الملخص:
– الحرب مع إيران حوّلت إفريقيا من «خيارٍ ثانٍ» إلى ضرورة جيوسياسية، لتجاوز مخاطر مضيق هرمز وتأمين ممرات طاقة بديلة.
– يُنظر للقارة كبديل إستراتيجي لغاز الخليج، بفضل احتياطيات ضخمة (8% عالمياً) واكتشافات في 24 دولةً تضمن استمرارية الإمداد.
– بروز محور (الجزائر- نيجيريا- موزمبيق) كعمود فقري لتأمين احتياجات الطاقة الأوروبية والإسرائيلية، نظراً لجاهزية البنية التحتية وخطوط الإسالة.
– المراهنة الإسرائيلية تتجه نحو مشاريع الغاز المسال LNG والحلول العائمة في السنغال وموريتانيا، لسهولة نقلها بعيداً عن «نقاط التهديد» التقليدية.
– مقايضة الاعتراف الدبلوماسي (كما في حالة صوماليلاند)؛ مقابل الحصول على موطئ قدم عسكري واستخباري في مناطق التماس البحرية.
– أحد المواقع المقترحة للقاعدة العسكرية الإسرائيلية هو منطقة جبلية تقع على بُعد 100 كم غرب مدينة الميناء «بربرة»، وهي المنطقة التي تنشط فيها الإمارات العربية المتحدة أيضاً.
– استأجرت إسرائيل طابقاً علوياً في فندق بالعاصمة هرجيسا، وجرى تجهيزه بنوافذ مضادة للانفجار، كجزء من الترتيبات لافتتاح سفارة هناك.
– التحرك الإسرائيلي في القرن الإفريقي صُمّم ليكون «ثقلاً موازناً» للوجود العسكري التركي الضخم في الصومال (مقديشو).
– تشكُّل خريطة جديدة تضم «دول المصالح» الداعمة للتحالف الإسرائيلي (مثل كينيا وإثيوبيا)؛ مقابل «دول المبادئ/القانون» (بقيادة جنوب إفريقيا).
المقدمة:
شهد الإعلام العبري، خلال شهر مارس 2026م، طفرةً في التحليلات والمقالات التي تربط بين تصاعد المواجهات العسكرية مع إيران وبين التحولات الجيوسياسية المتسارعة في القارة الإفريقية، حيث بات واضحاً أن إفريقيا في القراءات الإسرائيلية هي البيئة الخصبة للتحول إلى شريك إستراتيجي، وأكثر من ذلك: إلى ملاذ اقتصادي حيوي، ومصدر أساسي لإمدادات الغاز الطبيعي، في ظل اضطراب أمن الطاقة العالمي.
وبينما أبرزت صحيفة «معاريف» انقساماً إفريقياً بين معسكر داعم للتحالف الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران بدافع المصالح الأمنية والاعترافات الدبلوماسية، ومعسكر ناقد بقيادة جنوب إفريقيا، رصدت صحيفة «كالكاليست» تحوّل القارة إلى «رادار» الاستثمارات العالمية كبديل إستراتيجي لغاز الخليج؛ هرباً من مخاطر مضيق هرمز، ويظهر على هذا «الرادار» بوضوح كلٌّ من نيجيريا وموزمبيق وغيرهما.
وفي السياق العملياتي، يكشف موقع «القناة 14» عن مساعٍ إسرائيلية حثيثة لغرس «وتد إستراتيجي» في صوماليلاند، عبر إقامة قاعدة عسكرية لمواجهة التهديدات الحوثية وجمع المعلومات الاستخبارية، وهو ما يعكس رغبة تل أبيب في تطويق النفوذ الإيراني والتركي بالمنطقة- كما تدعي.
إن تداخل هذه العناصر، من تأمين ممرات الطاقة البديلة إلى تعميق التحالفات الأمنية العابرة للقارات، يؤكد أن القارة الإفريقية في مسيرة التخطيط الإستراتيجي الإسرائيلي لن تبقى ساحةً ثانوية، بل ستصبح ركيزةً أساسية في السنوات القادمة، وسوف تسعى تل أبيب لبناء ما يمكن تسميته «تحالفات الضرورة» مع عدد من الدول الإفريقية، ولا سيما تلك التي تمتلك احتياطات مثبتة من الغاز الطبيعي؛ بغرض تأمين مصالحها الحيوية، كأحد دروس حربها مع إيران، وهي الحرب التي يبدو أنها لن تذر حجراً في توازنات منطقة الشرق الأوسط إلا وقلبته.
المقال الأول بصحيفة «معاريف»، بتاريخ 7 مارس 2026م، يُبرز انقساماً حاداً في المواقف الإفريقية تجاه الصراع بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، حيث اصطفت دولٌ بالقرن الإفريقي خلف التحالف مدفوعةً بمصالح اقتصادية واعترافات دبلوماسية، بينما قادت جنوب إفريقيا والسنغال جبهةً ناقدة استناداً إلى القانون الدولي، محذرةً في الوقت ذاته من تداعيات اقتصادية وأمنية وخيمة قد تطال القارة، تشمل اضطراب أسواق الطاقة وتهديدات ملاحية وتصعيداً من جماعات كالحوثيين ضد حلفاء إسرائيل الإقليميين.
المقال الثاني بصحيفة «كالكاليست» العبرية، للكاتب دورون بيسكين، والمنشور بتاريخ 11 مارس 2026م، يوضح أن أزمة مضيق هرمز الناتجة عن الحرب الأخيرة أعادت إفريقيا إلى رادار الاستثمارات العالمية كبديل إستراتيجي لتقليل الاعتماد على غاز الخليج، مستفيدةً من احتياطاتها الضخمة ومشروعاتها القائمة بالفعل في الجزائر ونيجيريا وموزمبيق. ويُقدّر كاتب المقال أن القارة لا تُقدّم الغاز فحسب، بل توفر جغرافيا لوجستية بعيدة عن «عنق الزجاجة» المعتاد، مما يجعل مشروعات اللاعبين الجدد، مثل: السنغال وموريتانيا والكونغو، إلى جانب رهان موزمبيق الضخم، وجهات عاجلة لتأمين الطاقة، مشدداً على أن تدفق رؤوس الأموال يظل مشروطاً باستقرار الأطر التنظيمية والأمنية لتجاوز فجوة التنفيذ الفعلي وتحويل الثروات الكامنة إلى فرص تجارية ملموسة.
في المقال الثالث بموقع «قناة 14» العبرية، للكاتب أبراهام لاندسبيرغ، والمؤرخ 11 مارس 2026م، ثمّة حديث عن محاولات إسرائيلية لتسريع وتيرة ترسيخ نفوذها الإستراتيجي في منطقة القرن الإفريقي عبر بوابة صوماليلاند، من خلال بحث إقامة قاعدة عسكرية واستخبارية لمواجهة التهديدات الحوثية وجمع المعلومات، في وقتٍ تطمح صوماليلاند من خلال هذه الشراكة للوصول إلى اعتراف أمريكي كامل، بينما تثير الخطوة توترات إقليمية مع دول عربية وإفريقية.
▪ جنوب إفريقيا ليست وحدها: دولة أخرى في القارة قررت المراهنة على إسرائيل[1]:
في المقال الافتتاحي لصحيفة معاريف العبرية، والمؤرخ 7 مارس 2026م، ثمّة إشارة إلى أن المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهةٍ أخرى؛ بدأت تكشف عن فجوات عميقة في مواقف الدول الإفريقية، وهي مواقف تتأثر بشكلٍ مباشر بالروابط الاقتصادية والتحالفات الأمنية، ومدى القرب من طرق التجارة في الشرق الأوسط. ووفقاً للمقال؛ فإن الاستجابات الدبلوماسية جاءت متباينةً بشكلٍ لافت، إذ سارعت بعض الدول لإدانة إيران بينما اختارت دولٌ أخرى تبنّي خط متوازن.
وحسبما تسرد معاريف؛ فإن فتيل المواجهة اشتعل بقوة بعد أن أطلقت واشنطن وتل أبيب عمليتَي «الغضب العارم» و«زئير الأسد» ضد أهداف إيرانية، وهو ما ردت عليه طهران بهجمات صاروخية استهدفت دولاً في الخليج، من بينها الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين وكذلك الأردن والعراق، مشيراً إلى أنه على الرغم من تركيز القتال في الشرق الأوسط؛ فإن ردود الفعل السياسية في إفريقيا كشفت عن تبايناتٍ حادة في الحسابات الإستراتيجية لدول القارة.
في منطقة القرن الإفريقي، يوضح المقال أن العديد من الحكومات اختارت إدانة التحركات الإيرانية، مع تجنب أيّ انتقاد للولايات المتحدة أو إسرائيل، وعلى سبيل المثال صوماليلاند (أرض الصومال)، التي وصفت الهجمات الإيرانية بـ«العدوان غير المبرر»، وهو موقف يراه المقال انعكاساً لعلاقاتها الوثيقة بالإمارات، ولا سيما الاستثمارات في ميناء بربرة. ويلفت المقال الانتباه إلى تغير المشهد الدبلوماسي بعد أن أصبحت إسرائيل الدولة الأولى التي تعترف رسمياً بسيادة صوماليلاند، وسط تلميحات أمريكية بإمكانية اتخاذ خطوة مماثلة إذا تعمق التعاون الإستراتيجي.
وعلى الجانب الآخر، يُبرز المقال موقف الصومال المجاورة التي أدانت الهجمات الإيرانية وأعلنت تضامنها مع السعودية ودول الخليج، لكنها استثنت الإمارات من بيانها الرسمي. وحسبما تشير معاريف؛ فإن العلاقات بين مقديشو وأبو ظبي تدهورت منذ الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، وهو التحرك الذي يعتقد المسؤولون في الصومال أن الإمارات دعمته بصمت.
كما يربط المقال بين المواقف السياسية والواقع الاقتصادي، إذ يشير إلى أن رئيس وزراء إثيوبيا، آبي أحمد، أدان بشدة ما وصفه بـ«الهجوم الصادم» على سيادة الكويت، مدفوعاً بحقيقة أن ملايين العمال الإثيوبيين في الخليج يُمثلون مصدراً حيوياً للعملة الصعبة لبلاده. وفي السياق ذاته، أصدرت كينيا إدانةً من أشد الإدانات في القارة، حيث حذّر الرئيس ويليام روتو من أن توسع الصراع يهدد الأمن والسلم الدوليين.
وينقل المقال عن محللين، مثل «تشيتا نوانزا» من شركة SBM Intelligence، أن هذه الردود ليست قانونية فحسب بل هي حسابات جيوسياسية؛ فبعض الحكومات تراهن على التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وتتوقع خروجه من المواجهة أكثر قوةً ونفوذاً.
وفي المقابل؛ يسلط المقال الضوء على «المعسكر الناقد»، حيث تبرز جنوب إفريقيا التي شدد رئيسها سيريل رامافوزا على أن ميثاق الأمم المتحدة يسمح بالدفاع عن النفس فقط بعد وقوع هجوم مسلح، معتبراً «الدفاع الوقائي» غير مسموح به دولياً، وهو ما اعتبره المقال انتقاداً ضمنياً للعقيدة العسكرية لواشنطن وتل أبيب. كما يورد المقال انتقاداً أكثر حدةً صدر عن السنغال، حيث حذّر رئيس وزرائها عثمان سونكو من أن التحركات العسكرية أحادية الجانب قد تقوّض النظام الدولي.
أما في غرب إفريقيا؛ فيشير المقال إلى أن دولاً مثل: نيجيريا وغانا وغامبيا اختارت نهجاً متوازناً، حيث دعت نيجيريا إلى «أقصى درجات ضبط النفس» دون توجيه اللوم لأي طرف، حفاظاً على تعاونها الأمني مع الغرب وعلاقاتها الاقتصادية مع الخليج.
وحسبما يورد المقال الافتتاحي لصحيفة «معاريف»؛ فإن غانا هي الأخرى تبنّت لغةً مماثلة، حيث شدَّدت على الحاجة الماسة لخفض حدة التوتر والحفاظ على أمن وسلامة مواطنيها المقيمين في الخارج. وفي السياق ذاته، انضمت غامبيا إلى الدعوات الرامية لضبط النفس وحماية البنية التحتية المدنية.
وإلى جانب البعد السياسي، يشير المقال إلى تزايد المخاوف من تداعياتٍ اقتصادية واسعة النطاق، حيث يحذّر المحللون من أن أيّ تصعيد إضافي قد يؤدي إلى تعطيل أسواق النفط العالمية ومسارات الملاحة البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز الحيوي لاستيراد الطاقة.
كما لفت التقرير الصادر عن مؤسسة SBM Intelligence إلى أنه حتى في حال حقق التحالف الأمريكي-الإسرائيلي مكاسب تكتيكية على المدى القصير؛ فإن إيران قد تستمر في تنفيذ عمليات انتقامية «غير متماثلة» على مدار زمن طويل. وفي سياقٍ متصل، قدّرت شركة Oxford Economics أن الاقتصادات الإفريقية قد تواجه ارتفاعاً في أسعار النفط وضَعفاً في قيمة العملات المحلية.
وبالتوازي مع ذلك، يشير المحللون الأمنيون إلى انعكاسات إقليمية محتملة أخرى، تشمل مخاطر تهدد الأصول المتصلة بالولايات المتحدة في إفريقيا، وتداعيات تطال ملف نقل أرخبيل «تشاغوس» إلى موريشيوس، فضلاً عن إمكانية حدوث تصعيد إضافي من قِبل الحوثيين ضد حلفاء إسرائيل في منطقة القرن الإفريقي، وذلك وفق تقييم ريان كامينغز، المدير في شركة Signal Risk. ويختتم بالتأكيد على أن تطور المواجهة في الشرق الأوسط قد يؤثر في المنظومات الأمنية والاقتصادية في مناطق بعيدة جداً عن ساحة المعارك نفسها، بما في ذلك أنحاء القارة الإفريقية كافة.
▪ بعد حرب إيران: توقعات بتحول إفريقيا إلى الوجهة القادمة للاستثمارات في الغاز الطبيعي[2]:
في مقالته بصحيفة «كالكاليست» العبرية، يشير الكاتب دورون بيسكين إلى أن أزمة مضيق هرمز قد أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك حجم الخطر الكامن في الاعتماد العالمي المفرط على غاز منطقة الخليج، ويرى أن هذا الواقع الجديد قد يدفع بإفريقيا لتتصدر مرّةً أخرى «رادار» المستثمرين، مدفوعةً بمزيج من المزايا التي تشمل احتياطيات ضخمة، ومشروعات قائمة بالفعل، وإمكانات حقيقية للتوسع، تقودها كلٌّ من الجزائر ونيجيريا.
ويلفت كاتب المقال إلى أنه على الرغم من أن الحرب لا تزال في ذروتها؛ فإنه يمكن القول منذ الآن إنها كشفت عن عمق ارتهان سوق الطاقة العالمي لمساحةٍ جغرافية محدودة، وأنه عندما يمر جزءٌ كبير من تجارة الغاز الطبيعي المُسال LNG عبر مضيق هرمز؛ فإن أيّ صراع في تلك المنطقة يتوقف عن كونه حدثاً محلياً، ليتحول فوراً إلى معضلة عالمية تتعلق بالإمدادات، والتسعير، والمخاطر.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن إفريقيا قد تعود للصدارة في أعين المستثمرين؛ ليس لأنها قادرة على استبدال كنوز الطاقة في الخليج بين عشيةٍ وضحاها، بل لأنها تُعدّ واحدةً من الساحات القليلة في العالم التي لا تزال تجمع بين احتياطيات غاز كبرى، ومشروعات مفتوحة، وفرص نمو ملموسة، مضيفاً أن المستثمرين، بعد أزمةٍ كهذه، لن يتساءلوا عن مكامن الغاز الطبيعي فحسب، بل عن الأماكن التي يمكن فيها تطوير حقول الغاز بعيداً عن مسارات المخاطر المعهودة.
ويستعرض المقال لغة الأرقام لتفسير سبب جذب القارة للانتباه، مع التحذير في الوقت نفسه من المبالغة، ويؤكد أن إفريقيا أنتجت في عام 2024م نحو 240 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل 5.8% فقط من الإنتاج العالمي. ويورد المقال تفاصيل المنتجين الأربعة الكبار: الجزائر (94.7 مليار متر مكعب)، مصر (47.5 مليار متر مكعب)، نيجيريا (46.8 مليار متر مكعب)، وليبيا (14.3 مليار متر مكعب).
وبالتوازي، يشير المقال إلى تقارير دولية تُقدّر امتلاك إفريقيا حالياً لما بين 15 إلى 17 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز المؤكدة (أكثر من 8% من الاحتياطي العالمي)، مع تسجيل اكتشافات غاز في 24 دولةً بالقارة. ويخلص بيسكين إلى أن إفريقيا، وإن لم تكن قوة غازية بحجم الخليج أو الولايات المتحدة أو روسيا، إلا أنها تظل إحدى الساحات النادرة التي لا تزال فيها الفجوة كبيرة بين ثروة الموارد وحجم التنفيذ الفعلي، وهي تحديداً الفجوة التي تميل الأزمات الجيوسياسية لتحويلها إلى فرص للحكومات، والتجار، وبنوك الاستثمار.
كما يسلط المقال الضوء على أن عمالقة الطاقة الغربيين يعوّلون على غاز إفريقيا، فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، تعلمت أوروبا «بالطريقة الصعبة» ثمن التبعية لمورد واحد، والآن تأتي الحرب في الخليج لتُذكّر بأن التبعية لمسار ملاحي واحد قد تتحول إلى خطر منهجي. ولهذا السبب؛ لم يعد السؤال «مَن يملك الغاز؟»، بل «مَن يمكنه تطويره خارج عنق الزجاجة المعروف؟». وهنا يوضح الكاتب أن إفريقيا توفر حلاً؛ كون بعض مشاريعها مرتبطة مباشرة بأوروبا عبر الأنابيب، وبعضها يعمل عبر الغاز المسال المرن، والبعض الآخر- الأحدث- يعتمد على حلول عائمة ونمطية، مما يعني أن القارة تُقدّم جغرافيا ولوجستيات ونماذج تطوير مختلفة.
ويعتبر المقال أن «المرساة المركزية» لهذا التغيير هي الجزائر، فعلى الرغم من أنها ليست الدولة ذات الاحتياطيات الأكبر؛ فإنها تُمثل الرد الإفريقي الأكثر فورية للحاجة الأوروبية للتنويع. ويرصد المقال نمو صادراتها من 39 مليار متر مكعب في 2020م إلى 49 ملياراً في 2024م. وفي الربع الثاني من 2025م، قدّمت شمال إفريقيا 13% من إجمالي واردات الغاز للاتحاد الأوروبي، وكانت الجزائر وحدها رابع أكبر مورد للغاز المسال للاتحاد بنسبة 6%.
أما عن مصر؛ فيصفها المقال بأنها الحالة الأكثر تعقيداً وإثارة؛ فبينما كانت ثاني أكبر منتج في القارة عام 2024م، إلا أن إنتاجها شهد تراجعاً من 70.4 مليار متر مكعب في 2021م إلى 49.4 مليار في 2024م بسبب تقادم الحقول وارتفاع الطلب المحلي. ويرى الكاتب أن أهمية مصر الحالية للمستثمرين لا تكمن في كونها محرك تصدير جديد، بل كمركز إستراتيجي يمتلك بنية تحتية قائمة بالفعل، وقد تعمل مستقبلاً كمنصة تصدير إقليمية إذا استؤنف النمو في الحقول أو تدفق إليها غاز الجيران.
وينتقل الكاتب إلى نيجيريا، واصفاً إياها بركيزة الغاز المُسال الكبرى في القارة، حيث توفر خطوط الإسالة الستة النشطة قدرة تصل لـ 30 مليار متر مكعب سنوياً، ومن المتوقع أن يرفع المشروع رقم 7 هذه القدرة إلى 41 ملياراً، مؤكداً أن هذا يعكس وجود بنية تحتية تصديرية عاملة وعملاء عالميين، مما يُسهّل مهمة المستثمرين الذين لا يحتاجون لبناء صناعة من الصفر.
ويشير الكاتب إلى أن القصة الأكثر إثارة تكمن في اللاعبين الجدد، ففي أبريل 2025م انطلقت أول شحنة من مشروع السلحفاة الكبيرة «آحميم» المشترك بين السنغال وموريتانيا، وهو ما يثبت إمكانية تنفيذ مشروعات معقدة وعابرة للحدود في غرب إفريقيا. كما دخلت الكونغو-برازافيل الخريطة بشكلٍ ملموس عبر شركة «إيني» الإيطالية بمشروع «الكونغو للغاز المسال»، الذي يعتمد نموذجاً أسرع وأكثر تركيزاً، وهو ما يفضله السوق حالياً في فترات عدم اليقين.
وعلى رأس كل هؤلاء، يضع المقال موزمبيق كأكبر رهان للمدى المتوسط، فمع استئناف «توتال إنرجي» لمشروعها هناك وتوقعات الشحنة الأولى في 2029م، يرى الكاتب أن موزمبيق هي الرمز لما قد يريده المستثمرون بعد الحرب: احتياطيات ضخمة، ومشاريع قيد التقدم، وإمكانات قادرة على تغيير خريطة التصدير بحلول نهاية العقد.
وفي الختام، يضع المقال تحفظاً مهماً، فبينما قد ينتقل الضوء إلى إفريقيا إلا أن الأموال لن تتدفق تلقائياً، لافتاً إلى أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، والأمن الفيزيائي، والأطر التنظيمية المستقرة.
ويرى أن الحرب قد تغير أولويات المستثمرين، لكنها لن تلغي تحديات التمويل والمخاطر. وبناءً عليه؛ يتوقع أن تتركز الأموال الجديدة في الدول التي تجمع بين المورد، ومسار التصدير، والشركاء الدوليين، وهي: الجزائر ونيجيريا وموزمبيق والسنغال وموريتانيا والكونغو، بينما قد تُشكّل تنزانيا وناميبيا وساحل العاج الطبقة التالية من النمو.
▪ للمرة الأولى: الاتفاق مع صوماليلاند يدعم إسرائيل في الحرب[3]:
استهل الكاتب أبراهام لاندسبيرغ مقالته بموقع «القناة 14» العبرية، بالإشارة إلى أن إسرائيل في طريقها لما أسماه «غرس وتد إستراتيجي هام عند مدخل البحر الأحمر». وبناءً على التقارير التي نُشرت يوم الأربعاء (11 مارس 2026) في وكالة أنباء «بلومبرغ»؛ فمن المتوقع أن تسمح «صوماليلاند» لإسرائيل بجمع معلومات استخباراتية وتنفيذ عمليات عسكرية انطلاقاً من أراضيها ضد المتمردين الحوثيين في اليمن- على حدّ قوله.
ويرى الكاتب أن هذه الخطوة- لو صح حديث مسؤولين رفيعي المستوى في صوماليلاند، تحدثوا دون الكشف عن هويتهم- تأتي كاستمرارٍ مباشر لقرار حكومة إسرائيل بالاعتراف باستقلال صوماليلاند في ديسمبر الماضي، مضيفاً: «هذا القرار هو ما منح إسرائيل تواصلاً دبلوماسياً هو الأول من نوعه مقابل سواحل اليمن، والآن يبدو أن هذه العلاقات تنتقل إلى مرحلة متقدمة من الشراكة الأمنية والإستراتيجية».
واقتبس تصريحات منسوبة لمسؤول رفيع في الإقليم الانفصالي ذكر خلالها: «هذا التقارب في العلاقات، من الناحية الأمنية، سيعني أن هرجيسا ستمتلك علاقة إستراتيجية تشمل أشياء كثيرة. لم نناقش مع الإسرائيليين بعد ما إذا كان هذا سيتحول إلى قاعدة عسكرية، ولكن بالتأكيد سيكون هناك فحص لهذا الموضوع في مرحلةٍ ما».
ولفت الكاتب الإسرائيلي إلى أن تل أبيب بدأت بالفعل وضع البنية التحتية لوجودها هناك، ففي شهر يونيو الماضي، قامت مجموعة صغيرة من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين بزيارة صوماليلاند للقيام بجولة في الشريط الساحلي الإستراتيجي، وفحص مواقع محتملة لإقامة قاعدة أو منشأة عسكرية. وأحد المواقع التي تجري دراستها هو منطقة جبلية تقع على بُعد نحو 100 كم غرب مدينة الميناء «بربرة» (وهي المنطقة التي تنشط فيها الإمارات العربية المتحدة أيضاً)، وأوضح أن المسافة من هذا الموقع إلى سواحل اليمن تبلغ حوالي 260 كم فقط.
وأضاف أنه بعد وقتٍ قصير من الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، وصل إلى إسرائيل أكثر من عشرة ضباط جيش كبار من هذا الإقليم الانفصالي لغرض التدريب. إضافةً إلى ذلك؛ استأجرت إسرائيل بالفعل طابقاً علوياً في فندق بالعاصمة هرجيسا، وجرى تجهيزه بنوافذ مضادة للانفجار، كجزء من الترتيبات لافتتاح سفارة هناك.
ورأى الكاتب أن هذه الخطوة الإسرائيلية تثير أصداءً واسعة في الشرق الأوسط وإفريقيا، فبعد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، قامت 21 دولة عربية وإسلامية وإفريقية– ومن بينها مصر وقطر– بإصدار إدانات وحذّرت من عواقب وخيمة على السلام في القرن الإفريقي، مشيراً إلى أن تنظيمات مثل «الشباب» و«داعش» العاملة في المنطقة هدَّدت بالفعل بمهاجمة صوماليلاند إذا سمحت لإسرائيل بالعمل من أراضيها.
وإلى جانب الصراع ضد الحوثيين وإيران، ذهب الكاتب إلى أن ما أُطلق عليها «القبضة الإسرائيلية» في صوماليلاند تهدف إلى خلق ثقل موازن للنفوذ التركي المتزايد في الدولة الجارة (الصومال)، وقال إن تركيا تمتلك في مقديشو أكبر قاعدة تدريب عسكرية لها خارج حدودها، بل إن الرئيس التركي أردوغان وصف الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند بأنه «غير قانوني».
وختم بالقول: إن وجهة نظر صوماليلاند تقوم على قاعدة: أن العلاقات مع إسرائيل هي مجرد قفزة نحو هدفهم الأكبر، وهو الاعتراف الأمريكي، مقتبساً تصريحاً لوزير الرئاسة في صوماليلاند، خضر حسين عبدي، إن بلاده مستعدة لعرض الوصول إلى مخازن المعادن وتدفق النفط على الولايات المتحدة، بل أوضح أن «إقامة قاعدة عسكرية أمريكية هي أيضاً خيار مطروح على الطاولة».
وأخيراً: أشار إلى أن جهات محافظة في الولايات المتحدة، مقربة من الإدارة الجمهورية، تعمل بالفعل على تعزيز مثل هذا الاعتراف عبر استغلال الميزات الإستراتيجية لهذه «الدولة»- كما أسماها الكاتب الإسرائيلي.
الخاتمة والتوصيات:
يشير المشهد الإعلامي والسياسي الإسرائيلي في مارس 2026م إلى أن دولة الاحتلال لم تعد تنظر إلى القارة الإفريقية كساحة للدعم الدبلوماسي فحسب، بل كعمق إستراتيجي بديل لا غنى عنه لمواجهة تداعيات الحرب مع إيران. وأثبتت أزمة مضيق هرمز أن «أمن الطاقة» هو المحرك الفعلي للتحالفات القادمة، مما جعل من احتياطيات الغاز في نيجيريا وموزمبيق «طوق نجاة» تقني وجيوسياسي للأسواق العالمية والإسرائيلية على حدٍّ سواء.
وبالتوازي مع هذا الرهان الاقتصادي، يبرز «الوتد العسكري» في صوماليلاند كأحد أخطر التحولات الأمنية، حيث تسعى إسرائيل لتحويل القرن الإفريقي إلى منصة مراقبة واشتباك متقدمة لتطويق النفوذ الإيراني والتركي.
يخلق الاندفاع الإسرائيلي نحو القارة السمراء انقساماً بين دول «المصلحة والأمن» التي تراهن على التقنية والعسكرة الإسرائيلية، وبين دول «المبادئ» التي ترى في هذا التمدد تهديداً للاستقرار الإقليمي. وتُعدّ إفريقيا اليوم، وبفعل الغاز والمواقع الإستراتيجية، الركيزة الأساسية في عقيدة «تعدد الساحات» الإسرائيلية، مما يفرض على صانعي القرار العربي والإفريقي إعادة قراءة هذه التحولات؛ قبل أن تصبح القارة ساحةً لتصفية حسابات إقليمية كبرى لا تنتهي بانتهاء المعارك العسكرية:
1- يجب على الدول العربية المصدرة للغاز (خاصةً مصر، والجزائر، وقطر) بناء تحالف طاقة مع الناشئين الجدد في إفريقيا (موريتانيا، والسنغال، وموزمبيق) لقطع الطريق على محاولات إسرائيل الاستفراد بهذه الأسواق كمزود أمني أو شريك تقني، وضمان بقاء القرار التمويلي والتنظيمي ضمن دائرة المصالح العربية-الإفريقية المشتركة.
2- ضرورة التحرك الدبلوماسي والاستثماري المكثف تجاه «صوماليلاند» والصومال، لمنع تحولهما إلى «قواعد ارتكاز» إسرائيلية، إذ يجب تقديم بدائل اقتصادية وأمنية عربية (خليجية-مصرية) تُغني هذه المناطق عن مقايضة سيادتها باعترافات دبلوماسية أو حماية عسكرية من تل أبيب.
3- إنشاء منظومة أمن بحري عربية متكاملة في البحر الأحمر وباب المندب، تضم الدول المشاطئة، لتقديم بديل أمني محلي يحمي الملاحة من التهديدات (كالحوثيين)؛ مما يسحب الذريعة من إسرائيل لغرس «أوتاد إستراتيجية» عسكرية في السواحل الإفريقية بحجة حماية أمنها القومي.
4- تعميق الشراكة الإستراتيجية مع القوى الإفريقية الرافضة للعسكرة الإسرائيلية (مثل جنوب إفريقيا، والجزائر، ونيجيريا)، وتحويل مواقفها السياسية إلى مشاريع تعاون اقتصادي ملموسة، لضمان استمرار التصويت الإفريقي المناهض للتوسع الإسرائيلي في المحافل الدولية (الاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة).
5- مواجهة «الرادار» الاستثماري الإسرائيلي، عبر تفعيل صناديق الاستثمار العربية في قطاعات البنية التحتية والتحول الرقمي بإفريقيا، فإسرائيل تنفذ إلى القارة من فجوات «الحاجة للتطوير»، وسدّ هذه الفجوات عربياً هو خط الدفاع الأول عن العمق الإستراتيجي العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] «جنوب إفريقيا ليست وحدها: دولة أخرى في القارة قررت المراهنة على إسرائيل»، صحيفة معاريف (الأراضي المحتلة)، 7 مارس 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.maariv.co.il/news/world/article-1293139
[2] دورون بسكين، «بعد حرب إيران: توقعات بتحول إفريقيا إلى الوجهة القادمة للاستثمارات في الغاز الطبيعي»، موقع كالكاليست (الأراضي المحتلة)، 11 مارس 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.calcalist.co.il/world_news/article/bjkx1110fwx
[3] أبراهام لاندسبيرغ، «للمرة الأولى: الاتفاق مع صوماليلاند يدعم إسرائيل في الحرب»، موقع قناة 14 (الأراضي المحتلة)، 11 مارس 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.c14.co.il/article/1492047











































