تُواجه جنوب إفريقيا حُزمة من الأزمات المحلية المتفاقمة، التي ترتبط راهنًا بموجة كراهية الأجانب (الأفارقة تحديدًا)، وبشكل مباشر بتردّي أحوال معيشة المواطنين بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، ويُضاف لها استمرار ضغوط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على بريتوريا؛ للتراجع عن سياساتها الداعمة للجنوب العالمي، وعبر أدوات أمريكية مُهمّة.
من بين هذه الأدوات: فتح الباب على مصراعيه أمام استقبال عشرات الآلاف من الجنوب أفارقة البيض في الأعوام المقبلة؛ مما يضع مستقبل جنوب إفريقيا وحكومة المؤتمر الوطني الإفريقي المتحالفة مع حزب التحالف الديمقراطي أمام مفترق طرق حقيقي، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التحوُّل الديمقراطي في البلاد.
في هذا السياق، تواصل سلسلة “عين على إفريقيا” رصد التحولات والقضايا المؤثرة في مسارات القارة وعلاقاتها الدولية، ومن خلال قراءة ثلاثة مقالات نشرتها الصحافة الدولية خلال الفترة من 13 إلى 21 يوليو الجاري، يسلط هذا المقال الضوء على جنوب إفريقيا.
تتناول المقالات المختارة ثلاثة ملفات مترابطة؛ أولها الاستقطاب الأمريكي للبيض الجنوب إفريقيين عبر تسهيلات اللجوء، وثانيها تنامي موجات مغادرة المهاجرين الأفارقة على خلفية تصاعد خطاب كراهية الأجانب، وثالثها التحذيرات من اتساع الاضطرابات الاجتماعية نتيجة تفاقم الأزمات الاقتصادية والخدمية.
بريتوريا تحت ضغط أمريكي مع استمالة ترامب للأفريكانر([1]) :
بعد أسابيع من بدء فترة رئاسته الثانية أعلن الرئيس دونالد ترامب أن جميع اللاجئين الذين سيسمح لهم تقريبًا بدخول الولايات المتحدة سيكونون من بين الجنوب أفارقة البيض، مما يُعيد تشكيل برنامج هجرة ظلَّ قائمًا لعقود على نحو راديكالي.
وهو البرنامج الذي طالما خدم الفارّين من الحروب أو الاضطهاد أو المخاطر الأخرى. وبعد ثمانية عشر شهرًا كانت الولايات المتحدة قد قبلت أكثر من سبعة آلاف أفريكانري.
وقد أثار “برنامج اللاجئين” الأمريكي أزمات دبلوماسية، وحفّز تكالب على طلبات اللجوء في جنوب إفريقيا، وتلقّت السفارة الأمريكية هناك طلبات غير معتادة بشكل مُبالَغ فيه من طالبي اللجوء، ونتج عنها معدلات مرتفعة لرفض بعض هذه الطلبات؛ بسبب السِّجل الجنائي لبعض المتقدمين بطلبات للهجرة؛ وفق عدد منهم.
وبينما تُعدّ معالجة قضايا اللاجئين مهمة صعبة، لا سيما في مواقف الحاجة المُلِحّة، فإن أفراد على اطلاع بالبرنامج أكدوا لوسائل الإعلام أن العقبات التي واجهوها ناتجة عن رغبة الإدارة في ضغط البرنامج؛ حتى لا يستفيد منه سوى الأفريكانريون.
وبحسب مطلعين على العمل الإنساني وسط طالبي اللجوء؛ فإنه من الواضح أن تمييز فئة من السكان على حساب بقية الفئات لا يُمثّل حاجة إنسانية فعلية. ولا يعني ذلك أنه لا يوجد جنوب أفارقة بيض يستحقون المساعدة، لكن عندما نقول: إنهم ليسوا وحدهم مَن يحتاجون للحماية؛ فإن ذلك لا يعكس الحقيقة في عالمنا.
إن خطوة ترامب لتضييق برنامج اللاجئين الأمريكي ليشمل الأفريكانريين فحسب؛ قد أصاب المسؤولين في بَدْء إدارته بالدهشة، وأثار نقاشات حول مَن هو بالضبط المُؤهَّل لدخول الولايات المتحدة، وإن كانت ثمة حاجة لأن يكونوا من البيض أو إذا كانت الأقليات الأخرى في جنوب إفريقيا مُؤهَّلة لذلك.
وفيما يجري ذلك، أسرع مسؤولو الأمن الداخلي Homeland Officials المكلفون بتدريب المسؤولين عن اللاجئين قبل مقابلة طالبي اللجوء لإيجاد المواد لدعم ادعاءات الرئيس بوجود اضطهاد للجنوب أفارقة البيض. وقد أرادت الإدارة تسوية الأمر على وجه السرعة لدرجة أنه في حالة الموافقة على قبول فرد ما يمكنه السفر للولايات المتحدة في اليوم التالي.
وقال أحد المصادر المُقرَّبة من الإدارة الأمريكية: إن مسؤولي الإدارة قد أوضحوا حاجتهم “لطاقم عمل لإزالة جميع العوائق أمام أولوية الرئيس بإعادة توطين تلك المجموعة الجنوب إفريقية”، أو على حد تعبير مسؤول مطلع آخر “إنهم يشيدون الطائرة فيما تستعد فعلًا للطيران”.
ويصل بعض الأفريكانريين إلى الولايات المتحدة في غضون أسابيع، بينما يتم رفض وصول بعضهم على خلفية وجود سجل جنائي لهم، وتزداد معدلات الرفض في الشباب.
بينما يتردد بعض مَن تم قبول طلباتهم في السفر العاجل للولايات المتحدة لأسباب متنوعة؛ من بينها محاولة التوصل لأسعار أفضل لبيع أراضيهم وممتلكاتهم، أو انتظار تخرُّج أولادهم، لكنّ مسؤولين أمريكيين أكدوا “هناك كثير من التأجيلات والتأخيرات، وهذا أمر غير طبيعي بالمرة”.
وبحسب الناطق باسم الخارجية الأمريكية، فإن الحادث “لم يكن مجرد طعنة دبلوماسية؛ فقد قامت حكومة جنوب إفريقيا بمداهمة مركز المعالجة، وضايقت المسؤولين الأمريكيين في محاولة لحرمان الأفريكانر الفارين من الشرعية وإثارة حفيظة من يعملون في المركز”.
وفي بيان وجّهته وزارة الشؤون الداخلية الجنوب إفريقية أوضحت فيه أنها قامت بمداهمة المركز المذكور الذي كان يستقبل طلبات الهجرة بسبب شكوك في انتهاكاته المتعلقة بهجرة مواطنين كينيين في المركز، وأن “وجود مسؤولين أجانب ينسِّقون بشكل واضح مع موظفين لا يحملون وثائق ثبوتية يثير بشكل طبيعي تساؤلات جادة عن نواياهم وعن البروتوكول الدبلوماسي”.
وكانت إدارة ترامب قد كثفت جهودها للسماح للأفريكانريين بدخول الولايات المتحدة، بما في ذلك حفلات الاستقبال في مطار العاصمة واشنطن في مايو الفائت للواصلين الجدد مع نائب وزير الخارجية الأمريكية.
وقالت المصادر: إن الحكومة دفعت، بمبالغ كبيرة للغاية، لطائرة شارتر لإحضار المجموعة التي حضرت الاحتفال في الولايات المتحدة، وقال مسؤولون سابقون: إنه كان ثمة ضغط هائل في محاولة لملء مقاعد الطائرة الشارتر بعد ملاحظة عدم الإقبال المتوقع على الرحلة.
وفي خطوةٍ حديثة لزيادة عدد الأفريكانريين المسموح لهم بدخول الولايات المتحدة؛ استندت إدارة ترامب إلى تصريحاتٍ أخيرة أدلى بها رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوسا، وإلى حادثةٍ وقعت العام الماضي حين استجوبت حكومة جنوب إفريقيا أفرادًا أمريكيين مُكلفين بمهام في البلاد.
وذكر التقرير أن “هذا العداء المتصاعد يُفاقم المخاطر التي يتعرض لها الأفريكانريون في جنوب إفريقيا، والذين يُعانون أصلًا من تمييزٍ عنصري واسع النطاق ترعاه الحكومة”، مُبررًا بذلك ضرورة مراجعة الحد الأقصى المسموح به إلى 17.500. ومن المتوقع وصول المزيد من الأفريكانريين في الأشهر القادمة بسبب لذلك (وهي تُهَم رددتها إدارة ترامب بإلحاح مُفرط منذ بدء الأزمة).
وقد أكَّد خبراء تحدثوا إلى شبكة “سي إن إن” أنه قد توجد حالات فردية (بين الأفريكانريين المعنيين هنا) تستوفي معايير اللجوء، لكنهم أشاروا إلى أن غالبية هذه الحالات تستند إلى معيار وحيد وهو التمييز (الذي تمارسه حكومة بريتوريا ضدهم بحسب روايتهم المدعومة من إدارة ترامب)، وهو ما لا يرقى إلى مستوى المتطلبات القانونية الأمريكية والدولية للتأهل كلاجئ.
وقال أحد المدافعين عن حقوق اللاجئين لشبكة “سي إن إن”: “إن أبرز اختلاف في برنامج اللاجئين الأمريكي (بعد التعديلات الإجرائية الأخيرة) هو أنه كان يضم في السابق أشخاصًا يستوفون التعريف الدولي للاجئ، بينما لا ينطبق هذا التعريف على أيّ من هؤلاء. لقد غيَّر هذا الأمر الغاية الحقيقية للبرنامج”.

آلاف الأفارقة يغادرون جنوب إفريقيا ([2]) :
يواصل الآلاف من حاملي الجنسيات الأجنبية مغادرة جنوب إفريقيا عقب تهديدات مِن قِبَل جماعات مناهضة للمهاجرين في البلاد. وتقيم السلطات الجنوب إفريقية الآن معسكرات عند الحدود مع زيمبابوي لفحص أوراق المغادرين للبلاد.
كما يغادر في الوقت الحالي الآلاف عبر مركز ترحيل الأجانب في موسينا Musina قرب الحدود مع زيمبابوي وسط مخاوف بتفاقم العنف المعادي للأجانب في البلاد.
ويقول كثيرون: إن التهديدات وشعور العداء مِن قِبَل جماعات مناهضة وجود المهاجرين تركتهم يشعرون بعدم الأمان داخل جنوب إفريقيا.
وتقول السلطات الجنوب إفريقية: إن أكثر من 50 ألف مهاجر لا يملكون أوراقًا ثبوتية قد تم ترحيلهم في الشهر الماضي.
وتقوم منظمات الإغاثة بدعم الأُسَر في المعسكر المكتظ براغبي مغادرة البلاد، مع مواصلة مسؤولي حكومة جنوب إفريقيا فحص وثائق السفر اللازمة لرحلة عودة هؤلاء المهاجرين، والذين يتجه أغلبهم لزيمبابوي ومالاوي.
جنوب إفريقيا نحو فوضى اجتماعية واسعة النطاق([3]) :
تقف جنوب إفريقيا راهنًا على حافة اضطراب اجتماعي واسع النطاق بسبب ارتفاع احتجاجات الأهالي على تردي تقديم الخدمات الاجتماعية التي تجاوزت 300 حادث في العام.
وتتحول نسبة متزايدة من هذه الاحتجاجات إلى العنف، مما يشير إلى تدهور حاد في قدرة الدولة وعجز الشرطة عن التعامل مع الاحتجاجات والاضطرابات.
وكشفت شركة Frans Cronje Private Clients في تقريرها الأخير بعنوان “صعود دولة الظل” The Shadow State Rising أن هناك تصاعدًا في الاحتجاجات العامة في البلاد منذ العام 2008.
وتؤكد الشركة أن هذا يرجع لاقتصاد جنوب إفريقيا الراكد، الذي كان معدل نموه في الأعوام الـ15 الأخيرة عند 1% فقط. وقد نتج عن ذلك حالة سخط متصاعدة إزاء الوضع القائم في البلاد وتراجع دعم المؤتمر الوطني الديمقراطي.
وحتى الآن لجأ الآلاف من الجنوب أفارقة للخروج إلى الشوارع لإعلاء أصواتهم الساخطة بدلًا من التحول للانضمام لحزب جديد. وقد تصادف صعود العمل الاحتجاجي الحالي مع ظهور دولة ظل تدير دولةً واقتصادًا موازيين قياسًا للنسخة الشرعية.
وتتسم هذه الدولة بالتنظيم البالغ والعمل وفق قواعدها الخاصة بها، والتي تم فرضها دون أيّ رقابة من الحكومة المركزية.
إن الجمع بين هذين العنصرين يثير مخاوف كبيرة بالنسبة لشركة Frans Cronje Private Clients لأن ذلك يمكن أن يُسفر عن أشكال أكثر تنظيمًا من العنف لزعزعة استقرار الدولة.
كما تفتقر الدولة، على نحو متزايد، للقدرة على مكافحة كلّ من تجار التهريب والعصابات الإجرامية بسبب سوء إدارة تاريخية (أبداها حزب المؤتمر الوطني الحاكم منذ العام 1994)، وتخريب مؤسسات الحكومة.
وكشفت الشركة عن عواقب ذلك إلى اليوم ارتفاع بنسبة 500% في الاحتجاجات العامة من العام 2008 حتى العام 2025 مع انهيار تقديم الخدمات للمواطنين. وذكر تقرير الشركة أن نسبة الاحتجاجات التي تحوَّلت للعنف من أقل من 10% إلى أكثر من 30% في الفترة نفسها.
ويعكس ذلك عقدًا اجتماعيًّا مهتزًّا وشرعية دولة متدهورة، بحسب تقرير الشركة. كما يكشف ذلك عجز الدولة عن مواجهة العنف المنظم. ومع تحوُّل الاحتجاجات لمزيد من العنف، كان هناك أيضًا تراجع في تدهور معدلات جرائم القتل في جنوب إفريقيا. وهناك الآن 44 جريمة قتل لكل 100 ألف مواطن في البلاد.

تردّي الحكم المحلي:
يرجع أغلب الارتفاع الحالي في التحرك الاحتجاجي العنيف إلى انهيار المحليات في جنوب إفريقيا، وهي الجهات التي تتولى تقديم أغلب الخدمات في البلاد. وقد تحقّق تقدم كبير في تحسّن الأمور على المستوى القومي، من ماليات الدولة إلى هدف خفض التضخم وارتفاع الدخل القابل للتصرف فيه.
ويبدو أن جنوب إفريقيا قد وصلت لطريق مسدود بعد فقدانها نحو عقد من النمو الاقتصادي الحقيقي. وقد وصف جولام باليم Goolam Ballim كبير الاقتصاديين في ستاندارد بنك هذه التطورات بالتحسينات الموجهة مطلع العام الجاري، مع عدم ترجيحه وقوع معجزة في العام 2026 أو 2027. لكن يمكن للتحسينات الأخيرة أن تضع جنوب إفريقيا على الطريق الصحيح لتحقيق نمو اقتصادي أسرع في المستقبل القريب.
كما أوضح باليم أن هذا لا يُترجَم بالضرورة إلى تحسُّن في معنويات عامة الناس الذين لا يطلعون على الأسواق المالية بشكلٍ ملموس. بل يظل الشعور العام في جنوب إفريقيا مُتَّسمًا بالإحباط؛ إذ لا يشعر الكثيرون بتغييرات أو تحسينات في السياسات على المستوى الوطني.
بل إنهم يمرون بشكلٍ أوضح بآثار إخفاقات الحكومات المحلية، مثل انقطاع الكهرباء والمياه، وانهيار البنية التحتية. ورأى باليم: “أن الحكومات المحلية هي التي تُحدّد نتائج الاقتصاد الكلي إلى حدٍّ كبير، لذا فهي بالغة الأهمية. إن أداء الحكومات المحلية هو ما يؤثر على المجتمع بشكلٍ شامل (ومباشر في المقام الأول)”.
وأضاف: “لا يتأثر المجتمع بشكلٍ مباشر بالسياسات الوطنية، على الرغم من أهميتها البالغة. فهي ليست شيئًا يشعرون به بنفس القدر من التأثير المباشر الذي يشعرون به جراء ممارسات الحكومات المحلية”؛ لذا، فبينما يبدو أن الأمور تتحسَّن على مستوى عالٍ في جنوب إفريقيا، لا يزال الاستياء مرتفعًا على أرض الواقع.
وفي المحصلة، أشار “باليم” إلى أن تراجع المشاركة الديمقراطية يمثل اتجاهًا مثيرًا للقلق، مما يدل على أن الجنوب أفارقة لا يعتقدون أن التغيير الانتخابي قادر على إحداث تحسُّن ملموس في حياتهم.
ونتيجة لذلك، يميلون إلى اللجوء إلى الاحتجاجات والاضطرابات كوسيلة لإحداث تغيير في بلدياتهم؛ حيث أثبتت الحكومة استجابة أكبر لذلك.
ولاحظ باليم أنه: “خلال الدورات الانتخابية الأخيرة، فقد الجنوب أفارقة حماسهم للانتخابات، وعلى سبيل المثال فقد انخفضت نسبة المشاركة إلى 46% من الناخبين المسجلين و30% من الناخبين المؤهلين للتصويت”.
[1] بريسيلا ألفاريز وجينيفر هانزلر، “داخل مساعي ترامب المحمومة لإدخال البيض من جنوب أفريقيا إلى الولايات المتحدة كلاجئين”، سي إن إن، 13 يوليو/تموز 2026 https://edition.cnn.com/2026/07/13/politics/afrikaner-refugees-trump-south-africa
[2] آلاف يغادرون جنوب أفريقيا بسبب تهديدات بهجمات كراهية الأجانب، دويتشه فيله، 16 يوليو/تموز 2026 https://www.dw.com/en/thousands-leave-s-africa-over-threats-of-xenophobic-attacks/video-77996068
[3] شون جاكوبس، جنوب أفريقيا تتجه نحو اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق، صحيفة ديلي إنفستور، 21 يوليو 2026 https://dailyinvestor.com/south-africa/144349/south-africa-heading-for-widespread-social-unrest/
أحدث المقالات:











































