جاءت قضايا إفريقيا على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) في يناير الجاري لتكشف عن مدى انشغال العالم بمجمل هذه القضايا، وأن إفريقيا تُعمِّق موقعها في “النظام العالمي” الجديد كساحة خلفية لهذا النظام، دون أُفق زمني منظور للخروج من هذه الحالة المزرية.
وينطبق الأمر نفسه على توقُّعات سياسية واقتصادية تتعلق بالقارة في العام الجاري، سواء عبر انتخابات لا يُعرف على وجه الدقة حجم تأثيرها على مستقبل دول إفريقيا، كما يتناول المقال الأول، أو مستويات نموّ الناتج المحلي الإجمالي لعشر دول إفريقية في جنوب الصحراء، كما يتناول المقال الثاني (ومنها خمس دول يُتوقّع أن تشهد انتخابات في العام الجاري أيضًا).
ويطرح المقال الثالث ما تم تداوله في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بشأن إفريقيا من زاوية خطأ هذه المقاربة بالأساس، وأنّ الأُطُر المالية العالمية الراهنة لا تُلائم المسار المفترض للاستثمارات وغاياتها في القارة الإفريقية.
الانتخابات الرئيسية في إفريقيا في العام 2026م([1]):
انعقدت الانتخابات البرلمانية في بنين، والانتخابات العامة في أوغندا في يناير الجاري، مما أعلن عن إشارة بَدْء عام حاسم ومشغول بصناديق الاقتراع في أرجاء القارة الإفريقية.
وتُلقي “دويتش فيله” نظرة على محطات التصويت الرئيسية في إفريقيا المقرر إجراؤها خلال العام الجاري، وما يُرتَقب خلالها.
يناير: بنين- التوتر بعد محاولة انقلاب فاشلة
جرت الانتخابات البرلمانية في 11 يناير في بنين على خلفية محاولة الانقلاب التي أُجهضت قبل خمسة أسابيع فقط من موعد التصويت. ومع صعود نُظُم الحكم العسكرية في بلدين مجاورين مباشرة لبنين شمالًا (بوركينا فاسو والنيجر)، فإن فرص التغيير تتراوح بين المنخفضة والمنعدمة في تكوين الجمعية الوطنية بالبلاد التي تتكون من 109 مقاعد بعد فوز الأحزاب الموالية للحكومة بجميع هذه المقاعد تقريبًا. ومن المقرر عقد الانتخابات الرئاسية في 12 أبريل المقبل.
مارس: جمهورية الكونغو
من المُقرّر أن تُعقد الانتخابات الرئاسية في جمهورية الكونغو في 22 مارس المقبل مع توقُّع أن يُحْكم الرئيس الحالي دينيس ساسو نجوسو قبضته على السلطة، وهو من أكثر زعماء القارة بقاءً في السلطة إذ يتقلدها منذ العام 1997م، ومن المقرر أن يُواجه مرشحين من مجموعات معارضة مختلفة. على أيّ حال فإن مركز التفكير الأمريكي “فريدوم هاوس” Freedom House يقول: إن الجماعات المعارضة تُواجه قمعًا بالغًا في البلاد، ومنحت البلاد درجة متدنية للغاية في مجمل الحقوق السياسية والمبادئ الديمقراطية.
أبريل: جيبوتي- الاستقرار وسط مخاوف أمنية حول البحر الأحمر
من المقرر عقد الانتخابات الرئاسية في جيبوتي في أبريل المقبل، مع تراجع فرص التغيير في الدولة الواقعة في القرن الإفريقي. وسيخوض الرئيس الحالي عمر جيلة، البالغ من العمر 78 عامًا، الانتخابات لنيل فترة رئاسة سادسة. ويراقب العديد من القوى الغربية والآسيوية الاستقرار السياسي لجيبوتي بسبب قواعدها العسكرية الإستراتيجية وموقعها الجيوسياسي عند مدخل البحر الأحمر الجنوبي.
أبريل وأكتوبر: كيب فيرد – نموذج الدور الديمقراطي
يُتوقع أن تُعقَد الانتخابات البرلمانية في كيب فيرد في أبريل، تليها الانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2026م. وتتكون هذه الدولة الصغيرة من عشر جزر بركانية في المحيط الأطلنطي، وتُعرف بقيادتها الديمقراطية القوية ومُصنّفة بين أكثر الدول الإفريقية ديمقراطية وتحلّ في تصنيفات مماثلة في مراكز متقدمة عن كثير من دول العالم.
يونيو: إثيوبيا- بيئة انتخابية هشَّة
سيذهب الإثيوبيون في الأول من يونيو لمراكز الاقتراع للمرة الأولى منذ نهاية حرب التيجراي بين جبهة التحرير الشعبية التيجرانية وقوات الدفاع الوطنية الإثيوبية في نهاية العام 2022م. ولا تزال إثيوبيا في مواجهة تحديات وتوترات لا سيما في إقليمي الأمهرا وأروميا، مما يُضْفِي تعقيدًا على جهود عقد انتخابات ذات مصداقية وشاملة.
أغسطس: زامبيا- الإصلاحات والاستمرارية
ستنتخب زامبيا في 12 أغسطس رئيسًا ومجلسًا تشريعيًّا جديدين. وقد وسَّعت الإصلاحات الانتخابية التي تم إدخالها العام الماضي الجمعية الوطنية، وأدمجت عناصر التمثيل النسبي من أجل تعزيز التعددية. ويسعى الرئيس الحالي هاكيندي هيشيليما Hakainde Hichilemaلتأمين فترة رئاسة ثانية، وإن ظل المراقبون ومنتقدوه يثيرون الجدل حول جوانب الممارسة الديمقراطية في ظل قيادته.
نوفمبر: جنوب إفريقيا-الاقتراع المحلي كمقياس وطني
ستكشف الانتخابات المحلية في جنوب إفريقيا في نوفمبر 2026م عن الشعور العام تجاه حكومة الوحدة الوطنية بقيادة الرئيس “سيريل رامافوسا”. وستكون هذه الانتخابات هي الاقتراعات المحلية الأولى منذ تكوين حكومة الائتلاف الحزبي المتعدد في العام 2024م.
ديسمبر: غامبيا- السباق الرئاسي
ستعقد غامبيا انتخاباتها الرئاسية في 5 ديسمبر مع سعي الرئيس الحالي أداما بارو لفترة رئاسة ثالثة. ويواجه “بارو” معدلات رفض كبيرة في أرجاء البلاد، لكنّ هشاشة المعارضة ونموّ عدم الوضوح التصويتي يُرجّح أن يعمل لصالح الزعيم الحالي في صناديق الاقتراع. ويتوقع أن تجرى الانتخابات البرلمانية في العام التالي.
ديسمبر: جنوب السودان- هل ستنجح أُولَى انتخاباتها العامة؟
بتاريخ من الانتخابات المؤجلة باستمرار، فإنه من غير المؤكد أن تعقد جنوب السودان أولى انتخاباتها العامة على الإطلاق، والمقررة في 22 ديسمبر. وتُواجه أحدث دول العالم بعض أسوأ الأزمات الاقتصادية منذ استقلالها في العام 2011م، مع استمرار الحرب في جارتها الشمالية (السودان) في الحيلولة دون تلقّي “جوبا” عائدات رئيسة من التشغيل الكامل لخطوط بترولها (التي تنتهي في البحر الأحمر مرورًا بالأراضي السودانية). كما أضافت محاكمة نائب الرئيس والشخصية المعارضة “رياك مشار” بتهمة الخيانة مزيدًا من القيود على اتفاق السلام الهشّ في البلاد، مع تصنيف مناصري “مشار” للتهم بأنها “ذات دافع سياسي”.
أرض الصومال- الانتخابات وسط وضع متغير
من المقرر أن يعقد الإقليمي المتمتع بالحكم الذاتي انتخاباته البرلمانية والمحلية في العام 2026م. وكان الإقليم قد احتل العناوين ونال الاهتمام مؤخرًا بعد اعتراف إسرائيل به دولة مستقلة في ديسمبر 2025م، الأمر الذي أثار ردود فعل قوية في الإقليم وما حوله.
توقعات أعلى 10 معدلات نمو في الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا([2]):
يُتوقع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 4.3% في العام 2026م مقارنة بما يُقدّر4.0% في العام 2025م، مدعومًا بتراجع التضخم، واستثمار محلي أقوى، وتحسُّن في أداء الصادرات في كثير من الاقتصادات الإفريقية. وتقدم Business Insider Africa قائمة بأكبر عشر دول إفريقية في مؤشر أعلى توقُّع لنمو الناتج المحلي الإجمالي عن العام 2026م، وتشمل هذه القائمة: جنوب السودان (48.8%)، وغينيا (9.3%)، ورواندا (7.2%)، وإثيوبيا (7.1%)، وبنين (7.0%)، والنيجر (6.7%)، وكوت ديفوار (6.4%)، وأوغندا (6.4%)، وتنزانيا (6.2%)، وزامبيا (5.8).
وتدخل إفريقيا العام 2026م واقفة عند مفترق طرق حاسمة، وتُواجه في وقتٍ واحد تحديات هيكلية مستمرة وصعود متجدد بفضل إصلاحات، واستثمارات والتكامل الإقليمي. ويتوقع أن تزداد قوة النمو الاقتصادي في أرجاء إفريقيا جنوب الصحراء في العام 2026م، حتى مع استمرار الضغوط المالية والتهديدات الأمنية وحالة عدم التأكد التجاري العالمي.
ويتوقع أن يرتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي في الإقليم إلى 4.3% في العام 2026م، ارتفاعًا من 4.0% وفق تقديرات 2025م، مدعومًا بتراجع التضخم واستثمارات محلية أقوى، وتحسُّن أداء الصادرات في اقتصادات عدة.
ويعكس هذا الاختيار (مع ملاحظة وجود خمس دول في القائمة من بين الدول الإفريقية التي شهدت أو ستشهد في العام الجاري انتخابات نيابية ورئاسية قد تؤثر مخرجاتها بقوة على سلامة توقعات النمو هذه)؛ تعافيًا متدرجًا من الصدمات الأخيرة، بما في ذلك ضغوط العملة، وأعباء خدمة الديون بالغة الارتفاع، وخفض مساعدات التنمية الرسمية. وفي الكثير من الدول، تنتهج الحكومات سياسات تمكين مالي مع إجبار المجال المالي المحدود الحكومات على خفض الإنفاق واعتماد أكبر على استثمارات القطاع الخاص.
ويتوقع أن يمتد هذا التصاعد في العام 2027م مع نمو متوقع عند 4.5%، بشرط ألا تزداد البيئة الخارجية سوءًا، وتحسّن الحوال الأمنية في الدول الهشَّة والمتأثرة بالصراع. وقد عززت أسعار السلع المرتفعة، ولا سيما الذهب والمعادن الثمينة والقهوة، بالفعل العائدات في بعض الاقتصادات، مما ساعدها في استقرار الماليات العامة.
كما تسهم أكبر اقتصادات إفريقيا في هذا التعافي. فقد تعزّز نموّ جنوب إفريقيا بارتفاعه إلى 1.3% في العام 2025م، مدعومًا بتحسُّن إمدادات الكهرباء، وحصاد اقتصادي قوي، ارتفاع الثقة في الأعمال. وقد توسَّع اقتصاد نيجيريا بنسبة 4.2% مدفوعًا بالخدمات، ولا سيما التمويل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وظهورها كمصدر صافٍ للمنتجات البترولية المكررة. وبينما يظل التعرض للأسواق الأمريكية محدودًا بالنسبة لأغلب الاقتصادات الإفريقية فإن المخاطر تلوح في الأفق.
وأخذًا في الاعتبار ما سبق، فإنه يُتوقع أن تتفوق مجموعة من الدول الإفريقية في الأداء على معدل الأداء القاري في العام 2026م، بفضل الإصلاحات وتدفقات الاستثمارات، ونموّ محدد القطاعات؛ مما يضعها بين الاقتصادات الإفريقية العشر الأسرع نموًّا.
أصداء دافوس: إعادة التفكير في التمويل العالمي إفريقيًّا([3])
لم تكن النماذج المالية التي ورثتها إفريقيا مُصمَّمة لتلائم واقع تنميتها، ومِن ثَم كانت النتيجة نموًّا مقيدًا.
هيمنت مناقشات حول الجغرافيا السياسية، والديون، والنمو العالمي على الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي عن العام 2026م في دافوس. غير أن النقاش الذي دار فيما يُعرَف بالبيت الإفريقي Africa House بخصوص القارة لم يكن عن حجم رأس المال الذي تحتاجه إفريقيا، لكن كان حول كيفية استمرار كل رأس المال الكبير في إفريقيا في تحقيق غاياته.
ولقد كانت هذه الحقيقة ماثلة أمام كافة الحضور؛ إذ لا تعاني إفريقيا من نقص في رأس المال، بل إنها تعاني من نقص في الهيكل المالي الملائم. كما أن نماذج التمويل الإفريقية الموروثة لم تكن مُصمَّمة على نحوٍ يلائم واقع تنميتها. كما أن سمات مثل الآجال القصيرة، والتكاليف المرتفعة لرأس المال، وأُطُر المخاطر الصارمة، لا تلائم بشكل تام الاستثمارات بعيدة الأجل في الإسكان، والنقل، والزراعة، والتجارة. وتكون النتيجة نموًّا مقيدًا وفجوة مستمرة بين الطموح والتنفيذ. وكما لاحَظ رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورجي بريندي Børge Brendeفي دافوس “فإن الحوار ليس رفاهية في أوقات الاضطراب؛ بل إنه ضرورة”، ويجب أن يمتدّ مثل هذا الحوار ليشمل كيف يتعامل التمويل العالمي مع إفريقيا، ليست كاستثناء للقاعدة، لكن ككاتب مشارك لقواعد جديدة.
وقد ركَّزت مداخلتي في البيت الإفريقي على حقيقة يتم تجاهلها عادة: أن إفريقيا ليست بحاجة إلى رأس مال متعاطف sympathy capital. بل إن إفريقيا تحتاج إلى رأسمال ذكي، أو رأس مال مُصمَّم وفق خطوط زمنية ومخاطر وعائدات إفريقية. إن التنمية المستدامة بحاجة لتمويل صبور ومُتكيّف يعترف بالمؤسسات الإفريقية وبرُوّاد الأعمال كمساهمين مشاركين وليسوا مجرد متلقين سلبيين.
وبرغم سنوات من النقاش، يظل التمويل المختلط blended finance مسألة نظرية أكثر من كونه مسألة عملية. فيما تظل مجمعات التمويل المحلية، وصناديق المعاشات، وأصول التأمين والمخصصات السيادية ومكاتب الأُسَر غير مُستعمَلة بشكل كبير.
كما تُوجَد آليات لمشاركة المخاطر، لكنها نادرًا ما تكون قائمة من داخل السياقات الإفريقية. ويتضح هذا التنافر بشكل أكبر على مستوى القطاعات. ففي قطاع الإسكان لا تُمثّل مُخصَّصات رأس المال بعيدة الأجل مجرد ملاذ، لكنّها تفيد في الوظائف والاستقرار الحضري والإنتاجية. أما في النقل والتجارة فإن تمويل البنية الأساسية يُحجّم التنافسية والتكامل الإقليمي. وفي الزراعة فإن الوصول لرأسمال مَرِن وجيد الهيكلة يُحدّد إذا كانت إفريقيا ستظل مستوردًا للغذاء أم أنها ستحقق سيادة غذائية food sovereignty.
لذا فإن مهمة إفريقيا في العام 2026م لن تقتصر على الأمن الغذائي، لكن ستشمل سيادة الغذاء وملكية التمويل ومعالجة وتوزيع مع تستهلكه إفريقيا. إن هذا التحوُّل ليس أيديولوجيًّا فحسب؛ لكنه اقتصادي. كما يجب على إفريقيا أن تُغيِّر الطريقة التي تُقدّم بها نفسها لرأس المال. وعلى القارة الانتقال من عرض المشروعات المصرفية المعزولة إلى بناء نُظُم بنكية، متَّسقة مع أُطُر سياسية، وترتيبات يمكن التنبؤ بها وأسواق رأسمالية عميقة، ومؤسسات ذات مصداقية.
ويجب على الحكومات الإفريقية أن يكون لها دور هام تلعبه، لكن ليس كلاعب مهيمن. لكن تقوم مسؤوليتهم على تمكين الأسواق؛ بمعنى توفير الوضوح التنظيمي، واستيعاب مَخاطر الخسارة الأولى؛ حيث يتم تخصيص الضمانات ونشرها إستراتيجيًّا، والاستفادة من رأس المال الخاص بدلًا من أن تَحلّ محله.
…………………………….
[1] Sertan Sanderson, The key elections in Africa in 2026, DW, January 19, 2026 https://www.dw.com/en/the-key-elections-in-africa-in-2026/a-75558971
[2] Adekunle Agbetiloye, Top 10 African countries with the highest GDP growth forecast for 2026, Business Insider Africa, January 20, 2026 https://africa.businessinsider.com/local/markets/top-10-african-countries-with-the-highest-gdp-growth-forecast-for-2026/5kntnhv
[3] Ade Adefeko, Reflections from Davos: Rethinking global finance on Africa’s terms, African Business, January 23, 2026 https://african.business/2026/01/trade-investment/reflections-from-facos-rethinking-global-finance-on-africas-terms











































