نشرت صحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج» FAZ الألمانية مقالاً حصرياً بقلم «رالف كروجر» Ralf Krüger، حول ما تحظى به البلدان الإفريقية من شعبية متزايدة بين السائحين، خاصةً في ظل الحروب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، مما استدعى إعادة النظر في أوضاع المطارات الرئيسية الحالية في العديد من الدول الإفريقية. وعليه؛ تشهد المطارات في إفريقيا انتعاشة وحملة تطوير لاستيعاب الطلب المتزايد.
بقلم: رالف كروجر Ralf Krüger
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر – ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
تشهد أنحاء القارة الإفريقية انطلاق مشاريع تدشين مطارات ضخمة. ويُحفز هذا التطور أيضاً التصعيد العسكري الدائر في منطقة الشرق الأوسط، الذي بات يُجبر شركات الطيران الكبرى على إعادة النظر في مسارات رحلاتها الحالية، الأمر الذي بات يغذي الأمل في إفريقيا في إعادة تموضعها كـ«مراكز محورية» بديلة محتملة لتدفق السائحين.
وعلى غرار قطاع الشحن البحري، يضطر قطاع الطيران أيضاً إلى استكشاف آفاق جديدة، على الأقل في المدى القريب. وتأمل إفريقيا أن يُسهم ذلك في دفع عجلة نموه. بدوره، قد أكد وزير السياحة الأنجولي، مارسيو دي جيسوس لوبيز دانيال، خلال فعاليات معرض السياحة الدولي في برلين ITB هذا العام، قائلاً: «نرغب في زيادة عدد الرحلات الجوية في إفريقيا، على نحو ملحوظ». وأضاف أن نمو قطاع الطيران، بواسطة تحسين الربط الجوي، يمكن ترجمته أيضاً إلى نمو اقتصادي.
كذلك، يتحدث بعض المراقبين عن ثورة حقيقية في النقل الجوي الإفريقي، فيما يتوقع الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) نمواً بنحو 6% في حركة النقل الجوي الإفريقي هذا العام، بينما يبلغ متوسط النمو العالمي 4.9%. ويتوقع الاتحاد أن تتضاعف حركة النقل الجوي في إفريقيا خلال العشرين عاماً القادمة، شريطة أن تتوفر البنية التحتية اللازمة. بل إن شركة «بوينج» الأمريكية لصناعة الطائرات تتوقع نمواً سنوياً بنسبة 6% حتى عام 2044م. علاوةً على ذلك، وبعد سنوات من التباطؤ، يعمل الاتحاد الإفريقي الآن بحماس متجدد على تنفيذ مشروع سوق النقل الجوي الإفريقي الموحد SAATM الذي طال انتظاره.
المستفيدون من الوضع في الخليج:
في ظل الصراع الإيراني، أصبحت العديد من الدول الإفريقية، إلى حدٍّ كبير، من بين الوجهات السياحية الآمنة، إذ تُعدّ القارة الإفريقية أسرع مناطق السياحة نمواً في العالم. ووفقاً لمؤشر السياحة العالمي الصادر عن الأمم المتحدة، المنشور مؤخراً، ارتفع عدد الوافدين إلى القارة بنسبة 8% العام الماضي ليصل إلى أكثر من 81 مليون مسافر، وتتصدر المغرب وإثيوبيا وجنوب إفريقيا وسيشل قائمة الدول الأكثر زيارة. ويُعدّ هذا الارتفاع بمنزلة ضعف المتوسط الدولي.

إفريقيا ودفعة للانطلاق (تدشين مطارات رئيسية جديدة أو توسيع المطارات القائمة في هذه الدول).
يُعدّ مطار «أبوسيرا» الدولي أحدث مشاريع المطارات، ومن المقرر بناؤه على مدى السنوات الخمس المقبلة، على بُعد 45 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بالقرب من مدينة بيشوفتو، بتكلفة 12.5 مليار دولار. وقد احتفل رئيس الوزراء «آبي أحمد» بوضع حجر الأساس الرمزي في 10 يناير لأحد أكبر مشاريع البنية التحتية في إفريقيا. وتخطط إثيوبيا، التي تُشغّل الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة، وهي أكبر شركة طيران وأكثرها ربحية في القارة، لاستيعاب 110 ملايين مسافر سنوياً في بيشوفتو.
بـ«أربعة» مدارج وقدرة استيعابية تصل إلى 270 طائرة، سيصبح المطار الجديد أكبر مركز لحركة النقل الجوي في إفريقيا بلا منازع. ويعود ذلك إلى أن مطار «أديس أبابا بولي» الدولي الحالي، الذي يستقبل نحو 25 مليون مسافر سنوياً، يوشك على الوصول إلى طاقته الاستيعابية القصوى. وبهذا المشروع في قطاع الطيران، تعزز إثيوبيا مكانتها كدولة رائدة في مجال الطيران في إفريقيا. ووفقاً لمجلة «إير كارنت» المتخصصة في شؤون الطيران، فإن شركة الطيران الوطنية، التي ستشارك في تمويل بناء المطار، تدرس أيضاً مضاعفة أسطولها بشراء 100 طائرة إضافية.
التمويل الخارجي:
استلهمت كينيا المجاورة، وهي مركز مهم آخر لحركة النقل الجوي في شرق إفريقيا، من تجربة إثيوبيا. وأعلنت عن خطط لتوسيع مطار «جومو كينياتا» الدولي المكتظ في نيروبي، بتكلفة تقارب ملياري دولار، وذلك بإضافة مدرج بطول 4.8 كيلومترات ومبنى ركاب إضافي. وسيقوم كلٌّ من الاتحاد الأوروبي وبنك التنمية الإفريقي واليابان بتمويل المشروع، على أن تتولى تنفيذه تقنياً شركة صينية.
يُعاني المطار الحالي، المُصمم لاستيعاب 7.5 ملايين مسافر سنوياً، من اكتظاظ شديد، حيث بلغ عدد المسافرين حوالي 8.6 ملايين مسافر في عام 2025م. وبحلول عام 2045م، من المتوقع أن يتجاوز عدد المسافرين 22 مليون مسافر سنوياً، نظراً لتزايُد أعداد السائحين. علاوةً على ذلك، هناك خطط بشأن تدشين مطار دولي جديد، على بُعد حوالي 65 كيلومتراً جنوب العاصمة نيروبي، بالقرب من مدينة كونزا، بهدف تخفيف الضغط على المطار الرئيسي الحالي. وتخطط كينيا، الساعية إلى ترسيخ مكانتها كمركز رقمي لإفريقيا يشبه «وادي السيليكون»، إلى ربط المطار بمدينة كونزا تكنوبوليس «المدينة الذكية»، وهي منطقة اقتصادية خاصة تضم حدائق علمية ومراكز مؤتمرات، بطريقة محايدة مناخياً.
كذلك افتتحت أنجولا، الدولة الضيفة في معرض برلين الدولي للسياحة هذا العام، مطار الدكتور «أنطونيو أجوستينو نيتو» الدولي، الذي بُني لاستيعاب 15 مليون مسافر سنوياً. ومن المقرر الانتهاء من نقل المطار من العاصمة «لواندا» بحلول أكتوبر. وتُروّج أنجولا حالياً لنفسها بكثافة كوجهة سياحية، ولذا؛ فهي تُحدّث مطاراتها الإقليمية في جميع أنحاء البلاد. وتسعى الدولة الغنية بالنفط إلى الاستثمار بكثافة لإعادة تموضعها كمركز تجاري في الجنوب الإفريقي، آملةً في الحصول على اعتراف دولي بفضل الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية. ويهدف المطار، بما يضمه من قسم للشحن الجوي، إلى دفع عجلة تنويع اقتصاد البلاد. من جانبه، صرح وزير السياحة الأنجولي «مارسيو دانيال» بتفاؤل في معرض برلين الدولي للسياحة، قائلاً: «نريد أن نجعل العاصمة لواندا نقطة التقاء رئيسية في القارة». ومن المتوقع أن يُمهّد مركز المؤتمرات، الذي سيُفتتح قريباً، الطريق لهذا التحول.
كما تعتزم تنزانيا إتمام بناء مطار «مسالاتو» الدولي، الذي تبلغ تكلفته 330 مليون دولار، بحلول نهاية شهر مايو. يقع المطار على بُعد 15 كيلومتراً من العاصمة دودوما، وهو مصمم لاستيعاب ما يصل إلى 1.7 مليون مسافر سنوياً، ومجهز لاستقبال الطائرات عريضة الهيكل مثل إيرباص (A380) وبوينج دريملاينر. وسيرتبط المطار بشبكة السكك الحديدية فائقة السرعة الجديدة في البلاد.
أما في رواندا، فمن المقرر إنجاز المرحلة الأولى من مطار بوجيسيرا الدولي، الذي تبلغ تكلفته ملياري دولار، في عام 2028م. ويهدف هذا التوسع، الممول من قطر، مبدئياً إلى استيعاب سبعة ملايين مسافر سنوياً، وهو رقم من المتوقع أن يتضاعف بحلول نهاية المرحلة الثانية في عام 2032م. وستحصل قطر على حصة 60% في المطار، الذي يقع على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق العاصمة كيغالي، مقابل تمويلها.
كما أعلنت أوغندا مؤخراً عن نيتها إنشاء شبكة وطنية تضم 20 مطاراً دولياً. وقد تم الإعلان عن هذا المشروع الطموح، الذي يُعدّ جزءاً من مبادرة إستراتيجية للنمو، في أوائل مارس. ويهدف إلى تعزيز الإمكانات الإقليمية في مناطق مثل «كاسيسي» و«كوتيدو» و«كابالي». ووفقاً لمصادر حكومية، فقد بدأت بالفعل الاستعدادات الأولية، مثل تخصيص الأراضي والبحث عن مستثمرين.
وفي نيجيريا، يقترب مطار «ليكي- إيبي» الدولي الجديد، الواقع شرق لاغوس، من الاكتمال. ويهدف هذا المطار، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية السنوية خمسة ملايين مسافر، إلى تخفيف الضغط على مطار «مورتالا محمد» الدولي الأكبر. كما يقع المطار بجوار منطقة تجارة حرة، تضم مصفاة النفط الرئيسية في هذه الدولة الغنية بالنفط في غرب إفريقيا، والتي يزيد عدد سكانها عن 200 مليون نسمة.
أما في شمال إفريقيا، فقد أعلنت تونس مؤخراً عن خطط لمضاعفة عدد المسافرين السنوي في مطار قرطاج الدولي بتونس أربع مرات. وتبلغ طاقته الاستيعابية الحالية حوالي خمسة ملايين مسافر سنوياً، ومن المقرر تحديثه وتوسيعه باستثمار مليار دولار بحلول عام 2031م، بهدف الوصول إلى 18.5 مليون مسافر سنوياً.
تتبنّى دولٌ أخرى خططاً مماثلة، مثل جنوب إفريقيا التي تخطط حالياً لبناء مطار جديد بالقرب من مدينة «ستيلينبوش» بسعة شحن جوي سنوية تبلغ 110 آلاف طن، بتكلفة ثمانية مليارات راند (حوالي 440 مليون يورو). ويخضع مطار «أور تامبو» الدولي الرئيسي هناك حالياً لعملية تحديث ضخمة بتكلفة مليارات اليورو. كما يواجه مطار «كيب تاون» الرئيسي مشروع تحديث كبير من المقرر الانتهاء منه في عام 2029م.
حتى في السودان، حيث يدخل الصراع الدامي عامه الرابع، يجري إعادة بناء مطار الخرطوم المُدمَّر. ومنذ فبراير من هذا العام، استؤنفت رحلات جوية مباشرة بين الخرطوم ومدينة بورتسودان الساحلية، حيث كانت الحكومة الفعلية متمركزة حتى طرد الميليشيات من الخرطوم، وذلك باستخدام طائرة إيرباص قديمة تابعة للخطوط الجوية السودانية.
يهدف توسيع المطارات في جميع أنحاء القارة إلى المساعدة في تعويض النقص التنافسي الذي تعاني منه إفريقيا حالياً في حركة النقل الجوي العالمية، حيث لا تتجاوز حصتها في القارة المجاورة لأوروبا 2%. ولا تزال تكلفة الرحلات الجوية داخل إفريقيا أعلى بستة إلى سبعة أضعاف من تكلفة الرحلات المماثلة في أوروبا. فعلى سبيل المثال: يتشابه مسار (أثينا-برلين) في المسافة مع مسار (لاغوس-فريتاون)، ولكنه يكلف ما يقارب 2000 دولار أمريكي في إفريقيا بدلاً من حوالي 175 دولاراً. وفي السودان، تبلغ تكلفة الرحلة الداخلية من بورتسودان إلى الخرطوم 200 دولار أمريكي، ولكن الضرائب والرسوم تضيف ما يقارب أربعة أضعاف هذا المبلغ.
النقل الجوي باهظ الثمن بالنسبة للأفارقة:
يضطر الأفارقة أحياناً إلى السفر عبر أوروبا للوصول جوّاً إلى مدن كبرى أخرى داخل قارتهم. ولا تزال هناك معوقات، مثل: ضعف الرحلات الجوية، وارتفاع الأسعار، وتعقيد إجراءات التأشيرات، تحد من معدلات تبادل الأفراد والسلع والأفكار، وهو ما انتقدته رئيسة منظمة التجارة العالمية WTO، نغوزي أوكونجا-إيويالا، في نهاية مارس في نيجيريا، قائلةً: «على الرغم من ارتفاع أسعار التذاكر؛ فإن شركات الطيران الإفريقية تجني أرباحاً أقل لكل راكب مقارنةً بمتوسط السعر العالمي».
وهناك حاجةٌ ماسة لتغيير هيكل التكاليف الأساسي. ففي إفريقيا، تعمل معظم شركات الطيران بمتوسط 75% من طاقتها الاستيعابية، ولا توجد منطقة أخرى في العالم تعمل بمعدل أقل. وتتعدد الأسباب، بدءاً من العقبات البيروقراطية ونقاط الضعف الهيكلية، وصولاً إلى أسعار الوقود التي تفوق المتوسط العالمي بكثير، فضلاً عن نقص البنية التحتية وقصور التعاون بين دول القارة البالغ عددها 54 دولة.
بدوره، أكد وزير الأشغال والنقل الناميبي، فيكو نيكوندي، مؤخراً أن النقل الجوي «شريان الحياة لحشد الاستثمارات العالمية». وقد أطلقت بلاده مبادرة «ربط ناميبيا جوّاً» في عام 2024م، بهدف ترسيخ مكانة ناميبيا، جارة جنوب إفريقيا، كلاعب إقليمي جديد في مضمار النقل الجوي الدولي. وبينما لا يزال عدد الوجهات الدولية التي تخدمها مطارات البلاد متواضعاً نسبياً، إذ يبلغ عشر وجهات فقط، فمن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 17 وجهةً بحلول منتصف العام. وتدرس ناميبيا حالياً إمكانية إنشاء شركة طيران مشتركة مع جارتها بوتسوانا. وتُعدّ هذه المبادرة مماثلة لتلك التي تم الاتفاق عليها في منتصف أبريل في نيامي، غرب إفريقيا، بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
بدوره، قال وزير السياحة الأنجولي، مارسيو دانيال، في برلين: «لا وجود للسياحة بدون رحلات جوية». وقد أبدى الخبراء هناك تردداً واضحاً في التنبؤ بتأثير الاضطرابات الأخيرة في الشرق الأوسط على السياحة. ومع ذلك، دار حديثٌ عن انخفاض السياحة في الشرق الأوسط بنسبة تصل إلى 25%، وهو ما يُعادل خسائر في الإيرادات تُقدّر بمليارات الدولارات. ولا يزال من غير الواضح إلى متى سيظل المجال الجوي مغلقاً فوق المناطق المتضررة، ومدى سرعة إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
ـــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:









































