الأفكار العامة:
-الخلاف بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء السابق عثمان سونكو يمثل نقطة تحوُّل في النموذج السياسي السنغالي.
-إقالة سونكو في نهاية مايو 2026، ثم انتخابه رئيسًا للجمعية الوطنية، ورفض حزب “باستيف” الانضمام لحكومة “أحمدو الأمينو لو”، تؤشران إلى نهاية الشراكة المثالية المتضمّنة في شعار “سونكو–موي ديوماي”.
-تثير هذه التطورات تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية اللتين تحوّلتا من حليفين إلى خصمين.
-بعيدًا عن مصير الرجلين، يُعرّض هذا الانفصال توازن المؤسسات في السنغال للخطر، ويستدعي إعادة تقييم مسار النظام السياسي.
-سيسعى كل طرف لتعظيم مكاسبه المؤسسية؛ قد تَستخدم الأغلبية البرلمانية سيطرتها على الجمعية لتعزيز نفوذها، فيما يهدف الرئيس إلى ترسيخ سُلطته واستقلالية حُكمه.
-رغم التدهور في العلاقات، قد يختار الطرفان الحفاظ على التوازن المؤسسي مع استمرار الصراع السياسي.
-مستقبل المشهد السياسي مرتبط بمدى تفاهم الرجلين في تدبير هذا التعايش الاستثنائي بين الرئاسة والجمعية الوطنية.
بقلم: عثمان باديان
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
يُعتبر الخلاف الذي نشب في قمة السلطة السنغالية بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي ورئيس الوزراء السابق عثمان سونكو نقطة تحوّل مهمة في النموذج السياسي الذي تروّج له البلاد. إقالة سونكو من رئاسة الحكومة أواخر مايو 2026، ثم انتخابه رئيسًا للجمعية الوطنية ورفض حزب “باستيف” الانضمام رسميًّا لحكومة رئيس الوزراء الجديد أحمدو الأمينو لو، يعكسان نهاية شراكة «سونكو–موي ديوماي».
وتطرح هذه التطوّرات تساؤلات جدّية حول مستقبل العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، اللتين تحوّلتا من حليفين سياسيين إلى خصمين في أعلى مستويات الدولة. ويُشكّل المؤتمر الوطني الأول لحزب “باستيف” في 6 يونيو 2026 المؤشّر الأول على قدرة الحزب الداخلية على امتصاص هذا الانقسام المؤسسي.
بعيدًا عن المصير السياسي للفريقين؛ يضع هذا الانفصال توازن المؤسسات في السنغال قيد السؤال، ويستدعي إعادة تقييم مسار النظام السياسي في السنوات المقبلة. بين التعايش العملي والمواجهة السياسية العلنية أو الانقطاع المؤسسي الذي قد يُعيد تشكيل موازين القوى، تبرز سيناريوهات متعددة لمستقبل البلاد. والسؤال المحوري الآن: إلى أيّ مدًى قد يصل هذا التنافس على قمة السلطة؟ بعد أكثر من عامين اعتمدت خلالها السلطة على ترتيب سياسي استثنائي، رئيس فاز بفَضْل دعم الرجل الذي صار لاحقًا رئيسًا للحكومة، أضحى النموذج مهدورًا. لم يَعُد السؤال مقتصرًا على وجود تباين بين الرجلين، بل يتصل بخطورة تأثير هذا الانقسام على مؤسسات الجمهورية.
وفي ضوء ذلك، تتبلور ثلاثة سيناريوهات محتملة للأشهر المقبلة: التعايش الحذر، التصعيد السياسي، أو أزمة مؤسساتية قد تُعِيد رسم خريطة القوة السياسية في السنغال:
السيناريو الأول: التعايش السلمي
من السيناريوهات المتوقعة بعد القطيعة السياسية بين باشيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو يبرز خيار “التعايش السلمي”، وهو احتمال طرحه عثمان سونكو نفسه علنًا. على الرغم من التدهور الواضح في العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه السابق، قد يختار الطرفان الحفاظ على التوازن المؤسسي مع مواصلة صراعهما السياسي على السلطة.
في هذا الإطار، قد يستمر الرئيس والأغلبية البرلمانية التي يهيمن عليها حزب” باستيف” في العمل معًا رغم خلافاتهما. ويعني ذلك أن باشيرو ديوماي فاي سيُعزّز سلطته كرئيس للدولة، بينما يقود عثمان سونكو الجمعية الوطنية ويواصل ممارسة نفوذه على شريحة واسعة من الأغلبية البرلمانية. ستُعتمَد مشاريع القوانين التي ترفعها الحكومة مِن قِبَل الجمعية الوطنية، وستُقَرّ الميزانيات دون عقبات تُذْكَر، وسيتمكن الجهاز التنفيذي من مواصلة عمله دون جمود مؤسسي كبير.
لكن بالنسبة للدكتور “ديمبا جاي”، المحاضر بجامعة شيخ أنتا ديوب والمحلل السياسي، تبدو هذه الفرضية الآن الأقل مصداقية. يقول: إن “السيناريو الأول هو سيناريو تقاسم القوة الناعمة، الذي طرحه عثمان سونكو. في رأيي، هذا هو السيناريو الأقل ترجيحًا”. ويرى أن الأشهر المقبلة ستشهد دراسة إصلاحات ومشاريع قوانين رئيسية في السنغال، فإلى جانب تأثيرها السياسي والاقتصادي ستصبح هذه النصوص أدوات للاستيلاء على السلطة وتوطيدها.
يوضح قائلًا: “ستكون مشاريع القوانين التي ستُدرس في الأشهر المقبلة ذات أهمية بالغة للبلاد، لكنها ستُمثل أيضًا وسائل للترقي السياسي. اليوم، يفكّر كل طرف بمنطق المكاسب السياسية”. وفي هذا السياق، سيحاول كل طرف تعظيم منافع موقعه المؤسسي؛ وقد تُغري الأغلبية البرلمانية، المعزّزة بسيطرتها على الجمعية الوطنية، استخدام هذه الأداة لتعزيز نفوذها السياسي، بينما سيسعى باشيرو ديوماي فاي إلى ترسيخ سلطته الرئاسية وإثبات قدرته على الحكم باستقلالية.
ويضيف الدكتور “جاي”: “من جهة، يسعى قادة الأغلبية البرلمانية إلى تعظيم المكاسب السياسية التي يمكنهم جَنْيها من تحركاتهم في الجمعية الوطنية. ومن جهة أخرى، يدرس رئيس الجمهورية أيضًا المزايا السياسية التي يمكنه جَنْيها من الإصلاحات والمبادرات التي سيُنفّذها”. ويبرز في هذا التنافس عامل مؤسسي بالغ الأهمية: إمكانية حلّ رئيس الجمهورية للجمعية الوطنية بدءًا من السنة الثانية من ولايته.
ويضيف “نحن نقترب أيضًا من موعد نهائي مُهِمّ: فترة السنتين التي يمكن بعدها للرئيس حلّ الجمعية الوطنية”. ويشير الأكاديمي إلى أنه “في هذا السياق، سيسعى الجميع إلى ترسيخ مواقعهم إستراتيجيًّا لتعزيز رصيدهم السياسي قبل ذلك التاريخ”.
في ضوء ذلك، يصعب تصوُّر تعايش متناغم طويل الأمد بين المعسكرين. فالمصالح السياسية لكل طرف قد تطغى سريعًا على متطلبات التعاون المؤسسي. يشرح الدكتور “جاي”: “لهذا السبب أعتبر التعايش السلمي أمرًا مستبعدًا”. ويرى المحلل أن تصريحات عثمان سونكو الأخيرة أقرب إلى إستراتيجية تواصل منها إلى رؤية سياسية حقيقية. ويضيف: “عندما يذكر عثمان سونكو هذا الاحتمال، فإنه يسعى أساسًا إلى كسب الرأي العام. يريد أن يظهر أمام الشعب السنغالي كفاعل مسؤول ومسالم، ومستعدّ للتعاون مع رئيس الدولة. لكن في الواقع، لا أعتقد أنه يؤمن حقًّا بهذا الخيار”.
بناءً على هذا التفسير، فإن التعايش السلمي يبدو موقف تهدئة أكثر منه سيناريو واقعيًّا. ورغم بقائه احتمالًا نظريًّا، إلا أنه يبدو الآن الفرضية الأكثر هشاشة، لأن المصالح السياسية للرئيس باشيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو تبدو متَّجهة نحو التباعد الحتمي.
من جهته، يؤكد موسى دياو، الأستاذ الفخري للعلوم السياسية بجامعة غاستون بيرغر في سانت لويس، أن السنغال دخلت مرحلة سياسية غير مسبوقة. يقول: “نحن في وضع غير مسبوق في السنغال”، مشيرًا إلى الخلاف بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي والحزب الذي أوصله إلى السلطة قبل فوزه في الانتخابات التشريعية عام نوفمبر 2024. ويربط هذا الوضع بخلافات جوهرية تبلورت تدريجيًّا داخل الائتلاف الحاكم السابق.
“نجد أنفسنا اليوم أمام حالة تعايش فعلية بين رئيسٍ يفتقد للأغلبية، ويسعى لتوسيع ائتلافه، وبرلمان تهيمن عليه أغلبية حزب باستيف الذي وضع شروطًا للمشاركة في الحكومة، لكنّ المفاوضات بين الطرفين باءت بالفشل”؛ هكذا يشرح المحلل.
هذا الواقع الجديد يضيّق بدرجة كبيرة هامش المناورة المتاح لحكومة “الأمينو لو”. يقول “موسى دياو”: “الحكومة التي تفتقر إلى أغلبية هي حكومة ضعيفة، لا تستطيع تبنّي مواقف جريئة بشأن مشاريع ابتكارية تتعارض مع توجُّه الأغلبية”. وفي ضوء ذلك، يرى دياو أن على رئيس الوزراء الجديد إعطاء الأولوية للتسوية بدلًا من الانخراط في صراعات على السلطة.
ويضيف “يتوجّب على “الأمينو لو” أن يتحلّى بحكمة فائقة، ويتجنب المواجهات التي لا يمتلك للانخراط فيها وسائل كافية. البرلمان ذو الأغلبية المطلقة قادر في أيّ وقت على عرقلة مساره”. مع ذلك، لا يَعتبر الأكاديمي وقوع أزمة مؤسسية أمرًا حتميًّا؛ فالمستقبل، في رأيه، مرتبط بمدى قدرة الفاعلين الرئيسيين على وضع المصلحة الوطنية فوق التنافسات الحزبية.
ويؤكد “دياو”: “يجب إدارة هذا الوضع بحكمة ومسؤولية لتفادي الجمود بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الجمعية الوطنية، ومنع انزلاق البلاد إلى أزمة مؤسساتية”. ويشدّد على أن كلتا المؤسستين لا تزالان ركيزتين لاستقرار الدولة “للرئاسة صلاحياتها، وللجمعية الوطنية صلاحياتها أيضًا. على كل طرف أداء دوره مع مراعاة الإطار الجديد ووضع مصلحة السنغال فوق كل اعتبار”. ويخلص إلى “أن الدستور يوفّر إطارًا للتعايش بين مركزي السلطة؛ شريطةَ أن تُمارَس الصلاحيات بمسؤولية وضبط نفس لتفادي النزاعات”.
السيناريو الثاني: صراع علني بين السلطتين التنفيذية والتشريعية
يرى الدكتور “ديمبا جاي” أن هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا في المرحلة الراهنة. ويشرح قائلًا: “بدأت المؤشرات الأولى تظهر بالفعل. ففي كلمته الافتتاحية كرئيس للجمعية الوطنية، أدلى عثمان سونكو بتصريحات متعددة تدل على نيته استثمار كامل لصلاحيات البرلمان”.
ويضيف الأكاديمي أن هذا التوجُّه كان قد برز قبل انتخاب سونكو رئيسًا للمجلس؛ إذ في مثوله الأخير أمام النواب بصفته رئيسًا للحكومة أشار صراحة إلى إمكانية تبنّي تشريع يُعزّز الرقابة على الأموال السياسية المرتبطة بالرئاسة.
يؤكد “ديمبا جاي”: “حين صرّح خلال جلسة الأسئلة الشفوية بأن النواب مستعدّون للتصويت على قانون يستهدف تعزيز الرقابة على الأموال السياسية للرئاسة، اعتبر ذلك استفزازًا سياسيًّا”. ويستدرك أن المسألة ليست في شرعية البرلمان في سنّ القوانين، بل في التداعيات السياسية لمثل هذه المبادرات في السياق الحسّاس الراهن.
ويشرح المحلل ذلك بالقول: “بالطبع من مقدور الجمعية الوطنية سنّ القوانين، لكن عندما تمسّ التعديلات تنظيم أو سير عمل رئاسة الجمهورية، يُفترض أن تأتي المبادرة عادةً من السلطة التنفيذية كمشروع قانون، لا كمقترح برلماني”. ويشير “ديمبا جاي” إلى عنصر آخر يُغذّي احتمالات التصعيد: إعلان عثمان سونكو عزمه تعزيز رقابة البرلمان على عمل الحكومة.
ويقول: “الرقابة البرلمانية وظيفة طبيعية للجمعية الوطنية، لكن في السياق الحالي تُقرَأ هذه الرسائل كتحذير مُوجَّه للسلطة التنفيذية”. ويتعزّز هذا الانطباع بتصريحات زعيم باستيف حول شروط التعايش السلمي مع رئيس الجمهورية؛ فقد وضع سونكو، بحسب ديمبا جوي، “خطًا أحمر” سياسيًّا واضحًا. ويضيف المحلل: “أوضح سونكو أنه طالما لم تتخذ رئاسة الجمهورية إجراءات تُعدّ معادية لمعسكره السياسي، فلن يكون هناك تصعيد. لكن إن هددت قرارات معينة مصالح حركته، فسيستعمل المجلس الوطني جميع صلاحياته للرد”.
في هذه المعادلة، قد يتحوّل كل قرار رئاسي مثير للخلاف إلى ساحة مواجهة جديدة بين مركزي السلطة؛ إذ يمتلك المجلس الوطني عدة أدوات دستورية يُمكنه توظيفها لزيادة الضغط على السلطة التنفيذية.
يشير المحلل “ديمبا جاي” إلى أن الفاعل السياسي المذكور كان قد استعرض بالفعل عدة آليات برلمانية، من بينها لجان التحقيق، واستدعاء الوزراء، وملفات الرقابة، وصولًا إلى اقتراح حجب الثقة. وفي ظل هيمنة أغلبية موالية لرئيس الحكومة عثمان سونكو على الجمعية الوطنية، قد تتحوَّل هذه الآليات إلى أدوات ضغط سياسي حادة.
ويرى المحلل أن الخطابات المتتالية التي ألقاها سونكو خلال الأسابيع الأخيرة ترسم ملامح هذه الاستراتيجية، مضيفًا: “لقد ذكّر الجميع، عبر خطاباته، بكافة الوسائل المؤسسية التي تملكها الجمعية الوطنية، وهذا يعني، في اعتقادي، أن المعركة السياسية قد انطلقت فعليًّا”.
لكن الأكاديمي يحذر من أن ميزان القوى المؤسسي يميل بوضوح لصالح السلطة التنفيذية؛ فبينما تمتلك الجمعية الوطنية أدوات رقابية وتقويضية مؤثرة، يحتفظ رئيس الجمهورية بصلاحيات دستورية أوسع بكثير. ويشير تحديدًا إلى المادة 52 من الدستور التي تمنحه سلطات استثنائية في حالات الأزمات الخطيرة أو الاختلالات المؤسسية.
وفقًا لديمبا جاي، تظل اليد العليا من الناحية المؤسسية لرئيس الدولة، قائلًا: “الأدوات الدستورية التي يمتلكها الرئيس أقوى من تلك المُخوَّلة لرئيس الجمعية الوطنية. فإذا تصاعدت المواجهة وتعطَّل السير الطبيعي للمؤسسات، يمكنه اللجوء إلى هذه المادة لاتخاذ تدابير استثنائية”. ويُرجِّح الباحث سيناريو استمرار التوتر السياسي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ حيث تسعى كل منهما إلى تسخير أدواتها المؤسسية لتعزيز موقعها، دون تجاوز عتبة الأزمة المؤسسية المفتوحة.
وفي المقابل، يُعْرِب مراقبون عن قلقهم من شلل مؤسسي محتمل في حال انخراط الطرفين في مواجهة مباشرة، مما قد يعوق حكم البلاد حتى الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ويشير “ديمبا جاي” أيضًا إلى أن سونكو وضع خطًّا أحمر واضحًا: طالما لم يتخذ الرئيس إجراءات تُصنَّف على أنها معادية لمعسكره السياسي، فلن يكون هناك تصعيد. غير أن أيًّا من القرارات التي تُقرَأ كتهديد قد تستفز رد فعل مؤسسيًّا.
من جهته، يرى عالم السياسة توماني تراوري أن الديناميكيات المؤسسية تعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم. ففي مقال رأي نُشر قبل الخلاف بين الرجلين، أوضح أن “النظام السياسي السنغالي يتطلب تسلسلًا هرميًّا واضحًا”، وأن “سلطة الرئيس غير قابلة للمشاركة”. وبالاستناد إلى أعمال عالم الاجتماع بيير بورديو، يجادل تراوري بأن المنصب الرئاسي يُولّد “عادة سيادية” تُميِّز تدريجيًّا رئيس الدولة عن قادة الأحزاب.
ويرى تراوري أن الأزمة تنبع من تعايش شرعيتين متباينتين: الأولى مؤسسية، تتمثل في شرعية الرئيس المنتخب الحامل للصلاحيات الدستورية؛ والثانية سياسية وكاريزمية، وتتمثل في شرعية عثمان سونكو، مُؤسِّس حزب باستيف والمهندس الحقيقي لصعود التيار إلى الحكم. ويؤكد الباحث: “لقد أوصل سونكو فاي إلى السلطة، لكن فاي اليوم يتمتع بسلطة تقديرية واسعة”. وإذا كانت هذه الازدواجية قد تتحول تدريجيًّا إلى تنافس مكشوف، فإنها، وإن لم تُؤدِّ مباشرةً إلى أزمة نظامية، فإنها قد تبطّئ وتيرة الإصلاحات المرتقبة وتُحْدِث زعزعة في استقرار المؤسسات.
السيناريو الثالث: مؤشرات أزمة مؤسسية حادَّة تلوح في الأفق
ماذا عن سيناريو عزل رئيس الجمهورية؟
يمثّل هذا السيناريو المسار الأكثر تطرفًا والأقل احتمالًا، غير أنه قد يجد طريقه تدريجيًّا إلى الخطاب السياسي في حال تصاعدت حدّة التوتر بين الرئيس باشيرو ديوماي فاي ورئيس الحكومة عثمان سونكو، وفقًا لما يوضحه المحلل السياسي الدكتور ديمبا جاي. فالعزل، في هذا السياق، لن يُنظَر إليه كإجراء آني، بل كورقة ضغط سياسي أو تهديد يُستخدَم لخلق توازنات جديدة في المشهد السياسي. وينظّم الدستور السنغالي هذه الآلية بدقة، إذ يحصرها أساسًا في حالات الخيانة العُظمى، ويشترط تدخل المحكمة العليا وإجماعًا سياسيًّا واسعًا.
ويضيف الدكتور “جاي”: “من منظور سياسي، يمكن تناول سيناريو عزل رئيس الجمهورية كفرضية نظرية قابلة للنقاش، لكنّه يظل أقل ترجيحًا من حلّ الجمعية الوطنية”. ويعني تعمّق الأزمة المؤسسية أن الخلاف بين الرجلين قد يبلغ مبلغًا يُخِلّ معه بالأداء الطبيعي للمؤسسات، وعندها تُعبَّأ الآليات الدستورية كأدوات في صراع على السلطة بلغ أقصاه. وفي هذه الحال، قد تتحوَّل الجمعية الوطنية إلى أداة منهجية لعرقلة عمل الحكومة، مما يُعِيق السير الطبيعي للمؤسسات.
ويلاحظ الأكاديمي أيضًا أن “الهيكل المؤسسي الحالي هو إلى حد كبير وريث الدروس المستفادة من أزمة 1962م بين ليوبولد سيدار سنغور ومامادو ديا”، وهي الأزمة التي أدَّت إلى تعزيز كبير لسلطات الرئيس لمنع أيّ مواجهة سياسية من أن تتسبّب في شلل مطوّل للدولة. ويوضح أنه في سيناريو متطرف، يمكن للرئيس اللجوء إلى الأحكام الدستورية المتعلقة بالظروف الاستثنائية، وحلّ الجمعية الوطنية، والحكم مؤقتًا بمراسيم ريثما تُجرَى انتخابات تشريعية جديدة.
غير أن ديمبا جاي يَعتبر أن هذا السيناريو يظل أقل احتمالًا من سيناريو المواجهة السياسية الممتدة، مختتمًا بالقول: “لا تزال احتمالات الأزمة المؤسسية قائمة، لكنّ الآليات الدستورية الحالية تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لاستعادة زمام المبادرة وإعادة تشغيل المؤسسات”. ومعنى ذلك أن السؤال ليس ما إذا كانت السنغال ستشهد فترة من التوتر السياسي، بل إلى أيّ مدى يمكن لهذه التوترات أن تتصاعد قبل تفعيل الآليات المؤسسية لوضع حدّ لها.
ويؤكد الدكتور ديمبا جاي، المحاضر في جامعة الشيخ أنتا ديوب بداكار “إذا ما اقترنت التوترات المؤسسية باحتجاجات شعبية أو اضطرابات سياسية واسعة، فقد تتوافر جميع العناصر التي تُخوِّل رئيس الدولة تفعيل المادة 52 وحل الجمعية الوطنية في إطار قانوني متين”.
في المرحلة الراهنة، لا تعيش السنغال حالة تعايش سلمي ولا أزمة مؤسسية حادة، بقدر ما تدخل مرحلة من الغموض غير المسبوق، تتسابق فيها شرعيتان مختلفتان انبثقتا من ذات الفوز الانتخابي إلى تحديد أيٍّ منهما تسود في ممارسة السلطة. ويبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تعايش قائم على التنافس بين هاتين الشرعيتين.
وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يقتصر على إمكانية عمل الرجلين معًا، بل يتعداه إلى مدى متانة المؤسسات السنغالية في استيعاب هذا التنافس بشكل مستدام. فالشخصان اللذان جسّدا، حتى وقت قريب، المشروع السياسي نفسه، يجدان نفسيهما اليوم على رأس مركزين مختلفين للسلطة، مُرغَمين على التعايش. ومستقبل البلاد مرهون بقدرتهما على تدبير هذا التعايش غير المألوف بين السلطة التنفيذية والأغلبية البرلمانية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































