يبدو أن الأزمة القائمة في شرقي الكونغو تستحق عن جدارة وصفها بأزمة إفريقيا المنسية راهناً؛ وتُشكّل الأزمة بالفعل معضلةً عميقة في مقاربات العمل الجماعي الإفريقي لتسوية الصراعات، بسبب عجز الاتحاد الإفريقي وعدد من المنظمات الإقليمية الفرعية عن تقديم حلول واقعية لها، عوضاً عن تحديد الأطراف المسؤولة عنها بلغةٍ واضحة، مثل تجاهل الإدانة الصريحة لتدخل رواندا في الإقليم على نحوٍ فادح، والذي ينتهك كافة مبادئ العمل الجماعي الإفريقي، ولا سيما «احترام سيادة الدول والحدود بينها».
وتتفاقم المفارقة بالنظر إلى تولّي رئيس رواندا بول كاغامي نفسه ملف إصلاح العمل الجماعي بالاتحاد الإفريقي منذ عام 2016م[1]، خلال رئاسته للجنة استشارية من الخبراء «لمراجعة وتسليم مقترحات من أجل نظام حوكمة الاتحاد الإفريقي، على نحوٍ يضمن وضع أفضل للمنظمة لمعالجة التحديات التي تواجه القارة»؛ الأمر الذي يوضّح مدى معضلة هذا العمل الجماعي، ورضوخه عملياً لسياسات عدد من القادة الأفارقة التي تتعارض مع هذه المبادئ بشكلٍ صارخ.
المساومات الأمريكية والتداعيات الإقليمية الخطيرة:
بأيّ حالٍ؛ فإن هذه الحالة وصلت لمستوى جديد في شهر مارس الجاري مع تصاعد العنف بين حركة 23 مارس M23/تحالف نهر الكونغو الذي تدعمه رواندا سياسياً وعسكرياً من جهة، وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الجهة المقابلة، وتعاظم استخدام أسلحة أكثر تطوراً في هذا الصراع، وفي مقدمتها المسيرات المتطورة، وما تلا ذلك من قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض عقوبات على أبرز قادة الجيش الرواندي على خلفية اتهامات لهم بالتورط في الانتهاك المستمر لإقليم شرق الكونغو، وعدم تنفيذ مخرجات الاتفاق الرواندي- الكونغولي الذي رعته الولايات المتحدة في ديسمبر الماضي، ومن بينها خروج القوات الرواندية كاملةً بمعداتها من مراكزها في شرقي الكونغو «بحجة حماية حدود رواندا من هجمات عناصر عسكرية من داخل الكونغو متورطة في جرائم الإبادة التي شهدتها رواندا قبل أكثر من ثلاثة عقود» حسب رواية كيجالي الرسمية، وما يبدو فيها من توظيف صورة ذهنية دعائية زائفة لكسب التعاطف العالمي مع موقف رواندا عبر استدعاء ذكرى الإبادة في الأزمة الحالية.
وفيما تتضح المؤشرات يوماً بعد آخر وتكشف عن عمق براغماتية الوساطة الأمريكية، بل وعدم عناية واشنطن بالتوصل لتسوية حقيقية لأزمة شرق الكونغو، فإن الأحداث أخذت في التسارع قُبيل منتصف مارس الجاري؛ فقد وردت تقارير مقلقة عن موجة فرار كبيرة للاجئين من الإقليم تتوجه إلى دولة بوروندي المجاورة شرقاً.
وتواجه بوروندي (التي تتبنّى مواقف داعمة لكينشاسا بشكلٍ محدد للغاية في صراع شرقي الكونغو الحالي)، كما تواجه بوروندي حالة صحية طارئة ومقلقة مع تدفق أكثر من مائة ألف مواطن كونغولي من شرقي الكونغو عقب تجدد أحداث العنف هناك منذ نهاية عام 2025م؛ وقد جاءت تلك الموجة عقب تصاعد حدة القتال في إقليم كيفو الجنوبي South Kivu. ولاحظت منظمات إغاثة إنسانية[2] تركُّز قطاعات كبيرة من اللاجئين في مواقع مثل بوسوما Busuma، التي تستضيف وحدها أكثر من 75 ألف لاجئ، كما كانت هذه الموجة المباغتة ذات تداعيات بالغة السلبية على بنية القطاع الصحي في بوروندي الذي يعاني من هشاشة مفرطة بالأساس. ودفعت هذه التطورات منظمة الصحة العالمية إلى نشر عيادات الطوارئ وإطلاق حملات تطعيم واسعة في مناطق التجمعات الحدودية بين بوروندي وجمهورية الكونغو.
وفي تعبيرٍ عن خطورة الوضع وتدهور الأوضاع الإنسانية والعسكرية إقليمياً، بسبب تأخر التسوية- المزمن في واقع الأمر، عبّر رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف عن القلق العميق إزاء ضرب مدينة جوما Goma في شمال كيفو بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل عدد من المدنيين، ومن ضمنهم أحد عمال الإغاثة[3]، وألحق أضراراً بمواقع سكنية، في تطور نوعي خطير في الأسلحة المستخدمة في هذه الأزمة.
وفي استجابة إنكارية؛ ادعت «حركة 23 مارس/تحالف نهر الكونغو» مسؤولية الجيش الكونغولي عن الهجمات المذكورة، والتي مثلت سابقةً خطيرة منذ استيلاء الحركة على مدينة جوما في يناير 2025م بمساعدةٍ مباشرة من القوات النظامية الرواندية[4]. كما أدانت بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (11 مارس) استخدام المسيرات في مدينة جوما، والتي قامت بها حركة 23 مارس ضد قوات الجيش الكونغولي، وأسفرت عن مقتل 3 أفراد من «بينهم فرنسي يعمل لصالح صندوق الأمم المتحدة للطفولة في المدينة»- حسب بيان البعثة[5].
عقوبات واشنطن ضد الجيش الرواندي: هل هي خطوة جادة؟:
رغم محادثات السلام التي رعتها الولايات المتحدة وقطر، وغيرهما من القوى المعنية، بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأسفرت عن تفاهمات معقولة بين كيجالي وكينشاسا، فإن العام الحالي شهد شن الجيش الكونغولي ما لا يقل عن 60 ضربةً بالمسيرات في عام 2026م، بينما مثلت ضربات المتمردين في الإقليم أقل من 5% في العام الماضي 2025م وفق تقرير «لمركز النزاع المسلح ومشروع تحليل بيانات الأحداث» Armed Conflict Location & Event Data ACLED[6].
بادرت واشنطن (3 مارس الجاري)[7] باتهام الجيش الرواندي بانتهاكه اتفاق السلام، الذي تم توقيعه بشأن شرق الكونغو برعاية الرئيس دونالد ترامب في ديسمبر 2025م، وأعلنت عن فرض عقوبات على الجيش الرواندي وكبار المسؤولين العسكريين به ممن يدعمون حركة 23 مارس وأنشطتها في شرقي الكونغو. وبالتزامن مع ذلك؛ عبّرت حكومة الكونغو الديمقراطية عن «تقديرها العميق» للولايات المتحدة، ووصفت العقوبات الأمريكية بأنها «إشارة واضحة على دعم (واشنطن) لاحترام سيادتها وسلامة أراضيها».
وجاءت تلك العقوبات الأولى من نوعها بعد توقيع اتفاق السلام من قِبل ترامب والرئيسين الكونغولي فليكس تشيسيكيدي والرواندي بول كاغامي في واشنطن، وتضمن في بنوده تمكين الولايات المتحدة من استغلال مزيد من احتياطيات الإقليم الكونغولي من المعادن المهمة بشروط تفضيلية غير مسبوقة- حسب مراقبين للأزمة. ورأت واشنطن وقتها «أنها تتوقع انسحاباً فورياً لعناصر قوة الدفاع الرواندية وأسلحتها ومعداتها (من الإقليم)»- حسب بيان لوزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسينت S. Bessent، وأكد أن حركة 23 مارس (التي تقع تحت طائلة العقوبات الأمريكية والأمم المتحدة في وقتٍ واحد) مسؤولة عن انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، بما في ذلك عمليات إعدام سريعة وعنف ضد المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال. وشملت العقوبات الأمريكية الأحدث بحق رواندا: رئيس أركان الجيش الرواندي فينسينت نياكاروندي V. Nyakarundi، والميجور جنرال روكي كاروسيسي Ruki Karusisi، ومبارك موغاناغا Mubarakh Muganga رئيس أركان الدفاع، وقائد قوة العمليات الخاصة ستانيسلاس غاشوجي Stanislas Gashugi. وردت كيجالي على القرار الأمريكي برفضه زاعمةً أن «جميع الاتهامات» الصادرة عن الكونغو والأمم المتحدة والدول الغربية بدعم الأولى لـ«تحالف نهر الكونغو/حركة 23 مارس» عارية من الصحة، وأنها تستهدف «على نحوٍ جائر» رواندا، وتُشوّه الواقع وحقائق الصراع في شرقي الكونغو، ورأت كيجالي في ردها على القرار أن الكونغو قد انتهكت الاتفاق بالقيام بهجمات بالمسيرات «غير تمييزية» (بحق المدنيين) وهجمات برية.
وجاءت الخطوات الأمريكية في وقتٍ تحاول فيه كينشاسا حشد موقف غربي داعم لمطالبها بإخراج رواندا من شرقي الكونغو، ومنع سبل تمويلها لئلا تتفاقم الأزمة في شرقي البلاد بشكلٍ متزايد في الشهور التالية (ولا سيما في ضوء مؤشرات اندلاع موجات تشرد داخلي ولجوء لدول الجوار بمستويات جديدة).
لكن لا يمكن فصل قرار واشنطن عن مساعيها لاستغلال موارد شرقي الكونغو المعدنية بشروط تفضيلية لا تحصل عليها أية دولة أخرى، الأمر الذي سيُمثل ميزة إضافية مهمة للولايات المتحدة في مسار تنافسها الحالي في الكونغو مع دول مثل الصين وجنوب إفريقيا، الأمر الذي يجب في ضوئه تقييم مدى جدية خطوة واشنطن بمعاقبة قادة الجيش الرواندي.
أُفق التصعيد: رواندا تناور:
تبادلت الحكومتان الكونغولية والرواندية (13 مارس)[8] الاتهامات بالمسؤولية عن هجمات مدينة جوما الأخيرة، في الوقت الذي ألقت فيه تلك الضربات والصدامات الشكوك حول «اتفاق السلام» و«اتفاق المعادن» المنفصل، الذي وقعته الكونغو مع إدارة الرئيس ترامب لتمكين الولايات المتحدة من الوصول لثروات الأولى المعدنية. ويبدو من الخطوة الأمريكية أن أفق التصعيد تظل محكومة برغبة واشنطن الواضحة في ممارسة الضغوط المستمرة على حليفتَيها في وسط إفريقيا (رواندا، والكونغو الديمقراطية) دون حسم المسألة أو استخدام أدوات الولايات المتحدة المتاحة (والناجزة في واقع الأمر) للضغط على كيجالي لتبنّي موقف مغاير من الأزمة في شرق الكونغو.
ورأى مسؤولون كونغوليون، منهم وزير الإعلام باتريك مويايا P. Muyaya (10 مارس)[9]، وجوب دعم وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي للإدارة الأمريكية بقيادة ترامب في موقفها المتعلق بفرض عقوبات على الجيش الرواندي «بسبب غزوه لشرقي الكونغو». ورأى مويايا أن اقتداء الاتحاد الأوروبي بالخطوة الأمريكية، التي وصفها بأنها تستهدف معاقبة مجمل الجيش الرواندي، سيُمثل «خطوة كبرى»، ولا سيما أن رواندا ردت على مطالب وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسينت Scott Bessent مؤكدةً أنها أمرت بالفعل بـ«الانسحاب الفوري لقوات الدفاع الرواندية وأسلحتها ومعداتها»، ووصفت الطلب الأمريكي بالمتحيز في صف حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية.
بينما توقعت تقارير أوروبية تحرك الاتحاد الأوروبي نحو دعم الموقف الأمريكي خلال زيارة وزيرة الخارجية الكونغولية تيريزيه واجنر Thérèse Kayikwamba Wagner لبروكسل (16 مارس) للقاء وزراء خارجية الاتحاد، مع ملاحظة أن كلّاً من فرنسا وألمانيا وبلجيكا تقود تحرك الاتحاد الأوروبي لمعاقبة الجيش الرواندي، بسبب تجاهل كيجالي المضي قُدماً في تنفيذ اتفاق السلام مع كينشاسا (ديسمبر 2025م).
وفي تطورٍ لافت، ويوضح مدى تعقيد مشهد الأزمة في شرقي الكونغو ودور رواندا في استمرارها، يلاحظ أنه فيما تطالب كينشاسا الاتحاد الأوروبي بمعاقبة الجيش الرواندي، ومن ذلك تعليق مدفوعات الاتحاد التي يقدّمها للجيش الرواندي لتمويل بعثة حفظ السلام، التي تقودها رواندا في إقليم كابو ديلجادو بشمالي شرق موزمبيق، فإن رواندا بادرت (14 مارس)[10] بتحذير للمجتمع الدولي بأنها ستسحب قواتها من إقليم كابو ديلجادو (التي تشارك في مكافحة الإرهاب في الإقليم) إذا لم يتم توفير المخصصات الدولية اللازمة لتمويل عملها؛ الأمر الذي يهدد بانفلات الأمور في الإقليم الذي تعمل فيه تلك القوات منذ عام 2021م «بناءً على طلب موزمبيق» لتأمين استقرار الإقليم الغني بالغاز الطبيعي، ولا سيما أن الاتحاد الأوروبي لم يحدد بعد خطط دعم هذه القوات مع الاستحقاق المفترض في مايو المقبل (نهاية مخصصات الدعم الأوروبي للقوة الرواندية في موزمبيق). وتهدد الخطوة الرواندية باضطراب خطط الجيش الموزمبيقي في تحديث قدراته التدريبية التي تقوم بها القوات الرواندية إلى جانب قوات مماثلة من تنزانيا المجاورة[11].
وهكذا يبدو أن هوامش مناورة رواندا للضغط الأمريكي تضيق شيئاً فشيئاً، على الأقل في المدى المنظور.
……………………………………….
[1] AU Reforms Advisory Committee, African Union, at: https://au.int/en/AUReforms/advisory
[2] Burundi faces crisis as DRC violence drives mass flight, APA News, March 12, 2026, at: https://apanews.net/burundi-faces-crisis-as-drc-violence-drives-mass-flight/
[3] AUC Chairperson Condemns Attack on Civilians in Goma, Reaffirms Commitment to Peace in Eastern DRC, African Union, March 12, 2026, at: https://au.int/en/pressreleases/20260312/chairperson-condemns-attack-civilians-goma-reaffirms-commitment-peace
[4] Christophe Châtelot, French aid worker killed by drone strike in Goma, eastern DRC, Le Monde, March 11, 2026, at: https://www.lemonde.fr/en/le-monde-africa/article/2026/03/11/french-aid-worker-killed-by-drone-strike-in-goma-eastern-drc_6751341_124.html
[5] UN mission condemns use of drones in eastern DR Congo, Xinhua, March 13, 2026, at: https://english.news.cn/20260312/2b6cc3cd3e5146efb533ca8ed9d3b264/c.html
[6] Ope Adetayo And Ruth Alonga, Drone strikes and clashes in eastern Congo threaten region’s peace efforts Toronto Star, March 13, 2026, at: https://www.thestar.com/news/world/africa/drone-strikes-and-clashes-in-eastern-congo-threaten-regions-peace-efforts/article_64b1d7b3-060a-575c-b1df-ff7407e6ebe8.html
[7] Midhat Fatimah, US sanctions Rwanda military over east Congo fighting, DW, March 3, 2026, at: https://www.dw.com/en/us-sanctions-rwanda-military-over-east-congo-fighting/a-76192421
[8] Ope Adetayo And Ruth Alonga, Drone strikes and clashes in eastern Congo threaten region’s peace efforts Toronto Star, March 13, 2026, at: https://www.thestar.com/news/world/africa/drone-strikes-and-clashes-in-eastern-congo-threaten-regions-peace-efforts/article_64b1d7b3-060a-575c-b1df-ff7407e6ebe8.html
[9] Benjamin Fox, EU must match Trump sanctions on Rwanda for Congo war, says minister, Euobserver, March 11, 2026, at: https://euobserver.com/206398/eu-must-match-trump-sanctions-on-rwanda-for-congo-war-says-minister/
[10] Rwanda warns it may withdraw troops from Mozambique’s insurgency-hit Cabo Delgado, Reuters, March 14, 2026, at: https://www.reuters.com/world/africa/rwanda-warns-it-may-withdraw-troops-mozambiques-insurgency-hit-cabo-delgado-2026-03-14/
[11] Rwanda Extends Military Presence in Insurgent-Hit Cabo Delgado, ADF, February 17, 2026, at: https://adf-magazine.com/2026/02/rwanda-extends-military-presence-in-insurgent-hit-cabo-delgado/










































