د. محمود سورو
مدير مركز الفكر الإسلامي المعاصر والدراسات القرآنية والأسرية في كوت ديفوار.
مقدمة:
منذ اللحظات الجنينية لنشوء الحركة الأفريقانية Mouvement Panafricanism كان الشعر- وما زال- من أقوى الوسائل والآليات المعتمدة لدى الأفريقانيين للدعوة لفكرتهم والترويج لها بغية تحرير الأراضي والشعوب الإفريقية، ومن ثَمّ السعي نحو الاستقلال التام لإفريقيا في جميع الأصعدة، وتشكيل ولايات إفريقية متحدة، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هذا المنطلق؛ ظهرت مجموعة كبيرة من الشعراء جنوب الصحراء نسجوا أشعارهم بمختلف اللغات الإفريقية وبأغراض متعددة، تصبّ كلها في وادي الأفريقانية، وفي سبيل الدفع بعجلتها نحو التطوّر والرقيّ والازدهار، وفي طليعتها شعر الريغي reggae.
وبما أنّ الإيفواري أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy يُعتبر من المدافعين في الصفوف الأولى عن الأفريقانية، واتخذ الشعر مطيةً له في نشر الفكر الثوري الإفريقي وتعزيز النضال الأفريقاني، فإنّ مقالنا الموسوم بــ«الشعر الإفريقي مفهوماً ومدخلاً إلى الأفريقانية: «اُهْرُبْ يا سَامُورِي»- لِأَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy– نموذجاً»، يُسلّط الضوء على مكانة الشعر الإفريقي ودوره في فهم وتعزيز الخطاب الأفريقاني ورصد قضاياه.
إشكالية الدراسة:
تتناول هذه الدراسة إشكالية وجود الشعر بالمعنى الاصطلاحي في الثقافة الإفريقية، إذ سواء عن قصدِ، أو دون قصدٍ، فعند الحديث عن الشعر الإفريقي في العرف الأكاديمي ينصرف الذهب تلقائيّاً إلى أحد أمرين لا ثالث لهما: إمّا إلى الشعر العربي الإفريقي: وهو الشعر الذي أنتجه الأفارقة باللغة العربية، وإمّا إلى الشعر الإفريقي الفرنسي والإنجليزي: وهو نتاج الإفريقيين باللغات الغربية والأوروبية، كالفرنسية والإنجليزية، مثلاً.
وعليه؛ يبقى السؤال مطروحاً عن محلّ الإنتاج الشعري باللغات الإفريقية من الإعراب، مثل لغة جُولَا Djoula ووُلُوفْ Wolof والهَوْسَا Haoussa، فهل هو شعرٌ اصطلاحاً، أم غناء لا يرتقي إلى مستوى الشعر بالعرف العلمي الأكاديمي.
الأسئلة الافتراضية للدراسة:
تأسيساً على ما سبق؛ نصوغ الإشكال المركزي للدراسة، فنقول: ما المدى الشِّعريّ لدى الشعراء باللغات الإفريقية، وإلى أي حدٍّ تمكّن أَلْفَا بْلُونْدِي من استثمار الشعر في الدفاع عن الإمام ساموري توري، المضطهد لدى المحتل الفرنسي، في سبيل كفاحه التحرّري من استعمار غرب إفريقيا؟
ويتفرّع عن هذا السؤال المركزي أسئلة فرعية، أهمّها البحث عن:
– مفهوم الشعر والغناء في اللغات الإفريقية وعلاقتهما بالحركة الأفريقانية.
– أوجه العلاقة بين الشعر والأفريقانية، وكيفية نشأة الأفريقانية كحركة أدبية.
– ذكر نماذج من الشعراء الذين بنوا الأفريقانية، وتأثيرهم والقضايا التي تناولوها.
– مكانة ساموري توري في الأفريقانية، ودوره النضالي ضدّ فرنسا، عبر شعر الريغي.
هدف البحث:
يهدف هذا البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف، أهمّها:
– تبيين مفهوم الشعر الإفريقي، وبيان الفروق الجوهرية بينه وبين الغناء مقارنةً بالسياق التداولي العربي والغربي.
– بيان دور الشعر والغناء في فهم بعض مغاليق الخطاب الأفريقاني حول تاريخ إفريقيا وحاضرها ومستقبلها.
– بيان جهود الشاعر ألفا بلوندي في تقرير الجهود الحركية للإمام ساموري توري لتحرير القارة الإفريقية.
– إبراز جوانب من اضطهاد الشعوب الإفريقية من الاحتلال الفرنسي.
منهجية البحث:
نظراً لطبيعة الموضوع والمعطيات المتاحة، تتنوع المناهج المعتمدة في الدراسة إلى ما يأتي:
– المنهج الوصفي: جمع المادة العلمية وقراءتها وصفيّاً، وفق ما يخدم موضوع البحث.
– المنهج النقدي المقارن: قراءة نقدية للمادة العلمية، ومقارنتها بالسياق العربي والغربي.
وتأسيساً على المعطيات المذكورة؛ سنقدّم قراءة أدبية وثقافية وفكرية، تسلط الضوء على ما يأتي:
أولاً: مفهوم الشعر في اللغات الإفريقية وعلاقته بالحركة الأفريقانية والأدبية.
ثانياً: بيان مكانة الشعر في الخطاب الأفريقاني من خلال قصيدة «اُهْرُبْ يَا سَامُورِي» Bory Samory (1984م)، للشاعر أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy.
محتويات الدراسة
المحور الأول:
مفهوم الشعر في اللغات الإفريقية وعلاقته بالحركة الأفريقانية والأدبية
يُعتبر الشعر والغناء من الموروثات العلمية والثقافية في المجتمعات الإفريقية، ويُستثمران لأغراضٍ مختلفة، مثلما عليه الوضع في المجتمعات الأخرى، غربيّاً وعربيّاً. وقد كان الخطاب الديني التقليدي يُلقَى بطريقة غنائية إنشادية في إفريقيا، كالخطب المنبرية والدروس الوعظية والتفسيرية، وفي السياق نفسه اعتُمد الشعر كوسيلة في نشر الخطاب الأفريقاني وتعزيزه وإرسائه. وهنا نتساءل عن مفهوم الشعر في إفريقيا، مقارنةً بالشعر العربي والفرنسي.
أولاً: الحركة الأفريقانية: نبذة عن المفهوم والنشأة والتطور:
«الأفريقانية» هو المصطلح المختار عندنا، بدلاً من غيره، مثل البان-إفريقية[1]. والحركة الأفريقانية عبارة عن حركة فكرية تستهدف الاستقلال التامّ لإفريقيا، واندماجها الكامل لتشكيل نظام فيدرالي، وإعادة بناء نظام عالمي بديل، يتيح للإفريقيين فيه اتخاذ قراراتهم المصيرية بأنفسهم دون تدخّل خارجي.
وقد رأت الأفريقانية النور في نهايات القرن 18م، لمّا أيقن أحفاد العبيد الزنوج، الذين اقتيدوا بالسلاسل والأغلال للبيع في سوق النخاسة بأمريكا، أنّ الاسترقاق قدَرهم المحتمّ، وأن إفريقيا السوداء ستظلّ مستعمَرةً لدى الغرب إلى الأبد. فنشأت فكرة التضامن بينهم سرّاً، وتطورت إلى تنظيم لقاءات ومؤتمرات طالبت بتخفيف العنصرية عن السود، ومنحهم الحقوق في العمل على غرار البيض.
هذا، وقد أُطلق مصطلح الأفريقانية Pan Aficanism على الحركة ليلاً، قبيل ساعات فقط من انطلاق أشغال مؤتمر لندن، المنعقد ما بين 23-25 يوليو 1900م في المملكة المتحدة[2]، لتكون الأفريقانية شعاراً جديداً للتجمعات بين الأفارقة السُّود في الشتات.
وكان البريطاني هنري سيلفيستير–وليام Henry Sylvester-Williams، (1869-1911م) العقل المدبّر للمؤتمر، بحضور وِلْيَامْ إِدْغَارْ دِيبُوَا William Edgar Du Bois (1868-1963م) من أمريكا، وماركوس غارفي Marcus Garvey (1887-1940م)، من جامايكا. وهذان الأخيران قادا الحركة فيما بعد، إلى بدايات الحرب العالمية الثانية.
وتسرّبت الأفريقانية إلى إفريقيا في ثلاثينيات القرن العشرين، ليكون دخولها الرسمي إليها بمؤتمر مانشستر عام 1945م، بفضل جملة من النخبة الإفريقية كالدكتور كُوَامِي انْكُرُومَا Kwame Nkrumah (1909-1972م)، وأحمد سيكو توري (1922-1984م)، وجُومُو كِينِيَاتَا Jomo Kenyatta (ت: 1978م)، وغيرهم.
ولئن كانت الأفريقانية قد عرفت نوعاً من التقوقع والانكماش في ثمانينيات القرن العشرين لضغوطات القوى الغربية عليها بالتعاون مع بعض الحكومات الإفريقية مثلاً، فإنها قد عادت بقوّة في مطلع الألفية الثالثة، ومن أبوابٍ متفرّقة، وبات الحديث عنها عبارة عن حركات متعددة لها وجهات نظر مؤتلفة ومختلفة في بعض القضايا، مثل اختلافهم حول الديانات السماوية، ودور العرب المسلمين في استعمار إفريقيا، واختلافهم أيضاً في تدخّل القوات الفرنسية خلال الأزمة ما بعد الانتخابات الرئاسية في كوت ديفوار عام 2010م ضدّ لُورَانْ غْبَاغْبُو Laurent Gbagbo الرئيس المنتهية ولايته، وفي تدخّلها أيضاً في جمهورية مالي عام 2012م، إلى غير ذلك. ولا تخلو الأفريقانية من إيجابياتٍ ومؤاخذات، مثل غيرها من الحركات الفكرية والأيديولوجية.
ثانياً: معنى الشعر في اللغات الإفريقية مقارنة بالسياق التداولي العربي والغربي
تختلف اللغات الإفريقية في النظر إلى الشعر معنًى، فبينما يُعدّ الشعر والغناء مترادفَين في لغاتٍ، نجدهما متباينَين في أخرى، على غرار كلمتي الشعر La poésie والغناء La Chanson في اللغتين العربية والفرنسية.
ففي لغة مَانِينْغَا «مَانِينْغَا كَانْ»/ Maninga Kan في غينيا كوناكري[3]، تُطلق كلمة «سُوكُو» Soukou على الشعر، بينما يُطلق «دُونْغِيرِي» Dongguiri على الغناء. وعند الوُلُوفْ Wolof في السنغال، وفق الشاعر والباحث محمد الأمين جوب[4] Mohammed Lamine Diop، فإنّ: «مصطلح: «وَايْ» Waye يعني الشعر والغناء معاً. لكن هناك كلمة «وُلُفَلْ» Wlofal، وتعني الشعر العمودي، بشرط أن تكون باللغة المحلية الوُلفية. فلا فرق بين المنشد والمُغنّي والشاعر عند الولوفيين، وحتى المدّاح، له نفس المعنى»[5].
ومثلها مثل لغة جُولَا Djoula أو بَمْبَارَا Bambara في كوت ديفوار، ومالي وبوركينافاسو وغامبيا مثلاً، التي تجمع بين الشعر والغناء والنشيد بكلمة دُونْغِيرِي Dongguiri، بينما يندرج تحتها أنواع عدّة: إما بالنعت والإضافة، كالشعر العربي أو المسيحي، وإما بألفاظ مولّدة محدثة تعبّر عن أنواعٍ من الشعر والغناء، مثل الزُّوغْلُو Zouglou في كوت ديفوار، ورُومْبَا Roumba في كُونْغُو Congo، ونحوهما.
وأحياناً؛ تُستعمل ألفاظ مقترضة أو محرّفة من لغات أخرى، مثل: «بَيْتُو»/ Baytou، من «البيت» في الشعر العربي، و«زِكِرِي»/ Zikiri، من «الذِّكْرِ»، بالعربية، وهما من حيث الأصل عبارة عن الأمداح النبوية، وأمداح شيوخ الصوفية في المناسبات الدينية في الزوايا الصوفية بإفريقيا، كليلة القدر وعاشوراء والمولد النبوي، ثم تطوّر مع الوقت ليشمل مدح وتمجيد الشخصيات المؤثّرة بذكر أوصافهم وأنسابهم في المناسبات الثقافية والاجتماعية في الساحات العمومية، كحفلات الزواج والعقيقة واستقبال حجاج بيت الله الحرام من الديار المقدسة.
ويدخل «زِكِرِي» في مفهوم الشعر الإسلامي، وقد ظهر مع «رَصِينْ صَالْ» Racine Sall في سبعينيات القرن العشرين في مالي، وكان آنذاك من خصوصيات أهل تُومْبُوكْتُو Toumbouctou وجِينِي Djénnè ودِيلِي Dilly ونِيُورُو الساحل[6] Nioro du Sahel، ثم انتشر مع التسعينيات في ربوع مالي وفي الدول المجاورة، كانتشارها في السنغال مع مختلف الطرق الصوفية، كالمريدية وبَايْ فَالْ Baye Fall والتيجانية والقادرية[7].
والأمر نفسه يصدق في حالة كوت ديفوار مع قاسم توري Kassim Touré، الذي تعلّم الزكري من رَصِينْ صَالْ في مالي، أيام دراسته في مدرسة الشيخ سعد عمر توري في سيقو Ségou، أولاً، ثم مع صلاح الدين سَانُوغُو Salahoddine Sanogo الذي أصبح الآن الخليفة العام لزاوية رضوان التيجانية بأبيدجان. وللإشارة؛ فقد كان عالَم «البَيْتُو» و «الزِكِرِي» حكراً على الرجال، قبل أن تنخرط فيها النساء مؤخراً.
وهكذا؛ نلمس استعمال الشعر والغناء مترادفَين في لغتي الوُلوف في السنغال وجُولَا في كوت ديفوار وفي بعض جاراتها. بمعنى: أنّ الأصل جواز ترجمة كلمة دُونْغِيرِي Dongguiri من جُولَا إلى العربية بالشعر أو الغناء، لكونهما مترادفَين. ولكنّ الصناعة الترجمية تفرض اختيار أصحّ المصطلحَين استعمالاً في لغة الهدف، إلّا عند قيام مانع السياق والقرينة. والشعر أصحّ لكونه أعلى رتبة من الغناء، وكون الغناء سُلَّماً إليه، إذ «الغناء حُلّة الشعر، إن لم يلبسها طُويت»[8].
ثالثاً: الشعر الإفريقي والغناء: الحدود وإشكال التصنيف ومجالات التداول
اخترنا مصطلح «الشعر» ترجمة لكلمة «دُونْغِيرِي» بدل الغناء، تأكيداً لوجود الشعر في الثقافات الإفريقية، لا نفياً لوجود الغناء فيها. خلافاً لمدّعي وجود الغناء فيها، لا غير. ورغم كون الشعر والغناء مترادفَين عند الوُلُوف وجُولَا كما مرّ؛ فإننا نجد أنفسنا أمام خيارات أربعة، عند ترجمتهما إلى العربية والفرنسية:
الخيار الأول: ترجمة مصطلحي دُونْغِيرِي Dongguiri ووَايْ Waye بالغناء Chanson، دون الشعر Poème:
لكنّ الملحوظة هنا أنّ في ذلك إثباتاً لوجود الغناء والمغنّين في إفريقيا جنوب الصحراء، ونفياً كليّاً لوجود الشعر والشعراء فيها، اللهم إلّا عندما يتعلق الأمر بالشعر العربي أو بالزنوجة Négritudes. وهذا الخيار بعيد عن الصواب في رأينا، لاقتضائه نفي جهود شريحة عريضة نعتبرهم شعراء إفريقيين بما تحمله الكلمة من معانٍ، بغضّ النظر عن توجهاتهم الفكرية والأيديولوجية، وعن مضامين أشعارهم ومحتوياتها.
الخيار الثاني: ترجمة المصطلحين إلى الشعر فقط، دون الغناء:
وهو خيار عدَلْنا عنه، لأن المنهج العلميّ في علم الترجمة يقتضي استفراغ الوسع في إعطاء كلّ مصطلح حقّه ومستحقّه في لغة الهدف، وتجنُّب الترجمة الحرفية، ولا يُعدل عن هذا الضابط مع وجود مصطلحات تستوفي المعنى في اللغة الأصل، أو في اللغة الهدف. ومن خلال النظر في الواقع الثقافي واللغوي في إفريقيا؛ نرى بوضوح ما يقابل الشعر والغناء معاً في السياق العربي والفرنسي معاً.
الخيار الثالث: وهو الخلط بين المصطلحين باستعمالهما مترادفين في لغة الهدف (العربية-الفرنسية):
وهذا الخيار بدوره فاسد، إذ رغم طبيعة العلاقة التكاملية الأزلية بين الشعر والغناء؛ يظلّ الفرق بينهما قائماً في المجال التداولي المعاصر في بعض المواصفات والأهداف والأغراض.
إذ مهما كانت أهمية الغناء في غنائية المغنّي، فمرتبة الشعر فوق الغناء، فالشعر أرقى وأكثر علميّة، بينما الأغنية أكثر انتشاراً وشعبويّة. والمجامع والأكاديميات الأوروبية لم تصنّف الغناء ضمن جنس الأدب Genre littéraire إلا مؤخّراً. حتى في لغتَي جُولَا ووُلُوفْ؛ فالجمع بين الشعر والغناء في التسمية، أمّا في الجوهر فيمكن التمييز بينهما، عندما نقارن اللغتين بالعربية والفرنسية، فنُضطرّ إذن إلى البحث عن بديل أنسب.
الخيار الرابع: التمييز بين الشعر والغناء في الثقافات الإفريقية، والبحث عن فروقهما الجوهرية، وعن مميزاتهما وخصوصياتهما في اللغات العربية والأوروبية:
وهذا هو مذهبنا المختار، وهو الدافع الأساس إلى إنجاز هذا البحث.
وكأننا بذلك صُغنا قاعدةً، مفادها: كلُّ شاعرٍ مغنٍّ، وليس كلُّ مغنٍّ شاعراً. بصرف النظر عن درجات الشعر والغناء صناعةً ومعنًى- أولاً، وعن الموضوعات والمحتويات والوسائل المستخدمة فيهما- ثانياً، وعن الرؤية الدينية والاجتماعية والثقافية الحاكمة فيهما قبولاً ورفضاً- ثالثاً.
وقَيَّدْنَا بثالثٍ تأكيداً بأنّنا نقصد بالغناء معناه اللغوي البريء، بعيداً عن المعاني السلبية الناتجة عن المغنيات والمغنّين كالفحش والبذاءة، وغيرهما مما تعافه النفوس الطيّبة المؤمنة. فقد كان العربي البدوي يغنّي لإبله، مثلما يغنّي الفَلَّاح الإفريقي في حقله، والراعي الفُلَانيّ Peulh مع أبقاره.
لقد تعمدنا تطويل النفس في هذا العرض لأمرين:
أوّلهما: إثبات وجود الشعر Poésie، وأصالته في الثقافات الإفريقية:
خلافاً لمن ينفيه ويثبت الغناء- غلطاً أو تغليطاً، معتبراً جنوب الصحراء قارة الغناء والرقص- بالمعنى القدحي، بعيداً عن العلمية في الصناعة الشعرية.
وثانيهما: إثبات وجود قواسم مشتركة بين الشعر والغناء:
إذ يظلّ استعمال الشعر والغناء مترادفَين حاضراً في الغرب أحياناً، فيجتمعان مرات، ويفترقان أخرى. وقد تجتمع صفة الشعر والغناء معاً في شخص، كاجتماعهما في الإيفواري إِرْنِيسْتُو جِيجِي Ernesto Djédjé (1947-1983م)[9].
ويبقى السؤال عن معايير التمييز بين الشعر والغناء في إفريقيا، والإجابة عنه تحتاج إلى جهود جماعية من المتخصصين، لكني أحيل مبدئيّاً إلى إنتاجات المغنين أو الشعراء الملتزمين Chanteurs engagés باعتبارها شعراً إفريقيّاً Poésie africaine.
والشاعر الملتزم أو المحتجّ: هو الذي ينتج أشعاراً أو أغنيات احتجاجية Chanson engagée/ Contestataire ليُسهم في تحسين وضعية الفرد، وعلاج أمراض المجتمع، وإصلاح فسادٍ في الدولة، بصورة واعية وهادفة، وغرس المعاني والقيم العليا الكونية في النفوس، ونشر الحكم والمواعظ الدنيوية والأخروية لتغيير الواقع المعاش نحو غدٍ أفضل. فالشاعر الملتزم ذو مبدأ يسير وفقه، ويدعو إليه، ويَنشُد نُصرَته، يحارب الفساد والظلم، ويدافع عن المظلومين والمضطهدين، ومعروفٌ بقول الحق وإنكار الباطل، مهما كانت العواقب المادية والمعنوية.
فالشاعر الإفريقي بهذا المعنى في الغالب يحمل فكراً للإصلاح، بينما المُغنّي يبحث عن التسلية والأرباح، والشاعر يركز على المعنى والفكرة، والمُغنّي يركز على الموضة والشهرة، والشاعر يسعى لإيقاظ الهمم، والمُغنّي يستقطب الجمهور على الإيقاع والنغم. فهذه مداخل نحسبها جوهرية للترجيح بين كِفتَي الشعر والغناء، مع مراعاة حالات التساوي بين الصنفين، خصوصاً عند قيام قرينة أو سياق، كآية سورة الشعراء، وما في حكمها.
وعليه؛ وبالنظر الفاحص في مشتقات الشعر والغناء في إفريقيا؛ يمكننا تصنيف الريغي reggae في قائمة الشعر الإفريقي Poème africaine، ويأتي بعده في الرتبة الزُّوغْلُو Zouglou الذي يركّز على الاحتجاج والصمود وقت المحن، وعدم الركون إلى التهلكة أو اليأس، خلافاً لبعض أنواع الأغنيات مثل كُوبِي دِيكَالِي Coupé décalé، التي تستهدف التسلية والرقص، في الغالب.
ويعضد رأينا هذا: قول أَلْفَا بلوندي: «حبّي للريغي يتعلّق ببُعده السياسي والروحي، لأنّ القضية الجوهرية للريغي هو الله، وعن طريق السياسة نندّد بالمشاكل الاجتماعية التي نعاني منها، أو نحن ضحاياها. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبارنا مُغَنِّين ملتزمين، ولكنّي لستُ سياسياً»[10]. ومما يردّده كثيراً قوله: «الفنّ هو سبيلنا إلى تغيير العالم»، وقوله: «الموسيقى ليست أسلحة، وإنّما دواء»، فبان إذن أنّ الرٍّيغِي وسيلة لإصلاح الفساد في عددٍ من الأصعدة.
رابعاً: الإطار العلائقي بين الشعر والأفريقانية كحركة أدبية وتأثير الشعراء فيها
أسلفنا القول بكون الشعر من أقوى الوسائل المستثمرة في نشر الأفريقانية منذ فجر الحركة إلى اليوم. وبما أنّ الشعر أحد قسمَي المادة الأدبية إلى جانب النثر؛ فذلك يعني أن أبعاداً أدبية وثقافية فنيّة قد نشأت وترعرعت في ظلّ الحركة الأفريقانية، وسايرتها جنباً إلى الجنب، حتى اللحظة.
فقد أبلى الشعراء والمغنّون والملحنون بلاءً حسناً في ثبات أقدام الجيل الأول من الأفريقانيين، ورفع روحهم المعنوية عبر تاريخ الحركة الأفريقانية، نظراً لتأثير الجمالية الموسيقية بأشكالها المتعدّدة التي وُلدت من رحم الأفريقانية، كموسيقى الرِّيغِي Regge وأَفْرُوبِيتْ Afrobeat، وهِيبْ هُوبْ Hip Hop… إلخ.
وهكذا؛ أصبحت موسيقى الريغي reggae بحقٍّ أكثر أنواع الأغنيات إسهاماً في التوعية ونشر الفكر الأفريقاني[11]، إذ إنّ الريغي ليست سوى استثمارٍ للبُعْدَيِن الأدبي والفنّي انتصاراً للفكر الأفريقاني، مثلما عليه الوضع مع الرسوم والأفلام ومختلف الألحان الأخرى شعراً وغناءً. وهذا ما أثبتته حالة الرمز العالمي بُوبْ مَارْلِي Bob Marley (1945-1981م)، الذي ركزت جهوده في توحيد الشتات الإفريقي، وانتصار قضية السُّود.
وصحيحٌ أنّ غلبة الطابع الشفاهي في نقل التراث عبر الأجيال المتعاقبة حالت دون تدوين التراث الإفريقي في وقتٍ مبكّر، عندما نقارن المجتمعات الإفريقية بغيرها من المجتمعات، عربيّاً وغربيّاً، مثلاً، إذ كما يشير الأديب المصري الدكتور علي شلش (1935-1993م): فقد تأخرت كتابة الإفريقيين عن أنفسهم مقارنةً مع العالم العربي والغربي[12]، ولذلك؛ حِيلَ بيننا وبين كثيرٍ من الإنتاجات الأدبية والشعرية في إفريقيا ما قبل الحرب العالمية الثانية.
ولكنّ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من ظهور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في فرنسا Déclaration Universelle de Droit de l’Homme، قد فتحت نافذةً إلى مزيدٍ من الحرّيات الدينية والفكرية، فتنفّس الأفريقانيون الصعداء، وانفجرت أنهار الحركة الأفريقانية، فكان ذلك من الأسباب المباشرة إلى نشوء حركة ثقافية وأدبية، اتخذت الشعر والكتابة الأدبية مطيّتها للثورة والنضال، سعياً منهم نحو تحريرٍ كامل لإفريقيا في جميع الصُّعُد، سُمّيت بـ«الزنوجة»، أو نِيغْرِيتُودْ Négritudes.
والزنوجة من حيث التعريف هي: حركة ثقافية أدبية للتعبير عن الذات الإفريقية، ورفض الاحتواء الثقافي الأوروبي (الفرنسي خاصّة)[13]. وقد وُلدت هذه الحركة الأدبية في باريس بفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، على يد شعراء وكتّاب مرموقين، وفي طليعتهم لِيُونْ دَامَاسْ Léon-Gontran Damas (1912-1978م)، والبروفيسور سِينْغُورْ Senghor (1906-2001م)، واِيمِي سِيزِيرْ Aimé Césaire (1913-2008م). ويُعزى وضع مصطلح نِيغْرِيتُودْ Négritudes إلى اِيمِي سِيزِيرْ[14]، وهو الذي كان يردد مقولته النفيسة في الرؤية الأفريقانية، وهي أنّه: «لسوء حظّ إفريقيا أنها قابلت فرنسا» la malheur de l’Afrique c’est d’avoir rencontré la France.
وسواء في ظلّ هذه الحركة الثقافية والأدبية أم لا، فباعتبار الشعر فعلاً حضاريّاً، يترجم الشاعر من خلاله الوجود والأحداث والتجارب والمشاعر، فقد انفجرت شاعرية شريحة عريضة من الأبناء البررة للقارة السمراء نتيجة ثقل الضغط الغربي والأوروبي المستمر على دول المنطقة، وتحديداً في إطار النيوكولونيالية أو الاستعمار الجديد؛ فلاذُوا زرافات ووحداناً إلى الصناعة الشعرية، ونسجوا قصائد وأشعاراً في مختلف اللغات الإفريقية، للتعبير بما جادت به قريحتهم من روائع الحنكة الأدبية، لتأريخ الأحداث التاريخية، ووصف معاناة الإنسان الإفريقي وهمومه اليومية والمستقبلية، وكشف مخططات ومكر أعداء المنطقة، وتوعية الإنسان الإفريقي والترويح عن نفوسهم الأبيّة، ودعم المشاريع الفكرية للحركات الأفريقانية، انطلاقاً من الرؤية الفكرية والثقافية والمكنة الأدبية الشعرية.
فبصرف النظر عن تحفّظنا واختلافنا معهم في مواقف وآراء ومعتقدات، غير أنّ أولئك الشعراء قد تركوا بصمات شاسعة في التاريخ الإفريقي المعاصر، وأصبحوا قدوةً ومصدر إلهامٍ للشباب الإفريقي في مختلف القضايا الأفريقانية.
ومن هؤلاء على سبيل المثال- لا الحصر- الشاعر النيجيري فِيلاَ كُوتِي Fela Kuti (1938-1997م) مبتكر الإيقاع الإفريقي، أو أَفْرُوبِيتْ Afrobeat الذي قضى مساره الفنّي في التنديد والهجوم ضدّ ما اعتبره حكومات فاسدة، مما سبّب تعرّضه للتهديد والتخويف طول حياته، والشاعرة مِيرْيَامْ مَاكِيبَا Miriam Makeba (1932–2008م) من جنوب إفريقيا، التي أصبحت واحدة من أكثر الأصوات احتراماً لدى الأفريقانيين، وذلك بعد صعودها منصة الأمم المتحدة عام 1963م لإدانة العنف والفصل العنصري، ودعوتها للضغط على النظام، فحظيت نتيجة ذلك بدعم معظم القادة القوميين الأفارقة.
إضافةً إلى لَاكِي فِيلِيبْ دُوبْ Lucky Philipe Dube (1964-2007م)، الجنوب إفريقي الذي ظلّ يغنّي ويَقرض الأشعار انتصاراً للقضية الإفريقية ما بين عامَي (1982-2007م)، حتى اغتياله في 08 أكتوبر 2007م. ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن ننسى ملك الريغي بُوبْ مَارْلِي Bob Marley (1945-1981م)، والزعيم الروحي للريغي الإفريقي أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy.
وعموماً؛ ففي إفريقيا المعاصرة ما يصعب حصره من قاماتٍ كبيرة كانت- وما زالت- لها تأثير كبيرٌ في الساحة الفكرية والأدبية والشعرية والثقافية، ولنقل بأنّ: «الشاعر كان لسان قومه، وهو الذي يرشدهم ويحذّرهم من أي مكروه»[15]، وهو أمرٌ قد صاحب الحركة الأفريقانية في مسارها التاريخي، حتى اللحظة.
وفي تقديرنا: أن الإيفواري تِيكِينْ جَاهْ فَاكُولِي[16] Tiken Jah Facoly يُعدّ من أكثر الشعراء تأثيراً في إفريقيا الفرنكوفونية المعاصرة، وهو الذي ظل يُحذّر الرئيس الغيني السابق أَلْفَا كُونْدِي Alpha Condé[17] من مغبّة تغيير الدستور لخوض الانتخابات الرئاسية في ولاية ثالثة عام 2020م، وكانت عاقبة أمره الانقلاب عليه في 05 سبتمبر 2021م.
وما زال يجدّد تحذيره للحكومات الإفريقية، كتحذيره لحكومة أبيدجان برئاسة الحسن وتارا Alassane Ouattara في قصيدة له مطلع عام 2022م، بعنوان: «حكومة عشرين 20 عاماً» Gouvernement de 20 ans، ينتقد فيها الحكومة بأنها توزّع 20 سنة سجْناً للمعارضين، بينما تسمح لمن اتّبعها بأن يأكل معها 20 عاماً بهدوء. ثم ينصحهم بأن يحذروا من هذا التصرّف، ويتجنّبوا ارتكاب أخطاء الحكومات السابقة، إذ إنّ ارتكاب الأخطاء نفسها يؤدّي إلى النتائج نفسها، وأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد.
المحور الثاني:
مكانة الشعر في الخطاب الأفريقاني: «اهرب يا ساموري» لأَلفَا بْلُونْدِي نموذجاً
سنكشف النقاب عن مكانة الشعر في الأفريقانية، انطلاقاً من ترجمة وقراءة تحليلية لقصيدة «اُهْرُبْ يَا سَامُورِي» Bory Samory (1984م)، للشاعر الإيفواري أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy، كما يأتي:
أولاً: أَلْفَا بْلُونْدِي: سيرته وجهوده وموقف الأفريقانيين المعاصرين منه
أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy اسم الشهرة للفنّان الإيفواري والعالمي الحاج سِيدُو كُونِي Seydou Koné، المولود في 01/01/1953م، في دِيمْبُوكْرُو Dimbokro بكوت ديفوار، من أبّ مسيحي وأمّ مسلمة. وقد ربّته جدته- من جهة الأم- على ضوء القيم الإسلامية والإفريقية، وأدخلته في المدرسة القرآنية عند الشيخ بَاجُولُو وتارا Badjolo Ouattara لتعلُّم قصار السور ومبادئ الإسلام.
وبعد دراسته في المدارس الفرنسية في أُودِينِي Odienné (1962-1972م)، وكُورُوغُو Korhogo، (1972-1972م)، سافر عام 1973م إلى مُونْرُوفِيَا Monrovia في ليبيريا Liberia لتعلّم اللغة الإنجليزية، وفي عام 1976م قرّر الرحلة إلى أمريكا للتعمّق في الإنجليزية في جامعة كُولُومْبِيَا، وتنقّل في عدّة مدنها كنيويورك وتكساس، وغيرهما، جمعاً بين تعلّم الإنجليزية والتكسب وكتابة الأغنيات التي بدأها منذ المرحلة الإعدادية في أُودِينِي.
وفي عام 1980م؛ اعتُقل في المطار وهو عائدٌ من أمريكا، وأُشبِع ضرباً، ثمّ اقتيد مباشرةً إلى مستشفى الأمراض العقلية في بِينْجِيرْفِيلْ Bingerville، وحُبِس عامين (1980-1982م)، إلى أن اكتشف كتاباتِهِ الثورية طبيبٌ فرنسي، فأيقن أنّه فنّان ثائر، وليس مريضاً، فأمر بإطلاق سراحه.
وفي 18 يوليوز 1982م؛ اعتلى منصّة التلفزة الوطنية الإيفوارية RTI لتقديم أغنيته الشهيرة دُونُويَانْ DOUNOUGNA التي كتبها عام 1981م[18]، وما كادت شمس 1986م تغرب حتى أصبح الرجل مشهوراً عالميّاً.
وألفا بلوندي اليوم فليسوفٌ ومؤرخ وعالم اجتماعي، وأحد أبرز حمَلَة ثقافة شعب المَانْدِي (المَانْدِينْغْ)، وهو مفكّر أفريقاني مسلم، رِيغِيٌّ Reggae Man، ورجل سلام عالمي. وقد تمّ تعيينه في 21 سبتمبر 2005م سفيراً للسلام للأمم المتحدة في كوت ديفوار، كما عُيّن سفيراً للسلام للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO، وما زال على رأس المَنصبَين حتى الآن.
هذا، وقد ترك ألفا بلوندي بصمات واضحة في تاريخ الأفريقانية، انطلاقاً من الريغي الذي أعاد صياغته بنكهة إفريقية، فهو أوّل من نقل الريغي الجَامَيْكِي إلى إفريقيا الفرنكوفونية عبر إيقاعات ونغمات إفريقية، كما أدخل إصلاحات جذرية في مفهوم رَسْتَا Rasta، كالنظافة وترك تعاطي الدخان والمخدرات. إلى أن لُقّب بعدة ألقاب، مثل ملك الريغي الإفريقي، وبوب مارلي الإفريقي، وأسطورة الريغي الإفريقي، والأب الروحي للرِيغِي الإفريقي… وقد وصل عدد إنجازاته إلى 20 ألبوماً Albums، تتراوح المقاطع الموسيقية بكلٍّ منها ما بين 7 و19 مقطعاً.
هذا، ويواجه ألفا بلوندي انتقادات لاذعة من بعض الأفريقانيين في بعض القضايا، منها:
أولاً: تأييده تدخّل القوات الفرنسية في أزمة ما بعد الانتخابات الرئاسية في كوت ديفوار، عام 2010م:
وذلك ضدّ لوران غباغبو Laurent Gbagbo الرئيس المنتهية ولايته آنذاك. وتأييده تدخلّها في مالي عام 2012م ضدّ الجماعات الإرهابية، رغم أنّه كان يطالب بالخروج النهائي للقوات الفرنسية من إفريقيا بإلحاحٍ شديدٍ، وأنشد في ذلك قصيدته بعنوان: «القوات الفرنسية» Armée Française عام 1998م.
ويسوّغ موقفه هذا بعجز الحكومات الإفريقية عن القضاء على الإرهاب، ومن ثَمّ فهو يُرحِّب بتدخّل القوات الأجنبية، باعتبارها البديل الأفضل لفرض الأمن والسلام الدائمَين في إفريقيا.
ثانياً: ولاؤه لحزب وتارا الحاكم منذ عام 2011م إلى الآن (أكتوبر 2023م):
فقد ظل أَلْفَا بلوندي ينتقد سياسات مختلف الرؤساء والحكومات والمنظمات الإفريقية والدولية، إلى أن وصف الرئيس فِلِيكْسْ هُوفُوِيتْ بُوَانْيِينْ Felix Houphouët Boigny (1905-1993م)[19] بالسارق. بينما أصبح صامتاً منذ تسلّم الرئيس الحسن وتارا Alassane Ouattara مقاليد الحكم في كوت ديفوار، رغم وجود بعض خروقاتٍ وتجاوزات، في رأي معظم الأفريقانيين، مثلما يسَمُّونه بالولاية الثالثة Troisième Mandat.
وهذا ما جعل أَلْفَا عرضةً للتهمة والسخرية من لدن شريحة عريضة من الأفريقانيين، إلى وصفه بأنّه خلع ربقة الأفريقانية من عنقه.
وتفسير ذلك في تقديرنا في أمرين اثنين:
أولهما: طبيعة المعركة الطويلة التي قادها أَلْفَا ضدَّ الساسة Politiciens جنوب الصحراء:
فخوضه المعركة الأفريقانية ضدّ سياسات أبيدجان مثلاً، بدءاً من عام 1980م في سفارة كوت ديفوار بأمريكا، مما دفع إلى اعتقاله بمجرد أن وطئت قدماه الأراضي الإيفوارية، وظلّ الرجل يناضل ويكافح ضدّ ما يسمّيه بالنيوكولونيالية Néocolonialisme.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ أَلْفَا ثمانينيات إلى تسعينيات القرن العشرين، ليس هو أَلْفَا الربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين، فقد مسّه الكِبَر ووهن العظم واشتعل الرأس شيباً، وهو الآن في مرحلة إعياء واسترخاء، فآثر أن يسلك مسلك الحكمة والمرونة، بدل الشدّة والعنف؛ مثلما كان عليه الوضع أيام فتوّته وشبابه.
وثانيهما: أنّ أَلْفَا من حمَلة ثقافة المَانْدِي[20] المسلمين، وهو من أبناء شمال كوت ديفوار الذين ذاقوا مرارة حكم الرؤساء السابقين للحسن وتارا:
فقد اتبعوا سياسة التمييز العنصري لإقصاء الشماليين وإبعادهم عن الحكم في البلاد، بإلصاق تهم تدبير الانقلابات بهم، وبدعوى انحدار أصولهم من الدول المجاورة، مثل مالي وبوركينافاسو وغينيا، واعتبارهم- من ثَمَّ- مواطنين من الدرجة الثانية، خلافاً لسكان الجنوب. وقد كانت تلك السياسة العنصرية ضمن الأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاع الأزمة السياسية العسكرية في كوت ديفوار La crise politico-militaire en Côte d’Ivoire يوم 19 سبتمبر 2002م، ودامت خلال عقدٍ من الزمن (2002-2011م).
وعليه؛ فمعظم الشماليين الذين ذاقوا مرارة الحرب الإثنية ما بين (1960-2010م)، ودفع ذلك بعضهم إلى الهجرة والاصطفاف حول الحسن وتارا في حزب تَجَمُّع الديموقراطيين Rassemblement Des Républicains: RDR ما بين (1994-2018م)، معظم هؤلاء موالون اليوم للحزب الحاكم، الذي أخذ طابع التعدد الحزبي بانخراط أحزابٍ أخرى فيها عام 2018م، وبات يحمل اسم تَجمُّع الهُوفُوِيتِيِين من أجل الديمقراطية والسلام، Le Rassemblement des houphouëtistes pour la démocratie et la paix: RHDP.
وهذا من أسباب ولاء معظم أئمة المساجد والعلماء المسلمين في كوت ديفوار للرئيس الحسن وتارا حالياً، مقابل معظم قساوسة الكنائس ورجال الدين المسيحيين الذين يكرهونه. وأَلْفَا بْلُونْدِي من هذه الطبقة الموالية للرئيس، لا ممن باع القضية الأفريقانية- كما يزعمه البعض.
ثانياً: ترجمة قصيدة «اهرب يا ساموري» Bory Samory (1984م) لأَلْفَا، من جُولَا إلى العربية
على الرغم مما تكتنفه صناعة الترجمة من صعوبات؛ فإننا سنبذل وسعنا لترجمة هذه القصيدة من لغة جُولَا Djoula إلى اللغة العربية، بغية تقريب الصورة وإيصال المعنى إلى نفس المتلقّي العربي.
يقول الشاعر أَلْفَا بْلُونْدِي:
|
ثالثاً: قراءة وتحليل لقصيدة «اهرب يا ساموري» (1984م) لأَلْفَا بْلُونْدِي
إنّ فَهم شعر الريغي مفتاح لكثير من مغاليق الخطاب الأفريقاني، ومدخلٌ لا يُستغنى عنه في فهم تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء وهمومها الآنية والمستقبلية.
وهذه محاولة لقراءة قصيدة «اُهْرُبْ يَا سَامُورِي» قراءة تحليلية في ضوء محاكاة الشعر العربي، فنقول:
إنّ قصيدة اُهْرُبْ يا سَامُورِي/Bory Samory تنتمي إلى شعر الرٍّيغِي Reggae، نظمها الشاعر الإيفواري أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy عام 1984م، وكانت الثمانينيات أقسى وأصعب المراحل التاريخية التي مرّت عليها الأفريقانية جنوب الصحراء، لقوّة ضغط القوى الغربية عليها بمساندة الحكومات الإفريقية.
واختار هذا العنوان وقوفاً على الطَّلَل، وتشريفاً لمكانة سَامُورِي في النضال لتحرير إفريقيا، وكشفاً لظلم واضطهاد المحتلّ الفرنسي في حقّه، وفي حقّ بعض رواد الأفريقانية من التهم والأعمال القسرية والمطاردة والقتل.
ولمّا كان الشاعر ريغيّاً رَسْتَفَارِيّاً مَانْدِينْغِيّاً؛ فيُتوقّع انتصارُه للأفريقانية دينيّاً وثقافيّاً وفكريّاً وسياسيّاً.
والنّص منسوجٌ بلغة جُولَا Djoula بالحروف اللاتينية، باستثناء الكلمة الفرنسية Travaux forcés.
ومن مفردات القصيدة؛ نوضج ما يأتي:
1- بُورِي Bory: أَمْرٌ بالهُروب والفرار في لغة جُولَا. أي: اُهْرُبْ، اِجْرِ، فِرَّ.
2- سَامُورِي Samory: الإمام سَامُورِي تُورِي (ت: 1900م) المعروف.
3- تُوبَابُو: Toubabou: في لغة وُلُوفْ وجُولَا والفُلَانية: الرجل الأبيض، وبالأخصّ الفرنسي.
4- نَزارَا Nazara: مُحرَّف من «النصارى» في العربية، وهو مرادف للفظ تُوبَابُو.
5- أَلْمَامِي Almamy: الإمام بلغة جُولَا.
6- الأعمال القسرية Travaux forcés: السُّخرة.
7- أبناء الله: مصطلح إنجيلي، يقابله المصطلح القرآني: خَلْق الله.
وأما الأفكار الرئيسة للقصيدة؛ فتنقسم إلى خمس وحدات كبرى:
الأولى: أمرُ الشاعر الإمامَ سَامُورِي تُورِي بالهروب والفرار للنجاة من قبضة تُوبَابُو Toubabou، وهم النصارى، جنود الاحتلال الفرنسي، الذين يلاحقونه لقتله: [الأبيات من: 1 إلى 4، ومن 11 إلى 14].
الثانية: اتّهام تُوبَابُو لمكتشفي كيدهم ومكرهم ضدّ الشعوب الأخرى بالتخلّف والرجعية: [البيتين: 5، 6].
الثالثة: تعذّر نسيان السُّخرة أو الأعمال القسرية التي ما زال الشاعر يقاسي آلامها: [الأبيات: 7 -10].
الرابعة: ذكر بعض الأفريقانيين الذين قتلتهم فرنسا عبر التاريخ، حقيقةً أو مجازاً: [الأبيات: 15-22].
الخامسة: استفهام الشاعر باستغرابٍ عن قتل الإنسانِ غيرَه وكلاهما خَلْقُ الله: [الأبيات: 23-35].
ومن حيث الإيقاع:
فقد استهلّ الشاعر قصيدته غنائيّاً بصوت الخيول العاديات ضَبحاً، وكأنّه يُصوّر خيول سَامُورِي وجيشه، وهي تُغِير على المحتلّ الفرنسيّ صُبحاً. وللخيل دَورٌ بارز في الحروب في التراث العربي الإسلامي، وفي الموروث الثقافي الإفريقي، كدلالة ألقاب بعض القبائل الحاملة لأسماء أصنافٍ من الخيول في إفريقيا، كلقب وِيدْرَاوُغُو Ouédraogo في بوركينافاسو، بمعنى: «ذَكَر الخيل».
أما في النصّ المكتوب؛ فيتجلّى الإيقاع الداخليُّ فيه في تكرار بعض الحروف والكلمات والجمل، وفي حذف بعض الكلمات وتعويض أخرى (زِحَافات وعلل)، حفاظاً على الجرس الداخلي، وتناغماً مع الإيقاع الموسيقي، كحذف لفظ كُوهْ/Kôh بمعنى الأمر والشأن بلغة جُولَا، في قوله: M’magninan travaux forcés «kôh»، بمعنى: «لم أنس أمر الأعمال القسرية»، فحذَفَ كلمة «أمر» حفاظاً على الرَّوِيّ والإيقاع الداخلي.
هذا، واستعمل الشاعر عدّة أساليب لفظاً وتركيباً، فبعد الألفاظ الجزلة ذات البعد الثقافي والديني والتاريخي المستعملة لإقناع المتلقّي، مثل تُوبَابُو ونَزَارَا: [الأبيات: 1، 2]، يكاد يتساوى أسلوبَا الخبر والإنشاء في التراكيب. فالأساليب الخبرية تتجلّى مثلاً في إخطاره سَامُورِي نبأ مطاردته لدى أعدائه النصارى أو تُوبَابُو، وإحصاء أسماء أفريقانيينَ قَتَلَتهم فرنسا: [الأبيات: 5-6، 15-22]، كما تجلّت الجمل الإنشائية في مثل: الأمر في مستهلّ القصيدة، والاستفهام في خاتمتها: [الأبيات: 1، و35].
ومن أبرز صور المجاز في القصيدة جملة «قَتَلُوكَ»، إذ للقتل هنا معنيان: أوّلهما حقيقي، كقتلهم الكونغولي بَاتْرِيسْ لُومُومْبَا Patrice Lumumba (1925-1961م)، وثانيهما مجازيّ، يُقصد به أقصى درجات الاضطهاد والقهر، حتى تفقد الحياة معناها.
وأفحش القتل مجازاً الهدم الكلّي أو الجزئي للنظم المعرفية للمجتمعات، ويُصطلح عليه في الفرنسية بــ Epistemicide، ومعناه عند أَلْفَا بلوندي: «أن يُقْتَل الأَنْتَ فِيكَ»[21]، أي: تُقتَل الثقة التي تسكن فيك[22]، فتصبح مؤمناً حقاً أنّك لا تساوي شيئاً، والغير يساوي كلّ شيء[23]. وهذا القتل المجازيّ هو حال بعض أعلام الأفريقانية وروادها.
وللشاعر قدرةٌ فائقة في التحليق بعيداً في سماء الخيال وتحيين الوقائع التاريخية، فقد صوّر عملية الكرّ والفرّ بين الإمام سَامُورِي والفرنسيين، وكأنّ سَامُورِي بُعث من مرقده، وعاد إلى ساحة الوغى للجهاد ضد المحتلّ، وأصبح الشاعرُ النذيرَ العريان الذي ينذره بمكايد أعدائه، رغبةً في إنقاذه من خطرٍ مُحدِق. كما يُصوِّر الشاعر نفسه ممن ذاقوا وبال الأعمال القسرية، وصار منهكاً غير قادرٍ على النسيان، بأيّ حالٍ من الأحوال.
وقد رأينا مثل هذا التصوير الفنيّ في قصيدته بعنوان «الشيخ أَحْمَدُ بَامْبَا» Cheikh Amadou Bamba (1853-1927م)، الصادرة عام 1996م، إذ صوّر الشاعر نفسه ومريدي الشيخ وكأنّهم في محفلٍ كبير ينتظرون عودة الشيخ من المنفى، داعِين الله أن يوصله إليهم بخير.
وقد اغتنم الشاعر الفرصة لتقرير أصوله الفكرية:
1- الإيمان بوحدانية الله:
فهو موحِّد، ولا يزال لسانه رطباً بذكر الله في جميع قصائده وخطاباته، وقد ورد لفظ الجلالة الله ست (6) مرّات في هذه القصيدة. وهذا إيجابيّ في ظل التمدّد الإلحادي والدعوات بالعودة إلى الوثنية في أوساط الأفريقانية المعاصرة، كحركة كيميت Kémit.
2- التلفيق بين الديانات الإبراهيمية:
فالمسيحية دين يوصّل إلى الله وإلى الجنة، مثل الإسلام، فذكَرَ مصطلحَي «أبناء الله» و «خَلْقُ الله» معاً: [الأبيات: 27، 28]، والأوّل مصطلح إنجيلي كقول الربّ: [وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ][24]، بينما الثاني مصطلح قرآني، كقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان: 11]. وهذه الفلسفة خطأ منه، إذ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [سورة آل عمران: 19].
3- البعد الإنسانوي Humanisme:
فهو رجل سلام، ينظر إلى الكون برؤية إنسانوية. وبعد عجزه عن منع قتل أسلافه الأفريقانيين، أخذ يتوجّع ويتأوّه، ويُصوِّر قَتَلَتَهُمْ كأنّهم في جلسة محاكمة على جرائمهم، فيعاتبهم ويوبّخهم، ويستعطفهم بالإله الخالق والأرحام أن يُبيّنوا سبب قتلهم، رغم الأخوة الإنسانية الرابطة بين البشر كلّهم.
4- الصراع بين الأفريقانية والسياسة الإقليمية والدولية:
إذ تقوم الأفريقانية على مبدأ «نَحْنُ ضدّهُمْ»، أي: نحن- الأفريقانيين- ضدّ الساسةNous les panafricains contre les politiciens، فبنية الضمائر التداولية تكشف عن نيات الشاعر، وتُحيل إلى علاقة عداء وتوترات بين القاتلين والمقتولين، والصراع بين الحضارتين الإسلامية الإفريقية والغربية الفرنسية.. مثل «قَتَلُوكَ»… إلخ.
رابعاً: موقف أَلْفَا بلوندي من أعلام الأفريقانية وانتصاره للقضية السَّامُورِية
بتفحّص مفاصل القصيدة نستسلم للقول: إنّه من أنصف وأروع النصوص التي اطلعنا عليها في تاريخ الأفريقانية. وقد ذكر الشاعر أبطالاً تلألأت أسماؤهم في سماء الأفريقانية، وهم بالترتيب: سَامُورِي تُورِي Samory Touré (1830-1900م)، وبَابِيمْبَا تَرَاوُرِي Babemba Traoré (1845-1898م) ملك مملكة كِينِيدُوغُو Kénédougou في مالي، والكونغولي بَاتْرِيسْ لُومُومْبَا Patrice Lumumba (1925-1961م)، والنيجيري أبوبكر تَافَاوَا بَالِيوَا Tafawa Balewa (1912-1966م)، والإيفواري فِيكْتُورْ بِيَاكَا بُودَا Victor Biaka Boda (1913-1950م).
إضافةً إلى امبراطور إثيوبيا هيلَا سِيلَاسِي الأوّل Haïlé Sélassié Ier (1892-1975م)، والجامايكي مَارْكُوسْ غَارْفِي Marcus Garvey (1887-1940م)، والأمريكيَيْن مَالْكُومْ إِكْسْ Malcom X (1925-1965م)، ومَارْتِنْ لُوثِرْ كِينْغْ Martin Luther King (1929-1968م)، والجنوب إفريقي استِيفْ بِيكُو Steve Biko (1946-1977م)، والغينيّ دِيَالُو تِيلِي Diallo Telli (1925-1977م)، والغينيّ أحمد سِيكُو تُورِي (1922-1984م)، والمصري محمد أنور سادات (1918-1981م)، وأَمِيلْكَارْ غَابْرَالْ Amilcar Gabral (1924-1973م) من غينيا بِيسَاوُ، والغانيّ كُوَامِي انْكُرُومَا Kwamé Nkruma (1909-1972م).
ومن خلال التأمّل في النصّ نلاحظ ما يأتي:
أولاً: اختار الناظم اسم «ساموري» عنواناً للقصيدة:
رفعةً لشأنه، واعترافاً بمكانته وجهوده في تحرير إفريقيا، وجهاده ضدّ فرنسا النصرانية، ولسان حاله تقول: هؤلاء أفريقانيون، وسَامُورِي أفضلهم وأشدّهم نضالاً لتحرير إفريقيا.
ثانياً: تثمين جهود زعماء حركات التحرّر الإسلامية وتسجيلهم في قائمة الأفريقانية:
فهناك من يرى بأنّ حركة بَانْ أَفْرِيكَانِزْمْ تأتي في المرتبة الثانية من الأهمية، بعد حركات التّحرُّر الإفريقية[25]، لكنّ بعض الأفريقانيين أصبحوا ينطلقون من كراهيتهم للإسلام لتصنيف زعماء الحركات الإسلامية ضمن المستعمِرين، ومن ثَمّ: يرمونهم والقوات الإمبريالية في سلّة المهملات، رغم جهودهم النبيلة ومشاركتهم القويّة في تحرير القارة، كحركة الإمام ساموري توري (ت: 1900م)، وحركة الحاج عمر تال الفوتي (ت: 1864م) ونحوها. وهذا ما يرفضه أَلْفَا بلوندي قطعاً.
ثالثاً: التسوية بين السُّود والبِيض في الأفريقانية:
فقد ذكر الشاعرُ الرئيسَ المصري محمد أنور سادات (ت: 1981م) هنا بوصفه ممثِّلاً للعرب، اعترافاً منه بجهود العرب في تحرير القارة، كالليبي عمر المختار (ت: 1931م)، ومحمد عليّ دُوسِي Mohammed Ali Dusé (ت: 1945م)، الملقّب بالرائد العربي للأفريقانية، والمغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي (ت: 1963م)، والمصري جمال عبد الناصر (ت: 1970م)، وغيرهم.
خلافاً لبعض المعاصرين الذين نصبوا العداء ضدّ الإسلام واللغة العربية، ويطالبون العرب بتقديم تعويضاتٍ Réparations للإفريقيين السود مقابل الاستعمار الإسلامي في إفريقيا، كقيام السلطان المغربي مولاي أحمد المنصور (1549-1603م) في تمبوكتو، واقتياده أحمد بابا التنبوكتي (1556-1627م) أسيراً إلى المغرب[26].
رابعاً: التنوع وعدم اعتبار الدين والجغرافيا في التصنيف:
كذكره المسيحيَّيْن: الإثيوبي هِيلَا سِيلَاسِي الأوّل، والجامايكي مَارْكُوسْ غَارْفِي، مع الرئيس الغيني المسلم أحمد سيكو توري الأمريكي، وذكره كذلك مَالْكُومْ إِكْسْ الأمريكي، وكُوَامِي انْكُرُومَا الغاني.
خامساً: ذَكَرَ الإيفواريَّ فِيكْتُورْ بِيَاكَا بُودَا Victor Biaka Boda، وأعرض عن الرئيس هُوفُوِيتْ بُوَانْيِينْ Felix Houphouët Boigny:
لكون هُوفُوِيتْ زعيم مجموعة دول مُونْرُوفِيَا Groupe de Monrovia التي فضّلت البقاء تحت وصاية القوى الغربية، لبناء دول وطنية Etats des nations بعد الاستقلال. خلافاً لزعماء جبهة الدار البيضاء التي أعلنت قطع صلتها بالغرب المستعمِر، وسعت لبناء دولة فيدرالية إفريقية Etat Fédéral Africain، مثل كُوَامِي انْكُرُومَا، وسِيكُو تُورِي، وغيرهما.
وعليه؛ فتفضيل الرئيس الإيفواري فِلِيكْسْ هُوفُوِيتْ بُوَانْيِي البقاء تحت الوصاية الفرنسية بعد الاستقلال جعله عدوّاً لدوداً لدى الأفريقانيين، وما زالوا يصفونه بالخائن Traitre والسارق Voleur حتى اللحظة، فنزّه الشاعر لسانه عن التلفظ باسمه؛ في معرض الحديث عن رواد الأفريقانية وأبطالها.
وهكذا؛ يظهر أنّه نصٌّ غنيّ، يجيب عن كثيرٍ من التساؤلات الأفريقانية المعاصرة. وليس من قبيل الصدفة أن يختار الشاعر اسم «ساموري» عنواناً للقصيدة، فقد كافح سَامُورِي أكثر من 15 عاماً (1882-1898م) ضدّ الاحتلال الفرنسي المسيحي في غرب إفريقيا، إلى أن غدر به الجنرال هَانْرِي غُورُو Henri Gouraud (1887-1946م) للقبض عليه في 29 شتنبر (سبتمبر) 1898م في غِيلِيمُو Guélémou جنوب مَانْ Man بكوت ديفوار، وتوفيّ في منفَاه بغَابُونْ Gabon في 02 يونيو 1900م.
إنّ قضية سَامُورِي تظلّ قضية شائكة في أوساط الطبقة المثقفة، فضلاً عن غيرهم من العوام، بسبب الأنباء المتضاربة، التي انقسم الناس حولها إلى مذاهب واتجاهات.
فبينما يعتبره البعض إماماً عظيماً ومجاهداً كبيراً، دعا إلى الله تعالى، وجاهد لنشر دينه وإعلاء كلمته، أو بطلاً إفريقيّاً ومناضلاً أفريقانيّاً حارب لإقامة العدل وبناء دولة إفريقية فيدرالية، وإنقاذ قومه وحماية أرض أجداده من عدوان المحتلّ الفرنسي؛ فإن آخرين يعدّونه مخرٍّباً سفّاحاً، رئيس عصابة مجرمة، وتاجر عبيدٍ وأسلحةٍ محظورة.
وحيال الموقفَين المتناقضَين حول هذه الشخصية الفذّة؛ يتدخّل ألفا بلوندي بوصفه قاضياً أو شاهد عيانٍ أو مؤرِّخاً إفريقيّاً يسعى للفصل بين الخصمين، وتمييز الصحيح من السقيم في الرأيَين، فيقول: إنّ ساموري ضحيّة لحملة إعلامية فرنسية رامت تشويه صورته والحطّ من منزلته، وتنفير الناس منه، ومن ثَمّ إقناع الرأي العام بأنّ فرنسا كانت محقّة في حملتها الصليبية ضدّ ذلك المجاهد المَانْدينْغِيِّ المسلم.
وقد عضّد ألفا بلوندي رأيه هذا بأمور:
- تخليد بطولات سَامُورِي، وإثبات ذكائه الخارق، وقدرته الفائقة على اكتشاف مكر فرنسا وكيدها في وقتٍ مبكّر.
- بيان أنّ مَن اكتشف مكر فرنسا وكيدها فهو معرّض لخطر القتل والاغتيال، كما فعلته بالأفريقانيين المذكورين.
- من سجايا الفرنسيين تلفيق الأخبار، وإلصاق التهم بالأفريقانيين، قصد التنكيل بهم، والإمام سَامُورِي من ضحاياها في سياستها الماكرة هذه.
- نفي تهم الرجعية والتخلّف عن سَامُورِي، واعتبار ذلك أخباراً زائفة، وحَمْلةً تشويهية لشخصيته الفذة.
- أنّ الرجعيين المتخلّفين في الحقيقة هم الفرنسيون قتلة الإفريقيين حقيقةً ومجازاً، والإنسانية منهم براء.
وهكذا يفكّ أَلْفَا لغز قضية سَامُورِي، ويرى أنّ الصفات القدحية تجاهه حملة إعلامية فرنسية لتشويه صورة إمام الماندينغ وقائدهم الأفريقاني، ومن ثَمّ تسويغ الحرب الصليبية ضدّه؛ ليس إلّا.
وتجدر الإشارة إلى أنّ تهمة التخلّف والرجعية كانت آنذاك كتهمة الإرهاب في عصرنا، باعتبار فرنسا زعيمة الأنوار وحاملة حضارة الغرب المسيحية إلى إفريقيا، وادّعائها الاكتفاء الذاتي في التحضّر والمدنية، ومن ثَمّ فالقرآن ولغته والإسلام وثقافته المتأصّلة في المجتمعات الإفريقية ضربٌ من الرجعية والتخلّف في نظرها.
والإنصاف يقودنا إلى القول: إنّ سَامُورِي لم يكنْ عالماً بالمعنى الاصطلاحي، وقد ارتكب أخطاء في مسيرته الدعوية والقيادية، مثلما فعله داخل المسجد، وفي يوم الجمعة، من قتلٍ وتعذيب في حقّ مسلمي كُونْغْ Kong بالشمال الشرقي في كوت ديفوار الحالية[27]، ولا شكَّ أن ذلك مرفوض في الإسلام- إن ثبت، ولكنّنا لا ننسى أنّ سَامُورِي انطلق من رؤية سياسية قيادية؛ اعتبرت تحالف مسلمي كونغ Kong مع فرنسا ضدّه بمثابة الخيانة العظمى Haute Trahison للدولة السامورية، وللخيانة العظمى أحكامها.
خاتمة
الشعر فِعلٌ حضاريٌّ تقتدر به الذات الشاعرة على ترجمة الوجود والأحداث والتجارب والمشاعر، في الماضي والحاضر والمستقبل. فهو كائن حيّ يتأقلم مع بيئة الشاعر وظروفه الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية والفلسفية، وغيرها.
وقد شكّل الشعر والغناء جزءاً لا يتجزأ من الخطاب الأفريقاني، فصار مدخلاً جوهرياً إلى الأفريقانية، ومن ذلك: قصيدة «اُهْرُبْ يَا سَامُورِي» /Bory Samory (1984م)، للشاعر الإيفواري أَلْفَا بْلُونْدِي Alpha Blondy، التي تدراسناها تعريباً وتحليلاً.
وقد أثبت البحث وجود الشعر والغناء في إفريقيا، وقرّر جواز إطلاق معنى الشعر اصطلاحاً على بعض الأغنيات بمختلف اللهجات واللغات الإفريقية، كالأغنيات الاحتجاجية للشعراء والمغنّين الملتزمين، كالريغيّ reggae، وزِكِرِي/ Zikiri، التي يمكن إدراجها في مفهوم الشعر الحر وشعر التفعيلة والشعر الغنائي في السياق العربي، مثلاً.
وقد استطاع الشاعر أَلْفَا بلُونْدِي بمُكنته الشعرية الريغية أن يبدع في الدفاع عن الإمام سَامُورِي توري، وتفنيد التُّهم المفتراة عليه، وكشف الأغلوطات التي ألصقها به المحتلّ الفرنسي لتشويه صورته، وتسجيل الظلم والاضطهاد وجرائم القتل والأعمال القسرية التي ارتكبتها فرنسا في حقّ الإنسان الإفريقي المخلص لأرضه ووطنه.
ونعترف بكون الدراسة إثارات لقضايا فكرية وثقافية ولغوية بمنطقة جنوب الصحراء، وأنّ نتائجها قابلة للنقاش، مثل غيرها من البحوث والدراسات في مختلف مجالات الآداب والعلوم الإنسانية، وليست مسائل قطعية، ولا فتاوى دينية.
[1] أحصيتُ 12 مصطلحاً في معنى الأفريقانية، بفعل التعريب والترجمة من الإنجليزية والفرنسية إلى العربية.
[2] Le mouvement panafricaniste au XXe siècle, Contribution à la Conférence des intellectuels d’Afrique et de la Diaspora (CIAD I) organisée par l’Union africaine en partenariat avec le Sénégal (Dakar, 7-9 octobre 2004), p.28.
[3] إحدى فروع لغة انكو الماندينغية، وتُسمّى أيضاً بــ«مَالِينْكِي غِينِيَا»/ Malinké de Guinée.
[4] باحث في جامعة محمد الخامس بالرباط. فاز بلقب أمير الشعراء في دبيّ 2021م، وفاز بجائزة الأمير عبد الله الفيصل للشعر العربي في دورته الرابعة 2022م، في السعودية، بديوانه «كأغنية لن تكتمل».
[5] حاورته في 04/12/2022م.
[6] Elina DJEBBARI et Emmanuelle OLIVIER, Des «religions du terroir», à l’islam et vice versa: politiques culturelles et pratiques artistiques croisées, LEMALI CONTEMPORAIN, Sous la direction de Joseph BRUNET-JAILLY Jacques CHARMES Doulaye KONATÉ, 2014 Editions Tombouctou, décembre 2014, p.349.
[7] المرجع السابق، ص352.
[8] العمدة، لابن رشيق، (1/39).
[9] شاعر مغنّي إيفواري بلغة بِيتِي Bété.
[10] حوار أُجري معه في 15 يناير 2020م، اطلع عليه في 16 دجنبر (ديسمبر) 2020م، على الرابط:
[11] Amzat Boukari-Yobara, Africa Unite! Une histoire du panafricanisme, Paris, Le Découverte, séries: «cahiers libres», 2014, p.243.
[12] الأدب الإفريقي، للدكتور علي شلش، عالم المعرفة رقم 112، في مارس عام 1993م، ص10.
[13] الثقافة الإفريقية: مؤثرات واتجاهات، د. آدم بمبا، مجلة قراءات إفريقية، العدد 39، السنة الرابعة عشر، أبريل 2018م/ رجب 1439هـ، ص108.
[14] المرجع السابق.
[15] أدب إفريقيا فيما وراء الصحراء، جمع وتقديم وتعليق: الهادي المبروك الدالي، دار صنين للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، ط1، 1996م، ص11.
[16] اسمه الحقيقي مُوسُى دُومْبِيَا Moussa Doumbia.
[17] تولى رئاسة البلاد من 21 ديسمبر 2010م، إلى 05 سبتمبر 2021م.
[18] معناه: الدنيا، بلغة جُولَا Djoula، وهو محرَّف من العربية.
[19] رئيس كوت ديفوار ما بين عامي (1960-1993م).
[20] الماندينغ.
[21] “On tue le toi en toi”.
[22] “On tue la confiance qui est en toi”.
[23] نُشر في قناة ألفا بلوندي في اليوتيوب، بتاريخ 11 أغسطس 2020م، واطلع عليه في 04/02/2022م. الرابط
[24] إنجيل يوحنا: (1: 12).
[25] الثقافة الإفريقية: مؤثرات واتجاهات، د. آدم بمبا، مجلة قراءات إفريقية، العدد 39، السنة الرابعة عشرة، أبريل 2018م- رجب 1439هـ، ص107.
[26] Le trésor des manuscrits de Timbuktu: au appel à la mémoire collective de l’Afrique et du monde. Par Kum’a Ndumbe III, Editions AfricAvenir, 2017, p.11.
[27] أبوبكر كوناتي: النصوص القانونية الماندنكية القديمة على ضوء التشريع الإسلامي، دراسة تشريعية مقارنة، معهد دار الشريعة بغينيا كوناكري، 2007م، ص128.
المصدر: مجلة قراءات إفريقية- العدد 59 – (يناير- 2024م)











































