الباحثة/ ليديا أمير عدلي قسطندي
يمر المشهد الأمني في مالي بمنعطف إستراتيجي بالغ التعقيد، تحولت معه البلاد إلى ساحة للصراعات الجيوسياسية الإقليمية والدولية الطامحة لترسيخ حضورها العسكري والسياسي. ومع التطور النوعي في تكتيكات المواجهة الميدانية، لم تعد التكنولوجيا العسكرية الحديثة مجرد أداة إسناد تقني، بل باتت ركيزة أساسية في صراع النفوذ وتشكيل موازين القوى على الأرض. ويسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الديناميكيات وتحليل أبعادها المختلفة.
وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: تحولات المشهد الأمني في مالي ودلالاته.
ثانياً: التراجع النسبي للنفوذ الروسي ومفترق الطرق الإستراتيجي.
ثالثاً: صعود النفوذ التركي في مالي – نموذج الشراكة الهجين.
رابعاً: التكنولوجيا العسكرية كأداة للتنافس الجيوسياسي في مالي.
خامساً: التكنولوجيا العسكرية سلاح ذو حدين.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية المحتملة للتنافس الجيوسياسي في مالي.
أولاً: تحولات المشهد الأمني في مالي ودلالاته:
شهد يوم 25 أبريل/نيسان 2026م محطة فارقة في مسار الصراع المسلح في مالي، إثر تعرض البلاد لسلسلة هجمات تُعدّ الأكبر والأكثر تنظيماً منذ سنوات. وأعلنت كلٌّ من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد»- الممثلة للتطلعات القومية للطوارق في الشمال- مسؤوليتهما المشتركة عن هذه العمليات المنسقة[1].
تجسّد هذا التنسيق في توجيه ضربات متزامنة استهدفت مواقع إستراتيجية وحيوية، شملت العاصمة باماكو، وقاعدة «كاتي» العسكرية، ومطار باماكو الدولي، إلى جانب مدن غاو وموبتي وسيفاري وكيدال[2].
وقد تميزت التطورات الجارية منذ عام 2026م عن جولات الصراع السابقة في عدة محددات جوهرية تشمل:
1- التقارب الميداني البراغماتي العابر للأيديولوجيا:
شهدت هذه المرحلة تراجعاً مؤقتاً للخلافات الفكرية بين جبهة تحرير أزواد، التي تتبنى مشروعاً قومياً انفصالياً يهدف إلى الدفاع عن مصالح إقليم أزواد والسعي إلى توسيع الحكم الذاتي، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تتبنى أيديولوجيا عابرة للحدود مرتبطة بتنظيم القاعدة، وتسعى إلى توسيع نفوذها[3].
ورغم هذا التباين في المرجعيات والأهداف، فقد كشفت التطورات الميدانية عن تنسيق لوجستي بين الطرفين، ارتكز على إضعاف الخصم المشترك المتمثل في الحكومة المالية وحلفائها الروس، دون أن يعني ذلك وجود تقارب أيديولوجي أو اندماج تنظيمي بينهما[4].
2- التزامن وتعدد الجبهات الجغرافية:
الانتقال من الهجمات الخاطفة والموضعية في الصحراء إلى إدارة عمليات واسعة النطاق تشمل الشمال والوسط والعاصمة في آنٍ واحد، مما يشتت قدرة الجيش المالي على الرد الفعّال والسريع[5].
3- استهداف أدوات التفوق التكنولوجي:
لم يعد الصراع يقتصر على مواجهة المشاة، بل صار موجهاً لضرب قواعد الطائرات المسيرة (كما في كيدال)، وشل الملاحة الجوية، لتقليص الفجوة التكنولوجية بين القوات الحكومية والمجموعات المسلحة[6].
ولم تكن هذه الهجمات إلا مقدمة لجولة تصعيد تُعدّ الأكثر عنفاً إلى الآن، ففي 4 يوليو/تموز 2026م، شنت المجموعات المسلحة هجمات متزامنة جديدة استهدفت أنيفيس، وأغيلهوك، وغاو، وسيفاري، وكينيوروبا. وفي الوقت الذي أعلن فيه الجيش صد الهجمات وتكبيد المهاجمين خسائر بشرية، أكدت الجماعات المسلحة سيطرتها المؤقتة على عدة مواقع عسكرية تابعة للحكومة والقوات الحليفة لها[7].
وقد اكتسبت معركة أنيفيس أهمية إستراتيجية خاصة لعدة اعتبارات، كالموقع والتموضع العسكري، حيث تضم أنيفيس معسكرات مشتركة للجيش المالي وعناصر من فيلق إفريقيا الروسي، الذين تم نشرهم لتعزيز السيطرة في الشمال عقب أحداث أبريل. إلى جانب قطع خطوط الإمداد؛ إذ تُعدّ أنيفيس حلقة وصل لوجستية حيوية، واستهدافها يهدف لقطع الاتصال الجغرافي بين غاو وكيدال وحصار الحاميات العسكرية[8].
تعكس هذه التحولات ضعف المقاربة الأمنية التي تبناها المجلس العسكري الحاكم بمساعدة روسيا حيث باتت أمام مأزق حقيقي. فبدلاً من أن يؤدي الاعتماد على «فيلق إفريقيا» الروسي إلى تحييد الجماعات المسلحة، يبدو أنه حفزها على التكتل وتطوير تكتيكاتها القتالية لمجابهة هذا الحضور الدولي.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلاً محورياً: إلى أي مدى يستطيع فيلق إفريقيا الروسي الحفاظ على دوره كضامن أمني رئيسي في مالي في ظل تصاعد الهجمات وتغير طبيعة المواجهة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ترسم ملامح المرحلة القادمة، وتمهد لتحليل البعد الثاني من هذا المقال المتعلق بملامح تراجع النفوذ الروسي وفرص صعود توازنات عسكرية وتكنولوجية جديدة في مالي.
ثانياً: التراجع النسبي للنفوذ الروسي ومفترق الطرق الإستراتيجي:
نشأ النفوذ الروسي في مالي كبديل للغطاء الأمني الدولي بعد انسحاب القوات الفرنسية من قاعدة غاو، حيث استعان المجلس العسكري بعناصر «فيلق إفريقيا» الروسي- الذي يضم بقايا فاغنر- ودعم تسليحي روسي لفرض سيادة الدولة. غير أن هذه الشراكة تواجه اليوم تقييماً عسيراً بعد توالي الضربات الميدانية المباشرة للحضور الروسي، مما كشف عن ثغرات واضحة في منظومة الدفاع المشترك وتراجع قدرات الردع الإستراتيجية[9].
ولكن دخلت هذه الشراكة الأمنية بين باماكو وموسكو طوراً جديداً من التقييم، بعد أن تسارعت الضربات الميدانية الموجهة بشكل مباشر للحضور الروسي، مما كشف عن فجوات عميقة في منظومة الدفاع المشترك وتراجع ملموس في قدرة الردع الإستراتيجية.
ومما يدلل على هذا التراجع، تعرّض قافلة عسكرية تضم أكثر من 200 مقاتل من فيلق إفريقيا و100 جندي مالي في 9 يوليو/تموز 2026م لهجوم منظم وعنيف في شمال البلاد، تلاه هجوم آخر استهدف قافلة عسكرية متجهة نحو الشمال في الأسبوع ذاته. وتؤكد هذه الحوادث قدرة الفصائل على رصد التحركات العسكرية واستهداف خطوط الإمداد بدقة، مما يفرغ مفهوم السيطرة الأمنية من مضمونه، ويقود الصراع نحو حرب استنزاف مفتوحة تستهدف الوجود الروسي مباشرةً[10].
وعلى الرغم من محاولة دعم القوات الروسية في بعض العمليات الهجومية خلال العامين الماضيين؛ فإن تكرار الهجمات واسعة النطاق يشير إلى استنزاف واضح في تأمين المناطق الحيوية ومنع الجماعات المسلحة من استعادة زمام المبادرة. ويمكن قراءة هذا التراجع الروسي من خلال ثلاثة محددات إستراتيجية:
1– انخفاض مستوى الانخراط البري المباشر:
ومما يدلل على هذا التراجع، رصدت قواعد بيانات مشروع تتبع الصراعات المسلحة انخفاضاً جوهرياً في وتيرة انخراط المقاتلين الروس في المواجهات المباشرة؛ إذ تقلصت مشاركتهم الميدانية من 537 واقعة قتالية عام 2024م لتصل إلى نحو 400 مواجهة خلال عام 2025م، مسجلةً بذلك هبوطاً تفوق نسبته 25%. وقد ترتب على هذا الغياب الميداني تحويل ثقل المواجهة البرية وأعبائها بالكامل إلى كاهل القوات المسلحة المالية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على بسط السيطرة وتأمين المناطق الصحراوية المترامية الأطراف.
2- تأثير الحرب الأوكرانية على الدعم اللوجستي:
يلقي الاستنزاف الروسي في أوكرانيا بظلاله على كفاءة وحجم الموارد المتاحة للمسرح الإفريقي، مما يحد من قدرة موسكو على تقديم إمدادات لوجستية وتقنية مستدامة وعناصر نوعية لفيلق إفريقيا.
3- إستراتيجية الاستنزاف المتبعة من المجموعات المسلحة:
تراهن الجماعات المسلحة على تشتيت الدفاع المشترك عبر جبهات متعددة في تضاريس معقدة تعيق فاعلية الضربات الجوية، بهدف إجهاد القوات البرية وقطع الاتصال بين المدن الرئيسية.
في المقابل، ترى موسكو أن قدرة المجموعات المسلحة على التنسيق العالي وتنفيذ هجمات معقدة ضد القوافل العسكرية لا تعود إلى خلل في كفاءة الردع الروسي، بل هي نتيجة لتلقي هذه المجموعات دعماً لوجستياً واستخباراتياً متطوراً من قوى غربية تسعى لضرب المصالح الروسية في الساحل الإفريقي وتحويل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة[11].
وقد تعكس هذه الهجمات ضغوطاً متزايدة على النفوذ الروسي في مالي تضعه أمام مفترق طرق إستراتيجي؛ إذ لم تعد خيارات المجلس العسكري الحاكم محصورة في الاعتماد الأحادي على موسكو لحفظ استقرار البلاد. وتتجه الأنظار في هذا السياق نحو صعود النفوذ التركي كشريك أمني وعسكري منافس على الساحة المالية، بما يمهد للانتقال إلى البعد التالي المتعلق بتحليل طبيعة الدور التركي المتنامي وتداعياته على خريطة النفوذ في مالي.
ثالثاً: صعود النفوذ التركي في مالي – نموذج الشراكة الهجين:
تزامناً مع التراجعات النسبية في فاعلية المنظومة الأمنية الروسية، برزت تركيا كلاعب رئيسي في مالي عبر إستراتيجية هجينة هادئة تتجاوز البعد العسكري الصرف لتتشابك مع الجوانب الاقتصادية والدبلوماسية، مما يجعلها شريكاً أمنياً متنامياً للمجلس العسكري الحاكم.
لم يكن الصعود التركي طارئاً، بل جاء ثمرة اختراق تدريجي وتخطيط بعيد المدى، بدأ يتخذ طابعاً رسمياً متسارعاً منذ الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس التركي أردوغان إلى باماكو في مارس/آذار 2018م[12].
وقد انعكس هذا التقارب الدبلوماسي مباشرةً على المؤشرات الاقتصادية؛ إذ تضاعف حجم التبادل التجاري بين أنقرة وباماكو بأكثر من ثلاث مرات خلال العقد الأخير، ومع تدهور البيئة الأمنية في مالي، تطور هذا التنسيق الاقتصادي بشكل طردي ليتحول إلى شراكة إستراتيجية دفاعية وثيقة تلبي احتياجات باماكو الأمنية الملحة[13].
ومنذ عام 2025م، تحولت الأسلحة والذخائر والمعدات الدفاعية لتصبح القوة الدافعة الرئيسية للصادرات التركية نحو مالي بشكل ملحوظ، كما توضح ذلك البيانات الآتية:
الجدول البياني (1):

بيانات صادرات تركيا من الأسلحة والذخائر وأجزائها وملحقاتها إلى مالي خلال (2020-2025م):
الرسم البياني (1):

صادرات تركيا من الأسلحة والذخائر وأجزائها وملحقاتها إلى مالي خلال (2020-2025م)[14]:
توضح هذه البيانات طفرة استثنائية في عام 2025م، حيث قفزت قيمة الصادرات الدفاعية لتتجاوز 112 مليون دولار مقارنةً بمستويات متدنية في السنوات السابقة، مما يعكس تحول العلاقات الدفاعية إلى شراكة عسكرية إستراتيجية لمواجهة الهجمات المتصاعدة[15].
ويتميز النموذج التركي بتقديم التعاون الدفاعي دون شروط سياسية مسبقة تتعلق بالديمقراطية أو حقوق الإنسان- على النقيض من المقاربة الغربية، مما منح أنقرة مرونة واسعة لبناء نفوذ متدرج يبدأ بالدبلوماسية والاقتصاد وينتهي بالتموضع العسكري الإستراتيجي في منطقة الساحل. وبناءً على ذلك؛ لا تُمثل باماكو غايةً في حد ذاتها للسياسة التركية، وإنما تُمثل مدخلاً إستراتيجياً لمد نفوذها في منطقة الساحل وغرب القارة كدافع رئيسي.
ولم يعد التنافس في مالي يقتصر على حجم الوجود العسكري أو عدد القوات المنتشرة، بل بات يرتبط بدرجة متزايدة بالقدرة على توظيف التكنولوجيا العسكرية في إعادة تشكيل موازين القوة وتعزيز النفوذ الجيوسياسي. ومن ثَمّ، ينتقل التحليل في البعد التالي إلى تحليل الكيفية التي أسهمت بها التقنيات العسكرية، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع والقيادة والسيطرة، في إعادة صياغة ديناميكيات الصراع وتوازنات النفوذ في مالي.
رابعاً: التكنولوجيا العسكرية كأداة للتنافس الجيوسياسي في مالي:
تؤكد التطورات الميدانية أن التكنولوجيا العسكرية لم تعد مجرد منظومة تسليح تقليدية، بل تحولت إلى وسيط جيوسياسي يصوغ موازين القوى وشبكات التحالف في مناطق الصراعات الممتدة.
وتُعرَّف التكنولوجيا العسكرية بأنها: توظيف التكنولوجيا المتقدمة في تطوير الأدوات والأنظمة العسكرية لأغراض الحرب والدفاع. ويرجع هذا المفهوم إلى علم التكنولوجيا العسكرية الذي يُعنى بتطوير المبادئ والتقنيات التي تُسهم في دمج التكنولوجيا الحديثة داخل المنظومات العسكرية بما يعزز كفاءتها العملياتية[16].
وتُستخدم التكنولوجيا العسكرية في مجالات متعددة، تشمل التقنيات الدفاعية والهجومية، وأنظمة الاستشعار والاستطلاع، وتقنيات التجسس والاتصالات، ووسائل النقل العسكري التي تدعم نقل القوات والأسلحة والمعدات[17].
وتُعدّ الطائرات المسيّرة من أبرز هذه التقنيات، فهي طائرات تُدار عن بُعد عبر أنظمة تحكم لاسلكية، وتستطيع التحليق على ارتفاعات ومسافات مختلفة وفقاً لقدراتها التقنية. كما أصبحت تحتل مكانة محورية ضمن الأدوات التي تعتمد عليها القوى الخارجية لترسيخ حضورها في إفريقيا وتعزيز نفوذها الإستراتيجي[18].
وقد لعبت تركيا دوراً ريادياً في هذه المعادلة، إذ حرصت على تزويد عدد متزايد من الدول الإفريقية بمنظومات المراقبة والاستهداف الجوي من خلال مسيّرات بيرقدار تي بي 2، شملت مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد والصومال وإثيوبيا[19].
ويمنح هذا النموذج الحكومات الشريكة ميزة عملياتية مهمة، تتمثل في القدرة على مراقبة مساحات صحراوية واسعة يعجز الانتشار البري وحده عن تأمينها، فضلاً عن توفير قدرات استهداف دقيقة في بيئات تغيب فيها البنى الأمنية التقليدية.
ولا تقتصر أهمية هذه الصفقات على البعد العملياتي، بل تؤسس لعلاقة تبعية تكنولوجية طويلة الأمد؛ فأنقرة لا تبيع السلاح مجرداً، بل تقدم حزمة متكاملة تشمل محطات التحكم الأرضية، وبرمجيات التشغيل، وبرامج تدريب الكوادر المحلية، مما يضمن دمج الحضور التركي في صلب المنظومة الأمنية للدول المستفيدة[20].
وعلى الجانب المنافس، اعتمد فيلق إفريقيا الروسي على منظومة جوية متكاملة لدعم عملياته في مالي، تجمع بين الطائرات المسيّرة والطائرات المأهولة. وقد تأكد وجود طائرات إينوخوديتس المسيّرة المخصصة للاستطلاع والهجوم، وهي النسخة الروسية من الطائرات المسلحة متوسطة الارتفاع وطويلة المدى، وشاركت في تنفيذ غارات ضد الجماعات المسلحة.
كما وفرت طائرات أورلان المسيّرة تغطية استطلاعية مستمرة، وأسهمت في جمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف، بما يدعم عمليات الضربات الجوية. ويعكس ذلك اعتماد فيلق إفريقيا الروسي على التكنولوجيا العسكرية بوصفها أداة لتعزيز الاستطلاع والاستخبارات، إلى جانب تنفيذ العمليات القتالية[21].
ويعكس اختلاف النموذجين الروسي والتركي أن التنافس في مالي لم يعد يدور حول حجم القوات أو الانتشار العسكري فحسب، بل امتد إلى التنافس على توظيف التكنولوجيا العسكرية بوصفها أداةً لبناء النفوذ، وتعزيز الشراكات الأمنية، وإعادة تشكيل موازين القوة في منطقة الساحل.
خامساً: التكنولوجيا العسكرية سلاح ذو حدين:
تُعدّ الديناميكية الأكثر خطورة، التي كشفت عنها الأحداث الأخيرة، تحوّل التكنولوجيا العسكرية من أداة دفاعية لدعم الحكومة المالية إلى أداة هجومية يمكن أن تستولي عليها الجماعات المسلحة وتستخدمها ضد خصومها، وهو ما يغيّر معادلة القوة على الأرض. وأصبحت جبهة تحرير أزواد واحدة من أكثر الجماعات المسلحة غير الحكومية تطوراً في استخدام الطائرات المسيّرة في القارة الإفريقية، وهو ما تؤكده عملياتها خلال الأحداث الأخيرة.
ولا تقتصر هذه الإستراتيجية على تطورات الصراع الحالي، بل تعود إلى عام 2025م. ففي فبراير/شباط من ذلك العام استخدمت الجبهة طائرة استطلاع مسيّرة مسلحة صينية الصنع من طراز فلاي دراغون إف دي جي 410 لإسقاط مروحية تابعة للجيش المالي قرب تيساليت، لتصبح أول جماعة متمردة في منطقة الساحل تنجح في إسقاط طائرة عسكرية باستخدام طائرة مسيّرة. كما تبنت خلال العام نفسه تقنية الطائرات المسيّرة المزودة بالألياف الضوئية، في خطوة عكست تطوراً واضحاً في قدراتها التقنية[22].
ثم أعادت الجماعات المسلحة توظيف الإستراتيجية نفسها خلال جولة القتال الحالية. ففي 26 أبريل/نيسان 2026م، وبعد الهجمات المتزامنة التي استهدفت عدة مواقع عسكرية، أعلنت استيلاءها على محطة التحكم الأرضية الخاصة بالطائرات المسيّرة في كيدال. وتُعدّ هذه المحطة مركز تشغيل الطائرات المسيّرة، إذ تُستخدم في التحكم بمساراتها، وإدارة مهامها، واستقبال البيانات التي تجمعها أثناء تنفيذ العمليات. وكانت تمثل إحدى الركائز التشغيلية المهمة لدعم عمليات الجيش المالي في شمال البلاد[23].
ويكشف الاستيلاء على محطة التحكم الأرضية أن الخطر لا يقتصر على خسارة معدات عسكرية، بل يمتد إلى احتمال استخدام هذه التكنولوجيا في تنفيذ هجمات وعمليات تضليل قد تُنسب إلى القوات الحكومية أو إلى الجهات الداعمة لها، بما يزيد من تعقيد المشهد الأمني. كما يعكس هذا التطور تراجع قدرة الدولة على فرض سيطرتها الكاملة على المجال الجوي في شمال مالي، ويكشف عن هشاشة البنية التكنولوجية التي تعتمد عليها العمليات العسكرية.
ويشير هذا التطور إلى أن نقل التكنولوجيا العسكرية إلى بيئات أمنية هشة لا يضمن بالضرورة تعزيز نفوذ الدولة الموردة أو الشريك المحلي، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا انتقلت هذه التكنولوجيا أو بنيتها التشغيلية إلى أيدي جماعات مسلحة، بما يحولها من مصدر للتفوق العسكري إلى مصدر لتهديد الأمن والاستقرار.
وتُجسد هذه المعادلة المأزق الذي تواجهه باماكو وشركاؤها الخارجيون، فالاعتماد على التفوق التكنولوجي في مواجهة جماعات مسلحة ذات قدرة عالية على التكيف لا يكفي وحده لتحقيق الحسم العسكري، بل قد يتحول إلى عامل يعزز قدرات الخصم إذا فقدت الدولة السيطرة على هذه التكنولوجيا أو على بنيتها التشغيلية.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية المحتملة للتنافس الجيوسياسي في مالي:
تتحدد ملامح التنافس الروسي-التركي مستقبلاً في ضوء ثلاثة مسارات محتملة؛ نعرضها فيما يأتي:
المسار الأول: يتركز حول نجاح موسكو في استعادة زمام المبادرة وتعزيز قدرات الردع الميدانية؛ من خلال تكثيف حضور فيلق إفريقيا ورفده بمنظومات استطلاع ومسيّرات متطورة تسهم في رفع كفاءة العمليات البرية المشتركة مع الجيش المالي. وفي هذا السياق، لن يؤدي تعزيز الحضور الروسي إلى إقصاء تركيا، بل سيدفع نحو مواجهة تنافسية أكثر حدة يسعى فيها كل طرف لتثبيت أقدامه وتوسيع حصته من عقود التسليح. وهو ما يمثل الاحتمال الأكثر واقعية وقرباً للمعطيات الميدانية الراهنة.
أما المسار الثاني: فيتجه نحو تكريس الوضع الحالي والإبقاء على حالة التعادل الإستراتيجي؛ حيث تحتفظ روسيا بنفوذها وقواتها عند مستوياتها الراهنة دون القدرة على تحقيق حسم عسكري ناجز، بينما تستمر الحركات المسلحة في استنزاف القوات المشتركة وقطع خطوط إمدادها. وفي ظل هذه البيئة الأمنية المضطربة، تواصل أنقرة تغلغلها التدريجي عبر الشراكات الاقتصادية والصفقات الدفاعية الذكية. مما يحافظ على التوازن القائم دون تغليب كفة طرف دولي على الآخر.
المسار الثالث: وفي المقابل، يتمثل المسار الثالث، والأقل احتمالاً في المدى المنظور، في تراجع النفوذ الروسي وتقلص الوجود العسكري لفيلق إفريقيا نتيجة الضغوط المتزايدة والنزيف البشري والمادي المستمر في الجبهة الأوكرانية. ومن شأن هذا التراجع أن يترك فراغاً أمنياً كبيراً تسارع تركيا لملئه بصفتها الشريك التكنولوجي والدفاعي الأكثر موثوقيةً واستعداداً لتقديم الدعم دون شروط سياسية مسبقة. غير أن تمسك موسكو بمصالحها الجيوسياسية في الساحل يجعل من هذا الانسحاب خياراً مستبعداً ما لم تشهد البيئة الدولية تحولات جذرية كبرى.
الخاتمة:
لقد أصبحت التكنولوجيا العسكرية حجر الزاوية في رسم ملامح الصراع ونفوذ القوى في مالي؛ حيث أثبتت التحولات الميدانية أن الطرف الذي ينجح في توظيف هذه التكنولوجيا بالشكل الصحيح والآمن هو من يكسب المواجهة ويحسم الصراع لصالحه في النهاية. ولم يعد التفوق مرتبطاً بمجرد امتلاك السلاح المتقدم، بل بالقدرة الفعّالة على إدارة استخدامه وحماية بنيته التشغيلية، لمنع الخصوم من الاستيلاء عليه وتحويله إلى سلاح ارتدادي عكسي يهدد الأمن والاستقرار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] Nasr, Wassim. “Mali: What Were the Reasons and the Consequences of the 25 April Attacks?” International Centre for Counter-Terrorism (ICCT), 28 May 2026. https://icct.nl/publication/mali-what-were-reasons-and-consequences-25-april-attacks
[2] Reuters. “Mali Army Bases Hit in Large-Scale Attacks Claimed by al Qaeda-Linked Militants.” Reuters, 25 Apr. 2026. https://www.reuters.com/world/africa/loud-blasts-gunfire-heard-near-malis-main-military-camp-reuters-witness-says-2026-04-25/
[3] Welsh, May Ying. “Making Sense of Mali’s Armed Groups.” Al Jazeera, 17 Jan. 2013. https://www.aljazeera.com/amp/features/2013/1/17/making-sense-of-malis-armed-groups
[4] Ambrose, Sarah. “JNIM and FLA Coordinate Attacks Across Mali.” Bloomsbury Intelligence and Security Institute (BISI), 19 May 2026. https://bisi.org.uk/reports/jnim-and-fla-coordinate-attacks-across-mali
[5] Lewis, David, Portia Crowe, and Robbie Corey-Boulet. “Mali at Risk of Splintering After Jihadi and Separatist Attacks.” Reuters, 27 Apr. 2026. https://www.reuters.com/world/africa/mali-risk-splintering-after-jihadi-separatist-attacks-2026-04-27/
[6] The France 24 Observers. “Rebel Groups in Mali Capture a Drone Control Station.” France 24 Observers, 5 May 2026. https://nz.news.yahoo.com/rebel-groups-mali-capture-drone-132508223.html
[7] Crowe, Portia, and David Lewis. “Insurgents Stage Coordinated Attacks on Army Positions Across Mali.” Reuters, 4 Jul. 2026. https://www.reuters.com/world/africa/insurgents-attack-multiple-towns-northern-central-mali-sources-say-2026-07-04/
[8] Lewis, David, and Portia Crowe. “Insurgents Withdraw From Strategic North Mali Town After Days of Fighting.” Reuters, 10 Jul. 2026. https://www.reuters.com/world/africa/insurgents-withdraw-strategic-north-mali-town-after-days-fighting-2026-07-10/
[9] Crowe, Portia, and David Lewis. “Convoy Carrying Russian Fighters Attacked in Mali, Sources Say.” Reuters, 9 Jul. 2026. https://www.reuters.com/world/africa/convoy-carrying-russian-fighters-attacked-mali-sources-say-2026-07-09/.
[10] AllAfrica. “Mali’s Military Says It’s Broken a Rebel Blockade Around a Strategic Northern Base.” AllAfrica, July 10, 2026. https://allafrica.com/stories/202607100110.html
[11] Sputnik Africa. “Russia’s African Corps Defeated Terrorists, Thwarted Coup Attempt in Mali: Russian MoD.” Sputnik Africa, 28 Apr. 2026. https://en.sputniknews.africa/20260428/1085369040.html
[12] Republic of Türkiye Ministry of Foreign Affairs. “Türkiye–Mali Political Relations.” Ministry of Foreign Affairs of the Republic of Türkiye. https://www.mfa.gov.tr/turkiye-mali-siyasi-iliskileri.tr.mfa
[13] Le Monde. “Turkey Is a Quiet but Strategic Presence in Mali.” Le Monde, 3 Jun. 2026. https://www.lemonde.fr/en/le-monde-africa/article/2026/06/03/turkey-is-a-quiet-but-strategic-presence-in-mali_6754074_124.html
[14] من إعداد الباحث، اعتماداً على:
Trading Economics. “Turkey Exports to Mali: Arms and Ammunition, Parts and Accessories.” Trading Economics. https://tradingeconomics.com/turkey/exports/mali/arms-ammunition-parts-accessories
[15] المصدر نفسه، رقم 17.
[16]. صدام مرير حمد، وحمزة رحيم المفرجي، “توظيف التكنولوجيا العسكرية الحديثة وأثرها في طبيعة الحروب”، مجلة المعهد، العدد 16 (2024): 176.
[17] صدام مرير حمد، وحمزة رحيم المفرجي، “توظيف التكنولوجيا العسكرية الحديثة وأثرها في طبيعة الحروب”، مجلة المعهد، العدد 16 (2024): 177.
[18] صدام مرير حمد، وحمزة رحيم المفرجي، “توظيف التكنولوجيا العسكرية الحديثة وأثرها في طبيعة الحروب”، مجلة المعهد، العدد 16 (2024): 183.
[19] Anadolu Agency. “Türkiye’s National UAVs Contribute to Security in Africa.” Anadolu Agency, November 12, 2025. https://www.usmuslims.com/service/amp/turkiyes-national-uavs-contribute-to-security-in-africa-323687h.htm
[20] EDGE News. “Le Mali renforce sa flotte de drones Bayraktar TB2 grâce à la Turquie.” EDGE News, 6 January 2024. https://www.edgenews.net/fr/4589
[21] Malyasov, Dylan. “Russia Runs Full Combat Aviation Grouping in Mali.” Defence Blog, May 1, 2026. https://defence-blog.com/russia-runs-full-combat-aviation-grouping-in-mali/
[22] Military Africa. “Russian Africa Corps Deploys FPV Kamikaze Drones in Mali — But the Sky Is Already Contested.” Military Africa, June 4, 2026. https://www.military.africa/2026/06/russian-africa-corps-deploys-fpv-kamikaze-drones-in-mali-but-the-sky-is-already-contested/
[23] المصدر نفسه، رقم 7.











































