بول باريل، ضابط درك ومرتزق فرنسي، أحد الوجوه الغربية “سيئة السمعة” في إفريقيا، ارتبط اسمه بالإبادة الجماعية في رواندا، في تسعينات القرن الماضي، التي أودت بحياة نحو مليون ضحية.
تمتد مسيرة باريل في إفريقيا منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولم تقتصر على عمله فحسب في وحدات مكافحة الإرهاب الفرنسية، بل ارتبطت أيضًا بعمليات خارج فرنسا، في سياق المهام السرية التي نفذتها أجهزة بلاده أو ارتبطت بها.
في منطقة البحيرات العظمى، كان لدى باريل علاقات بدائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا (1973–1994)، الذي أدى اغتياله إلى اندلاع حرب أهلية لا تزال تداعياتها مستمرة في منطقة البحيرات العظمى.
وقد خضع باريل للاستجواب ضمن التحقيق القضائي الذي فُتح عام 1998 بشأن الهجوم على الطائرة الرئاسية الرواندية في السادس من أبريل 1994، وهو الهجوم الذي أودى بحياة الرئيس الرواندي هابياريمانا ونظيره البوروندي سيبريان نتارياميرا، إلى جانب معاونيهما وثلاثة فرنسيين من طاقم الطائرة.
وعلى الرغم من أن التحقيق تناول علاقاته بالدائرة المقربة من هابياريمانا وتعاقداته العسكرية في رواندا، فإن المسار القضائي لم ينتهي إلى توجيه اتهام رسمي إليه قط، قبل أن تطلب النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب إسقاط الإجراءات بحقه، استنادًا إلى عدم كفاية الأدلة لإثبات تورطه في الإبادة الجماعية.
وبعد عقود من الاتهامات والتحقيقات، واقتراب نهاية المسار القضائي الفرنسي في إبادة رواندا، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية وفاة بول باريل يوم الإثنين 20 أكتوبر 2026.
المحتويات
بول باريل.. النشأة والمسيرة العسكرية
ولد بول باريل في 13 أبريل 1946 بمدينة فيناي في مقاطعة إيزير (جنوب شرقي فرنسا)، وهو ضابط سابق في الدرك الوطني الفرنسي، وصل إلى رتبة نقيب، وألّف عدة كتب عن مسيرته المهنية تناول فيها قضايا مختلفة تتعلق بالدولة الفرنسية.
تلقى باريل تدريبه على يد العقيد ميشيل فيون، وهو ضابط في مدرسة ضباط الدرك الوطني الفرنسي، تولى لاحقًا قيادة الحماية الشخصية للجنرال شارل ديغول رئيس فرنسا (1959: 1969)، وقد اشترك باريل مع مدربه في صفتين كلاهما قناص محترف، وكلاهما ابن وحفيد لعناصر في الدرك.
بعد تخرجه في مدرسة الضباط عام 1975، ظل باريل في الدرك حتى عام 1984، حيث تولى قيادة مجموعة التدخل التابعة للدرك الوطني لمدة عامين، قبل أن يشارك في تأسيس وحدة مكافحة الإرهاب في قصر الإليزيه عام 1982 خلال الولاية الرئاسية الأولى لفرانسوا ميتران، التي امتدت سبع سنوات، ويعد صاحب أطول مدة لرئيس فرنسي في الحكم (1981: 1995).
تورط باريل في عدة قضايا أثارت جدلاً، منها “قضية الإيرلنديين في فانسان 1982″، وهي قضية تعود إلى قيام خلية مكافحة الإرهاب الفرنسية بتلفيق تهمة الإرهاب لثلاثة مواطنين أيرلنديين عبر زرع أسلحة ومتفجرات في شقتهم، إلى جانب قضية التنصت في قصر الإليزيه (1983: 1986)، التي كُشف عنها بعد أحد عشر عامًا، حيث كان من بين المتهمين الذين أدينوا في القضية وحكم عليه بالسجن لمدة 6 أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية.
في عام 1983، أُصيب بجروح خطيرة خلال التدريب، ما اضطره إلى مغادرة مجموعة التدخل التابعة للدرك الوطني، وبعد تقاعده العسكري في سن مبكرة، أسس وأدار عدة شركات في مجال الأمن الخاص، منها شركة “سيكريتس”، وهو اختصار فرنسي يعني “شركة دراسات وتصميم وتنفيذ التجهيزات التقنية الأمنية”، التي نفذت مهام أمنية في دول أجنبية، منها رواندا وجمهورية الكونغو برازافيل.
وفي عام 1988، أنشأ “مجموعة عمل” حول الرئيس الإيفواري الأسبق فيليكس هوفويه بوانيي في كوت ديفوار، وفي عام 2007 تمت إدانته وحبسه في قضايا “غسيل أموال وقتل وفساد” في فرنسا، قبل أن يخرج بكفالة مالية عام 2008، والحصول على براءة في 2013.

نشاطه في إفريقيا
في وقت مبكر من عام 1984، رافق باريل الرئيس الفرنسي ميتران إلى بوروندي لحضور قمة فرنسا وإفريقيا، حيث شملت مهامه تفتيش المركبات المخصصة للرئيس الفرنسي والوفد المرافق له.
ومع انتقاله تدريجيًّا إلى الأعمال الخاصة، بدأ العمل مع فرانسوا دو غروسوفر، أحد مستشاري ميتران النافذين في الكواليس بشأن الشؤون الإفريقية.
وبدعم من إحدى أكثر الشخصيات اتصالاً بمراكز النفوذ في المؤسسة الفرنسية، تمكن باريل من توسيع نشاطه في دوائر السلطة غير المعلنة.
وفي أوائل التسعينيات، رسّخ وجوده في الكاميرون بشكل رسمي، لتدريب الجنود على مكافحة الشغب، وضمان تجهيز الحرس الرئاسي واستعداده للقيام بمهامه، وقد تجاوزت أنشطته كل ذلك.
فمن فندق في ياوندي، التقى باريل رؤساء أجهزة الاستخبارات التابعة للرئيس الكاميروني بول بيا، وقدم لهم المشورة بشأن المراقبة السياسية، في وقت كانت فيه الكاميرون تتجه نحو التعددية الحزبية وتواجه معارضة أنجلوسكسونية متنامية، كان قصر الإليزيه ينظر إليها بريبة.

علاقات “مشبوهة” مع عائلة هابياريمانا
يُعد نشاط بول باريل في رواندا الجانب الأكثر إثارة للجدل في مسيرته، وتحديدًا خلال الفترة التي كانت البلاد تستعد فيها للإبادة الجماعية للتوتسي.
بدأت الحرب الأهلية في رواندا أواخر عام 1990 عندما شرع الجناح العسكري للاجئي التوتسي، والذي عرف بالجبهة الوطنية الرواندية، في غزو رواندا من البلد المجاور أوغندا .
في أواخر 1993 اتفق طرفا الصراع الأهلي في رواندا، على معاهدة أروشا للسلام، والتي أنهت الحرب الأهلية رسميًا، من خلال تأطير مرحلة جديدة في الانتقال من خلال حل وسط بين نخبة الهوتو الحاكمة، والجبهة الوطنية الرواندية والمعارضة الديمقراطية المحلية التي تمثل التوتسي.
مع ذلك؛ فإن اتفاق سلام أروشا لم يتم تنفيذه، حيث تسبب اغتيال الرئيسان من عرقية الهوتو الرواندي هابياريمانا والبوروندي نتارياميرا، عبر اسقاط طائرة كانت تقلهما في العاصمة الرواندية كيغالي، في اندلاع إبادة جماعية استمرت مائة يوم.
في ذلك الحين كانت رواندا مركز أنشطة بول باريل في إفريقيا، وتعود أقدم الأدلة على تورطه إلى عام 1989، حين أصدرت شركته فاتورة إلى عقيد في القوات المسلحة الرواندية مقابل بوابات تفتيش أمنية وكاشفات معادن وأسلحة.
منذ ذلك الحين، حافظ ضابط الدرك الفرنسي السابق على علاقات وثيقة مع الدائرة المقربة من الرئيس هابياريمانا، الذي كان يعد أحد حلفاء ميتران في إفريقيا، وقد استمرت هذه العلاقات حتى عام 1994، بينما كان النظام الرواندي يستعد للإبادة الجماعية ضد التوتسي.
في أبريل 1994، وهو الشهر الذي شهد حادثة اغتيال هابياريمانا، كان باريل متواجدًا في العاصمة كيغالي، بالتزامن مع بدء الإبادة الجماعية بحق التوتسي.
ووفقًا لمذكرات مراقبة صادرة عن المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية، وتحقيقات الإبادة الجماعية في رواندا، كان باريل متعاقدًا مع الحكومة الرواندية، وسافر إلى باريس لتوفير الأسلحة والذخائر للجيش الرواندي، في صفقات بلغت قيمتها عدة ملايين من اليورو، حيث كان يقدّم نفسه مستشارًا للرئيس هابياريمانا.
وفي تلك الفترة، كانت علاقاته وثيقة أيضًا بأغاث هابياريمانا، زوجة الرئيس، وبأعضاء شبكة “الاكازو” وهي شبكة ضيقة من أقارب ومتطرفي الهوتو المرتبطين بالنظام الحاكم -آنذاك- اتُّهمت لاحقًا بلعب دور رئيسي في التخطيط للإبادة الجماعية ضد التوتسي، حسب تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية عام 2010.

نظرية مسؤولية الجبهة الوطنية الرواندية
أصر بول باريل على أن العقود التي أبرمها مع حكومة الهوتو لم تُنفَّذ قط، كما ادعى أن الرئيس الفرنسي ميتران كلفه بالتسلل إلى صفوف المعارضة المسلحة في رواندا.
وقال إنه التقى، ضمن لقاءات أخرى، بالرئيس بول كاغامي، الذي كان آنذاك أحد قادة الجبهة الوطنية الرواندية، في بروكسل عام 1992.
وزعم باريل أن كاغامي أنشأ “شبكة إرهابية” داخل رواندا أصبحت لاحقًا “القوة المحركة وراء الإبادة الجماعية” للتوتسي عام 1994، مع ذلك لم تُدعَم هذه الادعاءات بأدلة مثبتة، كما أنها تتعارض مع النتائج التي استقرت عليها التحقيقات المختلفة بشأن الإبادة.
دافع باريل عن نظرية مسؤولية الجبهة الوطنية الرواندية لسنوات، وبعد الهجوم الذي وقع في 6 أبريل 1994، كلفته أغاث هابياريمانا، أرملة الرئيس، بالتحقيق في الواقعة في مايو من العام نفسه، وبعد أيام، سافر باريل إلى رواندا برفقة أربعة رجال، وظل هناك حتى نهاية الشهر.
تبنّى قاضي التحقيق الفرنسي جان لوي بروغيير هذه النظرية وروّج لها لاحقًا في فرنسا خلال أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قبل أن تُدحض.
وبعد سنوات، خلصت تقييمات فنية قضائية إلى أن الصواريخ التي اسقطت الطائرة الرئاسية في أبريل 1994 أُطلقت من موقع كان خاضعًا لسيطرة الحرس الرئاسي التابع لهابياريمانا.
وقد اعتبرت بعض الكتابات، باريل منفذًا لمهام قصر الإليزيه في منطقة البحيرات العظمى الإفريقية، وهو اتهام نفاه ميتران والمقربون منه، في مسعى لدحض الاتهامات الموجهة إلى فرنسا بالتواطؤ في الإبادة الجماعية للتوتسي.

تحقيقات إبادة رواندا
في 7 يونيو 2012، أمر قاضي مكافحة الإرهاب في فرنسا مارك تريفيديك بتفتيش منزل باريل، بعد الاستماع إليه، في إطار التحقيق في الهجوم الذي استهدف طائرة الرئاسة الرواندية 1994.
نفى باريل حينها مزاعم قالها بنفسه تتعلق بامتلاكه الصندوقين الأسودين للطائرة، وقد أسفر التفتيش عن العثور على عقد وقّعه في مايو 1994 مع جان كامباندا، رئيس وزراء الحكومة الانتقالية الرواندية.
وعلى خلفية هذه المعطيات، تقدمت منظمات حقوقية دولية، منها الرابطة الدولية لحقوق الإنسان، والرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان، في يونيو 2013، بشكوى أمام المحكمة الابتدائية في باريس تتهم بول باريل بـ”التواطؤ” في الإبادة الجماعية في رواندا.
وتعلقت الاتهامات بتوقيعه، أثناء وقوع الإبادة، اتفاقًا لتقديم الأسلحة والذخائر والتدريب والإشراف العسكري إلى مرتكبي الإبادة من الهوتو، لحساب شركة خاصة.
وعقب الشكوى، فتح قضاة باريس تحقيقًا قضائيًّا في يونيو 2013، لكن التحقيق لم يُفضِ إلى نتيجة، ولم تُباشر إجراءات قضائية ضد باريل.
وخلال استجوابه بـ”صفته شاهدًا” في يونيو 2012، قدم باريل للشرطة المختصة بمكافحة الإرهاب معلومات تفيد بأنه وصل إلى الولايات المتحدة في 31 مارس 1994 وغادرها في 13 أبريل من العام نفسه، بما يعني، وفقًا لروايته، أنه لم يكن في كيغالي يوم 6 أبريل، تاريخ اغتيال هابياريمانا.
لكن باريل كتب في كتابه “حروب سرية في الإليزيه” أنه كان موجودًا في إفريقيا يوم 7 أبريل.
وجاء أحدث تطور في القضية لمصلحة باريل، في 26 مايو 2026، حين طلبت النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب اتخاذ قرار “مفاجئ” بإسقاط القضية المرفوعة ضده.
وكما حدث في قضية أغاث هابياريمانا، التي واجهت بدورها اتهامات بالتواطؤ في الإبادة الجماعية، رأت النيابة الفرنسية، في مذكرتها المقدمة إلى قاضي التحقيق، عدم كفاية الأدلة لمواصلة الإجراءات ضد أي من الأشخاص الخاضعين للتحقيق في الإبادة.
مع ذلك، أقرت النيابة بعدد من الوقائع، من بينها علاقات باريل بالدائرة المقربة من هابياريمانا، وتكليفه بالتحقيق في الهجوم على الطائرة الرئاسية، وتدريبه أفرادًا من الجيش الرواندي، وتوقيعه عقدًا للمساعدة العسكرية في 1994.
وقد خلصت النيابة الفرنسية إلى أن هذه العناصر مفيدة لفهم السياق العام لقضية الإبادة، لكنها لا تكفي لإثبات التواطؤ فيها.
ولا تزال أرملة هابياريمانا تواجه احتمال المحاكمة في قضية منفصلة، بناءً على شكوى قُدمت في فرنسا عام 2007؛ ففي أغسطس 2025، حصلت على قرار بإسقاط القضية المرفوعة ضدها، لكن محكمة الاستئناف في باريس ألغت القرار في 6 مايو 2026.
وطعن محاموها لاحقًا في القرار أمام محكمة النقض، وهي أعلى محكمة فرنسية في القضايا المدنية والجنائية، لتستمر معركة “إبادة رواندا” القضائية في فرنسا، لكن من دون بول باريل، الذي لا يزال اسمًا مثيرًا للجدل.
وفاته
كان بول باريل يعاني مرض سرطان الغدة الدرقية ومرض باركنسون (الشلل الرعاش)، وصرح في مارس 2014 بأنه يخضع لعلاج طبي مكثف، منعه من استكمال التحقيقات في قضية الإبادة بـ”صفة شاهد”.
وقد تدهورت حالته الصحية خلال الأشهر الأخيرة من حياته، قبل ان تعلن وزارة الداخلية الفرنسية، وفاته يوم الإثنين 20 أكتوبر 2026.
المراجع:
Gendarmerie nationale, “Décès du capitaine Paul Barril, cofondateur du GIGN“, Gendinfo, 21 octobre 2026.
Mathieu Olivier, “Rwanda: Paul Barril, the French ‘secret agent’ at the heart of the Tutsi genocide“, The Africa Report, 22 October 2026.
Réseau Voltaire, “Les protagonistes français du génocide rwandais : Barril (Paul)” , 15 décembre 1998.
Jean-François Dupaquier, “Paul Barril, le grand oublié du génocide des Tutsis du Rwanda”, Afrique XXI, 7 avril 2026
Christophe Rigaud, “Rwanda-France : les étranges “solidarités” entre Hubert Védrine et Paul Barril”, Afrikarabia, 25 juin 2014
Fédération internationale pour les droits humains (FIDH), “Paul Barril indicted for complicity in Rwandan genocide”, 28 juin 2013.











































