أعلنت منظمة الصحة العالمية، تسجيل أول حالة شفاء مؤكدة من فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في تطور يُنظر إليه على أنه مؤشر إيجابي وسط تفشٍ واسع النطاق للمرض أودى بحياة المئات.
وجاء الإعلان، الجمعة، بالتزامن مع زيارة ميدانية أجراها المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، إلى البلاد، شملت العاصمة كينشاسا ومقاطعة إيتوري، مركز تفشي الوباء، حيث تعهد ببذل كل الجهود اللازمة لاحتواء انتشار المرض.
وقالت المنظمة إن أول مريض ثبتت إصابته بالفيروس وتماثل للشفاء غادر مركز العلاج وعاد إلى منزله بعد استكمال الإجراءات الطبية المطلوبة.
وفي هذا السياق، أوضحت الخبيرة في الأمراض النزفية الفيروسية بمنظمة الصحة العالمية، أناييس ليغاند، خلال إفادة صحفية في جنيف، أن المريض تعافى يوم الأربعاء وغادر المستشفى بعد حصوله على نتيجتين سلبيتين متتاليتين للفحص المخبري، مؤكدة أنه أول مصاب يُسمح له بمغادرة مركز الرعاية الصحية منذ الإعلان عن تفشي المرض الحالي.
الصحة العالمية: يمكن وقف تفشي إيبولا
ووصل المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، إلى كينشاسا مساء الخميس في زيارة تهدف إلى متابعة الجهود الميدانية لمكافحة المرض، قبل أن يتوجه إلى مقاطعة إيتوري في شمال شرق البلاد، حيث تتركز غالبية الإصابات.
وأكد تيدروس أن تفشي إيبولا الحالي “يمكن احتواؤه والسيطرة عليه”، مشددًا على أن النجاح في ذلك يتطلب تعاونًا وثيقًا بين السلطات الوطنية والشركاء الدوليين والمجتمعات المحلية.
وقال: “يمكن وقف هذا التفشي”، مضيفًا أن المنظمة لا تؤيد فرض قيود على السفر باعتبارها وسيلة فعالة لمواجهة انتشار المرض، موضحًا أن مثل هذه الإجراءات لا تحقق نتائج كبيرة في الحد من انتقال العدوى. وأضاف: “معًا سنتغلب على هذا التفشي”، متعهدًا بتقديم كل أشكال الدعم الممكنة للسلطات الصحية في البلاد.
أكثر من ألف إصابة محتملة ومؤكدة
وبحسب أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية حتى 24 مايو الجاري، فقد جرى تسجيل 10 وفيات مؤكدة مرتبطة بإيبولا و223 وفاة مشتبهًا بها منذ الإعلان عن تفشي المرض في منتصف الشهر نفسه.
كما أشارت المنظمة إلى رصد أكثر من ألف حالة مؤكدة ومشتبه بإصابتها بالفيروس، محذرة من أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير من الإحصاءات الحالية بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة ومحدودية قدرات الرصد في عدد من المواقع.
ويُعد هذا التفشي السابع عشر لفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة وشهدت خلال العقود الماضية موجات متكررة من المرض.
النزاعات المسلحة تعقّد جهود المكافحة
وينتشر الوباء حاليًا في ثلاث مقاطعات داخل البلاد، إلا أن مقاطعة إيتوري الواقعة شمال شرقي الكونغو الديمقراطية تبقى البؤرة الرئيسية للتفشي.
وتجاور إيتوري كلاً من أوغندا وجنوب السودان، كما تشهد حركة تنقل كثيفة بسبب نشاط التعدين، لا سيما استخراج الذهب، وهو ما يزيد من احتمالات انتقال العدوى بين المناطق والدول المجاورة.
وتواجه فرق الاستجابة الصحية تحديات إضافية نتيجة استمرار الاشتباكات المسلحة بين جماعات محلية متنافسة، الأمر الذي يحد من قدرة الطواقم الطبية على الوصول إلى بعض المناطق المتضررة.
وامتد انتشار الفيروس أيضًا إلى مقاطعتي شمال كيفو وجنوب كيفو، حيث تسيطر حركة “23 مارس” المسلحة على مساحات واسعة من الأراضي منذ عام 2021، في ظل تصاعد حدة المواجهات خلال الأشهر الأخيرة.
دعوة إلى وقف إطلاق النار
وفي رسالة مباشرة إلى الأطراف المتحاربة في شرق الكونغو الديمقراطية، دعا تيدروس إلى وقف الأعمال القتالية من أجل تسهيل الاستجابة الصحية.
وقال إن النزاع المسلح وحركات النزوح الواسعة تجعل التصدي للمرض أكثر صعوبة، مضيفًا: “أوجه نداءً مباشرًا إلى جميع الأطراف المتحاربة: أرجوكم أعلنوا وقفًا لإطلاق النار”.
وأضاف أن أي خلافات أو نزاعات سياسية لا يمكن أن تبرر تعريض المدنيين لخطر الوفاة بسبب مرض يمكن الحد من آثاره من خلال التدخلات الصحية المناسبة.
سباق لتطوير لقاح ضد سلالة بونديبوغيو
ولا يتوفر حتى الآن لقاح أو علاج معتمد لسلالة “بونديبوغيو” من فيروس إيبولا، وهي السلالة المسؤولة عن التفشي الحالي في الكونغو الديمقراطية.
لكن رئيس المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، جان كاسيا، أعرب عن تفاؤله بإمكانية توفير لقاح فعال ضد هذه السلالة قبل نهاية العام الجاري.
وقال خلال مؤتمر صحفي عبر تقنية الفيديو إن الحكومات الإفريقية مستعدة للاستثمار في الجوانب العلمية والتقنية والاستراتيجية اللازمة لتطوير اللقاح وضمان إنتاجه وتوفيره.
كما أعلنت منظمة الصحة العالمية أن لجانها الاستشارية أوصت بإجراء تجارب سريرية على لقاحات وعلاجات واعدة قد تساعد في مكافحة سلالة بونديبوغيو، مؤكدة أنها ستعمل بالتنسيق مع الكونغو الديمقراطية وأوغندا لتسهيل عمليات التقييم والبحث.
مساعدات دولية وإجراءات احترازية
وأفادت منظمة الصحة العالمية بوصول 4.6 أطنان من الإمدادات الطبية واللوجستية إلى مطار بونيا، عاصمة مقاطعة إيتوري، لدعم جهود الاستجابة الميدانية.
من جهتها، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنها تستعد لإرسال نحو 100 طن من المساعدات الإنسانية والصحية إلى المناطق المتضررة.
وفي الإطار ذاته، أعلنت أوغندا، التي سجلت حالة وفاة مؤكدة وست إصابات أخرى مرتبطة بالفيروس، إغلاق حدودها مع جمهورية الكونغو الديمقراطية كإجراء احترازي للحد من انتقال العدوى.
أما الولايات المتحدة فأكدت أنها لن تسمح بدخول أي شخص مصاب بإيبولا إلى أراضيها، فيما تعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على افتتاح مركز علاجي في كينيا مخصص للمواطنين الأمريكيين المصابين بالفيروس.
وأثار المشروع نقاشًا داخل كينيا، حيث تقدمت منظمة حقوقية بطلب قضائي لتقليص نشاط أي منشأة من هذا النوع، بينما حذر مسؤولون صحيون من أن تشغيل مركز متخصص قد يفرض ضغوطًا إضافية على النظام الصحي الكيني.
وخلال العقود الخمسة الماضية، تسبب فيروس إيبولا في وفاة أكثر من 15 ألف شخص في أفريقيا. ويظل التفشي الذي شهدته جمهورية الكونغو الديمقراطية بين عامي 2018 و2020 الأكثر فتكًا في تاريخ البلاد، بعدما أودى بحياة نحو 2300 شخص من أصل 3500 إصابة مسجلة.
نقلا عن











































