د. عربي ربيع عبد الحفيظ
أستاذ وباحث في القانون، كلية الحقوق والعلوم السياسية، الجزائر.
مقدمة:
تُعتبر «المراحل الانتقالية» أحد أصعب المخاضات السياسية التي تمر بها أي دولة تعرضت لأزمات في الحكم، وأثبتت التجارب أن تلك المراحل ليست مضمونة العواقب، فإما أن تعصف بالدولة؛ وإما أن تكون طوق نجاة للعودة إلى الحياة السياسية الطبيعية، فكل ذلك متوقف على حسن إدارة وتسيير الفترة الانتقالية.
وتزداد المرحلة الانتقالية صعوبةً في الدول ذات التركيبة الاجتماعية والعرقية والإثنية المعقدة على غرار دول منطقة غرب إفريقيا، إذ عرفت هذه المنطقة مؤخراً توترات سياسية وأمنية أجبرتها على الدخول في مراحل انتقالية، فدول: مالي وتشاد وبوركينا فاسو وغينيا تمر في آنٍ واحد بمراحل انتقالية كنتيجة حتمية للانقلابات العسكرية، التي قادتها نخب عسكرية تحت ذرائع مختلفة كتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وعدم الرضا عن تزايد التدخل الأجنبي في القرارات السياسية لتلك الدول.
إلا أن المخاوف من عدم نجاح الفترات الانتقالية في تلك الدول نابعة من مقومات المراحل في حدّ ذاتها التي تُعتبر مراحل كاشفة، وهو ما يجعلها عرضةً لتدخلات وإملاءات أجنبية تحاول فرض مراحل انتقالية حسب تصوراتها، ملغيةً بذلك خصوصية دول ومجتمعات المنطقة.
وعليه؛ فإن استمرار الفراغ الدستوري والابتعاد عن مقتضيات الشرعية الدستورية ليس في صالح دول المنطقة التي عليها أن تُحسن إدارة عامل الوقت لتحقيق العودة السريعة للنظام الدستوري، على نحوٍ يكفل لها تحقيق الاستقرار السياسي، ويجنبها عزلة وسخط المجتمع الدولي.
بناءً على ما تقدم؛ فإن موضوع الدراسة يعالج الإشكالية الآتية: ما مدى استجابة وتقيد المراحل الانتقالية بالأطر الدستورية في دول غرب إفريقيا؟
وقد تم تقسيم الدراسة إلى محورين:
المحور الأول: انعدام الغطاء الدستوري للمراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا.
المحور الثاني: إدارة وتسيير المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا.
المحور الأول: انعدام الغطاء الدستوري للمراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا:
تفتقد التجارب في دول غرب إفريقيا للغطاء الدستوري؛ لأن المراحل الانتقالية فيها لا تُعتبر نتيجة حتمية ومخرجات لظواهر دستورية صحّية[1]، فميلاد المرحلة الانتقالية في تلك النماذج ميلاد غير دستوري إذا ما قارّناه بتجارب دول شمال إفريقيا، التي شكّل فيها أسلوب الثورة والحراك الشعبي مساراً للتغيير، الذي يُصنف في الفقه الدستوري كأحد الأساليب غير المعتادة لنهاية الدساتير، بوصفه حركة تغيرية وعملاً جذرياً يرمي إلى تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في وطن من الأوطان[2]، ففي النموذج الجزائري مثلاً كانت المقدمات الدستورية هي العنوان البارز للمرحلة الانتقالية التي تلت الحراك الشعبي لسنة 2019م[3]، ذلك أن الضغوط الشعبية في تلك الفترة، وفي ظل عدم رضاها عن الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واعتراضها على مشروع وطموح رأس السلطة التنفيذية في الاستمرار في سدة الحكم مدة أطول، لم تحد عن الأطر الدستورية، بحيث دفعت بطريقة مرنة نحو تطبيق آلية الاستقالة المنصوص عليها في المادة 102[4] من التعديل الدستوري لسنة 2016م، فتمت ترجمة الحراك الشعبي إلى أداة دستورية، الأمر الذي أضفى الغطاء الشرعي والدستوري للمرحلة الانتقالية.
لكن؛ كيف يمكن تفسير افتقاد المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا للغطاء الدستوري؟
أولاً: الانقلابات العسكرية مقدمات غير دستورية:
تعرّت المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا والساحل الإفريقي من الغطاء الدستوري بسبب تبنيها لأسلوب الانقلابات العسكرية، إذ نجد أن هناك إجماعاً في أغلب الدساتير المقارنة على تصنيف «الانقلاب العسكري» ضمن الظواهر غير الدستورية، لذلك لا نجد لها أثراً أو تعريفاً تشريعياً في الوثائق الدستورية، وهو ما يعطي انطباعاً بأن هناك اعترافاً جماعياً بعدم شرعية الظاهرة، في حين نجد أن الفقه الدستوري أخذ على عاتقه مهمة تعريف هذا النوع من المقدمات غير الدستورية للمراحل الانتقالية بأنه: «استعانة فئة مدنية أو عسكرية بالقوة، وتجريد الفئة الشرعية الحاكمة من السلطة، بغضّ النظر عن شرعية الهدف من عدمه، سواء كان وضع حدٍّ لطموح رأس السلطة للبقاء مدة أطول في الحكم أو تغيير جذري للنظام القانوني القائم في البلد»[5].
بالعودة إلى لغة الأرقام؛ نقف على حقيقة استفحال ظاهرة الانقلابات العسكرية، إذ أضحت هذه الأخيرة علامة مسجلة باسم القارة الإفريقية ومنطقة غرب إفريقيا خصوصاً، فهذه الرقعة الجغرافية شهدت لوحدها في السنتين الأخيرتين أكثر من (10) انقلابات، كان آخرها انقلاب النيجر في 27 يوليو عام 2023م، بل وصل الأمر في كلٍّ من مالي وغينيا بيساو إلى حدّ اعتبار نجاح رئيس واحد في إتمام عهدته دون أن يتم الإطاحة به عبر الانقلاب نجاحاً دستورياً في المنطقة، فمن تبعات غياب الغطاء الدستوري للمراحل الانتقالية شيوع ظاهرة الانقلابات الدورية كبديل للانتخابات الدورية المنتظمة[6]، لتبرز ظاهرة الانقلابات المضادة بشدة في كلٍّ من مالي التي ما لبثت أن تعرضت لانقلاب في أغسطس/آب 2022م لتستفيق على وقع انقلابٍ آخر في مايو/ آيار 2021م[7]، ونفس الشيء بالنسبة لبوركينا فاسو التي شهدت في ظرف قصير انقلابين متتاليين؛ أولهما في يناير 2022م، وآخرهما في 30 سبتمبر 2022م، والذي قاده النقيب إبراهيم تراوري مطيحاً بحكومة بول هنري داميبا.
وفي هذا السياق؛ نورد الجدول التالي الذي يوضح عدد الانقلابات العسكرية في دول غرب إفريقيا، في الفترة الممتدة من سنة 2010م إلى غاية سنة 2023م.

لذلك؛ فإن التجارب السابقة فضلت الاستعانة بالقوة، بدل الانخراط في مسار دستوري عن طريق ممارسة ضغوط مشروعة لدفع رؤساء تلك الدول إلى التنحي أو الاستقالة بطرق قانونية، الأمر الذي أسفر عن مراحل انتقالية مبتورة من المقدمات الدستورية، فالثورات الشعبية على الرغم من تصنيفها من قِبَل الفقه الدستوري في خانة الطرق غير العادية لإنهاء الدساتير؛ فإننا قد نجد لها مبررات إن هي لم تفرغ من محتواها الدستوري بالتزامها بممارسة ضغوط شرعية وتتويجها بتفعيل آليات دستورية كآلية الاستقالة، لذلك نجد أن الفقه الدستوري قد أضفى صفة «الشرعية» دون «المشروعية» على الثورة الشعبية، ولم يفعل ذلك بالنسبة للانقلاب العسكري، ومرد ذلك إلى ارتكاز الثورة على السند والتأييد الشعبي، فهي تستمد شرعيتها من الحاضنة الشعبية، وهو ما دفع العديد من الاتجاهات الفقهية إلى بذل محاولات لتبرير سلوك الثورة من الناحية القانونية، في حين أن الاستيلاء على السلطة بالقوة- والذي يُعدّ الانقلاب العسكري أحد مظاهره- لا يستند إلى أساس دستوري، وقد لا يحظى بتأييد شعبي، بل إن القوانين الجنائية تجرّمه بوصفه أحد الأفعال الماسة بأمن الدولة الوطني[8].
ظاهرة الانقلابات في دول الساحل وغرب إفريقيا أخذت أبعاداً أخرى من الانحراف عن الشرعية والمشروعية، ففي تشاد لم يكن المستهدف من وراء الانقلاب هو رأس السلطة بل الدستور ذاته، إذ وبعد مقتل الرئيس ديبي استولى الجيش على السلطة في أبريل 2021م، ووقع الاختيار على الجنرال محمد إدريس نجل الرئيس ديبي ليكون رئيساً مؤقتاً، لتُوكل إليه مهمة إدارة مرحلة انتقالية مدتها 18 شهراً، ضاربين بذلك مقتضيات الدستور التشادي عُرض الحائط، والتي تنص على ضرورة تولّي رئيس البرلمان منصب الرئاسة في مثل هذه الحالات، فعلى الرغم من توقيع رئيس البرلمان على وثيقة عدم قدرته على إدارة المرحلة الانتقالية؛ فقد حدثت أعمال شغب وموجة احتجاجات رافضة لأسلوب انتقال السلطة وإدارة المرحلة الانتقالية[9].
لذلك؛ فإن فقدان المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا والساحل الإفريقي للغطاء الدستوري؛ ما هو إلا انعكاس للانقلابات العسكرية المتواترة في المنطقة والمشوبة بعيوب المشروعية.
ثانياً: الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا بين إلغاء الدستور وتعطيله:
يُكيّف الفقه الدستوري «الانقلاب العسكري» على أنه تعبير ضمني عن إلغاء العمل بالدستور، بمعنى أن مجرد استعمال القوة في الاستيلاء على السلطة يُغني عن تصريح قادة الانقلاب وإعلانهم عن إلغاء العمل بالدستور، في حين أن قادة الانقلابات الأخيرة في دول غرب إفريقيا لم يكتفوا باستعمال القوة في الاستيلاء على السلطة؛ بل أردفوا ذلك بإعلانهم تعطيل العمل بالدستور، وهو الأمر الذي حدث في غينيا التي أعلن فيها أحد قادة الانقلاب اتخاذ قرار القبض على الرئيس وتعطيل الدستور، والأمر ذاته وقع في النيجر[10]، يتضح مما سبق الفوضى الدستورية التي أحدثها قادة الانقلاب في منطقة غرب إفريقيا بمحاولتهم الجمع بين متناقضات دستورية: أي بين «الإلغاء» و«التعطيل»، فهذا المصطلح الأخير، والذي يشتهر أيضاً في بعض الأنظمة الدستورية بمصطلح «التعليق»، يعرّفه جانب من الفقه الدستوري الفرنسي بأنه «صلاحية رئيس الدولة في إيقاف العمل ببعض مواد الدستور لمواجهة الأزمة الطارئة»، ويُعرّف أيضاً بأنه «إيقاف تطبيق القواعد الواردة في الوثيقة الدستورية بصورة كلية أو جزئية بشكل مؤقت»[11].
من خلال التعاريف السابقة؛ يظهر الطابع المؤقت الذي تكتسيه آلية التعليق، فإذا ما أردنا عقد نوع من المقارنة بينه وبين إلغاء الدستور؛ سنجد أن هذا الأخير يهدف إلى وضع حدٍّ نهائي للحياة القانونية للدستور، في حين أن التعطيل لا يعدو أن يكون سوى إرجاءٍ للعمل به، ثم العودة لأحكامه بعد زوال الظرف الطارئ أو الاستثنائي، ومن حيث الكمّ فالإلغاء لا يستوي أن يكون سوى كلّي، أما عن الإلغاء الجزئي فينطبق عليه وصف «التعديل»، بينما تميل الصورة الغالبة في التعطيل إلى نوعه الجزئي أكثر من الكلّي، ومن حيث الغاية؛ فإن «الإلغاء» عادةً ما يأتي نتيجةً لعدم استجابة الدستور للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين أن «تعطيل الدستور» تحكمه مبررات أخرى كالضرورة والاستعجال والحفاظ على أمن الدولة[12]. أمام كل ذلك نشير إلى أنه على الرغم من توجه جانب من الفقه الدستوري نحو وصف الانقلاب العسكري على أنه «تعطيل سياسي» للدستور؛ فإن غالبية الدراسات في القانون الدستوري تدرج الانقلاب في خانة «الإلغاء والإنهاء غير الشرعي للدستور».
ما يعزز موقف الفقه الدستوري من اعتبار الانقلاب إلغاءً غير شرعي للدستور؛ هو احتكامه (أي الانقلاب) إلى منطق القوة والعنف والفوضى وعدم مسايرته مقتضيات الدستور، وهو ما ينطبق على الوضع السائد في دول غرب إفريقيا، في حين وفي الجهة المقابلة يكون الإلغاء شرعياً إن هو التزم بما تمليه نصوص الدستور؛ من ضرورة اتباع إجراءات التعديل الكلي قصد وضع حدّ للوجود القانوني للوثيقة الأساسية في البلاد[13]، إذ تختلف تلك الإجراءات باختلاف الدساتير من حيث كونها دساتير مرنة وجامدة، فإذا ما تصفحنا أغلب دساتير العالم سنجدها قد نظمت الأحكام المتعلقة بالتعديل الدستوري حتى لا تدع أي مجال للسلطات- وبخاصةٍ التنفيذية منها- للتلاعب بالقانون الأساسي للبلاد وتمرير رغباتها السياسية. وتتلخص تلك الأحكام في حصر السلطات التي لها حق المبادرة بتعديل دستوري، ورسم معالم تدخّل السلطة التشريعية في مراقبة مشروع التعديل والمصادقة عليه، واستشارة المجالس الدستورية، وصولاً إلى عرض المشروع للاستفتاء الشعبي ليكون له كلمة الفصل في إضفاء المشروعية في حال قبوله من أغلبية الناخبين[14]، وإذا ما قارنا ذلك مع التجارب الحديثة في دول غرب إفريقيا سنجد أن «الإلغاء غير الشرعي للدستور» هو العنوان الأبرز في تلك المنطقة؛ ما دام الإنهاء غير الشرعي للدستور كنتيجة حتمية للانقلابات العسكرية في تلك الدول يعني حرق المراحل والإجراءات السابقة التي يجب أن يمر عبرها الإلغاء الشرعي والتعديل الكلي للوثيقة الأساسية، وهو ما عمّق أكثر أزمة المشروعية للمراحل الانتقالية التي أفرزتها الانقلابات العسكرية في تلك الدول.
ثالثاً: المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا والمتاهات الدستورية:
إن انحراف المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا عن المسار الدستوري، بتولّدها عن ظواهر غير دستورية، لم يتوقف عند جدلية تعطيل الدستور من إلغائه، بل أدخل تلك الدول في متاهات دستورية أكثر تعقيداً من تعقيدات المرحلة الانتقالية ذاتها، حيث تلخصت تلك المتاهات في إعلان «الحالة الاستثنائية»، أي أصبحت الظروف الاستثنائية هي الوضع المألوف في المنطقة، ففي مالي ما زالت الحالة الاستثنائية معلنةً منذ نوفمبر 2015م نتيجةً للهجوم الذي وقع على فندق راديسون في باماكو[15]، في حين نجد أن مدة الحالة الاستثنائية في الأنظمة الدستورية المقارنة تحكمها صرامة النص، إذ لا يُترك تقديرها للسلطة المعلنة لها والمتمثلة في رئيس الجمهورية، وهو الوضع السائد في الدستور الفرنسي، حيث نجد أن المؤسس الدستوري في هذا النظام قد حدّ الحالة الاستثنائية بقيود زمنية معينة بأن لا تتجاوز الحالة 30 يوماً في المادة 16 منه المعدلة في 23 يوليو 2008م، كما أخضعها لرقابة المجلس الدستوري والبرلمان[16]، وهو الموقف الذي يمكن تفسيره على أنه ضمان لعدم تعسف السلطة التنفيذية في استغلال الحالة الاستثنائية، فإذا كان تعامل المؤسس الدستوري بنوع من القيد والرقابة في إعلان الحالة الاستثنائية مع سلطة شرعية، فكيف سيكون التعامل مع وضع استثنائي بالنسبة لسلطات غير شرعية في دول غرب إفريقيا أتت بالقوة؟!، ولرقابة مَن ستخضع في إعلانها وتمديدها للحالة الاستثنائية؛ إذا كانت الدساتير التي تكفل ذلك قد أُخرجت عن الخدمة بإلغائها أو تعطليها- على حدّ وصف قادة الانقلاب؟!.
عطفاً على ما سبق؛ فإن المتعارف عليه في أغلب الدساتير المقارنة: أن الحالة الاستثنائية تحكمها ضوابط موضوعية، كوجود خطر داهم يهدد كيان البلاد واستقلالها[17]، في حين أن السائد في دول غرب إفريقيا هو أن السلطات غير الشرعية هي التي استفزت الحالة الاستثنائية وافتعلت مبرراتها بتبنيها لأسلوب القوة والانقلاب، والذي غالباً ما يؤدي إلى فتح الباب للاضطرابات والفوضى، وهو ما لمسناه من واقع الانقلابات المتتالية في مالي التي صاحبها تصاعد لوتيرة العنف في المناطق الريفية، بل أصبحت التهديدات الأمنية وتنامي ظاهرة الإرهاب قواسم مشتركة بين دول غرب إفريقيا، كشفت الإحصائيات والأرقام المستقاة من رصد للبيانات الرسمية لدول قارة إفريقيا التي شهدت مؤخراً موجة من الانقلابات العسكرية على ارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية، حيث شهدت الأشهر الستة الأولى من سنة 2021م ما يزيد عن 315 هجوماً دامياً خلّف ما يزيد عن 5236 قتيلاً، فضلاً عن المصابين، ناهيك عن أعداد المختطفين، وسُجلت الحصيلة الكبرى من تلك الأرقام باسم إقليم غرب إفريقيا[18].
من هنا؛ يتضح أن عواقب الانقلابات العسكرية معروفة سلفاً، وفي مقدمتها عدم الاستقرار الأمني، وكأن القادة العسكريين نزعوا عنصر المفاجئة الذي يُعدّ أحد مقومات الوضع الاستثنائي بجمعهم بين مسبباته وبين سلطة إعلانه.
لذا؛ يتضح مما تقدم أن الحالات الاستثنائية المعلنة مؤخراً في دول غرب إفريقيا مطعون في شرعيتها ومشروعيتها، ما دام أن هذا الأخيرة وإذا ما راجعنا أغلب الدساتير المقارنة سنجد أنه اختصاص أصيل وحصري لرأس السلطة التنفيذية والذي عادةً ما يكون رئيس الجمهورية، فهو الوحيد الذي خوله الدستور تقرير اللجوء إلى وضع دستوري ونظام استثنائي إذا استشعر أن المؤسسات الدستورية تحت وطأة تهديد خطر داهم ووشيك، أو من شأنه أن يمس استقلال الدولة وسلامة ترابها[19]، في حين أن الحالة الاستثنائية في غرب إفريقيا لا أساس دستوري لها ما دام أنها صدرت من غير ذي الاختصاص، وما دام أن الجهة المقررة لها هي سلطة غير شرعية متأتية عن طريق الانقلاب.
كما أن المخاوف من عدم نجاح المراحل الانتقالية في تلك الدول لا تتوقف عند نقطة عدم دستورية الحالة الاستثنائية، بل تتعاظم تلك المخاوف إذا وضعنا بعين الاعتبار أن الحالة وفي ظل وضعها الشرعي قد تعني تقليص وتقييد بعض الحقوق والحريات الدستورية، كالحق في التنقل وحرية ممارسة التجارة، من خلال تركيز سلطات واسعة واستثنائية بيد رئيس الجمهورية. بل قد يصل الأمر إلى حدّ المساس بمبدأ الفصل بين السلطات[20]، وهو ما يفسر الحساسية المتزايدة من هذه الأوضاع، الأمر الذي جعل أغلب الدساتير تُخضِع رئيس الجمهورية في ممارسته تلك السلطات لرقابة عدد من الأجهزة، كالمحكمة الدستورية والبرلمان، ضماناً لعدم تعسفه وانخراطه في ثقافة الدكتاتورية، فلا شك أنه وفي ظل حالات استثنائية مفروضة بسلطة الأمر الواقع فإن الحقوق والحريات الفردية آخر اهتمامات السلطات غير الشرعية في دول عرب إفريقيا.
يتضح أن سلطات الأمر الواقع في دول غرب إفريقيا لا يمكن لها التطلع لإنجاح المراحل الانتقالية وهي غارقة في متاهات وفوضى دستورية، بل وضعت نفسها في حلقة مفرغة، وما يثبت ذلك هو تخبط المجالس الانتقالية في تلك الدول وعملها على إطالة أمد المراحل الانتقالية عبر تمديدها، وهو ما ينطبق على الوضع في تشاد الذي افتقرت فيه تجربة المرحلة الانتقالية لخريطة زمنية واضحة، حيث كان من المفروض أن تستغرق عملية التحول السياسي 18 شهراً من أبريل 2021م إلى غاية سبتمبر 2022م، إلا أن مصير المرحلة الانتقالية في تشاد كان هو التمديد لمدة 18 شهراً إضافية تحسباً لإجراء انتخابات في أكتوبر 2024م، لتنقل عدوى إطالة أمد المراحل الانتقالية إلى غينيا، إذ وبعد اتفاق ديسمبر 2022م مع مجموعة إيكواس حددت 24 شهراً كمدة للمرحلة الانتقالية ابتداءً من يناير 2023م إلى غاية 2025م[21].
المحور الثاني: إدارة وتسيير المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا:
لا يمكن الحكم على مدى التزام المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا والساحل الإفريقي بالسياقات الدستورية بمجرد غياب الغطاء الدستوري، وانعدام المقدمات الدستورية السليمة، إذ تبقى هذه الأخيرة مؤشرات مهمة على النتيجة السابقة، بل إن هناك عوامل أخرى تلتئم مع المؤشرات الدستورية لتشكّل الحكم السابق.
وأبرز تلك العوامل هي: مسألة إدارة وتسيير المراحل الانتقالية، فهذه الأخيرة لها بالغ الأثر في تسريع العودة إلى النظام الدستوري وتحقيق عملية التحول السياسي، والعامل المهم الذي يجب أن يبرز في المرحلة الانتقالية هو أن تتم إدارتها لبناء نظام الحكم وليس لبناء الدولة- على حدّ وصف أحد الباحثين، إذ ليس من المعقول أن تتحمل الإدارة أعباء وتركة سياسية متراكمة عبر سنوات[22]، لذلك سنحاول تحديد هيكلة وتنظيم السلطات الانتقالية في دول غرب إفريقيا، للحكم على مدى التزام المرحلة الانتقالية بالسياق الدستوري.
أولاً: مجالس وطنية انتقالية بخلفية عسكرية:
بدأت عملية الترقيع الدستوري بعد الانقلابات التي شهدتها دول غرب إفريقيا بحثاً عن أطر تنظيمية من شأنها أن تضمن إدارة وتسيير المراحل الانتقالية، وفي ظل قلة الخيارات أمام المجالس العسكرية الانتقالية في تلك الدول كإمكانية تأهيل المؤسسات الدستورية القائمة لتولي زمام إدارة المراحل الانتقالية، وجدت تلك السلطات نفسها مكرهة على البحث عن أطر أخرى نتيجة للتصحر الدستوري الذي خلقته بفعل إلغائها للدستور[23]، لجأت المجالس العسكرية إلى الفكرة التقليدية في إدارة المراحل الانتقالية عبر تنصيب وتكليف مجالس وطنية انتقالية للقيام بالمهمة السابقة، وهو ما وقع في مالي بعد الانقلاب الأول في أوت/ أغسطس 2020م باستحداث مجلس وطني انتقالي كهيئة تشريعية وبرئاسة شخصية عسكرية تجلت في شخص العقيد مليك دياو[24]، الأمر الذي طرح إشكالية قدرة الأوجه العسكرية على إدارة المراحل الانتقالية، فقد أثبتت التجارب أن النخب العسكرية غير مؤهلة سياسياً لإدارة هذه المراحل لافتقارها للتكوين السياسي والأدوات السياسية كالحوار، ومعالجتها للمراحل الانتقالية معالجة أمنية، وهي الرؤية التي ترجمت في تصريح الرئيس الانقلابي النقيب إبراهيم تراوري، الذي أدلى به للتلفزيون الوطني البوركينابي، حين تحدث قائلاً: إن «الانتخابات المزمع إجرائها في يوليو 2024م ليست أولوية، بل إن الأمن هو الأولوية»، وقد جاء هذا التصريح في خضم تصاعد هجمات الجماعات المتطرفة في البلاد[25].
يضاف إلى الأسباب السابقة عدم قدرة النخب العسكرية على ضبط جدول زمني محدد لإنهاء المرحلة الانتقالية، وإخفاقها في ترتيب الأولويات الدستورية للعودة تدريجياً إلى النظام الدستوري، وهي الإخفاقات التي تجسدت على أرض الواقع بعد الانقلاب الثاني في مالي نتيجةً لفشل العسكر في الوفاء بوعودهم من وراء تعيين مجلس وطني انتقالي، إذ سرعان ما دعت السلطة العسكرية في مالي المجلس المكلف بمهام تشريعية إلى عقد جلسة استثنائية في الرابع من فبراير 2022م، بغرض إعادة النظر في ميثاق المرحلة الانتقالية وقانون الانتخابات، بجدول زمني آخر غير واضح المعالم، ليتخلف بذلك العسكر عن موعد 27 فبراير 2022م، والذي حُدّد كتاريخ لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية[26].
أما في غينيا؛ فلم يختلف الوضع كثيراً، حيث عيّن العقيد مامادي دومبيا 81 عضواً في المجلس الوطني الانتقالي، حاول من خلاله أن يجمع بين جميع الأطياف من منظمات اجتماعية ومهنية وأحزاب سياسية، وأُوكلت رئاسة المجلس إلى الناشط في المجتمع المدني الدكتور «دانسو كوروما».
إلا أن البصمة العسكرية لم تنفك عن إدارة المرحلة الانتقالية، إذ تم تعيين العقيد دومبيا رئيساً انتقالياً بعد أدائه اليمين في أكتوبر 2021م، الأمر الذي شكّل إرباكاً لعمل المجلس الوطني الانتقالي الذي أُسندت له مهمة تحديد تواريخ الاستحقاقات الرئاسية والتشريعية[27]، حيث حاول الرئيس الانتقالي ذو الخلفية العسكرية تمرير مرحلة انتقالية بمدة طويلة قوامها 39 شهراً، وهو ما يُفسَّر بأنه تدخل مباشر في اختصاصات المجلس الوطني الانتقالي، لتفتح بذلك السلطات العسكرية الحاكمة على نفسها موجة من ردود الفعل الرافضة لقرار المجلس العسكري من مختلف التكتلات السياسية المهمة في البلاد، وتوسعت دائرة الرفض لتشمل هيئات إقليمية على غرار منظمة الإيكواس، التي أبانت عن موقف رافض للمدة الانتقالية التي حددها المجلس العسكري في غينيا بدلاً من مدة 6 أشهر التي اقترحتها المنظمة[28].
مدة المرحلة الانتقالية في دول غرب إفريقيا (2010-2022م):

المصدر: إعداد الباحث.
لا تُقدّم منطقة غرب إفريقيا نماذج عن تجارب فاشلة في إدارة وتسيير المراحل الانتقالية فحسب؛ بل قدّمت المنطقة أيضاً عبر التاريخ أمثلة عن تجارب نجحت في رسم مسار دستوري انتقالي والالتزام به، محققةً بذلك نقلة نوعية نحو أنظمة دستورية أكثر استقراراً، إذ قدّمت التجربة الانتقالية في جمهورية بنين نموذجاً للالتزام بذلك المسار، بحيث كانت الندوة الوطنية للقوى الحية التي عُقدت في بنين في فبراير 1991م نقطة فارقة في تجاوز أزماتها، حيث أخذت الندوة على عاتقها مهمة إعداد نصوص تحضيرية، لتخلص في النهاية إلى وضع دستور توافقي والتأسيس لنظام ديمقراطي[29].
بالعودة إلى كرونولوجيا الانقلابات العسكرية في منطقة غرب إفريقيا؛ تشدنا نماذج لمراحل انتقالية ناجحة على غرار ما وقع في غينيا بيساو، التي شهدت مرحلة انتقالية عقب الانقلاب العسكري الذي اندلع فيها في 12 أفريل/ أبريل 2012م، والذي تزامن مع الدور الأول من الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، ليُنتخب في سنة 2014م جوزي ماريو رئيساً لغينيا بيساو منهياً بذلك مرحلة انتقالية، وفاتحاً الباب لعودة غينيا بيساو إلى الاتحاد الإفريقي بعد أن عُلقت عضويتها عقب انقلاب 2012م، ليكون لنجاح المرحلة الانتقالية في غينيا بيساو وقعٌ إيجابي من حيث عودة الاستقرار السياسي والاجتماعي[30].
يتضح مما سبق؛ أن فكرة «المجالس الوطنية الانتقالية» في دول غرب إفريقيا ليست تعبيراً حقيقياً عن إرادة جادة لتسيير المرحلة الانتقالية على نحو يضمن العودة السريعة إلى النظام الدستوري، بل هي أقرب إلى أن تكون مجالس صورية تضمر من وراءها طموحات سياسية للسلطات العسكرية للبقاء مدة أطول في الحكم، التي استهوتها فكرة الحكم فكانت في كل مرّة تلجأ إلى تمديد فترة المرحلة الانتقالية ومراجعة الجدول الزمني لإجراء الانتخابات، لتكون المحصلة هي جمود المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا.
ثانياً: الأطر غير التقليدية وإدارة المراحل الانتقالية في غرب إفريقيا:
استدعى بطء العملية الانتقالية في دول غرب إفريقيا، وتعثر الوسائل الكلاسيكية المتمثلة في المجالس الوطنية الانتقالية، تدخّل فواعل غير مألوفة في تسيير مثل هذه المراحل، على أمل العودة السريعة للحياة الدستورية، فبرزت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) كإحدى تلك الفواعل الإقليمية، إذ تأسست المنظمة رسمياً في 28 مايو 1975م بأهداف وتطلعات اقتصادية، أهمها تحقيق النهضة وإنشاء منطقة تجارية حرة عبر رفع القيود عن نقل السلع والأفراد بين الدول الأعضاء. وتتألف المجموعة لحدّ الآن من 15 عضواً، وهم كلٌّ من: (دولة بنين، بوركينا فاسو، ساحل العاج، غينيا بيساو، مالي، النيجر، السنغال، التوغو، غامبيا، غانا، غينيا، نيجيريا، سيراليون، كاب فيردي، وليبيريا)[31]، وفيما يلي نستعرض خريطة توضح الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا.
خريطة: دول غرب إفريقيا:

المصدر: المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.
إلا أن جهود المنظمة لم تتركز في تحقيق الأهداف الاقتصادية المشتركة للمنطقة، إذ ومع مرور الوقت بدأت تبرز الأدوار السياسية للمجموعة[32]، كالتدخل في إدارة وتسيير المراحل الانتقالية في الدول الأعضاء التي شهدت خروجاً عن النظام الدستوري، ولعل هذا الدور السياسي والدستوري نابع من أهم المبادئ التي قامت عليها المجموعة، والمتمثل في «تعزيز وتوطيد نظام حكم ديمقراطي في كل دولة عضو على النحو المنصوص عليه في إعلان المبادئ السياسية المعتمد في 06 يوليو في أبوجا»[33].
بعد الانقلابات التي شهدتها دول منطقة غرب إفريقيا مؤخراً؛ رمت مجموعة الإيكواس بكامل ثقلها السياسي والاقتصادي من أجل وضع إطار زمني محدد للمراحل الانتقالية، وكبح الطموحات السياسية للسلطات العسكرية في تلك الدول التي استشعرت المنظمة خطورتها من وراء تمديد الفترة الزمنية للمراحل الانتقالية، إذ قام هذا الدور السياسي للمنظمة على أنقاض فكرة المجالس الوطنية الانتقالية التي خسرت رهان تسريع المرحلة الانتقالية، حيث لجأت المجموعة الاقتصادية في سبيل عقلنة المدد الزمنية للتحول السياسي إلى ممارسة ضغوط اقتصادية وسياسية، تجسدت في فرض العقوبات وتعليق العضوية، ثم تحولت تدريجياً إلى التخفيف من حدة تلك العقوبات بالنسبة للدول، وقدّمت خريطة زمنية واضحة للعودة إلى النظام الدستوري، ففي بوركينا فاسو توصلت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إلى اتفاق مع السلطات البوركينابية على مدة نهائية لمرحلة انتقالية بـ24 شهراً، تبدأ من 01 يوليو 2022م إلى غاية 01 يوليو 2024م، كتاريخ محدد لإجراء الانتخابات، وأشاد الرئيس الدوري للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا بتجاوب السلطات البوركينابية والتزامها بالوعود المقطوعة منذ مؤتمر رؤساء الدول والحكومات[34].
أما بالنسبة للوضع في غينيا، وفي ظل فشل المجلس الوطني الانتقالي ومن ورائه السلطات العسكرية في تقديم جدول زمني مقنع للعودة إلى النظام الدستوري، ومحاولة الرئيس الانتقالي فرض مرحلة طويلة الأمد قُدّرت بـ36 شهراً، تدخلت منظمة الإيكواس من أجل إعادة النظر في تلك المدة، لتسفر جهودها عن اتفاق مع السلطات الغينية على مرحلة انتقالية مدتها 24 شهراً بدايةً من يناير 2023م إلى غاية 2025م[35].
الخاتمة:
تظل أزمة الحكم هي المعضلة الدستورية الحقيقية داخل دول غرب إفريقيا، إذ لم تستطع الدساتير احتواءها، لأن هذه الأخيرة تكاد تكون شكلية ومنعدمة الروح في تلك الأنظمة التي أضحت موبوءة بالتداول غير السلمي على السلطة، فالهوس الزائد للنخب العسكرية بالحكم، وهشاشة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتزايد التهديدات الأمنية، والاستئناس بالوجود العسكري الأجنبي في المنطقة تحت ذرائع مختلفة، كلها عوامل اجتمعت لتشكّل بيئة مشجعة على تجذر الظواهر غير الدستورية، لذلك فإن مطالبة تلك الأنظمة بالالتزام بالسياقات التي تمليها المراحل الانتقالية تكاد تكون مطالبةً بمستحيل؛ ما دام أن تلك المراحل هي امتداد لمعضلة الحكم في المنطقة.
وعليه؛ فإن التحدي الحقيقي لا يتركز في إنجاح المراحل الانتقالية فحسب، بل ينصرف إلى ترتيبات ما بعد المرحلة، والتي يأتي في طليعتها العمل التدريجي على تطهير الأنظمة من الظواهر غير الدستورية وترسيخ ثقافة الحكم المدني، فضلاً عن العمل على صياغة دساتير تعكس الخصوصية السياسية والاجتماعية لدول منطقة غرب إفريقيا، والابتعاد عن فكرة استيراد الدساتير الجاهزة والتجارب التي لا تعكس التعقيدات السياسية في المنطقة.
تتويجاً لما تقدم؛ خلصت الدراسة إلى جملة من النتائج:
– كشفت محاولات السلطات العسكرية في دول غرب إفريقيا تمرير مراحل انتقالية مفتوحة الآجال عن النيات السياسية للبقاء مدة أطول في السلطة، وكأن مصلحتها في استمرار الأوضاع غير الدستورية أكبر من مصلحتها في العودة السريعة إلى مربع الشرعية والمشروعية، وساعدها في ذلك تعاظم التهديدات الأمنية التي اتخذت منها شماعة لإطالة أمد المراحل الانتقالية.
– أظهرت الأزمات الدستورية التي شهدتها دول منطقة غرب إفريقيا بعد الانقلابات العسكرية ضعف التكوين السياسي للنخب العسكرية في إدارة المراحل الانتقالية، التي سعت إلى التخلص من هذه المسؤولية وإلقائها على عاتق نخب مدنية في إطار ما يُسمّى بالمجالس الوطنية الانتقالية التي تتولى مهام تشريعية، وتختص بوضع ميثاق يحظى بإجماع وطني، ويحدد أهم الالتزامات الواجب التقيد بها لتحقيق التحول السياسي.
– خسرت المجالس الوطنية الانتقالية في دول غرب إفريقيا الرهان الزمني في إدارة وتسيير المراحل الانتقالية، وإن كانت معذورة في ذلك ما دام أنها لم تكن مستقلةً استقلالاً فعلياً لدرجة تُمكنها من وضع جدول زمني واضح لإجراء الانتخابات والعودة إلى النظام الدستوري، بل إن القرار دائماً ما كان بيد السلطات العسكرية، وهو ما جعلنا نقف على حقيقة صورية المجالس الوطنية في إدارة المراحل الانتقالية.
– تُرجمت خاصية المرحلة الانتقالية الكاشفة حرفياً في التجارب التي مرّت بها دول غرب إفريقيا، حيث انكشفت هذه الأخيرة للعالم الخارجي، واستدعى جمود المراحل فيها تدخل فواعل إقليمية في صورة منظمة الإيكواس كشريك في إدارة وتسيير الفترات الانتقالية.
– يبدو أن العودة إلى النظام الدستوري وتهذيب الممارسات السياسية لم تأت في طليعة وصلب اهتمامات مُسيّري المراحل الانتقالية في دول غرب إفريقيا، بل مُنحت الأولوية إلى حفظ الأمن والاستقرار وتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق العودة إلى النظام الدستوري.
– إن التخلص من الإرث الاستعماري والنفوذ الخارجي يجب ألَّا يرهن عملية البناء الدستوري في سياق المرحلة الانتقالية في دول غرب إفريقيا، بل لابد من الموازنة بين حماس التحرر من الهيمنة الخارجية وبين مشروع دولة القانون.
– يجب التنويه إلى أن تواتر التغييرات السياسية غير الدستورية في منطقة غرب إفريقيا راجع إلى ضعف الوسائل الردعية التي تمتلكها الأطر الإقليمية، بما فيها الاتحاد الإفريقي (بتعليق العضوية)، أو المنظمات الفرعية كالإيكواس (في صورة العقوبات الاقتصادية).
……………………………………
[1] لا يؤخذ هذا الحكم على إطلاقه، لأن منطقة غرب إفريقيا قدّمت في المقابل من ذلك تجارب لمراحل انتقالية ناجحة، استطاعت من خلالها القوى الفاعلة العودة سريعاً للمربع الدستوري والممارسات السياسية السليمة، على غرار ما وقع في كلٍّ من غينيا بيساو 2014م والنيجر 2011م، اللتين نُظمت بهما انتخابات رئاسية ناجحة، أعادتهما إلى كنف الاتحاد الإفريقي.
[2] نعمان أحمد الخطيب، الوسيط في النظم الدستورية والقانون الدستوري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2011م، ص598.
[3] يرى البعض من المختصين في القانون الدستوري أن الجزائر لم تمر بمرحلة انتقالية في سنة 2019م، ونرى عكس ذلك؛ إذ يمكن تفسير موقفهم بالصورة النمطية السائدة بأن المراحل الانتقالية يطبعها التأزم وطول المدة، في حين نرى أن التجربة الجزائرية كانت المرحلة الانتقالية فيها تتسم بالمرونة والسلاسة لالتزامها بعامل الوقت- أو ما يُسمّى بالآجال الدستورية عن مقدماتها السليمة، وما يعزز فكرة المرحلة الانتقالية المرنة هو وجود أحكام انتقالية في ذيل التعديل الدستوري لسنة 2020م على غرار الأحكام المتعلقة بتغيير النظام القانوني لبضع المؤسسات الدستورية، كالمجلس الدستوري الذي طرأ عليه تغيير بتحويله إلى محكمة دستورية.
[4] تنص الفقرة الرابعة من التعديل الدستوري الجزائري لسنة 2016 على أنه «في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته يجتمع المجلس الدستوري وجوباً ويثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية».
[5] حسني بوديار، الوجيز في القانون الدستوري، دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، الجزائر، 2003م، ص97.
[6] كمال جعلاب، الدستور والمسار الدستوري في زمن الاضطرابات بدول غرب إفريقيا، موقع الجزيرة نت، 31/07/2023م، https://cutt.us/9fIKI، 29/10/2023م.
[7] أسامة السعيد، مخاوف من تنامي الانقلابات المضادة في إفريقيا، موقع الشرق الأوسط، نشر في 28 سبتمبر 2023م، https://cutt.us/vrhZA، 01 نوفمبر 2023م.
[8] عبدالعزيز رمضان علي الخطابي، تغيير الحكومات بالقوة «دراسة في القانون الدستوري والقانون الدولي العام»، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، مصر، 2013م، ص88.
[9] مصطفى هاشم، 8 انقلابات في إفريقيا خلال ثلاث سنوات ما القاسم المشترك، موقع الحرة، 30 أوت 2023م، https://cutt.us/Qmjad، 06 نوفمبر 2023م.
[10] كمال جعلاب، المرجع السابق.
[11] محمد فوزي نوجي، تعطيل العمل بأحكام الدستور، دار مصر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، مصر، 2021م، ص (913-914).
[12] المرجع نفسه، ص937.
[13] عبدالفتاح عمر، الوجيز في القانون الدستوري، مركز البحوث والدراسات والنشر، تونس، 1987م، ص (122-123).
[14] محمد سعيد بوسعدية، الثابت والمتغير في الدساتير الجزائرية، دار البلاغة، الطبعة الأولى، الجزائر، 2021م، ص263.
[15] كمال جعلاب، المرجع السابق.
[16] فريدة دبوشة، القيود الواردة على صلاحيات رئيس الجمهورية في إعلان الحالة الاستثنائية، «حوليات جامعة الجزائر»، المجلد35، العدد01، سنة 2020م، ص396.
[17] بولكوان إسماعيل، تحول مفهوم الحالات الاستثنائية، أطروحة دكتوراه في القانون العام، تخصص إدارة ومالية، الموسم الجامعي 2020/2021م، ص101.
[18] محمد فرج، غرب إفريقيا… توترات أمنية وسياسية »عرض مستمر!«، موقع سكاي نيوز عربية، 07 سبتمبر 2021م، https://cutt.us/LmS8w، 06 جانفي 2024م.
[19] عبدالمجيد طيبي، مراعاة الظروف الاستثنائية في التشريع، أطروحة دكتوراه في العلوم الإسلامية، تخصص شريعة وقانون، كلية العلوم الإسلامية، جامعة العقيد الحاج لخضر، باتنة-1-، السنة الجامعية 2019/2020م، ص318.
[20] المرجع نفسه، ص319.
[21] نسرين الصباحي، المرجع السابق.
[22] بيان العمري وآخرون، «العوامل الأساسية الحاكمة لإدارة المراحل الانتقالية ما بعد الثورة»، في: جواد الحمد (تحرير)، إدارة المراحل الانتقالية ما بعد الثورات العربية، مركز دراسات الشرق الأوسط، الطبعة الأولى، عمان، الأردن، 2012م، ص (43-44).
[23] محمد عابد، تسيير المراحل الانتقالية في الدول العربية، أطروحة دكتوراه في العلوم، تخصص القانون العام، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الجيلالي اليابس، سيدي بلعباس، السنة الجامعية 2020-2021م، ص89.
[24] مالي «انتخاب العقيد مليك دياو رئيساً للمجلس الوطني الانتقالي»، موقع وكالة الأنباء الجزائرية، 06 ديسمبر 2020م، https://cutt.us/iYSBO، 14 نوفمبر 2023م.
[25] رئيس بوركينافاسو الانتقالي: الانتخابات ليست أولوية، موقع العربي الجديد، 29 سبتمبر 2023م، https://cutt.us/hUUNC، 15 نوفمبر 2023م.
[26] «بعد عدم إيفاء العسكر بالتزاماتهم: المجلس الوطني الانتقالي في مالي ينعقد لمراجعة قانون الانتخابات»، موقع الجزيرة نت، 05 فبراير 2022م، https://cutt.us/yUxYP، 14 نوفمبر 2023م.
[27] تعيين أعضاء اللجنة التشريعية الانتقالية في غينيا، مدونات إيلاف، 23 يناير 2022م، https://cutt.us/vYhBd، 14 نوفمبر 2023م.
[28] مستقبل الوضع السياسي في غينيا بعد تمديد المرحلة الانتقالية، وحدة دراسات إفريقيا جنوب الصحراء، موقع مركز الإمارات للسياسات، 13 ماي 2022م، https://cutt.us/CEMJf، 15 نوفمبر 2023م.
[29] كمال جعلاب، المرجع السابق.
[30] صفوان قريرة، ترجمة إيمان الساحلي، «في 10 سنوات 08 فترات انتقالية ناجحة في إفريقيا جنوب الصحراء»، موقع الأناضول، 07 ديسمبر 2015م، https://cutt.us/KWgp2، 10 جانفي 2024م.
[31] محمد الشريف شيباني، دور منظمة الإيكواس في تسوية النزاعات في غرب إفريقيا، مجلة مدارات سياسية، المجلد05، العدد01، 2021م، ص120.
[32] أنس صقر أبو فخر، دور الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS في حل وتسوية النزاعات في إقليمها، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والقانونية، المجلد12، العدد01، يونيو 2015، ص318.
[33] محمد الشريف شيباني، المرجع السابق، ص320.
[34] بوركينا فاسو وإيكواس تتفقان على مدة المرحلة الانتقالية، موقع أفريكا نيوز، 25 جويلية 2022م، https://cutt.us/ZCt7p، 16 نوفمبر 2023م.
[35] نسرين الصباحي، المرجع السابق.
المصدر: العدد الستون من مجلة “قراءات إفريقية” (إبريل- 2024م)











































