بقلم: داني برادلو Danny Bradlow
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
-يواجه الاقتصاد الإفريقي تداعيات اضطرابات الاقتصاد العالمي، بين فرص النمو المدفوعة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومخاطر التضخم ونقص السلع الأساسية.
-رغم توقعات نمو الاقتصادات الإفريقية بنحو 4.5% خلال عامي 2026 و2027، لا تزال القارة تواجه تحديات الفقر وارتفاع الديون وتراجع قدرتها على تمويل التنمية.
– تتفاقم الضغوط المالية على الدول الإفريقية بفعل ارتفاع تكاليف خدمة الديون وتراجع المساعدات الإنمائية، إلى جانب صعوبة تعبئة التمويلات اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
– تبرز الحاجة إلى تعزيز الاعتماد على الموارد المالية المحلية، وتفعيل دور المؤسسات المالية الإقليمية، وتحسين إدارة الديون، والمطالبة بإصلاح النظام الضريبي والمالي الدولي.
-تطرح هذه التحديات ستة مسارات للتحرك الإفريقي، تشمل توظيف المدخرات المحلية، وتعزيز المؤسسات المالية القارية، وتطوير أدوات إدارة الديون، وإصلاح النظام الضريبي الدولي، ومواصلة المطالبة بالتعويضات عن الرق، وتعزيز إصلاح صندوق النقد الدولي.
* * *
يمرّ الاقتصاد العالمي بحالة معقدة. فمن جهة، يعاني التضخم ونقص الغذاء وغيره من السلع الأساسية، بسبب الصراعات في أوكرانيا ومنطقة الخليج. ومن جهةٍ أخرى، يشهد تفاؤلاً ونمواً تغذيهما زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وهذا الوضع يمثل تهديداً وفرصة لإفريقيا في آنٍ واحد.
على الجانب الإيجابي، يتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن تنمو إفريقيا بنحو 4.5% في عامي 2026م و2027م، وهو معدل يفوق تقديرات الصندوق للنمو العالمي: 3.1% في 2026م و3.4% في 2027م. ويرى الصندوق أن البلدان الإفريقية تجني اليوم ثمار إصلاحات الاقتصاد الكلي الصعبة التي نفذتها مطلع القرن، وهي إصلاحات تساعد حكوماتها على امتصاص صدمات الحرب في أوكرانيا والخليج.
الصورة ليست وردية:
لكن الصورة ليست وردية. فقد حذّر البنك الدولي من أن مستويات الفقر في إفريقيا عام 2027م ستكون أعلى منها في 2022م، فيما يشير الأونكتاد إلى أن الدين العام في القارة يزداد منذ عام 2010م بوتيرة تفوق نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو أربعة أضعاف.
كما تتراجع قدرة الحكومات الإفريقية على الحد من الفقر. فهي تنفق في المتوسط 12% من إيراداتها العامة على خدمة الديون، وهو مبلغ يتجاوز، بحسب الأونكتاد، ما تستثمره بلدان نامية كثيرة في الصحة أو التعليم. وحذر مدير قسم إفريقيا في صندوق النقد الدولي من أن القارة قد تواجه تفاقماً في انعدام الأمن الغذائي وارتفاعاً في التضخم، نتيجة الأثر المشترك لارتفاع أسعار الأسمدة وظاهرة النينيو.
وتتزايد الأدلة على أن البلدان الإفريقية لن تتمكن من تعبئة 4.1 تريليونات دولار أمريكي المطلوبة بحلول 2030م لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وتلبية احتياجاتها المناخية. فمنذ عام 2010م، تضاعف متوسط الدين الخارجي للبلدان الإفريقية كنسبة من الصادرات ليبلغ 140%. وارتفعت بشكل كبير حصة الديون المستحقة للدائنين من القطاع الخاص، لتمثل نحو 45% من مجموع ديون إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وغالباً ما تدفع إفريقيا كلفة أعلى لهذا التمويل مقارنةً ببلدان مماثلة في مناطق أخرى.
ويأتي ذلك في وقت تراجعت فيه المساعدة الإنمائية الرسمية، وهي مصدر تمويل تاريخي مهم لمشاريع التنمية وبرامجها في القارة، بنسبة 24% في 2025م مقارنةً بعام 2024م، ويُتوقع أن تنخفض أكثر في 2026م و2027م.
دور البنوك متعددة الأطراف:
وأصبحت بنوك التنمية التقليدية متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي، مصدراً متزايد الأهمية لتمويل البلدان الإفريقية، ويُعدّ البنك الدولي الدائن الرئيسي لإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتؤكد هذه المؤسسات أنها تعمل على زيادة حجم التمويل الذي تقدمه؛ فقد أعلن البنك الدولي مثلاً أن تعاونه مع القطاع الخاص تمكّن من تعبئة 35 مليار دولار في 2023م و112 مليار دولار في 2025م. غير أن تمويل البلدان المنخفضة الدخل لم يشهد نمواً يُذكر؛ إذ لم يزد تمويل البنك الدولي للبلدان النامية على 1% سنوياً بالقيمة الحقيقية منذ عام 2000م.
ست طرق لاغتنام الفرص :
يتضح مما سبق أن إفريقيا تواجه بيئة يصعب التنبؤ بها، وأشد خطورة وعدائية من أي وقتٍ خلال عقود. ومع ذلك، لا ينبغي للأفارقة أن يكتفوا بتلقي تقلبات الأحوال، بل عليهم اغتنام الفرص التي يتيحها هذا السياق المعقد. وفيما يلي ست طرق لتحقيق ذلك:
أولاً: توظيف الموارد الداخلية بفاعلية أكبر:
تشير الدراسات إلى أن صناديق المعاشات التقاعدية وشركات التأمين وصناديق الثروة السيادية الإفريقية تمتلك أصولاً تبلغ نحو 4000 مليار دولار، لكن نسبة صغيرة منها فقط تُستثمر داخل القارة. وهناك جهود لمعالجة ذلك؛ فالوكالة الإفريقية لتقييم الائتمان، المنشأة حديثاً، يمكنها أن تشجع الاستثمار في الشركات الإفريقية وتنمّي أسواق رأس المال الوطنية والإقليمية.
ويمكن للحكومات دعم هذا التوجه بتنفيذ اتفاقها على إنشاء آلية إفريقية للاستقرار المالي تدعم البلدان التي تواجه أزمات مالية، وباتخاذ خطوات للحد من الثغرات التي يستغلها المستثمرون الأجانب والمحليون للتهرب من الضرائب.
ثانياً: الاستفادة من المؤسسات المالية الإقليمية:
يمكن للحكومات الإفريقية أن تستفيد بشكل أكثر فاعلية من المؤسسات المالية الإقليمية متعددة الأطراف التي أنشأتها، مثل البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير (أفريكسيم) ومؤسسة التمويل الإفريقية وبنك التجارة والتنمية. فهذه الكيانات تعرف السياق الإفريقي جيداً، ويمكن أن تكون شريكاً مهماً في التنمية، بما في ذلك دعم التكامل الاقتصادي والمالي في القارة.
لكن هذه المؤسسات لا تتصرف دائماً كبنوك تنموية. فقد رفع بنك أفريكسيم دعوى أمام المحاكم الإنجليزية ضد جنوب السودان لاسترداد 657 مليون دولار أمريكي مستحقة بموجب اتفاق قرض، واعترضت كيانات أخرى على مساهمة زامبيا وغانا في إعادة هيكلة ديونهما. ولذلك ينبغي للدول الأعضاء أن تقدم توجيهات أوضح بشأن كيفية تعزيز هذه المؤسسات للتنمية المستدامة والتكامل الإقليمي في إفريقيا.
ثالثاً: إنشاء فرع إفريقي لمنصة المقترضين:
تستطيع القارة إنشاء فرع إفريقي لمنصة المقترضين المنشأة حديثاً، وهي مبادرة تهدف إلى تعزيز القدرة التفاوضية للدول ذات السيادة في بلدان الجنوب. ويمكن أن تكون منتدى مفيداً لتبادل المعلومات والتعلم من الأقران وبناء القدرات لإدارة الدين العام بفاعلية أكبر، كما تساعد المقترضين على تنويع مصادر تمويلهم والعملات التي يقترضون بها.
رابعاً: مواصلة الدعوة إلى الإصلاح الضريبي الدولي:
يمكن للدول الإفريقية أن تواصل الدعوة إلى إصلاح ضريبي دولي، وقد أدت دوراً محورياً في الترويج لاتفاقية الأمم المتحدة الضريبية والتفاوض بشأنها. ومن المقرر اعتماد الاتفاقية وفتح باب التوقيع عليها في 2027م، ويُتوقع أن تُمكّن البلدان الإفريقية من تحصيل حصتها العادلة من الإيرادات الضريبية من الجهات الأجنبية الفاعلة في اقتصاداتها.
خامساً: ملف التعويضات عن جريمة الرق:
أثارت بلدان إفريقية، مثل غانا ودول منطقة البحر الكاريبي، مسألة التعويضات عن جريمة الرق وآثارها في إفريقيا والمغتربين الأفارقة في المحافل الدولية. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يصنف الرق بوصفه أخطر جريمة ضد الإنسانية. وفي 2027م سينظر مجلس الملك الخاص في المملكة المتحدة في قضية تتعلق بالموضوع. ويمثل ذلك فرصة لإفريقيا وحلفائها للتفكير بطرق مبتكرة تمكّن الشركات والأفراد، إلى جانب الحكومات، من دعم التعويضات.
سادساً: تعزيز إصلاح صندوق النقد الدولي:
ينبغي للدول الإفريقية أن تضاعف جهودها لتعزيز إصلاح صندوق النقد الدولي. فقد ارتفعت أصوات إفريقية تطالب بحوكمة أكثر عدلاً وتمثيلاً، وبتخصيص مزيد من الموارد بشروط ميسّرة للبلدان المنخفضة الدخل التي تمر بأزمات. ويدعو بعضهم أيضاً إلى أن يستخدم الصندوق احتياطياته من الذهب، التي تبلغ نحو 350 مليار دولار أمريكي، على نحو أفضل لتمويل آليات التمويل الميسّر. ورغم أن قدرته على بيع هذا الذهب تخضع لقيود قانونية، فبوسعه، بقليل من الإبداع، أن يستفيد بصورة أكثر فاعلية من هذا الأصل الراكد.
………………………..
رابط المقال:











































