الأفكار العامة:
– يُروَّج للشباب الإفريقي ضمن مفهوم “العائد الديموغرافي” باعتبارهم رافعة اقتصادية، شرط امتلاكهم المهارات اللازمة للإنتاج.
– الواقع يُبدِّد هذه الطموحات؛ إذ يجد الخريجون سوق عمل شحيحة، وبرامج حكومية عاجزة عن الوصول إلى الأشد احتياجًا، فتتحوّل الآمال إلى إحباط.
– تكشف دراسة مُعمَّقة في تسع دول أن برامج التوظيف القائمة تُواجه ضَعف التمويل، وعشوائية الاستهداف، وانفصالها عن احتياجات السوق الفعلية.
– تظهر الفجوة في الأرقام: متوسط الإنفاق على سياسات التشغيل في الدول التسع لا يتجاوز 0.35% من الناتج المحلي، مقابل 0.95% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
– تسعى دول إفريقية كثيرة، في ظل ميزانيات ضئيلة وسوق عمل مشبعة، إلى تحويل كتلتها الشابّة إلى طاقة إنتاجية فعلية.
– تُقدّر مؤسسات دولية أن جنوب إفريقيا تُسجّل أعلى نسبة بطالة الشاب، تبلغ 59.4%، وترتفع إلى 60.9% في تقديرات محدّثة.
– على الحكومات أن ترفع استثماراتها الجادة في تشغيل الشباب، وعدم اختزال دورها على التمويل، بل تكثيف التدريب وريادة الأعمال وتحفيز أرباب العمل على التوظيف.
بقلم: ميشيك موتيزي
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
عادةً ما يتم الحديث عن الشباب الإفريقي من خلال مفهوم “العائد الديموغرافي”؛ وهي ميزة اقتصادية محتملة تستطيع تحقيق نهضة القارة شريطة توفُّر الكفاءات لدى الشباب تجعلهم قادرين على المشاركة في العمل والإنتاج. ولكن سرعان ما يتلاشى هذا الطرح أمام واقع مريرٍ ينتظر ملايين الشباب في إفريقيا؛ فبمجرد التخرج، يواجهون سوق عمل شحيحة من حيث فرص العمل الرسمية، وبرامج حكومية غير قادرة على الوصول إلى الشريحة الأقل حظًّا في المجتمع، وبالتالي تتحوَّل الأحلام إلى الإحباط.
ووفق خبرة ممتدة لنحو أكثر من ثلاثة عقود في الاقتصاد التطبيقي وسياسات سوق العمل، في إطار كتاب “برامج توظيف الشباب في إفريقيا”، تشير دراسة دقيقة حول تجربة تسعة بلدان (إثيوبيا، غانا، كينيا، النيجر، نيجيريا، رواندا، السنغال، جنوب إفريقيا، وأوغندا)، إلى أن البرامج الحالية للتشغيل تتلاشى أمام التحديات بسبب ضعف التمويل، والاختيار العشوائي، وعدم التناسق مع احتياجات السوق الحقيقي.
شروط النجاح… النظرة الشمولية:
تؤكّد الأدلة أن إحراز نجاح هذه البرامج لا يكون في معزل عن بيئة العمل التي تعمل فيها؛ حيث يستدعي تحقيق نجاح هذه البرامج الاعتماد على نظام متكامل مُكوَّن من أربعة عناصر:
-الواقعية: اعتماد برامج التوظيف على احتياجات سوق العمل، وليس على التصورات النظرية.
-التمويل: استخدام الموارد العامة التي تعكس الأهداف المحددة.
-الكفاءة المؤسسية: تنفيذ برامج التوظيف من خلال المؤسسات الكفؤة.
-الحوكمة: حماية مسارات التوظيف من التدخلات السياسية والمحسوبيات.
فجوة الإنفاق… الفارق الجوهري:
تُسلّط الأرقام الضوء على الاختلاف الحاد بين إفريقيا والدول المتقدّمة؛ فبينما يكون متوسط الإنفاق على سياسات سوق العمل والتوظيف في الشباب في الدول التسعة التي شملتها الدراسة 0.35% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، يصل هذا المعدل إلى 0.95% في الدول المشاركة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتقع الفجوة في المجال الأوسع عندما يتم الحديث عن حوافز تشغيل القطاع الخاص؛ حيث لا تتجاوز الدول الإفريقية نسبة هامشية 0.04%، بينما يكون 0.64% في الدول المتقدمة. كل هذه الأرقام تشير إلى أن الخلل الحقيقي ليس مجرد نقص في المهارات بقدر ما هو عدم الاستثمار بفعالية وجودة التدخل.
الدروس المستخلصة:
لن توفر برامج توظيف الشباب الوظائف الملائمة إذا لم يتم تنفيذها على أساس الاحتياجات الفعلية في سوق العمل، مع مراعاة إمكانية المؤسسات الفعّالة، والتركيز على الشباب المتضررين من مشكلات توظيفهم.
تحاول العديد من الدول الإفريقية، في ظل ضيق الموازنات الحكومية، وعدم قدرة سوق العمل على استيعاب المزيد من القوى العاملة، تحويل الشريحة الشابة إلى قوة إنتاجية حقيقية. ويبلغ متوسط العمر في القارة حوالي 19 عامًا، مقارنةً بـ33 عامًا في آسيا، و39 في أمريكا الشمالية، و43 في أوروبا، مما يعكس حجم التحدي الديموغرافي والاقتصادي المطروح.
غالبًا ما يُنظَر إلى برامج التوظيف على أنها حلول تقنية بحتة، تقوم على تدريب الشباب ودعم ريادة الأعمال، على أمل أن تتبعها فرص عمل تلقائيًّا. لكن الواقع الميداني يكشف عن أبعاد أوسع، تتطلب تضافر عدة عناصر، أبرزها:
– مؤسسات عامة ذات كفاءة تشغيلية عالية.
– استعداد قطاع الأعمال لاستقطاب الكفاءات الشابة.
– تصميم برامجي دقيق يراعي الخصوصيات المحلية.
– تكامل اجتماعي يضمن شمولية التدخلات.
– إرادة سياسية داعمة ومستدامة.
– آليات رقابية ومحاسبة فعّالة.
فالبرامج غير المصمَّمة بدقة قد تؤدي، بدلًا من تقليل الفجوة، إلى تعميق الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي.
أبرز النتائج:
تعتمد هذه الدراسة على قاعدة بيانات مُوسَّعة تضم تسع دراسات حالات دول إفريقية بين عامي 2022 و2024، وتجمع بين تحليلات السياسات العامة، والأُطر القانونية، ومراجعة البرامج، والأبحاث الأكاديمية، إلى جانب مقابلات مُعمَّقة مع شابات وشباب، بمن فيهم الفئات المُهمَّشة، فضلًا عن لقاءات مع صنّاع القرار ومصادر المعلومات الرئيسية. وشملت الدراسة أكثر من 500 مقابلة، وأكثر من 1500 مشارك في مجموعات التركيز، مما أتاح فهمًا واقعيًّا لكيفية عمل برامج التوظيف على الأرض.
وتبرز الدراسة ثلاث نتائج محورية:
أولًا: تنتشر برامج التوظيف بشكل واسع في وثائق السياسات، لكن معظمها يظل محدود النطاق ويعاني من شح التمويل وضعف التنفيذ، مما يمنعها من مواكبة حجم الأزمة.
ثانيًا: تركّز الغالبية العظمى من هذه البرامج على تنمية المهارات ودعم ريادة الأعمال، بينما تظل الجهود المبذولة لتحفيز أصحاب العمل على خلق فرص عمل جديدة محدودة للغاية.
ثالثًا: هناك خلل في آليات الاستهداف؛ إذ يواجه الشباب الأكثر فقرًا، وسكان المناطق الريفية، ومن لديهم تحصيل تعليمي متدنٍّ، والمحرومون من الوسائل الرقمية، صعوبات كبيرة في الوصول إلى الدعم. وتتفاقم هذه المشكلات بسبب تشتّت التنسيق المؤسسي، وضعف أنظمة البيانات، وقلة عمليات الرصد، إضافة إلى تصورات سائدة حول تأثير العلاقات السياسية في فرص الاستفادة من البرامج.
تباين تحديات أسواق العمل في الدول التسع:
تُواجه الدول التسع التي شملتها الدراسة تحديات متباينة في أسواق العمل. فبحسب تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، تسجل جنوب إفريقيا أعلى معدل بطالة بين الشباب؛ إذ يبلغ نحو 59.4%، ويرتفع إلى حوالي 60.9% وفق تقديرات أحدث. ويعكس هذا الرقم الفجوة الحادة في فرص العمل الرسمي المتاحة للفئات الشابة حديثة الالتحاق بسوق العمل.
ويُعرِّف الاتحاد الإفريقي “الشباب” بأنهم الفئة العمرية بين 15 و35 عامًا، لكنّ هذا التعريف لا يتطابق دائمًا مع المعايير المعتمدة في التشريعات الوطنية لتحديد أهلية الاستفادة من برامج التوظيف. فمثلاً، تعتمد جنوب إفريقيا تعريفًا يُحدّد الشباب بالفئة من 15 إلى 34 عامًا.
في غالبية الدول الأخرى، يتركز التحدي الأساسي في هيمنة اقتصاد قطاع الخاص؛ حيث يعمل معظم الشباب، لكن في أنشطة تتسم بتدنِّي الأجور، وغياب الاستقرار، وانعدام الضمان الاجتماعي الكافي. وتظهر المؤشرات الواردة في الجدول (1) أن نسبة تشغيل الشباب في القطاع غير الرسمي تتراوح بين 77.3% في النيجر و98.6% في السنغال، بينما تتجاوز هذه النسبة 90% في معظم الدول المعنية.
جدول (1)

(مأخوذ من كتاب “برامج توظيف الشباب في إفريقيا”، منشورات روتليدج).
وتقيس هذه المؤشرات أبعادًا مختلفة لأزمة سوق العمل؛ فمعدل العمل غير الرسمي يقتصر على الشباب الناشطين فعليًّا في سوق العمل. في السنغال مثلًا، يعمل 98.6% من الشباب العاملين في وظائف غير رسمية، مما يعني أن غالبيتها تفتقر إلى الاستقرار، وتدني الأجر، وضعف الأمان الوظيفي. في المقابل، يعكس مؤشر NEET فئة مغايرة تمامًا؛ إذ تشير نسبة 34.2% إلى الشباب المنقطعين كليًّا عن العمل والتعليم والتدريب.
تحديات مزدوجة تتطلب سياسات متكاملة:
تُسلّط هذه الأرقام الضوء على وجود أزمة مزدوجة؛ فمن جهة، يعاني عدد كبير من الشباب من الاستبعاد التام من سوق العمل والنظام التعليمي، ومن جهة أخرى، يتركّز معظم العاملين منهم في وظائف غير رسمية هشَّة. وعليه، يتعين على سياسات تشغيل الشباب أن تعالج في آنٍ واحد قضيتَي التوظيف وجودة الوظائف المتاحة.
ويُستنتج من ذلك أنه لا يمكن نقل برامج توظيف الشباب من بلد إلى آخر بصورة نمطية، بل تستدعي الضرورة تصميمها وتكييفها وفقًا لخصائص سوق العمل المحلي واحتياجاته الفعلية.
وتبرز فجوة واضحة عند المقارنة بين حجم الضغوط المفروضة على سوق العمل من جهة، وحجم الإنفاق على البرامج وإستراتيجيات الاستهداف من جهة أخرى. فالدول الأكثر تضررًا من أزمة البطالة بين الشباب ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أوسع نطاق من البرامج أو أكثرها فاعلية في دعم خلق فرص العمل، مما يُفسِّر جزئيًّا عدم ترجمة الإرادة السياسية إلى تحولات ملموسة على أرض الواقع في أسواق العمل.
جدول (2)

الإنفاق على البرامج واستهدافها. مقتبس من برامج توظيف الشباب في إفريقيا (روتليدج)
وتُعتبر الحوافز المخصَّصة لتعزيز التوظيف في القطاع الخاص محدودة النطاق إلى حد كبير، وتتضمن إعانات الأجور الموجهة، والإعفاءات الضريبية المرتبطة بالوظيفة الأولى، ومنح التدريب المهني، بالإضافة إلى دعم المؤسسات التي تستمر في تشغيل الشباب عقب انتهاء مرحلة التكوين. غير أن التغطية تظل ضئيلة، وتكون الفئة الأكثر حرمانًا من الشباب هي الأقل استفادة من هذه الآليات، مما يعني أن من هم بأمسّ الحاجة إلى الدعم هم الأقل حظًّا على الوصول إليه.
ما ينبغي على الحكومات فعله:
في هذا السياق، تشير المعطيات المتاحة إلى وجود إصلاحات ممكنة، رغم ما تحمله من تحديات سياسية مركبة. فعلى الحكومات أن تُعزّز استثماراتها في برامج تشغيل الشباب بجدية؛ لأن مجرد توفير التمويل لا يكفي؛ فالبرامج تحتاج إلى تنفيذ أكثر دقة، وتنسيق أفقي بين القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، مع اعتماد معايير شفافة في البيانات، وآليات رصينة للرصد والتقييم، وشروط استحقاق تضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة.
كما ينبغي للسياسات العمومية أن تتجاوز التركيز شبه الحصري على التدريب ودعم ريادة الأعمال، إلى تصميم حوافز أكثر فعالية لأرباب العمل من أجل توظيف الشباب واحتضانهم. ومن الضروري أيضًا إشراك الشباب مباشرة في مراحل تصميم البرامج ومتابعتها، بما يكفل تحويل هذه المبادرات، التي غالبًا ما تكون مشتّتة ومحدودة الأثر، إلى أدوات حقيقية قادرة على توليد فرص عمل، وبناء الثقة، وتعزيز مبدأ المساءلة.
وفي المحصلة، لن تكون النوايا الحسنة وحدها كافية؛ بل يتعين أن تقوم برامج تشغيل الشباب على أُسُس صلبة، تقوم على وظائف ملموسة، ومؤسسات فاعلة، ومشاركة حقيقية للفئات المستهدَفة ذاتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://theconversation.com/formation-des-jeunes-a-lemploi-les-enseignements-tires-de-9-pays-africains-sur-ce-qui-fait-defaut-287540











































