تظل أزمة التغيُّر المناخي وتداعياتها في إفريقيا من أهمّ عوامل استدامة المعضلة الاقتصادية في القارة؛ ويبدو أن العالم قد تجاوز الشعور بالذنب إزاء الحقيقة الصارخة بأن إفريقيا هي أقل قارات العالم إسهامًا في مُسبّبات التغيُّر المناخي الحالي في العالم، بينما تظل إفريقيا هي المتضرر الأكبر في العالم من تداعيات هذه الظاهرة.
يتناول المقال الأول رؤية خبراء قانونيون أفارقة منخرطون في قضايا تغيُّر المناخ بطرح الأخيرة باعتبارها مسألة قانونية مُلِحَّة لتلبية حقوق الشعوب الإفريقية بشكل مُلِحّ.
أما المقال الثاني فيطرح مثالًا على عجز إفريقيا عن تحقيق العمل الجماعي المناسب في مختلف المجالات وتطبيق شعار “حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية” بشكل واضح.
ويركز المقال الثالث على طرح تجربة عملية على أزمة تغيُّر المناخ في إفريقيا في حالة جنوب إفريقيا وقطاع الإنتاج الزراعي بها.
أزمة المناخ في إفريقيا أزمة قانونية أيضًا([1]) :
تستمع المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لقضية مناخية هامة. قدم الطلب إلى المحكمة “اتحاد المحامين الأفارقة” Pan African Lawyers Union، وعدد من منظمات المجتمع المدني الإفريقية. وطلبوا من المحكمة إصدار توصية بخصوص إيضاح مسؤوليات الحكومات الإفريقية عن حماية دولها من أزمات المناخ، ودورها في الانتقال بعيدًا عن الاقتصاد الذي يُلْحِق الضرر بالبيئة.
ما هي مشكلات التغيُّر المناخي الكبرى التي تواجهها إفريقيا؟
تُعدّ القارة أقل مُساهِم تاريخي في انبعاثات الغازات الدفيئة، التي تقود التغيُّر المناخي. لكنها تعاني على نحو جائر وبقوة ملحوظة من كوارث مناخية؛ مثل: الجفاف، والفيضانات، والموجات الحرارية، وارتفاع مستويات سطح البحر. وتُهدّد جميعها صحة الإنسان وسلامته، والأمن الغذائي والمائي، وتطوُّر المجتمع والاقتصاد.
ويؤدي التغير المناخي إلى اضطراب في النظم البيئية، ويُسبّب فشل المحاصيل وخسارة في الإنتاج الغذائي، وزيادة الفقر، والأمراض، وفقدان الأرواح، ومستويات المعيشة، والمياه والطاقة وعدم الأمن الطاقوي وخسارة التراث الطبيعي والثقافي.
ما الذي سيُحْدثه التغير المناخي في تنمية إفريقيا؟
يُمثّل تغيُّر المناخ عقبة كبيرة أمام التنمية. ويرجع ذلك إلى أن الاقتصادات الإفريقية بالغة الحساسية إزاء كوارث التغير المناخي والتغييرات المناخية المتطرفة. وفي الواقع يُهدّد تغيُّر المناخ بانتكاسة عقود من مكاسب التنمية في إفريقيا. وإننا لنؤكد في مذكرتنا أمام المحكمة أن التنمية في الدول الإفريقية لا يمكن فهمها فحسب عبر النمو الاقتصادي أو أرقام نمو الناتج المحلي. بل إن التنمية في إفريقيا تعني أيضًا منح الأفراد القدرة على تشكيل مستقبلهم عن طريق حماية البيئة والمجتمعات والثقافة.
ويحمي الميثاق الإفريقي هذه الفكرة الواسعة عن التنمية المستدامة. وتقول المادة 22 من الميثاق: إنه لجميع الأفراد الحق في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتقول المادة 24: إنه لجميع الأفراد الحق في بيئة صحية تدعم التنمية. وثمة اتفاقات إفريقية أخرى مثل بروتوكول مابوتو للميثاق الإفريقي الذي يحمي حقوق المرأة، ومعاهدة الجزائر حول الحفاظ على الطبيعة، والتي أكدت أيضًا على وجوب أن تكون التنمية مستدامة ونزيهة ومتوازنة.
ما الذي يجب على الحكومات الإفريقية القيام به لمنع التغير المناخي؟
يؤكّد موجز صادر عن معهد مانديلا Mandela Institute أنه ثمة ضرورة لتحقيق مناخ آمِن ومستقر في حالة تحقيق الأفراد حقهم في التنمية. وأكد الموجز أيضًا أن وجود مناخ آمِن ومستقر مسألة جوهرية من أجل الحق في التحكم الحر والاستفادة من الموارد الطبيعية.
إن الحقوق في تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وفي سِلْم قومي ودولي، لا يمكن أن تتحقق في عالم آخِذ في الاحترار بشكل متسارع. وهناك اتفاق دولي متزايد على وجوب التوقف عن تنفيذ مشروعات الوقود الأحفوري. إذ حجّمت حقوق الناس في الماضي ويُرجّح أن تفعل الأمر نفسه مستقبلًا. ويُقِرّ موجزنا بالشواهد العلمية عن تزايد درجات الحرارة والاحترار العالمي، الأمر الذي يُلحق الضرر بالنظام المناخي ويُهدّد الحق في التنمية.
ومِن ثَمَّ يدعو الملخص الحكومات للتعاون وجعل القرارات المعنية بالمناخ قائمة على أفضل العلوم المتاحة؛ لأن إفريقيا ذات هشاشة خاصة إزاء التغيُّر المناخي. بعبارة أخرى فإن على الحكومات الإفريقية واجب قانوني لمنع الضرر البالغ بالمناخ. وتحتاج هذه الحكومات إلى التحرُّك على وجه السرعة وبعناية ووفقًا لأفضل العلوم المتاحة مع نمو مخاطر التغيُّر المناخي. ويُؤكّد موجزنا على أن العمل المناخي وحقوق الإنسان مترابطون على نحو وثيق. ونرى أن الاتحاد الإفريقي قد تكوَّن لحماية حقوق الأفراد والشعوب وفق الميثاق الإفريقي.
ما الذي ستذكره المحكمة في رأيها الاستشاري؟
تمنح الآراء الاستشارية النصيحة، وليس الرأي القانوني الملزم. لكنها تساعد الدول في فَهْم ما يُطلَب منها بالفعل القيام به وفق القانون الدولي. كما تُوجّه تلك الآراء المحاكم حول كيفية تطبيق مثل هذه القواعد. وعلى هذا النحو فإنها يمكن أن تُشكّل كيفية فَهْم الحكومات ورجال الأعمال والعامة مسؤولياتهم في الأزمة المناخية. وفي يوليو 2025 سلَّمت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيًا استشاريًّا مشابهًا. وتضمَّن الرأي ما تحتاج إليه حكومات العالم لمواجهة تداعيات تغير المناخ. وقال: إن الدول عليها التزامات قانونية لحماية النظام المناخي ومنع الضرر البيئي الخطير.
وقدَّمت كل من كينيا وغانا ومدغشقر وجنوب إفريقيا والكاميرون وسيراليون وموريشيوس وبوركينا فاسو ومصر طلبات بخصوص الضرر من تغيُّر المناخ في هذه الحالة. وبالرغم من أن مثل هذا الرأي نفسه ليس ملزمًا قانونيًّا فإنه يَحْتفظ بأهميته لإفريقيا. ووضع الرأي حجة قوية بوجوب أن تنظر الحكومات في حقوق الإنسان، والتنمية والعدالة المناخية قبل السماح بتطوير مشروعات تقود إلى الوقود الأحفورية والانبعاثات المرتفعة.
وبنفس الأسلوب، فإنه يمكن للرأي الاستشاري للمحكمة الإفريقية أن يكون نقطة تحوُّل هامة لتحقيق العدالة المناخية في إفريقيا. ويمكن للرأي أن يُشكّل كيفية فَهْم التنمية وحقوق الإنسان والمسؤولية المناخية في أرجاء القارة.
ويأمل معهد مانديلا في توضيح المحكمة الإفريقية أن على الحكومات الإفريقية واجب حماية المناخ كجزء من مسؤوليتهم من أجل ضمان أن يعيشوا في بيئة صحية، والاستفادة بنزاهة من الموارد الطبيعية، والتطور اقتصاديًّا واجتماعيًّا، والعيش في سِلْم وأمن. وتلك الحقوق متضمّنة في الميثاق الإفريقي.
ومع نمو الضغط العالمي من أجل خفض استخدام الوقود الأحفوري، فإننا نأمل أن توضّح المحكمة أنه يجب على الحكومات خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري عندما تهدّد مثل هذه المشروعات حقوق الأفراد.
التعددية الإفريقية من الرؤية إلى الحقيقة: دروس من أكثر قارة عدوانية في الأرض([2]) :
تكشف أيّ مراجعة هامة للمبادرات متعددة الأطراف الكبرى الخاصة بالقارة الإفريقية أن الدول الإفريقية تصوغ أجرأ الرؤى عن التعددية في العالم، لكنها تفشل باستمرار في توظيفها عمليًّا. وطوال أكثر من ثلاثة عقود أكد قادة القارة على شعار “حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية”.
وثمة أمثلة جيدة على عمل ذلك بنجاح. ولا يتجاوز التفكير في ذلك جهود الوساطة التي يدعمها الاتحاد الإفريقي عقب أزمة الانتخابات في كينيا 2008 أو حملة الحصول على لقاحات إفريقية خلال جائحة كوفيد 19. لكن مقابل كل نموذج لنجاح المبادرة الإفريقية هناك مزيد من الأمثلة على قصور هذه المبادرات. وقد كانت عمليات حفظ السلام عبر الاتحاد الإفريقي أولوية للقارة منذ ما قبل بداية القرن الحالي. وتبلورت جهود دبلوماسية موسعة في شكل تكوين القوة الاحتياطية الإفريقية African Standby Force (ASF) من أجل تحقيق هذه الرؤية. على أيّ حال فإن مبادرات الأمن الدولية لا تزال تعتمد على التمويل الخارجي والائتلافات المخصَّصة لهذا الغرض.
وحتى في حال وجود أُطُر للتعاون، فإن التنفيذ على الأرض يُواجه تحجيمًا. وتظهر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية African Continental Free Trade Area (AfCFTA) مثل هذا الحال. فالتكامل الاقتصادي عبر هذا الاتفاق كان نقطة هامة لتحقيق إجماع سياسي كبير، غير أنه يظل محدودًا في التطبيق العملي؛ إذ لا تزال الكثير من جمارك الواردات والعوائق البيروقراطية قائمة بالرغم من توقيع جميع الدول الإفريقية –باستثناء إريتريا-، على اتفاق التجارة الحرة في القارة منذ عقد تقريبًا.
ولا يقتصر هذا المثال على الاقتصاد. ففي عالم التغير المناخي، تتسق مواقف الدول الإفريقية على نحو مباغت، لا سيما عندما ننظر في مدى اتساع وتنوع مجموعة الدول الإفريقية. على أيّ حال فإنه بمجرد إطلاق عملية تنفيذ اتفاق دولي ما، فإن التعاون يكون أبعد ما يكون عما تم التعهد به. وتمثل عدم استمرارية مشاركة البيانات بين الدول الإفريقية بخصوص الجفاف والفيضانات ونظم الإنذار المبكر مسألة هامة هنا.
ونحن بحاجة لبذل المزيد لجعل التعددية فاعلة على الأرض، ونقل الشعار إلى واقع. لكن هل ثمة ما يمكننا النظر له كمثال لتعددية عاملة؟ تأتي الإجابة في آخر مكان يمكن توقعه.
أنتاركتيكا: نموذج للتعاون الدولي الفعال
ثمة مكان واحد يقوم فيه المتنافسون القوميون بالعمل معًا، وعلى نحوٍ متَّسق وبرغماتي. ولا يتمثل ذلك في برلمان أو قصر، لكن أكثر الأماكن برودة في العالم. ففي ديسمبر 2025 شاركت في حملة إلى أنتاركتيكا لاستكشاف أكثر نماذج العالم استدامة للحوكمة التعددية وللنظر في نجاحاتها التامة التي يمكن أن تلهم التعاون الدولي في إفريقيا وغيرها من قارات العالم.
إن القارة السابعة هي أكثر القارات عداءً للحياة على الأرض. إذ تنخفض درجات الحرارة ببطء بالغ لدرجة تجمد الوقود، وتشقق المعادن، وموت الأبدان في غضون دقائق. إن البقاء في مثل هذه البيئة يتطلب عملًا جماعيًّا لا يُصدّق على مستوى الأفراد والشعوب.
ويقوم النجاح في التعاون في انتاركتيكا على صيغة التعاون الهيكلي structured collaboration. وكان نظام معاهدة أنتاركتيكا Antarctic Treaty System، الذي أُطلق في العام 1959، وأخذ في التمدد منذ ذلك الوقت يحكم القارة وعلاقات الدول الـ58 المُوقِّعة عليها. ويمنع النظام استخدام الجيوش ويُعلّق ادعاءات الحقبة الاستعمارية في أراضيها، ويمنع استخراج البترول والمعادن منها، ويكرس القارة “للسلام والعلم”. ويتم اتخاذ القرارات بالإجماع. وليس للنظام، على نحو غير عادي، سلطة فرض سياسات مركزية وتلتزم الدول في الوقت نفسه بالتعاون الروتيني. علاوة على ذلك فإن إفريقيا تُمثّل جزءًا من قصة نجاح هذا التعاون الدولي؛ إذ تأتي جنوب إفريقيا كعضو مُؤسِّس للمعاهدة الأصلية، ومِن ثَم فإنها تُسهم في تصميم هذا النموذج الفاعل للحكم العالمي.
من المزرعة للمائدة: إستراتيجية البقاء من أجل نظام جنوب إفريقيا الغذائي؟([3])
تحتفل جنوب إفريقيا بيوم البيئة العالمي في 5 يونيو، وهو تغيُّر بنيوي عميق يُحوّل على نحو هادئ رؤى الأمة لبيئاتها ومظاهرها. وفيما يتصل بذلك تطوّر مفهوم “من المزرعة للمائدة” بشكل سريع ليصبح ضرورة إستراتيجية. وفي بلد تعاني من ضربات اقتصادية موجعة، وسلاسل إمداد عالمية هشَّة، ومناخ متغيّر، فإن الاستدامة المحلية لم تَعُد خيارًا رفاهيًّا، بل إنه قاعدة لإستراتيجية بقائها.
ويقود المستهلكون في جنوب إفريقيا هذا التحوُّل بشكل متزايد للغاية. ويدفعهم في ذلك –بدوره- التزامهم المتنامي بالإدارة والاستدامة الصحية الاستباقية، ويطالب 75% من المستهلكين المحليين الآن بإنتاج غذائي أنظف وأكثر شفافية، بينما يشير 42% منهم إلى العائدات الصحية كسبب رئيسي لتغيير العلامات التجارية. ومع ذلك، يكمن وراء هذا التوجُّه المدفوع بالصحة واقع اجتماعي اقتصادي قاسٍ: إذ يعاني ما يقرب من 16 مليون جنوب إفريقي من عدم كفاية الوصول إلى الغذاء.
…………………………
[1] Zunaida Moosa Wadiwala and Tracy-Lynn Field, Africa’s climate crisis is a legal crisis too: what are states’ duties under human rights law? The Conversation, June 1, 2026 https://theconversation.com/africas-climate-crisis-is-a-legal-crisis-too-what-are-states-duties-under-human-rights-law-283499
[2] Andrew Zerzan, African Multilateralism from a Vision to a Reality: Lessons from the Most Hostile Continent on Earth, African Arguments, June 1, 2026 https://africanarguments.org/2026/06/african-multilateralism-from-a-vision-to-a-reality-lessons-from-the-most-hostile-continent-on-earth/
[3] Farm-to-table: A survival strategy for South Africa’s food system, IOL, June 3, 2026 https://iol.co.za/weekend-argus/news/2026-06-03-farm-to-table-a-survival-strategy-for-south-africas-food-system/










































