المقدمة:
توجهت أنظار الإعلام الإسرائيلي خلال شهر سبتمبر 2026م إلى منطقة القرن الإفريقي، ولا سيما نحو صوماليلاند وإثيوبيا، كما ذهبت أبعد من ذلك نحو الجنوب، وبالتحديد نحو مملكة إسواتيني، المتاخمة لجنوب إفريقيا وموزمبيق، بمساحة تقل عن 18 ألف كيلومتر مربع، بيد أن كونها جارة لجنوب إفريقيا، البلد الذي اتخذ إجراءات عديدة ضد دولة الاحتلال العبرية في السنوات الأخيرة، شكل الأمر فرصة لإعادة إحياء تلك العلاقات وتصعيدها إلى واجهة التغطيات الإعلامية والتحليلات العبرية.
وقد شهدت الشهور الأخيرة حديثاً مكثفاً عن تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال الانفصالي، وعن المخططات الإسرائيلية لامتلاك موطئ قدم في هذا الإقليم يمنحها ميزات إستراتيجية كثيرة، وغير ذلك من الملفات. لكن في هذا المقال سيستشعر المهتمون بهذا الملف أن اعتراف تل أبيب بالإقليم وما تبعه من تطورات ربما أعمق بكثير من المتوقع؛ وقد يعني أن ثمة تحولات كبيرة جداً بالمنطقة، وبدء حقبة جديدة وقودها كتلة قوية تجمع بين الولايات المتحدة الأمريكية والإمارات والهند وإثيوبيا وإسرائيل ودول أخرى، ترى أن صوماليلاند فرصة ذهبية لن تتكرر ولا بديل عنها، بل إنها هي البديل لمبادرات عملاقة لم يُكتب لها النجاح، وعلى رأسها مشروع الممر الهندي، الذي يصل إلى سواحل المتوسط عبر إسرائيل، برعاية أمريكية؛ إذ تبين أن صوماليلاند ربما تصبح الحل لتنفيذ هذا المشروع.
وسوف ترد العديد من التفاصيل حول الفرص المتاحة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة في صوماليلاند، ما قد يُعجل بالاعتراف الأمريكي بهذا الإقليم.
كما سيجد المهتمون هنا مقالاً نادراً للسفير الإثيوبي في تل أبيب، عبر صحيفة «جيروزاليم بوست»، يواكب احتفالات إثيوبيا بالعام الجديد، وفق التقويم المحلي، ويُشكّل هذا المقال فرصة لمعرفة كيف يفكر الدبلوماسي الإثيوبي، وكيف «يطوع» الرواية التاريخية ليسقطها على العلاقات الحالية بين تل أبيب وأديس أبابا، إضافةً إلى حرصه على تسويق إنجازات حكومة بلاده للجمهور الإسرائيلي.
وسوف يطلع المتابعون أيضاً على مقال لا تنقصه الغرابة، حول جذور يهودية لمملكة إسواتيني، في واحدة من المفارقات المثيرة للدهشة، يبدو أنها امتداد لاختلاق الروايات التاريخية من أجل تثبيت الحاضر أو التلاعب به، وهو ما اعتادت عليه إسرائيل على مر تاريخها القصير، في قضايا عديدة، تنضم إليها قصة مملكة إسواتيني التي يبدو أنها- لزعم صاحب الرواية- تدين بالكثير لليهودية ولإسرائيل.
في المقال الأول، المنشور بتاريخ 5 سبتمبر 2026م بصحيفة «معاريف» العبرية، يتطرق الكاتب عاميت يغور إلى موضوع في غاية الحساسية، يوحي بأن صوماليلاند ستكون نواة لا غنى عنها لبناء كتلة جديدة تسيطر على تلك المنطقة عبر النفوذ العسكري والسياسي، ولا ينقصها التمويل المالي. فالحديث يجري عن فرص هائلة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات وإثيوبيا والهند، وسط تلميحات بأن التقدم نحو الاعتراف الأمريكي بالإقليم الانفصالي مسألة وقت.
في المقال الثاني، المنشور بتاريخ 13 سبتمبر 2026م، بصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، لا يدخر السفير الإثيوبي لدى تل أبيب تسفاي يتاياه، جهداً للدعاية لإنجازات حكومة بلاده في مجالات عديدة تتصدرها الطاقة، والفرص الواعدة التي يبدو أنها ستُحوّل إثيوبيا إلى قوة إقليمية كبرى في إفريقيا بوجهٍ عام، إلا أنه لم يغفل التوجه للجمهور المُخاطَب بحديث مثير للدهشة عن علاقات بلاده بإسرائيل منذ الأزل، ووقت أن التقت ملكة سبأ بالملك سليمان. ويؤشر ذلك بشكل محتمل إلى فهم الدبلوماسي الإثيوبي لعقلية اختلاق الروايات التي يعرفها الجمهور الإسرائيلي جيداً، ويعرف كيف يطوعها لخدمة حاضره المُحاصَر بالمشكلات والعقد النفسية.
في المقال الثالث، والمنشور بتاريخ 11 سبتمبر 2026م بموقع «القناة 12» العبرية، يسرد الكاتب الإسرائيلي دانيال أرازي تفاصيل العلاقة التي تجمع بين مملكة إسواتيني، الواقعة في قلب الجنوب الإفريقي وبين إسرائيل واليهودية، ويصف المناظر الجبلية الخلابة ومحميات السفاري والنهضة السياحية المذهلة، والطبيعة الساحرة، باحثاً عن صلة تاريخية بين تلك المملكة وبين بلاده، من منطلق كونها شهدت قدوم جالية يهودية تركت بصمتها في القانون والتعليم، ولاجئين فروا من «المحرقة» وجدوا فيها ملاذاً آمناً، وأمير اعتنق اليهودية وأصبح حاخاماً في صفد، ليرسم في النهاية صورة لخفايا رحلته، ليصل إلى وصفها بأنها «مملكة مجهولة ظلت صديقة وفية لإسرائيل».
البلد الذي يكاد لا يحظى باعتراف أحد قد يغير قواعد اللعبة بالنسبة لإسرائيل[1]:
يسعى الكاتب الإسرائيلي عاميت يغور، عبر مقالته المنشورة بصحيفة «معاريف» العبرية بتاريخ 5 سبتمبر 2026م، إلى استشراف الفرص الإستراتيجية التي ستعود على بلاده وعلى الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية الزيارة التي أجراها رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي قد تمهد لاعتراف تاريخي من الرئيس دونالد ترامب، بعد شهور من اعتراف تل أبيب بالإقليم.
ويصف الكاتب الزيارة بالتاريخية، ويرى أنها تحمل فرصاً عديدة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وتخلق للمرة الأولى فرصة إستراتيجية وأمنية واقتصادية للمنطقة، وذكر أن تلك هي المرة الأولى التي تستقبل واشنطن زعيم ما وصفه بـ«الكيان الديمقراطي المستقل بالقرن الإفريقي»، ليس فقط ليعقد سلسلة من الاجتماعات مع جماعات الضغط، إنما اجتماعات رسمية على أعلى المستويات، وبعد أشهر فقط من زيارته لإسرائيل واعتراف الأخيرة ببلده.
ويوجه الكاتب الأنظار إلى «صوماليلاند» بوصفه إقليماً يبدو ظاهرياً منطقة نائية في إفريقيا، حليفة لإثيوبيا وخصماً لدوداً للصومال، ويقول إن ثمة سؤالاً بديهياً، وهو: من يهتم أصلاً بمنطقة القرن الإفريقي؟
ويجيب بأنه من الناحية العملية، وبالنسبة لأي شخص يتعمق قليلاً، قد تتحول هذه الزيارة إلى نقطة تحوّل في الحرب الحقيقية الكامنة وراء الكواليس بين كتلتين:
– كتلة النظام الإقليمي القديم (بقيادة قطر وتركيا والقرن الإفريقي – الصومال).
– كتلة النظام الإقليمي الجديد (بقيادة إسرائيل والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا والهند والقرن الإفريقي – أرض الصومال).
كما يُقدّر أن توقيت الزيارة وقائمة الملفات المدرجة على جدول أعمال رئيس الإقليم تحوّلها إلى فرصة إستراتيجية تجتمع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والتجارية والديموغرافية، معللاً ذلك بأن أرض الصومال لا تُعدّ قصة صومالية عادية، فبينما تغرق جاراتها فيما وصفه بـ«الإرهاب الإسلامي»، حافظت هرجيسا، عاصمة البلاد، على نظام ديمقراطي مستقر لعدة عقود، مع انتقال منظم للسلطة من خلال الانتخابات ونظام أمني فعّال يسيطر على 850 كيلومتراً من الساحل الإستراتيجي على خليج عدن.
من هذا المنطلق، يلخص الكاتب أهمية الإقليم بقوله إن التدقيق في الإقليم من منظور نظامي، يُظهر أن أرض الصومال هي بالضبط ما يحتاج إليه الغرب.
وأضاف أنه بينما يُوسّع الحوثيون نفوذهم جنوباً نحو القرن الإفريقي والصومال عبر تحالفهم مع حركة الشباب الصومالية، التي تتلقى منهم أسلحة متطورة وطائرات مسيرة انتحارية وتدريباً، وينشرون رادارات على طول ساحل مقديشو، فإن أرض الصومال، عبر ميناء بربرة والقاعدة الجوية المجاورة، يُمكنها أن تُوفر للبحرية الأمريكية قاعدة أمامية فورية عند مدخل مضيق باب المندب، تتيح السيطرة والقدرة على تعطيل نفوذ إيران، وتمكن من بسط النفوذ مباشرةً قبالة سواحل اليمن.
وأردف أنه بالنسبة للشراكة مع الهند والإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا، فقد واجه مشروع الممر التجاري الدولي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا IMEC صعوبات بسبب ارتباطه بالجزء السعودي، ورأى أن هذا الفشل يُبرز دور المحور الإفريقي الآسيوي، مع وجود أرض الصومال في قلب المشروع.
ومضى قائلاً إن الإمارات، من خلال شركة الخدمات اللوجستية العملاقة «موانئ دبي العالمية» قامت بإرساء بنية تحتية ضخمة في ميناء بربرة؛ ووقعت إثيوبيا (سوق متنامية تضم 120 مليون نسمة يتوقون إلى الوصول إلى البحر) مذكرة تفاهم تاريخية تضمن لها الوصول إلى البحر، وتعتبر الهند ميناء بربرة نقطة نهاية إستراتيجية تربط شبه القارة بقلب إفريقيا والبحر الأحمر.
وبالتالي، يرى الكاتب أن هذا الواقع يخلق جناحاً جنوبياً إستراتيجياً يتجاوز المملكة العربية السعودية، وممراً تجارياً خالياً من القيود السياسية في الشرق الأوسط. كما أن إقليم أرض الصومال يوفر أصولاً اقتصادية بالغة الأهمية، تتمثل في الوصول الحصري إلى خامات ومعادن أساسية مثل الليثيوم والكولتان، والتي تحتاج إليها الصناعات التكنولوجية والدفاعية الغربية.
ويذكر الكاتب الإسرائيلي أن أرض الصومال تُعدّ الوحيدة في القرن الإفريقي التي أقامت علاقات رسمية مع تايوان، ما يُشكّل إغلاقاً تاماً أمام الصين، وأنه بينما تحتفظ الصين بقاعدتها العسكرية الوحيدة خارج حدودها في جيبوتي المجاورة، يبدو أن تعزيز قدرات أرض الصومال يُعدّ خطوة نحو الحد من النفوذ الصيني في الممرات الملاحية الدولية.
أضف إلى كل ذلك، أن هذا الإقليم الانفصالي- والحديث القادم على لسان الكاتب- «يُعدّ دولة مستقلة، تتمتع بالسيطرة على أراضيها وكثافة سكانية منخفضة على مساحة واسعة، ما يجعلها شريكاً محتملاً للمبادرات الرامية إلى تجاوز العقبات الإقليمية»، على حد قوله.
ومن تلك المبادرات الاندماج في مشروعات البنية التحتية والطاقة الدولية، إلى الرغبة في دراسة الاندماج في مبادرات واسعة النطاق لإعادة تأهيل السكان والهجرة الطوعية، بما في ذلك المناقشات المعقدة حول ملف «اليوم التالي» في غزة؛ إذ تقدم أرض الصومال مساحة وحسن نية ومرونة سياسية في مقابل حزم المساعدات والتنمية والاعتراف، والحديث على لسان الكاتب الإسرائيلي.
– زيارة واشنطن.. فرصة أمريكية إسرائيلية:
هنا ينتقل الكاتب إلى الفرص الكامنة في زيارة رئيس إقليم أرض الصومال إلى واشنطن، ويعتقد أنها وفي هذا التوقيت لم تكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل من الضروري أن تكون نقطة انطلاق لعملية تدريجية ومدروسة جيداً.
– بالنسبة للولايات المتحدة:
يؤكد الكاتب أن هناك فرصة مهمة تكمن في ضرورة الاعتراف السياسي الرسمي (الأمريكي) بصوماليلاند بوصفها دولة مستقلة: سيُعدّ هذا هو الإنجاز الأساسي المطلوب، والذي يمكن تحقيقه في غضون أشهر قليلة، مشيراً إلى أن الاعتراف سيسمح لواشنطن بقطع العلاقات مع مقديشو التي وصفها بـ«الفاشلة»، ومن ثَمّ سيتيح للأمريكيين توقيع اتفاقيات ثنائية مباشرة مع الإقليم.
ويضيف أن الفرصة الثانية لواشنطن تتمثل في إنشاء قاعدة بحرية-جوية في بربرة؛ لتأمين الممرات الملاحية في باب المندب وكبح جماح تهديدات الحوثيين والإرهاب الصومالي.
التأطير الاقتصادي والإستراتيجي يُعدّ الفرصة الثالثة؛ إذ يطالب بدمج صوماليلاند في مبادرات مؤسسة التمويل الدولية الأمريكية DFC الاستثمارية إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والهند، مع العمل على إبعاد النفوذ الصيني والتركي عن القرن الإفريقي.
– بالنسبة لإسرائيل:
يوصي الكاتب حكومة الاحتلال بفتح سفارة كاملة في هرجيسا ومساعدة صوماليلاند في الضغط على واشنطن لإتمام الخطوة الأمريكية، كما يوصي ببدء التعاون الأمني والاستخباراتي على طول ساحل خليج عدن؛ من أجل المراقبة والسيطرة الآنية على المخرج الجنوبي للبحر الأحمر وآلية الحرب بالوكالة في المنطقة.
ويطالب بالمساعدة التقنية الإسرائيلية للإقليم في مجالات تحلية المياه، والزراعة الصحراوية، والطاقة المتجددة، والأمن الداخلي؛ إذ ستجعل هذه المساعدات من أرض الصومال نموذجاً للنجاح، وستعزز التكتل الجديد للنظام العالمي.
وخلص إلى أن أرض الصومال قد تُثبت أنها حلقة وصل مهمة في التكتل الجديد للنظام العالمي، وفي الممر التجاري بين الشرق والغرب، وأنه من الضروري أن تُفضي هذه الزيارة إلى اعتراف سياسي كامل بأرض الصومال في الأشهر المقبلة، وهو ما قد يُشكّل خطوة مهمة في ترسيخ نظام إقليمي جديد.
إثيوبيا وإسرائيل تتشاطران عاماً جديداً وفرصة لتعميق علاقاتهما التاريخية[2]:
استهل تسفاي يتاياه، سفير إثيوبيا لدى تل أبيب، مقالته بصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، والمنشورة بتاريخ 13 سبتمبر 2026م، بالإشارة إلى العلاقات بين إثيوبيا وإسرائيل والتي وصفها بالعريقة والاستثنائية، ليضرب عصفورين بحجر واحد، من خلال الإشادة من جانب، والعثور على تاريخ مزعوم لدولة الاحتلال العبرية من جانب آخر، حين ذكر أن جذور العلاقة بين البلدين «تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وتحديداً إلى اللقاء الأسطوري بين ملكة سبأ والملك سليمان؛ وهي قصة لا تزال ترمز إلى عمق الروابط الثقافية والروحية والتاريخية بين شعبينا»، وفق خيال الكاتب.
الكاتب الذي اخترع تاريخاً بعيداً عن المنطق، يمتد إلى جذور الماضي السحيق لإسرائيل الناشئة حديثاً في عام 1948م، ذكر أيضاً أن العام المنصرم عُدّ عاماً مهماً للعلاقات الإثيوبية الإسرائيلية، ومن أبرز التطورات زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ إلى إثيوبيا، حيث أجرى خلالها مباحثات ثنائية مع الرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي، ورئيس الوزراء آبي أحمد، لتتركز المناقشات على تعزيز العلاقات التاريخية وتوسيع نطاق التعاون بين البلدين.
وتابع أنه من المحطات المهمة الأخرى انعقاد المشاورة السياسية المشتركة الرابعة بين إثيوبيا وإسرائيل في 6 يناير 2026م في مدينة القدس، والتي أتاحت فرصة مهمة لاستعراض التقدم في الحوار الثنائي وتحديد سبل تعزيز التعاون، مشيراً إلى أن العلاقات بين إثيوبيا وإسرائيل ترتكز على تاريخ طويل من الروابط الشعبية وفرص متنامية للتعاون العملي، وأن المستقبل يحمل فرصاً عديدة للتعاون في مجالات: الزراعة، وإدارة المياه، والابتكار، والتكنولوجيا، والصحة، والتعليم، والاستثمار، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وذهب إلى أن الاحتفال المشترك برأس السنة الإثيوبية في 11 سبتمبر يُعدّ تذكيراً رمزياً بأنه على الرغم من اختلاف تاريخ وتقاليد البلدين؛ فإن لإثيوبيا وإسرائيل مصالح مشتركة مهمة في السلام والتنمية والابتكار والازدهار البشري.
– زخم التنمية في إثيوبيا: من سد النهضة إلى ريادة الطاقة:
وبحسب الكاتب، فقد احتفلت إثيوبيا العام الماضي برأس السنة الإثيوبية بافتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير، بحضور قادة وشخصيات بارزة من جيبوتي والصومال وكينيا وبربادوس، ومن مختلف أنحاء المنطقة والقارة، مضيفاً أن سد النهضة لم يعد مجرد مشروع قيد الإنشاء، بل أصبح أداة رئيسية في تنمية إثيوبيا وتحولها في قطاع الطاقة؛ إذ يُولّد أكثر من 52% من احتياجاتها المحلية من الكهرباء، ويُمكنها من تزويد جيبوتي وكينيا والسودان بالكهرباء، كما تم إبرام اتفاقية لشراء الطاقة مع جنوب السودان وتنزانيا.
وأردف أن إثيوبيا تسعى من وراء هذا المشروع إلى زيادة استثماراتها في البنية التحتية للطاقة، بما في ذلك خطط لبناء ثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق. وفي الوقت نفسه، يتقدم مشروع كويشا للطاقة الكهرومائية على نهر أومو، بقدرة توليد مخططة تبلغ 2200 ميغاوات، نحو الاكتمال، ومن المتوقع اكتماله بحلول عام 2027م.
وحول الأهداف، يذكر الكاتب أن هذه الاستثمارات تسعى إلى توسيع قدرات إثيوبيا في مجال الطاقة بشكل كبير، وتعزيز إمكاناتها لتصبح من الدول المُصدرة للطاقة، معتبراً أن البلد الذي يمثله دبلوماسياً في دولة الاحتلال يمارس حقه السيادي في تنمية موارده الطبيعية واستغلالها، مع التزامه التام بالقانون الدولي والأعراف الدولية، والتعاون الإقليمي المسؤول، لافتاً إن أديس أبابا لا تنوي إلحاق أي ضرر يُذكر بدول المصب، بل يكمن هدفها في الاستخدام العادل والمنصف للموارد المشتركة، وتحقيق نتائج مُربحة للجميع.
كما يجادل بأن بلاده تؤمن بأن التنمية والتعاون الإقليمي يجب أن يُعزز أحدهما الآخر، لا أن يُقوضه، ولذلك؛ فإن التزامها بالتنمية راسخ، وستواصل تنفيذ مشاريع تُحسّن سُبل العيش، وتُوسّع الفرص، وتعزز أسس الازدهار الوطني.
– موجة جديدة من المشروعات الإستراتيجية الضخمة:
وأوضح السفير الإثيوبي في مقالته أن افتتاح سد النهضة الإثيوبي تزامن مع الإعلان عن موجة جديدة من المشروعات الضخمة بقيمة إجمالية تقارب 30 مليار دولار أمريكي، مما يعكس توجهاً طموحاً نحو التصنيع والاكتفاء الذاتي والتحول الاقتصادي طويل الأجل، ومن بين أبرز هذه المشروعات، مشروع محطة الطاقة النووية المقترح، والذي وصفه رئيس الوزراء بأنه مشروع يُضاهي سد النهضة في حجمه وأهميته.
وأضاف أن إثيوبيا تستثمر بكثافة في قطاعي الطيران والخدمات اللوجستية، وأن الخطوط الجوية الإثيوبية بدأت أعمال بناء مطار جديد ضخم، أُعلن عنه كمركز طيران قاري مستقبلي بسعة أولية تبلغ حوالي 60 مليون مسافر سنوياً؛ بغرض تعزيز مكانة إثيوبيا كبوابة رئيسية للنقل الجوي والتجارة والخدمات اللوجستية في إفريقيا.
وفي قطاع الطاقة، دخلت إثيوبيا مجال إنتاج الغاز الطبيعي تجارياً في إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، ضمن مشروع يشمل بناء منشأة بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 111 مليون لتر من الغاز الطبيعي المُسال، بينما من المتوقع أن يزيد مشروع ثانٍ هذه الطاقة الإنتاجية بشكل كبير، فيما يشمل الاستثمار الأوسع محطة لتوليد الطاقة بالغاز الطبيعي بقدرة توليد مُخططة تبلغ 1000 ميغاوات، ومجمعاً للأسمدة مُصمّم لإنتاج ما يقارب 3 ملايين طن متري من اليوريا سنوياً. وهذه المشروعات مجتمعةً تدل على إستراتيجية وطنية شاملة، تهدف إلى توسيع القدرة الإنتاجية، وتعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على الواردات، وإنشاء البنية التحتية اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
– المؤسسات الديمقراطية والحوار الوطني:
ويرصد السفير الإثيوبي أبرز الإنجازات خلال العام المنصرم، منها إجراء الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا بنجاح في الأول من يونيو 2026م، بنسبة مشاركة مرتفعة في مختلف المناطق والمدن، تراوحت بين 94% و99%، على حد زعمه، مضيفاً أن حزب «الازدهار» حقق أغلبية برلمانية ساحقة، وفاز في أغلب الدوائر الانتخابية.
كما انعقد مؤتمر الحوار الوطني الذي نظمته اللجنة الوطنية الإثيوبية للحوار، بمشاركة نحو 4000 إثيوبي، ناقشوا ثمانية بنود أساسية على جدول الأعمال الوطني، وهذا المؤتمر يوفر منصة مهمة للإثيوبيين من مختلف وجهات النظر للتفاعل بشكل بنّاء، وتحديد نقاط التقاء، ووضع توصيات لمعالجة التحديات المزمنة. وبحسب السفير، لا تكمن قيمته النهائية في المناقشات نفسها فحسب، بل في قدرته على تعزيز التوافق الوطني والتماسك الاجتماعي ورؤية مشتركة لمستقبل إثيوبيا.
– مبادرة الإرث الأخضر ودبلوماسية إثيوبيا المناخية:
وأشار الكاتب إلى أن مبادرة الإرث الأخضر تُعدّ مجالاً آخر حققت فيه إثيوبيا تقدماً ملحوظاً، ففي وقتٍ تتعرض فيه البلاد والمنطقة الأوسع نطاقاً لصدمات مناخية حادة بشكل متزايد، تُولي إثيوبيا اهتماماً متزايداً لإعادة تأهيل البيئة، وتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، والتنمية المستدامة، وأوضح أن مبادرة الإرث الأخضر انطلقت عام 2019م، وهي حملة محلية لزراعة الأشجار تهدف إلى معالجة تغير المناخ، وتدهور البيئة، وتحديات الأمن الغذائي. وقد اتخذت إثيوبيا أيضاً خطوات لإضفاء الطابع المؤسسي على هذه المبادرة.
وفي ديسمبر 2024م، صادق البرلمان بالإجماع على تشريع يُنشئ مبادرة الإرث الأخضر وصندوقاً خاصاً لإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، مع تخصيص ما بين 0.5% إلى 1% من الميزانية الفيدرالية السنوية لإعادة تأهيل المناظر الطبيعية من خلال الغابات والزراعة الحراجية.
وتسعى المبادرة أيضاً إلى تعزيز سبل العيش والأمن الغذائي من خلال زراعة أشجار الفاكهة وغيرها من الأنواع المنتجة التي تُسهم في زيادة دخل الأسر، وتحسين التغذية، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، فيما أقرت الأمم المتحدة بمساهمة المبادرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما في ذلك الهدف الثاني المتعلق بالقضاء على الجوع.
ووفق السفير الإثيوبي في إسرائيل، يتجلى تنامي دبلوماسية إثيوبيا في مجال المناخ والبيئة في العديد من الإنجازات الدولية، بما في ذلك اختيارها لاستضافة قمة المناخ الإفريقية الثانية، والاعتراف بها خلال الدورة الثمانين لمنظمة الأغذية والزراعة، وتقديمها طلباً لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة الثاني والثلاثين لتغير المناخ COP32، لافتاً إلى أن هذه الإنجازات تُبرز مبدأً مهماً: يمكن أن يكون العمل البيئي في آنٍ واحد إستراتيجية تنموية، وإستراتيجية لتعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ، وأداة للدبلوماسية الدولية.
– الأداء الاقتصادي ونمو الصادرات:
وبحسب المقال، فقد شهد العام المنصرم أداءً اقتصادياً قوياً؛ إذ سجلت إثيوبيا نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10.2%، مما وضعها بين أسرع الاقتصادات نمواً في إفريقيا والعالم بنسبة 14%، ليظل البن من أهم الصادرات، حيث حقق عائدات تجاوزت 3.5 مليارات دولار، بينما بلغت عائدات صادرات الذهب حوالي 5.5 مليارات دولار. كما واصلت البذور الزيتية والمنتجات البستانية والماشية والمنسوجات المساهمة في أداء الصادرات الإثيوبية.
وأضاف أن أهمية هذه النتائج لا تقتصر على كونها مؤشرات اقتصادية فحسب، بل تُعدّ أيضاً دليلاً على الجهود الإثيوبية الأوسع نطاقاً لتنويع الإنتاج، وتعزيز الصادرات، وجذب الاستثمارات، وبناء اقتصاد أكثر إنتاجية ومرونة.
– نظرة مستقبلية: عام جديد من الفرص:
تدخل إثيوبيا العام الجديد (التقويم الإثيوبي) بحكومة جديدة عقب الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2026م، ليتوقع الكاتب أن تضع الحكومة الجديدة سياسات وإستراتيجيات لترسيخ مسار النمو في البلاد، وتعزيز المؤسسات الوطنية، ودفع طموحات إثيوبيا التنموية، مشيراً إلى أن بلاده ستواصل لعب دور مهم في الدبلوماسية والجيوسياسة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، فموقعها الجغرافي، وثقلها الاقتصادي، وإمكاناتها في مجال الطاقة، وانخراطها الدبلوماسي، يمنحها مصلحة جوهرية في الاستقرار الإقليمي، والترابط، والتعاون.
وقدّر السفير أن تكون المهمة المقبلة لحكومة بلاده تحويل النمو الاقتصادي والإنجازات الكبيرة في مجال البنية التحتية إلى ازدهار أوسع، وتعزيز السلام، والتماسك الوطني، والمؤسسات الديمقراطية، وتوسيع الشراكات المثمرة، وضمان أن تُسهم التنمية في إثيوبيا في بناء منطقة أكثر استقراراً وترابطاً وازدهاراً.
وختم بالقول: «بينما تستقبل إثيوبيا وإسرائيل العام الجديد معاً، يُمكن أن يكون هذا التاريخ المشترك رمزاً للصداقة، والتجديد، والفرص… نسأل الله أن يحمل العام الجديد مزيداً من السلام والازدهار والتعاون لبلدينا وللمنطقة التي نتشاركها».
هل سمعتم عن إسواتيني؟ المملكة التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل والتراث اليهودي[3]:
«مملكة إسواتيني، المعروفة في معظم تاريخها الحديث باسم سوازيلاند، لا تزال واحدة من أكثر الدول إثارةً للاهتمام وأقلها شهرة في القارة الإفريقية. تقع إسواتيني في موقع آمن بين حدود جنوب إفريقيا المترامية الأطراف والسهل الساحلي لموزمبيق، وتغطي مساحة صغيرة تقترب من 17,000 كيلومتر مربع، أي أصغر بنحو 27% من مساحة إسرائيل».
بهذه المقدمة، استهل الكاتب الإسرائيلي دانيال أرازي مقالته بموقع «القناة 12» العبرية، والمنشور بتاريخ 11 سبتمبر 2026م، مشيراً إلى أنه على الرغم من صغر مساحتها؛ تحتل إسواتيني مكانة معقدة في الجغرافيا والسياسة العالمية والتاريخ الثقافي، فهي بلد يتميز بتناقضات تضاريسية مذهلة، وتُعدّ موطناً لجروف جيولوجية عريقة، ومزارع قصب سكر شاسعة، ونظام حكم تقليدي راسخ يجعلها آخر ملكية مطلقة متبقية في إفريقيا، مضيفاً أنه «تحت سطحها الهادئ ومرتفعاتها الخضراء، يكمن تاريخ غني نشأ من مقاومة الاستعمار، وهجرات قبلية معقدة، وارتباط استثنائي بالتراث اليهودي واللجوء إليه».
– أمة أبت أن تندثر:
وأشار أرازي إلى أنه من أجل فهم إسواتيني، ينبغي معرفة تضاريسها الوعرة وتاريخها الفريد، فقد خلقت الحركات الجيولوجية القديمة أربع مناطق جغرافية ومناخية في البلاد تمتد من الشمال إلى الجنوب: في الغرب تقع منطقة «هايفيلد» الجبلية والباردة حيث تقع العاصمة «مبابان»؛ وإلى الشرق تقع منطقة «ميدلفيلد» الجبلية، وهي المركز الزراعي حيث تقع مدينة «مانزيني» التجارية؛ أما منطقة «لوفيلد» فتضم سهول سافانا شبه استوائية مع مزارع قصب السكر ووجود كثيف للحياة البرية، وعلى طول الحدود مع موزمبيق ترتفع هضبة «لوبومبو» الجبلية.
وأردف أن أصل سكان البلاد، شعب أماسواتي، يرجع إلى هجرات البانتو في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وأن هذه العشيرة وحدت المجتمعات المجاورة لها، واستمدت اسمها من الملك مسواتي الأول، بينما حافظت سلالة دلاميني الملكية على قيادة البلاد حتى يومنا هذا.
وعلى مدار القرنين التاسع عشر والعشرين، أظهرت قيادة البلاد براعة دبلوماسية في مواجهة محاولات غزو المستوطنين البوير، وحشد الملك مباندزاني الدعم البريطاني، مما أدى إلى إعلان إسواتيني محمية بريطانية، الأمر الذي حافظ على النظام الملكي المحلي سليماً تقريباً، إلى أن نالت البلاد استقلالها الكامل عام 1968م.
ويروي الكاتب أنه في عام 2018م، أعلن الملك مسواتي الثالث تغيير اسم البلاد من اسمها الاستعماري، سوازيلاند، إلى مملكة إسواتيني، وأن هذا التغيير يخفي جزءاً يسيراً من الحكم المطلق للتاج، فالملك، الذي اعتلى العرش عام 1986م وهو في الثامنة عشرة من عمره، يمتلك السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية الحصرية، فيما يشهد النظام السياسي في المملكة توتراً بين التقاليد العريقة، التي تتجلى في احتفالات وطنية مثل نكوالا وأومهلانغا، وبين الانتقادات الدولية الحادة للقيود المفروضة على الأحزاب السياسية، والسيطرة المحكمة على وسائل الإعلام، وقمع الاحتجاجات.
– سويسرا إفريقيا:
ترتبط إسواتيني اقتصادياً ارتباطاً وثيقاً بجارتها جنوب إفريقيا، وعملتها المحلية مرتبطة بالراند الجنوب إفريقي، ويعتمد اقتصادها بشكل رئيسي على زراعة قصب السكر، والغابات، والصناعة المتمركزة في منطقة «متسافو». ورغم التحديات الصحية العامة ووباء الإيدز، أصبحت المملكة وجهة سياحية شهيرة في السنوات الأخيرة.
كما تُلقب إسواتيني بـ«سويسرا إفريقيا» نظراً لمناظرها الجبلية الخلابة، وتُقدّم مزيجاً فريداً من الطبيعة البرية، والسياحة البيئية، والثقافة التقليدية. ويشهد قطاع السياحة انتعاشاً ملحوظاً، حيث استقبل أكثر من 562 ألف زائر في النصف الأول من عام 2026م وحده، بزيادة قدرها 8%، حيث يأتي معظم هذا النمو من السياحة الإقليمية من جنوب إفريقيا وموزمبيق وزامبيا، في ظل استثمار الدولة في البنية التحتية وطموحها للوصول إلى هدف وطني يتمثل في استقبال مليوني سائح سنوياً بحلول عام 2027م.
وبحسب الكاتب الإسرائيلي، ثمة خيارات متنوعة ومتكاملة في تلك المساحة الصغيرة بالنسبة للمسافرين الدوليين الراغبين في استكشاف إسواتيني، بدايةً من محمية «مليلاواني»، أقدم محمية طبيعية في البلاد والتي تقع في وادي «أزولويني»، وتُعدّ فرصة للزائرين للتنزه سيراً على الأقدام أو ركوب الدراجات الجبلية أو الخيل، حيث يمكنهم مشاهدة الحمار الوحشي والظباء وأفراس النهر في بيئة خالية من الحيوانات المفترسة الكبيرة. أما لمشاهدة الحيوانات البرية الكبيرة، يوفر منتزه «هلان الملكي الوطني» جولات سياحية بصحبة مرشدين لمشاهدة الأسود ووحيد القرن الأبيض والفيلة والنمور في بيئتها الطبيعية.
أضف إلى ذلك، تُعدّ الثقافة نبض السياحة في إسواتيني؛ إذ يحرص الزوار على زيارة قرية «مانتانغا» الثقافية للاستمتاع بالموسيقى والرقص التقليديين ومشاهدة العمارة المميزة للأكواخ المصنوعة من القش، فيما يستضيف وادي «أزولويني» سنوياً مهرجان «إم تي إن بوشفاير»، وهو مهرجان دولي للموسيقى والفنون يجذب آلاف المسافرين من جميع أنحاء العالم في شهر مايو من كل عام.
– اختراع رواية الصلة اليهودية:
ويسرد الكاتب تفاصيل حول أحد أكثر فصول تاريخ إسواتيني إثارة للاهتمام وأقلها شهرة، ويرى أن هذه التفاصيل تؤشر على ارتباطها التاريخي الوثيق بالشعب اليهودي، وأنه على الرغم من أن الجالية اليهودية في إسواتيني صغيرة؛ إذ لا يتجاوز عدد سكانها الدائمين 30 شخصاً (اليهود)، ويتركزون بشكل رئيسي حول العاصمة مبابان، فإن بصمتها التاريخية على الأنظمة القانونية والاقتصادية والتعليمية والملكية في البلاد هائلة.
ووفق الكاتب «تعود جذور هذا المجتمع اليهودي إلى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين وطوال الحرب العالمية الثانية، عندما حاولت مجموعة صغيرة من اللاجئين اليهود الألمان الفارين من الاضطهاد النازي في أوروبا دخول محمية سوازيلاند البريطانية، وحاول العديد منهم أولاً الوصول إلى جنوب إفريقيا، لكن مُنعوا من الدخول بسبب القيود الصارمة على الهجرة التي فرضها قانون الأجانب لعام 1937م، ومع اندلاع الحرب العالمية، وجدت العائلات ملاذاً غير متوقع في مملكة سوازيلاند. وقد سلطت الأبحاث التاريخية الحديثة، مثل بحث جانين شلوس من جامعة موناش في أستراليا، الضوء على هذه القصص التي كانت مهمشة في خضم المحرقة»، على حد قوله.
ويروي أنه خلال السنوات الأولى، واجه اللاجئون مصاعب كثيرة، فقد عاشوا في أكواخ طينية مؤقتة، وعانوا من الفقر، وكافحوا أمراضاً استوائية مثل الملاريا والجدري دون مصدر دخل ثابت، لكن بفضل التدخل المالي واللوجستي الحيوي من لجنة الإرساليات التابعة للجالية الجنوب إفريقية، استقرت الجالية تدريجياً. كما لعب الرواد الأوائل، مثل المهاجر اليهودي الليتواني كالمان غولدبلات، دوراً محورياً في التنمية الإقليمية للبلاد، حيث ساهموا في تأسيس أولى مشاريعها التجارية وإنشاء أولى أحيائها الحضرية.
وبينما انتقل العديد من اللاجئين إلى جنوب إفريقيا أو إلى الخارج بعد الحرب، بقيت نواة متفانية في المملكة لبقية حياتها، مندمجة بعمق في المجتمع المحلي، ومن خلال المصاهرة عبر الأجيال، لا يزال العديد من سكان «أماسواتي» المحليين يحملون ألقاباً يهودية، وهو نسب تاريخي صامت وُلد في أحلك ساعات البشرية.
– تناقض سردية «التأثير اليهودي»:
ويوضح أرازي أنه على الرغم من صغر الجالية، فقد أنجب الوجود اليهودي في إسواتيني شخصيات ذات أهمية وطنية. ففي المجال القانوني، شغل الفقيه اليهودي ستانلي سابير منصب رئيس محكمة الاستئناف في إسواتيني، تاركاً بصمة عميقة في صياغة القانون في المملكة. أما في مجال التعليم، فقد أسس الراحل جيف راموكغادي، رئيس الجالية اليهودية، مدرسة كوبي الثانوية (التي تُعرف الآن باسم أكاديمية كوبي راموكغادي للتعليم المتقدم) في إسواتيني، وأدارها، وهي مؤسسةٌ لا تزال تُعلّم أبناء البلاد حتى يومنا هذا.
وهنا يظهر بعض التناقض في رواية الكاتب، حين يتعلق الأمر بالتركيبة المجتمعية في إسواتيني؛ إذ يشير إلى أنه لا يوجد كنيس رسمي، وأنه مع ذلك تُحافظ الحياة اليهودية على وجودها من خلال التجمعات العائلية، واحتفالات الأعياد بين السكان المحليين واليهود المقيمين هناك للعمل، بالإضافة إلى مقبرتين يهوديتين تاريخيتين في مبابان، ويُحافظ على الدعم المؤسسي من خلال الانتماء إلى المؤتمر اليهودي الإفريقي، بينما يقود قادة المجتمع مبادرات اجتماعية محلية مثل «مركز ليكوساسا ليتفو» لتمكين الشباب وتوظيفهم، الذي يُزود الشباب المحلي بالأدوات اللازمة لبدء مسيرتهم المهنية.
وبعيداً عن دلالة عدم وجود كنيس يهودي، والتي قد تعني أنه لا وجود أو تأثير يهودي في الحاضر أو فيما مضى، يواصل الكاتب تضخيم إنجازات الجالية اليهودية، من زاوية العمل الخيري؛ إذ يذكر أن الأعمال الخيرية اليهودية تركت إرثاً تعليمياً راسخاً في المملكة، مثل مؤسسة «كيرش»، التي أسسها رجل الأعمال اليهودي ناثان كيرش، المولود في إسواتيني، والتي تُقدّم دعماً واسع النطاق للتعليم وريادة الأعمال لشباب البلاد. إضافةً إلى ذلك، ومن خلال التعاون بين المؤتمر اليهودي الإفريقي ومنظمة كتب الأطفال الأسترالية في إفريقيا، تم إنشاء مكتبة تحمل اسم الحاخام موشيه زيلبرهافت في «إيزولويني»، تضم أكثر من 20 ألف كتاب، وتدير نظام توزيع وجمع يجعل القراءة في متناول الأطفال في القرى النائية في المنطقة.
– العلاقات الحالية مع إسرائيل:
ويصل الكاتب إلى ما رأى أنها أكثر القصص إثارةً للدهشة التي تربط إسواتيني باليهودية، وهي قصة الحاخام ناثان غامزاده، الذي وُلد في العائلة المالكة الإسواتينية، وهو حفيد ملك إسواتيني، وشغل والده منصب وزير التعليم وسفير البلاد لدى عدد من الدول الأوروبية.
وتابع أنه بفضل موهبته الفذة، برز غامزاده كعالم لغوي بارع أتقن في نهاية المطاف 13 لغة، من بينها الفرنسية والألمانية والإيطالية والزولو والأفريكانية والعبرية. وخلال دراساته الأكاديمية العليا، التي تخرج خلالها بمرتبة الشرف من جامعة أكسفورد وحصل على درجة الماجستير في الترجمة من جامعة «ويتواترسراند» في جنوب إفريقيا، تعرف على اللغة العبرية في محاضرة عفوية، وسرعان ما تطور اهتمامه اللغوي بالحروف والنصوص العبرية إلى رحلة روحية عميقة. وفي عام 1991م، بعد سنوات من الدراسة والتأمل، اعتنق الأمير غامزاده اليهودية، وانتقل إلى إسرائيل، ورُسِّم حاخاماً، وأصبح محاضراً ومعلماً للفكر اليهودي في مدينة صفد (شمال الأراضي المحتلة).
وحافظت إسواتيني وإسرائيل على علاقات دبلوماسية رسمية منذ عام 1968م، وهي علاقات أُقيمت فور استقلال المملكة عن بريطانيا، وشمل التعاون الثنائي على مر عقود مجالات: الزراعة، وإدارة المياه، وتمكين الشباب، والتدريب التكنولوجي، إلى جانب مبادرات المساعدات الإسرائيلية التي دعمت برامج تنمية الطفولة المبكرة وتعزيز مهارات استخدام الحاسوب.
ويختم الكاتب بالقول إنه في ظل الجغرافيا السياسية الإقليمية المعاصرة، تبقى إسواتيني واحدة من الدول القليلة في الجنوب الإفريقي التي تحافظ على علاقات ودية وعملية مع إسرائيل، وشهدت السنوات الأخيرة توسعاً في التعاون الأمني والتكنولوجي والاقتصادي بين مبابان والشركات الإسرائيلية، وهو مسار يختلف عن المواقف الدبلوماسية الأكثر توتراً لجارتها جنوب إفريقيا.
ـــــــــ
الهوامش:
[1] عاميت يغور، “البلد الذي يكاد لا يحظى باعتراف أحد قد يغير قواعد اللعبة بالنسبة لإسرائيل”، صحيفة معاريف (الأراضي المحتلة)، 5 سبتمبر 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.maariv.co.il/news/opinions/article-1363217
[2] انظر:
Tesfaye Yetayeh, “Ethiopia and Israel share a new year – and an opportunity to deepen their historic ties – opinion”, The Jerusalem Post (Occupied territories), September 13, 2026: https://www.jpost.com/opinion/article-908242
[3] دانيال أرازي، “هل سمعتم عن إسواتيني؟ المملكة التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل والتراث اليهودي”، موقع ماكو-القناة 12 (الأراضي المحتلة)، 11 سبتمبر 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.mako.co.il/news-world/2026_q3/Article-1acced8632b80a1027.htm











































