
إعداد: بودومي مصطفى
صحفي وباحث جزائري في العلاقات الدولية والدراسات الإفريقية
الملخص:
تتناول هذه الدراسة علاقة الذهب بالصراعات المسلحة والاقتصادات الموازية في إفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة 2000–2026، وتبحث كيف انتقل الذهب، في عدد من الحالات، من مورد اقتصادي قابل للتنمية إلى أداة لتمويل العنف وإعادة تشكيل شبكات السلطة غير الرسمية، وتعتمد الدراسة على منهج تحليلي مقارن، يستفيد من أدبيات اقتصاد الحرب والموارد الطبيعية، ومن حالات السودان ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتخلص إلى أن الذهب لا يخلق الصراعات وحده، لكنه يطيل أمدها عندما يتقاطع مع ضعف الدولة، وانتشار التعدين الحرفي، والتهريب، وتدخل الفاعلين الخارجيين، وتوصي الدراسة بتقنين التعدين الحرفي، وتتبع سلاسل التوريد، وتعزيز التعاون الإقليمي للحد من اقتصاد الحرب.
المقدمة:
يحتل الذهب مكانة خاصة في الاقتصاد العالمي، فهو معدن ثمين ومخزن للقيمة وملاذ آمن في فترات الاضطراب المالي والجيوسياسي، وقد ازدادت أهميته منذ بداية القرن الحادي والعشرين مع توالي الأزمات الاقتصادية، وتذبذب أسعار العملات، وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة، غير أن أهمية الذهب لا تقف عند حدود الأسواق العالمية، بل تمتد إلى الدول المنتجة، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يتداخل هذا المورد مع قضايا التنمية، والفقر، والحوكمة، والأمن.
شهدت إفريقيا جنوب الصحراء خلال العقدين الأخيرين توسعاً ملحوظاً في إنتاج الذهب، سواء عبر الشركات الصناعية الكبرى أو عبر التعدين الحرفي والصغير، وتبرز في هذا المجال دول مثل غانا ومالي وبوركينا فاسو والسودان وتنزانيا وغينيا وزيمبابوي. لكن هذا التوسع لم يتحول دائماً إلى مكسب تنموي واضح؛ ففي حالات كثيرة، أصبح الذهب جزءاً من اقتصاد موازٍ تتداخل فيه شبكات التهريب، والجماعات المسلحة، والميليشيات، والشركات الأمنية الخاصة، والفاعلون المحليون والدوليون.
تنبع خطورة الذهب من خصائصه الاقتصادية والمادية، فهو عالي القيمة، صغير الحجم، سهل النقل، وقابل للبيع في الأسواق المحلية والدولية، لذلك يصبح، في البيئات الهشة، مورداً مناسباً لتمويل الجماعات المسلحة، سواء عبر السيطرة على المناجم، أو فرض الإتاوات، أو حماية طرق التهريب، أو إدخاله في قنوات تجارة قانونية بعد خلطه بذهب مشروع، من هنا لا يمكن فهم “حروب الذهب” باعتبارها صراعاً حول معدن فقط، بل باعتبارها ظاهرة أوسع تكشف علاقة الموارد الطبيعية بضعف الدولة، واقتصاد الحرب، والتنافس الجيوسياسي.
تعتمد هذه الدراسة مفهوم إفريقيا جنوب الصحراء بمعناه الجيوسياسي الواسع، بما يشمل الساحل والامتدادات المرتبطة بشبكات الذهب غير المشروع، وتركز على تحليل العلاقة بين الذهب والصراع من خلال أربعة مستويات: تحول الذهب إلى محرك للعنف، آليات تمويل الجماعات المسلحة، دور الفاعلين الدوليين في اقتصاد الذهب، ثم تداعيات هذه الظاهرة على الدولة والأمن الإقليمي ومستقبل الحوكمة.
قدمت الأدبيات الأكاديمية حول الموارد الطبيعية والحروب الأهلية إطاراً مهماً لفهم علاقة الذهب بالعنف، فقد أوضح فيليب لو بيلون أن الموارد لا تمول الحروب فقط، بل يمكن أن تعيد تشكيل السيطرة على الأرض، وشبكات التجارة، وأنماط السلطة في زمن الحرب، فالمورد القابل للنقل والبيع بسهولة يتحول إلى جزء من الجغرافيا السياسية للصراع؛ لأنه يمنح الفاعلين المسلحين قدرة على البقاء والاستقلال المالي عن الدولة.[1]
كما بيّن مايكل روس أن الموارد الطبيعية قد تؤثر في الحروب الأهلية من خلال تمويل التمرد، وإطالة أمد الصراع، وإضعاف مؤسسات الدولة، ورفع الحوافز الاقتصادية للسيطرة على مناطق بعينها[2]، أما بول كوليير وأنكي هوفلر فقد ربطا بين فرص التمويل الاقتصادي والتمرد، معتبرين أن بعض الحروب لا تفسَّر فقط بالمظلومية السياسية أو الإثنية، بل أيضاً بوجود موارد قابلة للاستغلال من طرف الجماعات المسلحة.[3]
في السياق الإفريقي، قدمت دراسة نيكولا بيرمان وزملائه دليلاً كمياً مهماً على العلاقة بين المناجم والعنف، فقد اعتمدت الدراسة على بيانات مكانية حول مواقع استخراج المعادن وأحداث الصراع في إفريقيا، وخلصت إلى أن ارتفاع أسعار المعادن ساهم في زيادة مستويات العنف في عدد من المناطق[4]، وتكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تكتفي بالطرح النظري، بل توضح كيف يمكن لمواقع التعدين أن تصبح نقاط جذب للصراع عندما ترتفع قيمة المورد وتضعف قدرة الدولة على التنظيم والحماية.
مع ذلك، لا ينبغي التعامل مع الذهب كسبب آلي للحرب، فوجود الذهب لا يؤدي بالضرورة إلى العنف. تظهر المشكلة عندما يتقاطع الذهب مع عوامل أخرى، مثل ضعف مؤسسات الدولة، وتهميش المناطق الطرفية، وغياب فرص العمل، وانتشار السلاح، وسهولة التهريب عبر الحدود، لذلك تعتمد هذه الدراسة على مفهوم “اقتصاد الحرب”، أي الاقتصاد الذي ينشأ داخل النزاعات ويغذي استمرارها، وعلى مفهوم “الاقتصاد الموازي”، أي النشاط الاقتصادي الذي يتم خارج رقابة الدولة أو على هامشها، كما توظف مفهوم “التعدين الحرفي” بوصفه نشاطاً مزدوجاً: فهو مصدر عيش لملايين الفقراء، لكنه قد يتحول إلى قناة تمويل للعنف إذا خضع لسيطرة مسلحة أو لشبكات تهريب.
الذهب من مورد اقتصادي إلى بنية لتمويل العنف:
كان الذهب، في الأصل، مورداً قادراً على دعم التنمية الوطنية عبر الإيرادات الضريبية، فرص العمل، والاستثمار في البنية التحتية، غير أن ضعف الحوكمة في عدد من الدول الإفريقية جعل جزءاً كبيراً من هذا المورد يتحرك خارج القنوات الرسمية، وتظهر هذه المفارقة بوضوح في مناطق الساحل وشرق الكونغو والسودان، حيث تتجاور المناجم مع مناطق النزاع، وتنتشر الحدود المفتوحة، وتضعف قدرة الدولة على مراقبة الإنتاج والتصدير.
يمثل التعدين الحرفي والصغير أحد أهم مداخل فهم هذه الظاهرة، فهذا القطاع لا يمكن اختزاله في التهريب أو الجريمة؛ لأنه يوفر دخلاً لمجتمعات فقيرة في مناطق غالباً ما تعاني من غياب الخدمات العمومية وضعف فرص العمل، لكنه يصبح خطيراً عندما تتحول مواقع التعدين إلى مناطق نفوذ للجماعات المسلحة، أو عندما تُفرض على العمال إتاوات غير رسمية، أو عندما يدخل الذهب المنتج في شبكات تهريب عابرة للحدود.
في غرب إفريقيا، تعد غانا ومالي وبوركينا فاسو وغينيا من الدول المركزية في إنتاج الذهب، وفي منطقة الساحل، اكتسب الذهب أهمية أمنية خاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث يتداخل التعدين مع التمردات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، وفي إفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية، يرتبط الذهب باقتصادات ميليشياوية تتغذى من ضعف الدولة وتعدد مراكز السلطة، أما السودان، فيمثل حالة خاصة لأن الذهب أصبح جزءاً من اقتصاد سياسي أوسع تتداخل فيه المؤسسات العسكرية، وقوات الدعم السريع، وشبكات التهريب، والفاعلون الخارجيون.
توضح هذه الحالات أن الذهب لا يعمل وحده كعامل عنف، بل يتحول إلى مصدر للصراع عندما يصبح الوصول إليه أسهل من الوصول إلى الاقتصاد الرسمي، فالجماعة المسلحة التي تسيطر على منطقة تعدين أو على طريق تهريب تستطيع تمويل عملياتها دون حاجة إلى بنية إدارية معقدة، كما أن الذهب يمنحها مرونة مالية؛ لأنه يمكن بيعه نقداً أو تهريبه أو استعماله في شراء السلاح والوقود والمعدات.

الاقتصاد السياسي لحروب الذهب وشبكات التهريب:

يتحول الذهب إلى جزء من اقتصاد الحرب عندما تصبح السيطرة عليه مصدراً للسلطة والتمويل، ولا تحتاج الجماعات المسلحة دائماً إلى إدارة المناجم مباشرة؛ فقد تكتفي بفرض ضرائب غير رسمية على العمال، أو التحكم في طرق النقل، أو توفير الحماية للتجار، أو تنظيم مرور الذهب عبر الحدود، وبذلك ينشأ اقتصاد موازٍ يربط مناطق التعدين النائية بمراكز تجارية إقليمية ودولية.
في بوركينا فاسو، تشير دراسات حديثة إلى أن تجارة الذهب غير المشروعة لا تعمل خارج السياسة تماماً، بل تتداخل مع شبكات حماية وترتيبات محلية تشمل تجاراً ومسؤولين وفاعلين أمنيين[5]، وهذا يعني أن الاقتصاد الموازي لا ينتج فقط عن غياب الدولة، بل قد ينتج أيضاً عن حضورها الانتقائي أو فساد بعض أجهزتها، فالمشكلة ليست دائماً في أن الدولة غائبة، بل في أن بعض ممثليها قد يصبحون جزءاً من شبكات الاستفادة من الذهب غير المشروع.
في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، يرتبط الذهب بتوسع الجماعات المسلحة وشبكات التهريب في الساحل، وقد قدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن بوركينا فاسو ومالي والنيجر وموريتانيا أنتجت معاً نحو 228 طناً من الذهب سنة 2021، بقيمة تفوق 12.6 مليار دولار[6]، هذا الرقم يوضح حجم الاقتصاد الذي قد يتحول، في غياب الرقابة، إلى مصدر تمويل للعنف. ولا يعني ذلك أن كل الذهب المنتج في هذه الدول غير مشروع، لكنه يكشف حجم المورد الذي تتنافس عليه الدولة والجماعات المسلحة والمهربون.
في السودان، أصبحت علاقة الذهب بالحرب أكثر وضوحاً بعد اندلاع الصراع سنة 2023، فقد ارتبطت قوات الدعم السريع، قبل الحرب وأثناءها، بشبكات ذهب في دارفور ومناطق أخرى، بينما حاولت الدولة والجيش الحفاظ على السيطرة على موارد تصديرية حيوية، وتشير تحليلات بحثية إلى أن الذهب السوداني لا يمول الفاعلين المحليين فقط، بل يدخل أيضاً في شبكات إقليمية معقدة تشمل طرق تصدير وتهريب عبر مراكز تجارية خارجية[7]، وهنا يظهر الذهب كوسيلة لتمويل الحرب وكأداة لبناء تحالفات خارجية في الوقت نفسه.
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، خصوصاً في شرق البلاد، يعمل الذهب ضمن اقتصاد ميليشياوي طويل الأمد، وقد بينت سارة جينين أن محاولات اعتماد “معادن خالية من النزاع” في جنوب كيفو اصطدمت بتعدد السلطات المحلية، وضعف الدولة، وتداخل الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي[8]، أما في جمهورية إفريقيا الوسطى، فيرتبط الذهب ببيئة دولة هشة، وبحضور جماعات مسلحة وشركات أمنية خاصة وفاعلين خارجيين، ما يجعل قطاع التعدين جزءاً من ترتيبات أمنية وسياسية لا تخضع دائماً للشفافية.

الفاعلون الدوليون والتنافس الجيوسياسي على الذهب الإفريقي:
لم تعد حروب الذهب في إفريقيا شأناً محلياً أو إقليمياً فقط، بل أصبحت جزءاً من تنافس دولي أوسع على المعادن والنفوذ، فالذهب يتيح للفاعلين الخارجيين بناء علاقات أمنية واقتصادية خارج القنوات التقليدية، خصوصاً في الدول التي تعاني من العزلة أو العقوبات أو ضعف المؤسسات، لذلك لا يمكن فهم اقتصاد الذهب الإفريقي دون النظر إلى أدوار روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى مراكز تجارة الذهب مثل الإمارات وسويسرا والهند وتركيا.
بالنسبة لروسيا، يبرز الذهب ضمن علاقة أوسع بين الأمن والموارد، فقد ارتبط الحضور الروسي في إفريقيا الوسطى والسودان ومالي بتقديم الدعم الأمني أو العسكري مقابل امتيازات سياسية واقتصادية، من بينها الوصول إلى موارد التعدين في بعض الحالات، ولا يعني ذلك أن كل الحضور الروسي في إفريقيا قائم على الذهب، لكنه يوضح أن الموارد الطبيعية أصبحت جزءاً من أدوات النفوذ الروسي غير التقليدية في الدول الهشة.
أما الصين فتتحرك غالباً عبر الشركات والاستثمارات والبنية التحتية وسلاسل التوريد، ورغم أن اهتمامها يتركز أكثر على معادن مثل النحاس والكوبالت والليثيوم، فإن الذهب يبقى جزءاً من البيئة العامة للتنافس على الموارد الإفريقية، في المقابل، تركز الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على العقوبات، العناية الواجبة، تتبع سلاسل التوريد، ومنع وصول ذهب النزاعات إلى الأسواق الدولية، لكن فعالية هذه السياسات تبقى محدودة عندما تكون مناطق الإنتاج خارج سيطرة الدولة أو عندما توجد شبكات تهريب قادرة على إعادة إدخال الذهب في الأسواق القانونية.
تلعب الإمارات وسويسرا والهند وتركيا أدواراً مهمة في تجارة الذهب، بوصفها مراكز للتكرير أو إعادة التصدير أو الاستهلاك. وقد قدرت منظمة SWISSAID أن 435 طناً على الأقل من الذهب خرجت من إفريقيا دون تصريح سنة 2022، بقيمة تقارب 31 مليار دولار، وأن جزءاً كبيراً من الذهب غير المصرح به يتجه إلى عدد محدود من المراكز التجارية[9]، ورغم أن هذه الأرقام تقديرية، فإنها تكشف فجوة واسعة بين الإنتاج الفعلي والتجارة الرسمية، وتطرح أسئلة حول مسؤولية مراكز الاستيراد والتكرير في التحقق من مصدر الذهب.
أما الشركات متعددة الجنسيات فتؤدي دوراً مزدوجاً. فمن جهة، يمكن أن توفر الاستثمار والتكنولوجيا والوظائف والإيرادات الضريبية. ومن جهة أخرى، قد تعمل في بيئات ضعيفة الحوكمة، حيث تتحول العلاقة بين الشركات والدولة والمجتمعات المحلية إلى مصدر للتوتر. وفي كثير من الأحيان، لا تكفي المعايير الدولية وحدها لضبط القطاع إذا لم تكن هناك مؤسسات محلية قادرة على تطبيقها.
تداعيات حروب الذهب على الدولة والأمن الإقليمي:
تؤثر حروب الذهب في بناء الدولة؛ لأنها تسحب جزءاً من الموارد خارج سلطة المؤسسات الرسمية، فعندما تفقد الدولة القدرة على ضبط المناجم وطرق التصدير، فإنها لا تخسر الإيرادات فقط، بل تخسر أيضاً جزءاً من سيادتها على الأرض والسكان والحدود. وفي المناطق التي تسيطر عليها جماعات مسلحة، تصبح هذه الجماعات قادرة على فرض الضرائب وتوفير الحماية وتنظيم النشاط الاقتصادي بالقوة، وهو ما يضعف شرعية الدولة أمام السكان المحليين.
كما تؤثر حروب الذهب في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، فالذهب يوفر مورداً مالياً يصعب قطعه؛ لأنه لا يحتاج إلى بنية تحتية كبيرة، ويمكن نقله بكميات صغيرة وبيعه في أسواق متعددة، كما يتداخل تهريب الذهب غالباً مع تهريب السلاح والوقود والبشر، ما يجعل الشبكات الإجرامية أكثر تعقيداً وقدرة على التكيف، لذلك لا يمكن مواجهة تمويل الجماعات المسلحة عبر أدوات مصرفية فقط؛ لأن جزءاً من التمويل يتحرك في اقتصاد نقدي ومعدني خارج النظام المالي الرسمي.
على المستوى التنموي، يخلق الذهب مفارقة واضحة، فالدول الغنية بهذا المعدن قد تبقى فقيرة في الإيرادات العامة إذا خرج جزء كبير من الإنتاج عبر التهريب، كما أن التعدين الحرفي غير المنظم قد يؤدي إلى تدهور بيئي، واستعمال مواد خطرة مثل الزئبق، ونزاعات محلية حول الأرض والماء، ومع ذلك، لا يمكن معالجة المشكلة عبر القمع وحده، لأن التعدين الحرفي يمثل مصدر دخل لملايين الأشخاص؛ لذلك فإن الحل يتطلب إدماج هذا القطاع تدريجياً في الاقتصاد الرسمي بدل دفعه نحو مزيد من السرية.
مستقبلاً، يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية:
الأول هو استمرار اقتصاد الذهب الموازي، حيث تبقى الدولة عاجزة عن ضبط الإنتاج والتهريب، الثاني هو عسكرة قطاع الذهب أكثر، خاصة إذا وسعت الأنظمة العسكرية أو الشركات الأمنية الخاصة سيطرتها على المناجم،
الثالث هو تدويل الرقابة والعقوبات، عبر ضغوط دولية على شبكات الذهب المرتبطة بالحروب،
أما الرابع فهو إصلاح تدريجي يقوم على تقنين التعدين الحرفي، تحسين الشفافية، وبناء سلاسل توريد مسؤولة.
الخاتمة:
توضح هذه الدراسة أن الذهب في إفريقيا جنوب الصحراء لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح في عدد من الحالات جزءاً من الاقتصاد السياسي للصراعات المسلحة. فضعف الدولة، انتشار التعدين الحرفي، ارتفاع الأسعار العالمية، سهولة التهريب، وتدخل الفاعلين الخارجيين، كلها عوامل حولت الذهب إلى مورد استراتيجي للجماعات المسلحة والاقتصادات الموازية.
وتتمثل النتيجة الأساسية في أن الذهب لا يسبب الحروب وحده، لكنه يمولها ويطيل أمدها ويعيد تشكيل شبكات السلطة داخلها. ففي السودان ومالي وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية، يظهر الذهب كعامل يزيد تعقيد الصراعات؛ لأنه يمنح الفاعلين المسلحين مصدراً مالياً مرناً يصعب تتبعه.
كما تكشف الدراسة أن معالجة حروب الذهب لا يمكن أن تتم فقط عبر المقاربة الأمنية، فإغلاق المناجم أو ملاحقة العمال الحرفيين قد يزيد الفقر ويدفع النشاط إلى السرية؛ لذلك يحتاج صناع القرار إلى سياسة متوازنة تقوم على تقنين التعدين الحرفي، دعم المجتمعات المحلية، مراقبة الوسطاء، تعزيز الشفافية، وتطوير أنظمة تتبع للذهب من المنجم إلى السوق.
وتوصي الدراسة ببناء قواعد بيانات دقيقة حول إنتاج وتصدير الذهب، وفرض رقابة أشد على مراكز الشراء والتصدير، وتطوير برامج لإدماج التعدين الحرفي في الاقتصاد الرسمي، وربط التعاون الدولي في قطاع الذهب بمعايير حقوق الإنسان والحوكمة، فالذهب يمكن أن يكون مورداً للتنمية إذا حُكم بشكل رشيد، لكنه قد يبقى وقوداً للحرب إذا تُرك في يد الاقتصاد الموازي والجماعات المسلحة.
…………………………………………………………..
[1] Philippe Le Billon, “The Political Ecology of War: Natural Resources and Armed Conflicts,” Political Geography 20, no. 5 (2001): 561–584.
[2] Michael L. Ross, “How Do Natural Resources Influence Civil War? Evidence from Thirteen Cases,” International Organization 58, no. 1 (2004): 35–67.
[3] Paul Collier and Anke Hoeffler, “Greed and Grievance in Civil War,” Oxford Economic Papers 56, no. 4 (2004): 563–595.
[4] Nicolas Berman et al., “This Mine Is Mine! How Minerals Fuel Conflicts in Africa,” American Economic Review 107, no. 6 (2017): 1564–1610.
[5] Fritz Brugger and Christoph H. Stefes, “Unravelling the Nexus of Illicit Gold Trade, Protection Rackets, and Political Settlement Dynamics: Evidence from Burkina Faso,” World Development 181 (2024).
[6] UNODC, “Gold Trafficking in the Sahel,” 2025.
[7] Ahmed Soliman, “Gold and the War in Sudan,” Chatham House, March 2025.
[8] Sara Geenen, “Débrouillardise: Certifying ‘Conflict-Free’ Minerals in a Context of Regulatory Pluralism in South Kivu, DR Congo,” Journal of Modern African Studies 53, no. 2 (2015): 197–218.
[9] SWISSAID, “On the Trail of African Gold: Quantifying Production and Trade to Combat Illicit Flows,” 2024.











































