تواصل الصين توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في القارة الإفريقية، عبر إطلاق مبادرات تجارية جديدة وتعزيز شراكاتها مع عدد من الدول الإفريقية، وفي مقدمتها الغابون، التي باتت تمثل إحدى المحطات المهمة في استراتيجية بكين داخل وسط إفريقيا.
وفي هذا السياق، نظّمت سفارة بكين لدى ليبرفيل، الثلاثاء، مؤتمرًا صحفيًا بالعاصمة ليبرفيل، بحضور مسؤولين حكوميين وبرلمانيين ودبلوماسيين وإعلاميين غابونيين، بهدف عرض التوجهات الدبلوماسية الجديدة لبكين، إلى جانب التعريف بالفرص الاقتصادية التي توفرها السياسة التجارية الجديدة تجاه الدول الإفريقية.
مؤتمر ليبرفيل والتوجهات الصينية الجديدة
شهدت العاصمة الغابونية ليبرفيل انعقاد مؤتمر صحفي نظمته سفارة بكين، بمشاركة ممثلين عن الرئاسة والبرلمان والوزارات القطاعية ومستشارين دبلوماسيين ووسائل الإعلام المحلية، في خطوة هدفت إلى توضيح ملامح السياسة الخارجية الصينية الجديدة تجاه إفريقيا.
وركزت المناقشات على تعزيز التحالفات الدولية للصين، إضافة إلى استعراض الفرص التجارية والاستثمارية التي تتيحها بكين للدول الإفريقية، خصوصًا بعد دخول سياسة الإعفاء الجمركي الجديدة حيّز التنفيذ مطلع مايو الجاري.
وأكد المسؤولون خلال اللقاء أن بلادهم تسعى إلى تطوير شراكات قائمة على “المنفعة المتبادلة” مع الدول الإفريقية، مع التركيز على توسيع مجالات التجارة والاستثمار والتعاون التنموي.

بكين توسع تحالفاتها الدولية
وخلال المؤتمر، استعرض السفير الصيني لدى ليبرفيل، تشو بينغ، أبرز التحركات الدبلوماسية الأخيرة للرئيس شي جين بينغ، مشيرًا إلى زيارات رسمية رفيعة المستوى شهدتها بكين خلال مايو الجاري.
وأوضح أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب زار بلاده بين 13 و15 مايو الجاري، حيث ناقش مع شي جين بينغ ملفات العلاقات الصينية-الأمريكية وقضايا الأمن والتنمية العالميين.
وأضاف أن الجانبين أكدا أهمية الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي وتعزيز الحوار في المجالات السياسية والتجارية والعسكرية، في ظل التوترات الدولية المتزايدة.
كما أشار سفير بكين إلى زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لبكين يومي 19 و20 مايو الجاري، والتي أسفرت عن توقيع عدة بيانات مشتركة وإبرام نحو عشرين اتفاقية تعاون شملت قطاعات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا الحديثة.
إعفاء جمركي لـ53 دولة إفريقية
ومن أبرز الملفات التي طُرحت خلال المؤتمر، إعلان بكين بدء تنفيذ سياسة الإعفاء الجمركي الكامل على عدد من المنتجات القادمة من 53 دولة إفريقية، اعتبارًا من الأول من مايو 2026.
وتشمل هذه الإجراءات عدة منتجات زراعية ومعدنية إفريقية، ستتمكن من دخول السوق الصينية دون رسوم جمركية، في خطوة تهدف إلى تعزيز المبادلات التجارية ودعم الاقتصادات الإفريقية.
وتقول بكين إن هذه السياسة تأتي ضمن جهودها لدعم التنمية الاقتصادية في إفريقيا، وتشجيع الصادرات الإفريقية نحو السوق الصينية التي تعد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
كما تسعى من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز حضورها التجاري في القارة، في وقت تتزايد فيه المنافسة الاقتصادية بين القوى الدولية على إفريقيا.
رهانات ليبرفيل على بكين
بالنسبة إلى الغابون، تمثل السياسة التجارية لبكين الجديدة فرصة مهمة لتنويع الاقتصاد الوطني وزيادة حجم الصادرات، خصوصًا في ظل سعي البلاد إلى تقليص الاعتماد على قطاع النفط وتعزيز قطاعات الإنتاج الأخرى.
وأكد مسؤولون من البلدين أن فرقًا فنية من الجانبين تعمل حاليًا على تنفيذ آليات الاستفادة من الإعفاءات الجمركية وفق قواعد منظمة التجارة العالمية.
ويهدف التعاون الجديد إلى تشجيع الاستثمارات الصينية داخل الغابون، ودعم عمليات التصنيع المحلي، وتطوير التبادل التجاري بين البلدين.
ويرى خبراء اقتصاديون أن السوق الصينية قد توفر لليبرفيل منفذًا مهمًا لتسويق منتجاتها الزراعية والمعدنية، خاصة مع تزايد طلب بكين على المواد الخام والمنتجات الإفريقية.
دعم التنمية الإفريقية
من جهتها، شددت المستشارة الاقتصادية والتجارية بسفارة بكين، وانغ تسوي، على الأهمية الاستراتيجية لهذه المبادرة بالنسبة للاقتصادات الإفريقية.
وقالت إن الإجراء الجديد يمثل “آلية للتبادل الحر مع إفريقيا”، مضيفة أنه يفتح “قناة مباشرة نحو السوق الصينية”، ويساهم في دعم التنمية الاقتصادية للدول الإفريقية.
كما اعتبرت أن الغابون ستكون من بين الدول القادرة على الاستفادة من هذه السياسة عبر زيادة صادراتها وتنويع اقتصادها بشكل أكبر.
وأكدت أن بكين لا تنظر إلى إفريقيا باعتبارها مجرد سوق للمواد الخام، بل كشريك اقتصادي واستثماري طويل الأمد، في إطار رؤية تقوم على توسيع التعاون المشترك وتحقيق التنمية المتبادلة.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت بكين أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين للدول الإفريقية، حيث ضخت استثمارات ضخمة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والتعدين والاتصالات.
وتسعى بكين إلى تعزيز هذا الحضور عبر مبادرات متعددة، أبرزها الحزام والطريق، التي تهدف إلى ربط بكين بشبكات تجارية واستثمارية تمتد عبر آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وفي المقابل، تواجه بكين انتقادات غربية متزايدة تتعلق بتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في القارة الإفريقية، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بارتفاع مستويات الديون في بعض الدول الإفريقية.
إلا أن العديد من الحكومات الإفريقية ترى في الشراكة مع بكين فرصة للحصول على التمويل والاستثمارات وتنفيذ مشاريع البنية التحتية التي تحتاجها اقتصاداتها.
نقلاً عن:











































