تتكرر أزمة تداعيات الأزمات والحروب في الشرق الأوسط على القارة الإفريقية بشكل مثير للاهتمام؛ وبعد أن كانت هذه التداعيات محدودة جغرافيًّا واقتصاديًّا قبل سبعة عقود مع وقوع حرب السويس (1956م)، ثم تزايدت بشكل أكبر خلال الفترة 1967- 1973م، ووصلت ذروة جديدة في ثمانينيات القرن الماضي مع تزامن أزمة الديون الإفريقية مع ارتفاعات أسعار الطاقة المتركزة في الشرق الأوسط؛ عادت هذه التداعيات لتطل على القارة السمراء عقب وقوع الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران نهاية فبراير 2026م، الأمر الذي يشير إلى دورة متكرّرة من التهميش واستمرار هشاشة الاقتصادات الإفريقية على نحوٍ لا يمكن تبريره بعد نحو سبعة عقود من الاستقلال وبناء دولة ما بعد الاستعمار.
يتناول المقال الأول لمحة عن أثر أزمة الشرق الأوسط على اقتصادات إفريقيا؛ بينما يتناول المقال الثاني تداعيات هذه الأزمن الاقتصادية في شرق إفريقيا على وجه الخصوص؛ أما المقال الثالث والأخير فإنه يتجه وجهة أكثر تحديدًا بتناول هذه التداعيات وأثرها على قطاع التصنيع في جنوب إفريقيا على نحو غير مباشر بطبيعة الحال.
أزمة الشرق الأوسط تختبر الاقتصادات الإفريقية([1]) :
بعد أداء قويّ في العام 2025م تُواجه الاقتصادات الإفريقية تهديدًا جديدًا؛ ألا وهو الحرب في الشرق الأوسط. ويُحذّر بنك التنمية الإفريقي من أن هذه الحرب قد تُكلِّف القارة ما يصل إلى 1.5% نقطة في النمو هذا العام. وهناك دول ذات هشاشة خاصة مثل الدول المستوردة للوقود مثل مالاوي وسيراليون وإثيوبيا تُواجه حزمة واحدة معًا من ارتفاع تكاليف المعيشة وميزان تجاري أضعف وتمويل أكثر صعوبة بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي. ويقول أمادو سي Amadu Sy، المدير المساعد في قسم إفريقيا بصندوق النقد الدولي، في لقاء تليفزيوني أخير أن الأمر يتضح في مأزق الطاقة في جنوب إفريقيا والصناعة في بنين.
مأزق الطاقة في جنوب إفريقيا:
كانت جنوب إفريقيا تُعوِّل بقوة على الطاقة المتجددة؛ لضمان مستقبل الطاقة بها. لكنّ حرب إيران يمكن أن تجبرها على إعادة التفكير في ذلك.
ولا يزال الاقتصاد الصناعي الأكثر تطورًا في إفريقيا يعتمد على الفحم للحصول على أكثر من نصف موارد طاقته.
ومع الاضطراب في أسواق الطاقة العالمية؛ فإن المحللين يرون أن بريتوريا سوف تُبطِّئ على الأرجح من انتقالها إلى طاقة أنظف من أجل حماية حدودها الصناعية.
رهان بنين الصناعي:
تُعدّ بنين الآن أكبر مُنتِج إفريقي للقطن، وتقوم بحصاد أكثر من 720 ألف طن من القطن سنويًّا منذ العام 2021م.
وطوال سنوات كان يتم شحن المحصول كمادة خام إلى بنغلاديش. لكنْ لم يعد الأمر كذلك بعد الآن.
وتقوم بنين بصناعة الملابس الجاهزة والمنسوجات على أرضها؛ الأمر الذي يجعل قطاع المنسوجات في صلب تحوُّلها الصناعي الجديد.
حرب إيران تكشف هشاشة إفريقيا أمام صدمات الطاقة العالمية([2]) :
تتجاوز تداعيات الصراعات العالمية في الغالب الأقاليم المباشرة التي تقع بها، كما في حالة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الجارية على إيران. وعلى سبيل المثال؛ فإن غلق مضيق هرمز، الذي يمر خلاله نحو 20% من تدفقات البترول العالمية، أدَّى إلى ارتفاع أسعار الخام إلى نحو 100 دولار للبرميل ووقود الطائرات فوق 200 دولار.
وقد ضاعَف الضرر الذي لحق بالبنية الأساسية الطاقوية في دول الخليج العربي، بما في ذلك مرافق الغاز الطبيعي المسال في قطر، من أثر هذه الصدمة. ورغم بُعْد المسافة فإن شرق إفريقيا تُواجه هذه الآثار عبر أعباء طاقوية أعلى واضطراب في حركة التجارة والملاحة الجوية، واضطراب سلاسل إمداد الغذاء. وثمة مخاطر إضافية مشتقة من عدم الاستقرار في طرق الملاحة الرئيسة مثل البحر الأحمر وقناة السويس، الأمر الذي يمكن أن يفرض التفافات مُكلّفة للغاية حول إفريقيا.
هشاشة شرق إفريقيا أمام صدمات الطاقة العالمية:
يُلاحَظ أنه على الرغم من وجود عدد من الدول الإفريقية المُصدِّرة للبترول -مثل نيجيريا والجزائر وأنجولا وليبيا-؛ إلا أن أغلب الدول الإفريقية في عداد المستورد الخالص لمنتجات البترول المُكرَّرة. وتتركهم هذه التبعية في حساسية خاصة إزاء التغيُّرات في أسعار الطاقة العالمية. وتُواجه شرق إفريقيا على وجه الخصوص انكشافًا واضحًا. وحتى مع الزيادة الملموسة في الإقليم في الأداء الاقتصادي وضخامة عدد سكانه؛ فإن القدرة الواضحة على تكرير موارد الطاقة تتراجع. إذ تملك إفريقيا أكثر من 125 بليون برميل من احتياطات البترول، وأكثر من 18 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، ونحو 40% من مُقدَّرات موارد الطاقة المتجددة. وتملك شرق إفريقيا وحدها احتياطات حالية من خام البترول المؤكدة تُقدَّر عند 4.7 تريليون برميل، وفقًا لمفوضية الطاقة الإفريقية African Energy Commission (AFREC) تتركز في جنوب السودان، والسودان، وأوغندا، وكينيا. غير أن هذه الاحتياطيات لا تمثل سوى 0.3% من إجمالي الاحتياطيات العالمية المؤكدة وحوالي 4% فقط من إجمالي الاحتياطيات الإفريقية.
وبالرغم من هذه الموارد فإن جنوب السودان والسودان ينتجان وحدهما نحو 189 ألف برميل يوميًّا من البترول الخام، ويُنتجان كميات كبيرة. ويمثل ذلك 0.2% من الإنتاج العالمي ونحو 3% من الناتج الإفريقي. وزادت الحروب الأهلية في البلدين من قيود الإنتاج القائمة أصلًا، وحدَّت من جهود تنمية البنية الأساسية.
إقليم بلا مصافي طاقوية:
يُواجه إقليم شرق إفريقيا تحديًا رئيسًا في إمدادات الوقود الرئيسة؛ بسبب محدودية قدرتها على تكرير موارد الطاقة. وعلى الرغم من أن قدرة الإقليم نظريًّا تبلغ نحو 263 ألف برميل في اليوم؛ إلا أن قسمًا صغيرًا للغاية من هذا الناتج يتم استهلاكه، وهذا لا يغطّي إلا 36% من حاجات الإقليم، تاركًا اعتمادًا مستمرًّا على الواردات. ويرجع هذا النقص إلى عقود من تدهور البنية الأساسية، وإغلاق عدد من المصافي في دول مثل إريتريا وتنزانيا وكينيا. واليوم فإن السودان وجنوب السودان وحدهما هما اللذان يملكان مصافي لتكرير البترول في الإقليم.
ارتفاع أسعار الوقود في شرق إفريقيا:
لقد انعكست آثار الصراع بالفعل في أسواق الوقود الإقليمية. وبسبب ارتفاع الأسعار ونقص المتوفر من البترول؛ نصح رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد” مواطنيه باستخدام الوقود باقتصاد كبير ووضع أولوية للأغراض الأساسية. وأخيرًا، وجَّهت الحكومة جميع المؤسسات العامة والمؤسسات المملوكة للدولة بمنح إجازة سنوية لموظفيها غير الأساسيين في محاولة لتخفيف وطأة نقص الوقود التي تخنق حركة النقل عبر أرجاء البلاد.
وتستهلك إثيوبيا وحدها نحو 104 آلاف برميل من الوقود يوميًّا، وفقًا لإحصاءات الطاقة الدولية، وهو ما يعادل 37- 44 مليون برميل من البترول سنويًّا. وتنفق إثيوبيا أكثر من 4.2 بليون دولار سنويًّا على واردات الوقود، والذي يأتي أغلبه من دول شرق أوسطية. وفي أديس أبابا يُوصَف الوضع بأنها حاويات فارغة، وأيام صعبة بالنسبة لمدينة في حالة حركة.
أما في كينيا فإن أسعار الوقود لم ترتفع بعدُ بشكلٍ حادّ، لكنّ مثل هذه الزيادة متوقعة. وقد اتهم سكرتير الحكومة للطاقة والبترول أوبيو وانداي Opiyo Wandayi شركات تسويق البترول بادخار الوقود، وهي جريمة اقتصادية تبلغ غرامتها الدنيا مليون شلن كيني (في حدود 7- 8 آلاف دولار أمريكي).
ومما زاد الأمر سوءًا فإن 65% من صادرات الشاي الكينية تُوجَّه لأسواق متأثرة بالحرب، ولا تزال حركة سفن الشحن عالقة. كما أن كينيا مصدر كبير للحوم لدول الخليج العربي؛ حيث يكون الطلب عليها مرتفعًا خلال عيد الأضحى، لكن لا تتوافر حاليًّا رحلات جوية لهذا الغرض. ويتوقع أن تتضاعف تكلفة شحن الأضاحي من كينيا (ميناء ممباسا) إلى سلطنة عمان في الشهر المقبل. وذكر مجلس الزهور الكيني Kenya Flower Council، وهو منظمة قطاع خاص تُمثّل مزارعي ومُصدّري الزهور المقطوعة والعطور في كينيا، أن الصراع الحالي قد أدّى إلى خسائر تفوق 4.2 مليون دولار على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية.
أما في تنزانيا فقد وضعت هيئة تنظيم استخدام الطاقة والمياه سعرًا جديدًا للبترول بقيمة تعادل 1.49 دولار للتر في دار السلام، ارتفاعًا بنسبة 33% مقارنةً بمستوى الأسعار في مارس. كما ارتفعت أسعار الوقود في الصومال أربعة أضعاف بسبب اضطرابات سلسلة الإمداد، وارتفاع تكلفة السلع الأساسية والنقل. وزادت أسعار البترول في مقديشو بنحو 10 سنتات يوميًّا؛ إذ زادت من نحو 0.65 دولار للتر إلى أكثر من 1.15 دولار للتر.
وفي رواندا يُتوقّع أن يكون أثر الحرب محسوسًا بشكل أكبر في غضون أسابيع إذا استمرت ارتفاعات الأسعار كما هي حاليًّا. كما تشهد العديد من اقتصادات هذه الدول ضغوطًا على العُملة ومحدودية احتياطات العملة الأجنبية؛ مما يجعل مسألة استيراد الوقود أمرًا أكثر تكلفة.
أسواق الأسمدة والأمن الغذائي:
يمكن أن يؤثر الصراع أيضًا على الزراعة عبر أسواق الأسمدة العالمية. ووفقًا لبيانات من الاتحاد الدولي للأسمدة International Fertiliser Associationوبنك التنمية الإفريقي؛ فإن واردات إفريقيا من الأسمدة تبلغ حوالي 30- 35 مليون طن سنويًّا. وبينما تنتج دولٌ مثل المغرب ومصر ونيجيريا والجزائر الأسمدة فإن أغلب دول القارة يعتمد على الواردات. وتمثل أسواق الطاقة ركنًا ركينًا في إنتاج الأسمدة. فالغاز النيجيري هو المُغذِّي الرئيسي المُستخدَم لإنتاج الأسمدة النتروجينية مثل اليوريا والأمونيا، لذا فإن زيادة أسعار الطاقة يُتَرْجَم في الغالب إلى تكاليف أعلى في الأسمدة.
ورغم ما سبق؛ فإن الأزمة الحالية فتحت فرصًا جديدة؛ إذ تحوّلت مصفاة دانجوتي للبترول في نيجيريا Dangote Petroleum Refinery، على سبيل المثال، وبسرعة من مستورد إلى مركز إنتاج إقليمي كبير، مع رفع قدرتها الكاملة إلى 650 ألف طن. وباعت المصافة مؤخرًا 12 حمولة، بلغت ما يقرب من 456 ألف طن من منتجات الطاقة المكررة، وأغلبها من البترول، إلى كلٍّ من ساحل العاج والكاميرون وتنزانيا وغانا وتوجو.
كما شهد ميناءا لامو وممباسا زيادة كبيرة في مرور السفن والحاويات بهما. ووفقًا لهيئة الموانئ الكينية Kenya Ports Authority (KPA) فإن ميناء لامو استقبل 74 سفينة حتى الآن في العام الجاري، وهو ما يقترب من ثلث عدد السفن التي رَسَتْ به منذ افتتاحه في العام 2021م. وفي تناقض واضح، فإنه استقبل في الربع الأول من العام الماضي سفينتي شَحْن فقط.
وعلى المدى الطويل، تحتاج إفريقيا إلى استخدام مواردها من الطاقة المتجددة، وأن تستغل الموارد الطاقوية الموجودة، وأن تُؤسِّس مزيدًا من المصافي، وتُعزّز التجارة الإفريقية البينية.
كيف يمكن لانخفاض التصنيع أن يعرقل نمو جنوب إفريقيا الاقتصادي([3]):
يُلاحظ أنه مع تزايد الضغوط على القاعدة الصناعية، المتردية أصلاً، في جنوب إفريقيا بسبب الحرب في الشرق الأوسط؛ فإن الاقتصاد الجنوب إفريقي قد يشهد تباطؤًا أكبر في النمو.
ويُعدّ قطاع التصنيع مُحرّكًا رئيسيًّا للنمو الاقتصادي، ومن المفترض أن يكون مُحرّكًا أكبر للنمو. إضافة إلى ذلك فإن الإنفاق الاستهلاكي يُمثّل حاليًّا ما يقارب ثُلثي الناتج المحلي الإجمالي. بينما يُسهم الناتج الصناعي في خَلْق دائرة إيجابية، يُوفّر داخلها التصنيع نموًّا هيكليًّا ومستدامًا من خلال توفير فُرَص عمل عالية الجودة، وتحقيق التقدم التكنولوجي، وكذلك تحسين الميزان التجاري للبلاد.
وفي المقابل، يُحرِّك الإنفاق الاستهلاكي قطاع الخدمات بشكل أساسي (الذي يعتمد غالبًا على زيادة الديون)؛ مما قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات ديون المستهلكين، وهي مسألة غير مستدامة على المدى الطويل.
وكمؤشر على أهمية قطاع التصنيع، فإننا نجد أنه يُسهم بنحو 12% إلى 13% من الناتج المحلي الإجمالي، ويُوظِّف أكثر من 1.6 مليون شخص، أي ما يُعادل 9.4% من القوى العاملة في جنوب إفريقيا (وفق تقديرات 2025م، مع الأخذ في الاعتبار نسبة البطالة العالية في البلاد، والتي تقترب من ثلث سكان البلاد في الفئات القادرة على العمل). غير أن حصة قطاع التصنيع من الناتجي المحلي الإجمالي المذكورة تمثل انخفاضًا كبيرًا مقارنةً بفترة أوائل الثمانينيات على سبيل المثال؛ حيث كانت حصته في الاقتصاد تتجاوز حاجز 20%، مما يُشير إلى ضعف هيكلي طويل الأمد.
كما لا يزال هذا القطاع يُعاني من ركود. فقد انخفض إنتاج التصنيع بنسبة 2.8% على أساس سنوي في فبراير، وفقًا لهيئة الإحصاء في جنوب إفريقيا. وعلى أساس ربع سنوي حتى نهاية فبراير، انخفض الإنتاج بنسبة 2.0% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق؛ حيث سجّلت معظم القطاعات نموًّا سلبيًّا.
وعلى سبيل المثال، فقد حذّرت كبيرة الاقتصاديين في شركة إنفستيك Investic، أنابيل بيشوب Annabel Bishop، من أن التأثير الاقتصادي للحرب الجارية في الشرق الأوسط سيظهر جليًّا خلال الربع الثاني من العام الحالي. وتقول: إنه عندما قامت شركة إنفستيك بمراجعة توقعات الناتج المحلي الإجمالي لجنوب إفريقيا لعام 2026م لُوحِظَ أنه انخفض بنسبة 0.1% إلى 1.4% عقب اندلاع هذه الحرب “الخاطفة” في الشرق الأوسط، غير أن استمرارها خلال شهري أبريل ومايو قد يؤدي إلى انخفاض آخر بنسبة 0.1% بحسب توقعات بيشوب.
……………………………………….
[1] Middle East crisis tests African economies [Business Africa], Africa News, April 17, 2026 https://www.africanews.com/2026/04/16/middle-east-crisis-tests-african-economies-business-africa/
[2] Mohamed Kheir Omer, Iran War Exposes Africa’s Vulnerability to Global Energy Shocks, The Pan African Review, April 17, 2026 https://panafricanreview.com/iran-war-exposes-africas-vulnerability-to-global-energy-shocks/
[3] Nicola Mawson, How the manufacturing slump could further hinder South Africa’s economic growth, IOL, April 20, 2026 https://iol.co.za/business/economy/2026-04-20-how-the-manufacturing-slump-could-further-hinder-south-africas-economic-growth/











































