في الساعات الأولى من صباح اليوم الجمعة، أصبحت 24 طنًا من التفاح الجنوب إفريقي أول شحنة واردات تدخل الصين في إطار مبادرة “صفر جمارك”، وذلك بعد أن وسّعت بكين سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية لتشمل جميع الدول الإفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية.
الخطوة تأتي بعد إعلان الرئيس الصيني شي جين بينغ في فبراير الماضي منح إعفاء جمركي شامل “صفر جمارك” للدول الإفريقية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع بلاده. وهو قرار دخل حيز التنفيذ اليوم الجمعة الأول من مايو.
وبالنسبة لشحنة التفاح الجنوب إفريقي، انخفضت الرسوم من 10% إلى صفر، ما يمنحها ميزة تنافسية فورية داخل واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
وكانت الصين قد بدأت بالفعل، اعتبارًا من الأول من ديسمبر 2024، تطبيق سياسة الإعفاء الجمركي على الدول الأقل نموًا التي تقيم علاقات دبلوماسية معها، بما في ذلك 33 دولة إفريقية من هذه الفئة.
الصين في إفريقيا
ويمثل توسيع سياسة الإعفاء الجمركي “صفر جمارك” خطوة جديدة من شأنها دعم التعاون التجاري والاستثماري بين الصين وإفريقيا، وتعزيز مسارات التنمية في القارة.
سياسة صفر جمارك
تمثل شحنة التفاح الجنوب إفريقي التي دخلت السوق الصينية دون رسوم جمركية أكثر من مجرد صفقة تجارية. فهي تعكس بداية مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح العلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا.
غير أن نجاح هذه المرحلة من مبادرة “صفر جمارك” سيعتمد على قدرة الدول الإفريقية على استغلال الفرص المتاحة. ويتطلب ذلك تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير القدرات الإنتاجية.
وستواصل الصين الدفع نحو التفاوض وتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية مشتركة، كما ستعمل على توسيع وصول الصادرات الإفريقية إلى السوق الصينية من خلال آليات مطوّرة مثل “الممر الأخضر”.
مبادرة الممر الأخضر
في هذا الإطار، تلعب مبادرات مثل “الممر الأخضر” دورًا محوريًا، إذ تهدف إلى تسريع إجراءات التخليص الجمركي وتسهيل دخول المنتجات الزراعية إلى الصين.
وقد أسهمت هذه المبادرة بالفعل في إدخال عدد من المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية خلال السنوات الأخيرة.
وإلى جانب الزراعة، تمثل الصناعات التحويلية مجالاً واعدًا للاستفادة من هذه السياسة. فإفريقيا، رغم امتلاكها موارد طبيعية كبيرة، لا تزال تسهم بنسبة محدودة في التصنيع العالمي، ما يعكس فجوة واضحة في القيمة المضافة.
ويمكن أن يشجع الإعفاء الجمركي الدول الإفريقية على التوسع في التصنيع المحلي بدلاً من تصدير المواد الخام، خاصة في قطاعات مثل النسيج والجلود والمعادن.
كما قد يسهم في جذب استثمارات جديدة، خصوصًا من الشركات الصينية التي تبحث عن فرص إنتاج منخفضة التكلفة.
غير أن تحقيق هذا التحول يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم، وهي عوامل لا تكفي السياسات التجارية وحدها لتعويضها.
التحول الجديد يتمثل في تعميم الإعفاء على جميع الدول الإفريقية تقريبًا، ما يزيل التمييز بينها ويخلق بيئة تجارية أكثر تكافؤًا من حيث الرسوم.
لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام منافسة أشد بين الاقتصادات الإفريقية نفسها.

الشريك التجاري الأكبر لإفريقيا
لا يمكن فصل شحنة التفاح الجنوب إفريقي ضمن مبادرة “صفر جمارك” عن سياق أوسع من التحولات في العلاقات الصينية الإفريقية.
وخلال العقدين الماضيين، تحولت الصين إلى الشريك التجاري الأكبر للقارة، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 348 مليار دولار في عام 2025، مسجلاً نموًا بنسبة 17.7% مقارنة بالعام السابق.
لكن هذه الأرقام تكشف في الوقت ذاته عن خلل هيكلي، إذ تهيمن الصادرات الصينية على المشهد بقيمة تصل إلى 225 مليار دولار، مقابل واردات إفريقية تبلغ نحو 123 مليار دولار فقط.
هذا العجز التجاري كان محل انتقادات متزايدة، باعتباره يعكس استمرار اعتماد إفريقيا على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة.
ومن هنا، يُنظر إلى قرار الإعفاء الجمركي على أنه محاولة لمعالجة هذا الخلل، من خلال تحسين فرص وصول المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية.
ولم تكن هذه السياسة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمسار بدأ منذ عام 2005، عندما منحت الصين إعفاءات جمركية للدول الإفريقية الأقل نموًا، والتي بلغ عددها نحو 33 دولة.
غير أن تلك السياسة كانت محدودة التأثير، بسبب التحديات المرتبطة بالبنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، وصعوبة الالتزام بالمعايير الفنية المطلوبة للتصدير.
تعزيز الصادرات وتنويع الاقتصاد
تأتي مبادرة “صفر جمارك” في وقت تواجه فيه التجارة العالمية حالة من التوتر، مع تصاعد السياسات الحمائية وارتفاع الرسوم الجمركية في عدة مناطق.
وفي هذا السياق، توفر السوق الصينية فرصة مهمة للدول الإفريقية لتعزيز صادراتها وتنويع اقتصاداتها.
وتشير البيانات إلى أن واردات الصين من الدول الإفريقية الأقل نموًا ارتفعت بالفعل بنسبة 15.2% خلال الأشهر الأولى من تطبيق الإعفاءات الجزئية، لتصل إلى أكثر من 21 مليار دولار.
يُعد القطاع الزراعي من أبرز المستفيدين، إذ يشكل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا، ويوفر فرص عمل لنحو نصف السكان.
ومن شأن الإعفاء الجمركي أن يفتح آفاقًا أوسع أمام المنتجات الزراعية الإفريقية، التي واجهت سابقًا صعوبات في الوصول إلى الأسواق العالمية.

مخاوف من تعميق الفجوة
رغم التفاؤل بمبادرة صفر جمارك، تبرز مخاوف من أن تؤدي هذه السياسة إلى تعميق الفجوة بين الدول الإفريقية.
فالدول الأكثر تقدمًا، مثل جنوب إفريقيا والمغرب وكينيا، تمتلك بنية تحتية أفضل وقدرات إنتاجية أعلى، ما يجعلها أكثر استعدادًا للاستفادة من فتح السوق الصينية.
في المقابل، قد تجد الدول الأقل نموًا نفسها في وضع أكثر هشاشة، بعد أن فقدت الميزة التفضيلية التي كانت تتمتع بها في النظام السابق.
كما أن ضعف شبكات النقل والطاقة، وصعوبة الامتثال للمعايير، قد يحد من قدرتها على التصدير.
أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في تطوير سلاسل إمداد عابرة للحدود داخل إفريقيا، بحيث يتم توزيع مراحل الإنتاج بين الدول وفقًا لمزاياها النسبية.
هذا النهج قد يعزز القدرة التنافسية الجماعية للقارة، خاصة مع توفر سوق صينية مفتوحة.
كما يتماشى مع أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تسعى إلى تعزيز التجارة البينية وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.
التحدي الديموغرافي والاقتصادي
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إفريقيا تحديًا ديموغرافيًا كبيرًا، حيث يُتوقع أن يصل عدد سكانها إلى 2.2 مليار نسمة بحلول عام 2054.
ويمثل هذا النمو فرصة كبيرة إذا تم استثماره بشكل صحيح، لكن مبادرات على غرار “صفر جمارك” قد تتحول إلى عبء في حال غياب فرص العمل الكافية.
تشير التقديرات إلى أن القارة تحتاج إلى خلق نحو 15 مليون وظيفة سنويًا، في حين لا يزال عدد الوظائف المتاحة أقل بكثير.
وفي هذا السياق، يمكن أن تسهم زيادة الصادرات والاستثمارات في دعم النمو الاقتصادي، لكن ذلك يتطلب سياسات متكاملة تتجاوز الإعفاءات الجمركية.
حافز للتعاون؟
من خلال تطبيق الإعفاء الجمركي على جميع الدول الإفريقية تقريبًا، نجحت الصين في إزالة أحد أوجه التمييز في سياستها السابقة.
ففي السابق، كانت بعض الدول تتمتع بمزايا تصديرية خاصة، ما كان يدفع المستثمرين إلى توطين الإنتاج فيها.
لكن هذا النموذج لم يكن فعالاً دائمًا، بسبب الصعوبات التي تواجهها الدول الأقل نموًا، مثل ضعف البنية التحتية وانقطاع الكهرباء.
اليوم، ومع تعميم الإعفاء، قد تتجه قرارات الإنتاج إلى الاستفادة من سلاسل التوريد الإقليمية، بدلاً من الاعتماد على فروق الرسوم.
وقد يتيح ذلك فرصًا أكبر للتكامل الاقتصادي داخل القارة، ويعزز التجارة البينية.
كما أعلنت الصين عن توسيع إجراءات تيسير التجارة، بما في ذلك تطوير “الممرات الخضراء” لتسريع التخليص الجمركي وتبسيط الإجراءات الصحية.
وأنشأت أيضًا مركزًا متخصصًا لتيسير التجارة بين الصين وإفريقيا في تشانغشا، بهدف دعم الشركات وتعزيز التعاون التجاري.
ترحيب إفريقي بصفر جمارك
في هذا السياق، رحّب الاتحاد الإفريقي بالخطوة الصينية، حيث أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، عبر ممثله الدبلوماسي، عن دعمه للقرار.
كما أكد السفير سارجوه باه أن الإعفاء الجمركي يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الشراكة القائمة على المنفعة المتبادلة بين إفريقيا والصين.
نقلاً عن:











































