليس فقط من خلال تسهيل انتقال فتيات صغيرات للعمل كعاملات منازل في المنطقة، بل أيضاً بانتقال اليهود الأفارقة إلى جبهات القتال الصهيونية ضد الفلسطينيين. فعلى الرغم من أن المستوطنين الصهاينة من أصل إثيوبي لا يمثلون سوى 1.7% من السكان[23]؛ فإنهم تكبدوا نسبةً غير متناسبة بلغت 4.5% من الخسائر العسكرية في حرب الإبادة الجماعية الحالية. إن معدل وفياتهم غير المتناسب يعكس مساراً، متستراً وراء عقيدة متوارثة، يؤدي إلى ارتفاع معدلات «تجنيدهم» ومشاركتهم في القتال بشكل استثنائي، حيث يخدم ما يقرب من 90% من الشباب الإثيوبيين الإسرائيليين في الجيش (نصفهم في أدوار قتالية)، بينما تبلغ نسبة تجنيد النساء الإثيوبيات الإسرائيليات حوالي 70%، وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط الوطني للإناث البالغ 58%. لذلك؛ لا ينبغي أن يكون هناك تناقض في سبب قيام كيانٍ يقبل اليهود الأفارقة بالعيش على أرض سرقها واحتلها بتعقيم أولئك الذين يخوضون هذه الرحلة- فالأفارقة لا يُقدَّرون لانتمائهم الديني الذي تستغله الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بل لأجسادهم التي يمكن التضحية بها، والتي لا يزال النظام الرأسمالي العنصري يعتمد عليها. فإن التحالف لا يحترم ولا يُقدّر معتقدات وثقافات الشعوب خارج قاعدته، وهو ما ينبغي أن يكون بمثابة تحذير لأصحاب الديانات والأعراق المختلفة، بما في ذلك نيجيريا على سبيل المثال، فإذا كانت الولايات المتحدة تدّعي «دعم» المسيحيين في نيجيريا، وفي ظل دعم الصهاينة التاريخي لحركة بيافرا الانفصالية، فينبغي التساؤل عن سبب إتاحة الفرصة للبوير (البيض) في جنوب إفريقيا للهجرة إلى الولايات المتحدة، دون إتاحة فرصة مثلها للمسيحيين النيجيريين، إذا كانت أوضاع المسيحيين في نيجيريا ذات أهمية قصوى كما تدّعي؟! الرابط الوحيد هنا هو هيمنة العرق الأبيض[24].
في سعيها للهيمنة الكاملة على الفلسطينيين وإبادتهم؛ اتخذت إسرائيل خطوات عدوانية للتأثير في إفريقيا. ومع زعزعة استقرار مضيق هرمز؛ بات النفوذ على الدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر ذا أهمية متزايدة للصهاينة، والاعتراف الصهيوني الأحادي ببعض كيانات المنطقة جزءٌ من ذلك، فهو يعكس استعداد الكيان الصهيوني للمواجهة العسكرية وحاجته إلى منفذ بحري هناك. ومع تزايد أعمال التخريب التي يقوم بها الحوثيون وتأثيرها في ميناء حيفا؛ سيحتاج الصهاينة إلى وجود فعلي في مضيق باب المندب. ومع استمرار الحرب، لن تقتصر أهمية البحر الأحمر وإفريقيا على الوصول إلى الأراضي والعمالة والتجارة، بل ستتعداها لتشمل توفير الغذاء والماء لدول الخليج.
كما أن القمة الأمنية الأخيرة التي أعلنت عنها كيغالي[25]، لاستضافة التحالف الأمريكي الصهيوني، والتي تُدرج فيها رواندا كـ«شريك محوري»، لا تُظهر فقط إحدى أضعف حلقات التحالف في إفريقيا، بل تُشكّل أيضاً جبهة أخرى مكشوفة يسعى الكيان إلى تعزيزها لضمان وصوله إلى إفريقيا. كما نشهد دعماً إمبريالياً للنخب الانفصالية من الصومال إلى السودان وإثيوبيا.
وبينما اختارت شعوب غرب إفريقيا الوحدة الإفريقية، في مواجهة الإمبريالية الفرنسية، تظهر التطورات الأخيرة في نيجيريا وتمركز القوات الأمريكية هناك. وتُعدّ التطورات الأخيرة المتعلقة بتمركز القوات الأمريكية في نيجيريا[26]، والاستعراضات العسكرية في شرق إفريقيا، تعبيرات عسكرية تعكس حاجة القوى الأجنبية المتزايدة للسيطرة على إفريقيا، أكثر من أي وقتٍ مضى.
ختاماً:
بينما تسعى أمريكا وإسرائيل لتسويق روايتهما الدينية، مهاجمتَين إيران- وإن كان من حق الأخيرة الدفاع عن نفسها عسكرياً، ودينياً وأخلاقياً أيضاً- إلا أنهما قد أضرّا بالجميع دينياً وأخلاقياً واقتصادياً.
تجد كلا الروايتين من يدعمهما في إفريقيا، على الرغم من وجود طريق ثالث، وهو طريق الاعتدال. حيث توجد قوى معتدلة، لا تتحرك بشكل نفعي، ولا تنخرط في صراعات من هذا النوع، ألا وهي القوى العربية، فلم يجد الأفارقة ما يضيرهم من تلك القوى، فشراكات الدول العربية مع إفريقيا قائمة على النفع المتبادل، وغياب الشروط والأجندات إلى حدٍّ كبير، ولها من القوة الصلبة والإمكانات الاقتصادية ما يوفر طريقاً سالكاً للتنمية والاستقرار والإنسانية. وقد تضرر العرب والأفارقة على حدٍّ سواء من حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فلا مناص من التكامل الإفريقي أولاً، ثم اختيار النفع غير المشروط. مع توازن الشراكات الإستراتيجية مع القوى العالمية، سواءٌ الغرب، أو الشرق متمثلاً في البريكس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
[1] Why are the US and Israel framing the ongoing conflict as a religious war? .at: https://www.aljazeera.com/news/2026/3/4/why-are-the-us-and-israel-framing-the-ongoing-conflict-as-a-religious-war
[2] Michael L., MRFF Inundated with Complaints of Gleeful Commanders Telling Troops Iran War is “Part of God’s Divine Plan” to Usher in the Return of Jesus Christ.3/3/2026.at: https://www.militaryreligiousfreedom.org/2026/03/mrff-inundated-with-complaints-of-gleeful-commanders-telling-troops-iran-war-is-part-of-gods-divine-plan-to-usher-in-the-return-of-jesus-christ/
[3] Walt, Stephen and John J. Mearsheimer. “The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy.” KSG Faculty Research Working Paper Series RWP06-011, March 2006.at: https://www.hks.harvard.edu/publications/israel-lobby-and-us-foreign-policy
[4] Goldberg, Robert Alan. Enemies Within: The Culture of Conspiracy in Modern America. Yale University Press, 2001. at: https://academic.oup.com/yale-scholarship-online/book/17546
[5] Maia Davies, US ambassador’s Israel comments condemned by Arab and Muslim nations.22/2/2026.at: https://www.bbc.com/news/articles/cn5gkkgdzkyo
[6] Eli Federman, The war on Iran is not a religious war — political leaders should stop speaking as though it is.5/3/2026.at: https://www.abc.net.au/religion/eli-federman-the-war-on-iran-is-not-a-religious-war/106418490
[7] Lincoln, Bruce. Holy Terrors: Thinking about Religion after September 11. University of Chicago Press, 2003. at: https://www.bibliovault.org/BV.book.epl?ISBN=9780226481951
[8] Juergensmeyer, Mark. Terror in the Mind of God: The Global Rise of Religious Violence. University of California Press, 2003. at: https://discovered.ed.ac.uk/discovery/fulldisplay?vid=44UOE_INST:44UOE_VU2&docid=alma9912069113502466&context=L
[9] أحمد رمضان عبد الجليل، الرسالية الأمريكية والقدر المتجلي في إدارة ترامب للقضايا الإفريقية. قراءات إفريقية. 24/2/2026. متاح على الرابط: https://qiraatafrican.com/36383
[10] Mikhail Gamandiy, Iran vs Israel: An African Perspective.25/6/2025. at: https://journal-neo.su/2025/06/25/iran-vs-israel-an-african-perspective/
[11] Esposito, John L. The Islamic Threat: Myth or Reality? Oxford University Press, 1999. At: https://www.ajis.org/index.php/ajiss/article/download/2529/1643/3980
[12] Falola, Toyin. Violence in Nigeria: The Crisis of Religious Politics and Secular Ideologies. University of Rochester Press, 1998. at: https://www.abebooks.com/9781580460187/Violence-Nigeria-Crisis-Religious-Politics-1580460186/plp
[13] Wastnidge, Edward. (2016) 2016. Diplomacy and Reform in Iran. 1st ed. Bloomsbury Publishing. https://www.perlego.com/book/917878/diplomacy-and-reform-in-iran-foreign-policy-under-khatami-pdf.
[14] Nikolas Fischer, How the US-Israel war with Iran is reshaping Africa. 5/3/2026. at: https://www.dw.com/en/how-the-us-israel-war-with-iran-is-reshaping-africa/a-76223689
Also:Shinn, David H., and Joshua Eisenman. China and Africa: A Century of Engagement. University of Pennsylvania Press, 2012. at: https://www.researchgate.net/publication/286231256_China_and_Africa_A_century_of_engagement
[15] Levitt, Matthew. Hezbollah: The Global Footprint of Lebanon’s Party of God. Georgetown University Press, 2013. at: https://muse.jhu.edu/book/26554
[16] Nikolas Fischer
[17] Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. Simon & Schuster, 1996. at: https://msuweb.montclair.edu/~lebelp/1993SamuelPHuntingtonTheClashOfCivilizationsAndTheRemakingofWorldOrder.pdf
[18] لمزيد من التفصيل: انظر: مجدي محمد محمود، التأثيرات الحالية والمحتملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية– الإيرانية على اقتصاد إفريقيا جنوب الصحراء، قراءات إفريقية .5/3/2026. متاح على الرابط:
[19] Nikolas Fischer, How the US-Israel war with Iran is reshaping Africa.5/3/2026.at: https://www.dw.com/en/how-the-us-israel-war-with-iran-is-reshaping-africa/a-76223689
[20] Mahder Habtemariam Serekberhan, The War on Iran: A Pan African Perspective.6/3/2026.at: https://www.pambazuka.org/PanAfrican-Perspective-Iran-War
[21] Horace Campbell, The Fraudulent Peace Accord between the Democratic Republic of the Congo and Rwanda signed in Washington DC, June 2025.10/7/2025. at: https://www.pambazuka.org/Fraudulent-Peace-Accord
[22] Ahmed Olayinka Sule, America First, Africa Last: Data Extraction from Africa’s Bodies and the Erosion of Health Sovereignty.22/1/2026. at: https://www.pambazuka.org/Data-Extraction-from-Africa
[23] YAAKOV KATZ, As thousands stay away, Ethiopian Israelis pay a heavy price in Gaza war – opinion.11/7/2025.at: https://www.jpost.com/opinion/article-860671
[24] Mahder Habtemariam Serekberhan. Op. cit.
[25] Lazar Berman, Rwanda security summit looks to expand Israel-US partnership to Africa.19/2/2026.at: https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/rwanda-security-summit-looks-to-expand-israel-us-partnership-to-africa/
[26] Horace Campbell, Trump’s Strike on Nigeria Will Not End Well for President Bola Tinubu.22/1/2026.at: https://www.pambazuka.org/Trump-Strike-on-Nigeria











































