بقلم الدكتورة: نرمين كمال طولان
مقدمة:
يُطلق اسم «زيمبابوي العظمى» Great Zimbabwe على أطلال حجرية لمدينة قديمة تقع بالقرب من مدينة ماسفينغو الحالية في زيمبابوي. سكن بها الناس قديماً بدءاً من حوالي عام 1100 ميلادي. كانت المدينة عاصمة لمملكة زيمبابوي، وهي إمبراطورية تجارية لشعب الشونا (هم مجموعة البانتو). ويعتقد بعض علماء الآثار أنها شُيدت فوق منجم للذهب، وأنها كانت مركزاً دينياً يعبد فيه شعب «الشونا» إلههم الرئيسي «مواري».
وكانت مدينة زيمبابوي العظمى جزءاً من شبكة تجارية عالمية واسعة ومزدهرة، وهو ما يؤكده وجود قطع فخارية من الصين وبلاد فارس، بالإضافة إلى عملات معدنية عربية بين أطلالها. وقد كانت عاصمة إمبراطورية زيمبابوي التي سيطرت على حركة التجارة على طول ساحل شرق إفريقيا. وبحلول القرن الثالث عشر، كانت تلك الإمبراطورية مزدهرة وتمتلك شبكة علاقات تجارية قوية تمتد لتصل إلى الهند وبلاد فارس والصين. ومع ذلك، هُجرت المدينة إلى حد كبير بحلول القرن الخامس عشر مع هجرة شعب الشونا إلى مناطق أخرى لأسباب غير واضحة، إلا أنه يمكن إرجاع بعضها إلى استنزاف الموارد والاكتظاظ السكاني. وقد أُدرجت أطلال «زيمبابوي العظمى» ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في عام 1986م.
محاور المقال:
أولاً: التسمية والتاريخ.
ثانياً: السكان واللغة والدين.
ثالثاً: المناخ.
رابعاً: الأنشطة الاقتصادية.
خامساً: الثقافة والفنون والتقاليد والعادات وأهم المهرجانات.
سادساً: أهم المعالم السياحية.
أولاً: التسمية والتاريخ:
- التسمية:
ترجع كلمة «زيمبابوي» إلى جذرين محتملين، الأول: أنها جاءت من «دزيمبا-دزا-مبوي» التي تعني بلهجة شعب الشونا «البيت الحجري الكبير» («دزيمبا» معناها بيوت و«مبابوي» حجريّ).

والثاني: هو أنها اختصارٌ لكلمة «إمبابوي» imbabwe، وهي كلمة في لغة الشونا تعني «بيت الصخر أو الحجر» أو «البيت المُبجَّل»، «المنازل المُبجَّلة»، والمقصود بذلك منازل وقبور قادة القبيلة المُبجَّلين الذين سكنوها في الماضي. وهي دلالة ترتبط بمفهوم الحكم والسلطة[1].
- الخلفية التاريخية:
1- الاكتشاف:
كانت البداية في عام 1871م، عندما زار المستكشف الألماني «كارل ماوخ» موقع «زيمبابوي العظمى»، ليلفت أنظار الغرب إلى هذه المدينة الأثرية الشهيرة. وانطلاقاً من نزعة متحيزة مسبقاً، روّج ماوخ لفكرة مفادها أن «زيمبابوي العظمى» كانت متطورة للغاية لدرجة يستحيل معها أن تكون إفريقية النشأة، وزعم أنها شُيّدت على يد مجموعة بشرية بائدة قدمت من منطقة الشرق الأوسط الحالية. وسار على نهجه المستعمر الإنجليزي «سيسيل جون رودس». وقد استُقدم منقبون غربيون إلى الموقع، حيث راحوا يروجون لقصص تخلق روابط وهمية بين «زيمبابوي العظمى» ومواقع أخرى في الشرق الأوسط[2]. وقد أدت محاولات الغربيين لإثبات أن المصممين الأصليين للمدينة ينتمون إلى عرق غير إفريقي إلى إزالة وتدمير العديد من القطع الأثرية الأصلية، مما تسبب في خسارة فادحة للأدلة الأثرية[3].

ونظراً للقلق الذي أثارته الأضرار التي ألحقها رجال «رودس» بالموقع، استعانت الجمعية البريطانية لتقدم العلوم بالباحث «ديفيد راندال-ماكيفر» في عام 1906م، ثم في عام 1929م بواحد من أوائل فرق التنقيب التي أدارتها نساء بالكامل على مستوى العالم، بقيادة «جيرترود كاتون-طومسون» ومساعدتها «كاثلين كينيون». وقد خلص علماء الآثار المحترفون إلى أن موقع «زيمبابوي العظمى» قد بُني بأيدٍ محلية[4].
2- بداية المدينة وازدهارها:
تذكر المصادر أن أسلاف شعب الشونا قد استوطنوا هضبة زيمبابوي في أوائل القرن الحادي عشر، وهناك أسسوا مملكة زيمبابوي حوالي عام 1220م. يرى الباحث «ديفيد بيتش» أن المدينة ودولتها مملكة زيمبابوي قد ازدهرتا في الفترة ما بين عامي 1200 و1500م. وقد ارتبط نمو المدينة بتراجع مركز «مابونغوبوي» Mapungubwe بدءاً من عام 1300م تقريباً، وذلك نتيجة للتغيرات المناخية أو لتوفر الذهب بكثرة في المناطق النائية المحيطة بزيمبابوي العظمى[5].
أسفرت الأبحاث الأثرية عن العثور على العديد من المقتنيات المرتبطة بالاستيطان في الموقع، وتشمل القطع: الفخار المحلي، والمنحوتات المصنوعة من الحجر الصابوني، والخرز الزجاجي، ورقائق الذهب، وأقراصاً خزفية استُخدمت كأثقال لغزل القطن، وبقايا عظام حيوانية. ويشير فحص الكربون المشع للمواد المستوردة مثل «الخرز الزجاجي والخزف الصيني» إلى أن الموقع كان مأهولاً بالسكان في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والسابع عشر[6].
وتُعدّ منحوتات الطيور المصنوعة من الحجر الصابوني والمعروفة باسم «طيور زيمبابوي» أشهر الأعمال الفنية وأكثرها تميزاً، وتعلو هذه الطيور أعمدةً يزيد ارتفاعها على متر واحد، بينما يبلغ متوسط ارتفاع الطيور نفسها 40 سنتيمتراً. وتجمع المنحوتات بين سمات البشر والطيور؛ إذ تحل الشفاه محل المناقير، وتظهر أقدام بخمسة أصابع بدلاً من المخالب.
ويرى الباحثون أن هذه الطيور كانت ترمز إلى المكانة الاجتماعية والدين، وتُعدّ شعاراً للسلطة الملكية. وهناك مقتنيات أخرى مصنوعة من الحجر الصابوني، منها قلائد، وأعمدة مزخرفة، وغليونات للتدخين، وقوالب لسبائك معدنية، وتماثيل صغيرة، وأوعية مزينة بأشكال حيوانات وزخارف أخرى. وتشير الأدلة الأثرية إلى أن أقدم نماذج المشغولات المصنوعة من الحجر الصابوني تعود إلى ما قبل القرن الحادي عشر[7]. ويُعدّ «طائر زيمبابوي» رمزاً وطنياً للبلاد؛ إذ ظهر على الأعلام الوطنية وشعارات الدولة في زيمبابوي، فضلاً عن ظهوره على الأوراق النقدية والعملات المعدنية والطوابع البريدية، كما تتخذه المنتخبات الرياضية الوطنية شعاراً لها[8].
وعُثر أيضاً بموقع المدينة على بوتقات متعددة استُخدمت لصهر الذهب والنحاس والبرونز والنحاس الأصفر. وأسفرت عمليات إنتاج المعادن عن تصنيع أدوات عملية وأخرى للزينة؛ إذ شملت الأدوات العملية الرماح وأدوات الحفر والزراعة، ورؤوس السهام، والفؤوس، بينما تضمنت قطع الزينة رؤوس الأساور والأساور المصنوعة من معادن متنوعة. كما تُعدّ المنطقة المحيطة بـ«زيمبابوي العظمى» مثالية لرعي الماشية؛ نظراً لكونها مساحات عشبية مفتوحة[9].
3- تراجع المدينة ونهايتها:
في وقتٍ لاحق، أسس «نياتسيمبا موتوتا» المنحدر من زيمبابوي العظمى- سلالته الحاكمة عند تلة «تشيتاكوتشانغونيا» Chitakochangonya، لتصبح الأراضي التي أخضعها لسيطرته نواةً لمملكة «موتابا» Mutapa. وفي غضون جيل واحد، تفوقت مملكة موتابا على زيمبابوي العظمى، وبحلول عام 1450م، كانت العاصمة ومعظم أرجاء المملكة قد هُجرت تماماً.
أما الأسباب المرجحة لنهاية المدينة وهجرها فتشمل الانخفاض في حركة التجارة مقارنةً بالمواقع الواقعة إلى الشمال، ونضوب مناجم الذهب فلم تعد الروافد القريبة لنهرَي زامبيزي وليمبوبو تنتج رقائق وكتل الذهب التي كانت تغذي الاقتصاد، وتغيرت مسارات التجارة الداخلية الرابطة بين وادي زامبيزي وموانئ المحيط الهندي، مما أفقد «زيمبابوي العظمى» سيطرتها على التجارة الإقليمية[10]. كذلك عدم الاستقرار السياسي، فضلاً عن المجاعة ونقص المياه الناجمين عن التغيرات المناخية.
ثانياً: السكان واللغة والدين:
- السكان:
لا يسكن المدينة أحدٌ اليوم، فهي موقع أثري وتاريخي بالمقام الأول، ولذلك فحديثنا عن بدايات المدينة. وفي الواقع لا تتوفر لنا الكثير من المعلومات عن شعوب البانتو التي شيدت «زيمبابوي العظمى» أو عن طبيعة التنظيم الاجتماعي لمجتمعهم. ويبدو أن النخبة الحاكمة كانت تسيطر على الثروة من خلال إدارة قطعان الماشية، التي كانت تشكل عنصراً أساسياً في النظام الغذائي لسكان الموقع. وتشير التقديرات إلى أن عدد سكان «زيمبابوي العظمى» تجاوز 10,000 نسمة في أوج ازدهارها، رغم أن الغالبية العظمى منهم كانت تقيم على مسافة بعيدة عن المباني الحجرية الضخمة. يُعتقد أن ما يتراوح بين 200 و300 فرد فقط من الطبقات النخبوية كانوا يقطنون داخل المباني الضخمة في «زيمبابوي العظمى»[11]. لكن تشير الأبحاث إلى أن أوائل السكان الذين عاشوا في «زيمبابوي العظمى» كانوا من المتحدثين بلغات البانتو، وهم أسلاف شعب الشونا. وهم مجموعة من الشعوب التي تتشابه ثقافياً وتتحدث لغات البانتو، وتقيم بشكل رئيسي في النصف الشرقي من زيمبابوي، إلى الشمال من نهر لوندي. وتشمل المجموعات الرئيسية كلاً من: الزيزورو Zezuru، والكارانغا Karanga، والمانيكا Manyika، والتونغا-كوريكوري Tonga-Korekore، والنداو Ndau. وقد وصلوا إلى المنطقة حوالي عام 400 ميلادي، لكنهم لم يبدؤوا في تشييد المدينة التي نراها اليوم إلا خلال القرن الثاني عشر الميلادي (فترة سنوات الـ 1100م)[12].

وتراوح عدد سكان «زيمبابوي العظمى» في ذروة ازدهارها ما بين 10,000 و20,000 نسمة، عاش معظمهم بعيداً عن المباني الحجرية الرئيسية، بينما اقتصر السكن داخل المدينة الرئيسية-التي كانت تمثل مركز المجتمع- على ما يتراوح بين 200 و300 شخص من أفراد العائلة المالكة والمستشارين.
- اللغة:
كانت لغة المدينة قديماً هي لغة «الشونا» Shona، وهي الآن الأكثر انتشاراً في زيمبابوي، إذ يتحدث بها ما يقرب من 70٪ من السكان؛ وهي لغة تنتمي إلى عائلة اللغات البانتوية، وتُستخدم بشكل أساسي في زيمبابوي والدول المجاورة مثل موزمبيق وزامبيا.
- الدين:
عبدت قبائل الشونا في مدينة زيمبابوي العظمى قديماً الإله «مواري» Mwari. ويعتقدون أن التواصل معه لا ينبغي أن يتم إلا من خلال أسلافهم المعروفين باسم «فادزيمو» Vadzimu. ويُعتبر التواصل المباشر مع الذات الإلهية أمراً يفتقر إلى الاحترام، ولذلك يُعدّ وجود الأرواح كوسيط أمراً ضرورياً[13]. وقد ظلت المدينة مركزاً دينياً مهماً حتى بعد انهيارها في القرن الخامس عشر؛ ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت تُقام فيها طقوس دينية شملت مراسم استنزال المطر[14].
ويؤمن شعب «الشونا» بوجود نوعين من الأرواح: أرواح «الشافي» Shave التي تُعتبر غالباً أرواحاً خارجية أو هائمة، وأرواح «الفادزيمو» Vadzimu التي تُمثل أرواح الأسلاف. وترتبط أرواح «الشافي» بمجموعات سكانية تعيش خارج أراضي الشونا، وقد تكون مرتبطة بشعوب مجاورة؛ ويمكن أن تكون هذه الأرواح خيّرة أو شريرة. فالأرواح الشريرة ترتبط بأعمال السحر، بينما قد تلهم الأرواح الخيّرة الأفراد وتُنمّي لديهم مواهب في مجالات مثل الشفاء أو الموسيقى أو الفنون. أما أرواح «الفادزيمو» فتجسد كلّ ما هو مثالي وأخلاقي في أسلوب حياة الشونا؛ وعادةً ما ترتبط هذه الأرواح بأسلاف قريبين أو بأبطال ثقافيين قدامى نُسيَت تفاصيل أنسابهم الدقيقة. وتلعب هذه الأرواح دور الحامي للمجتمع، لكنها قد تسحب حمايتها إذا لم تُحترم القيم الأخلاقية لشعب الشونا[15].
ثالثاً: المناخ:
يحل فصل الشتاء في زيمبابوي بين شهري مايو وأغسطس، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 13 و23 درجة مئوية (55-73 درجة فهرنهايت). أما فصل الصيف- الذي يمتد من نوفمبر إلى مارس- فيمثل موسم الأمطار في البلاد، وتتراوح فيه درجات الحرارة بين 25 و30 درجة مئوية (77-86 درجة فهرنهايت)[16].
رابعاً: الأنشطة الاقتصادية:
اعتمد شعب الشونا في المقام الأول على الزراعة. وتُعدّ الذرة المحصول الرئيسي لديهم، لكنهم كانوا يزرعون أيضاً الدخن، والذرة الرفيعة (السورغم)، والأرز، والفاصوليا، والمنيهوت (الكاسافا)، والفول السوداني، والقرع، والبطاطا الحلوة. كما يربون بعض الماشية والأغنام والدواجن. وقد تعزز النساء دخلهن من خلال بيع الفخار والسلال المنسوجة يدوياً، والتي تُستخدم في الغالب لأغراض عملية ومعيشية. أما الرجال، فقد يعملون كحدادين أو نحاتين. ورغم أن الأبقار تُحلب للحصول على الحليب، فإنها تُستخدم غالباً لدفع «مهر العروس». وتُعتبر الأبقار محظورة على النساء، لذا يتولى الرجال مهام الحلب والرعي بالكامل. كما يمارس الرجال الصيد البري وصيد الأسماك، وإن كان ذلك لا يساهم بشكل كبير في توفير الغذاء. ويشارك كلٌّ من الرجال والنساء في الأعمال الزراعية[17].

وقد عُثر في الموقع على أدوات حديدية ونحاسية، بالإضافة إلى حلي وزخارف مصنوعة من أسلاك الذهب. ويُعتقد أن «زيمبابوي العظمى» ازدهرت ربما بشكل غير مباشر بفضل الذهب الذي كان يُستخرج من منطقة تبعد 25 ميلاً عن المدينة، ويُنقل إلى ميناء «سوفالا» على المحيط الهندي، ومنه يُشحن عبر السفن الشراعية التقليدية (الداو) بمحاذاة الساحل، وعبر «كيلوا كيسيواني» Kilwa Kisiwani، ليصل في النهاية إلى أسواق القاهرة[18]. وقد تركزت هذه التجارة الدولية بشكل أساسي على الذهب والعاج؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى استخراج أكثر من 20 مليون أونصة من الذهب من باطن الأرض.

وإلى جانب هذه التجارة الدولية، كانت هناك تجارة زراعية محلية لعبت فيها الماشية دوراً محورياً؛ حيث كانت قطعان الماشية الضخمة التي تمد المدينة باحتياجاتها تُنقل موسمياً وتخضع لإدارة البلاط الملكي[19].
غير أن هذا النفوذ السياسي والاقتصادي تراجع بحلول عام 1500م تقريباً، وأرجع البعض هذا التراجع إلى أسباب بيئية مثل تكرار موجات الجفاف وهشاشة البيئة ونضوب مناجم الذهب، بينما أرجعه البعض الآخر إلى احتمالية حدوث صراعات سياسية حول خلافة الحكم أدت إلى تعطيل التجارة.
خامساً: الثقافة والفنون والتقاليد والعادات وأهم المهرجانات:
- التقاليد والعادات:
كانت الأسرة تُعدّ ركيزة أساسية في ثقافة الشونا. كانت الزيجات التقليدية تتيح تعدد الزوجات وتُنشئ أسراً ممتدة كبيرة. وعادةً ما كانت تعيش بضع عائلات معاً في مجمع سكني يُعرف بـ«الكرال» (أو موشا)، ويتكون من أكواخ صغيرة عديدة تحيط بساحة مركزية تُحفظ فيها الماشية. وكانت هناك أكواخ منفصلة مخصصة للمطبخ، وأماكن للنوم لكل زوجة، ومخزن للحبوب، ومساحات للتخزين. تميزت الأكواخ بشكلها الدائري، وجدرانها ذات الهياكل الخشبية المطلية بمزيج من روث الأبقار والطين، وأسقفها المخروطية المصنوعة من القش، وأرضياتها المكونة من روث الأبقار المدكوك، ومداخلها المواجهة للغرب[20].
وفي تلك الحقبة، كان الزواج في الشونا يُعتبر عقداً يربط بين عائلتين؛ إذ كان على الزوج المستقبلي دفع «مهر العروس» (أو ما يُعرف بـ «الرورا») لعائلة خطيبته، كبادرة امتنان لتربيتها. وكانت مهور العرائس تُدفع عادةً على شكل رؤوس ماشية، بينما قد تقتصر المعاملات الأصغر حجماً على مقايضة ماعز أو خروف. ولهذا السبب، نادراً ما كان شعب «الشونا» يستهلك لحوم الأبقار، إذ لم تكن تُذبح البقرة إلا في مناسبات خاصة- مثل الجنازات- أو كأضحية طقسية.
- الثقافة والفنون:
لم تكن أطلال «زيمبابوي العظمى» Great Zimbabwe مجرد مدينة أثرية، بل هي موضع ضم العديد من الأرواح القديمة التي كان السكان المحليون يستشيرونها، ويُكرّمون فيها أسلافهم. وتُعرف هذه المراسم باسم «بيرا» bira، وعادةً ما تُقام في ليالي اكتمال القمر وبعد الساعة التاسعة مساءً. وغالباً ما يتم ذبح ماعز واستخدام دمائها لاستحضار الأرواح، ويرقص الناس حتى الساعات الأولى من اليوم التالي.
- أهم الاحتفالات:
ما زالت قبائل الشونا، التي تتركز حول موقع مدينة زيمبابوي العظمى، تقوم بالعديد من الاحتفالات القديمة إلى الآن، وأهمها:
– طقوس «البيرا» Bira Ceremonies:
تُعدّ «البِيرا» bira طقساً احتفالياً يمارسه شعب «الشونا» في زيمبابوي، وهي شعيرة تمتد طوال الليل، وتُقام لاستحضار أرواح الأسلاف، وهو تجمع يهدف إلى التواصل والترابط، لا إلى العبادة بالمعنى التقليدي. ففي منظور شعب الشونا، لا يُنظر إلى الأسلاف على أنهم كيانات بعيدة، بل كأفراد فاعلين ومهتمين بشؤون الأسرة، حيث يقومون بتوجيه أحفادهم الأحياء وحمايتهم. وتُعدّ «البِيرا» الوسيلة الرئيسية التي تتيح للأحياء دعوة أرواحٍ رسمياً للانضمام إليهم، وطلب مشورتهم، وفض النزاعات، والتماس الشفاء، أو تقديم الشكر والامتنان. وتستخدم فيها العائلات والمجتمعات موسيقى «الـمبيرا» mbira والغناء والرقص لاستحضار أرواح الأسلاف وتكريمها[21].
– طقوس استمطار المطر «موكويريرا» Rain-Making Ceremonies: Mukwerera:
طقوس استمطار المطر (موكويريرا)، هي طقوس جماعية تُقام تقليدياً قبل موسم الأمطار (حوالي شهر أكتوبر) لطلب المطر وموسم حصاد وفير من الأسلاف. ووُصف هذا الاحتفال بأنه صلوات وتضرعات إلى الله عبر الأسلاف لفتح أبواب السماء.
– يوم الأسلاف Day of the Ancestors: Chisi cheMadzitateguru:
يوم الأسلاف من الأيام المقدسة وفقاً للعرف، يُمتنع فيها عن أداء أعمال زراعية أو بدنية محددة احتراماً للأرض وأرواح الأسلاف.
- الأطعمة المميزة لقبائل الشونا:
عكس المطبخ لدى شعب «الشونا» نمط حياتهم الزراعي ومواردهم المحلية. وتشمل الأطعمة الأساسية الشائعة ما يلي:
– سادزا Sadza:
الطبق الأساسي التقليدي لشعب الشونا ودولة زيمبابوي، وهي تُحضّر عن طريق غلي دقيق الذرة المطحون ناعماً في الماء حتى يكتسب قواماً كثيفاً يشبه العصيدة. ومن الشائع تقديمها في وعاء كبير حيث يشارك الجميع في تناولها، إذ يقوم كل فرد بتشكيل كرات من العجين بيده. وغالباً ما تُقدم «سادزا» مصحوبة بأصناف متنوعة من اللحوم (مثل لحم الأبقار أو الماعز أو طرائد الصيد)، والخضروات (مثل الكرنب الأجعد «الكيل» أو السبانخ أو أوراق اليقطين)، والدواجن. فهي عصيدة ذرة كثيفة القوام تُؤكل مع الخضار أو اللحم[22].
– موبورا Muboora:
تُعدّ «موبورا» طبقاً إفريقياً تقليدياً من زيمبابوي، ويُحضر من مزيج يضم أوراق اليقطين والزيت والطماطم والبصل والملح وبيكربونات الصودا. تتطلب أوراق اليقطين غسلاً دقيقاً نظراً لاحتوائها عادةً على الكثير من الأتربة؛ حيث تُطهى على نار هادئة في قدر يحتوي على ماء مغلي وبقية المكونات حتى ينضج البصل والطماطم تماماً، وعند الانتهاء من الطهي، تُقدم «موبورا» عادةً كما هي، أو إلى جانب «سادزا» (عصيدة الذرة) مع طبق جانبي من الصلصة أو المخلل[23].
– مادورا Madora يرقات «الموباني»:
وهي يرقات عثة «الإمبراطور» المعروفة باسم ديدان الموباني، وتُعدّ طعاماً شهياً ومحبوباً في زيمبابوي. تُجمع هذه اليرقات خلال الأشهر الأكثر رطوبة، وتُجفف، ثم تُستخدم في تحضير مجموعة متنوعة من الوصفات. وبعد إعادة ترطيبها، يمكن طهيها (عن طريق التشويح) مع البصل والطماطم والتوابل لتكوين طبق غني بالبروتين. وتُعتبر ديدان الموباني وجبة خفيفة شائعة، كما يمكن استخدامها في العديد من الأطباق التقليدية.
سادساً: أهم المعالم السياحية:
- السياج العظيم Great Enclosure:

ويعدّ أكبر بناء حجري في إفريقيا جنوب الصحراء، شُيّد بتقنية الرص الجاف دون ملاط من كتل الجرانيت والزخارف المتقنة، مما يعكس براعة الهندسة لدى شعب «الشونا» القديم[24]. يتخذ السياج العظيم شكلاً بيضاوياً، ويقع إلى الجنوب من التلال، ويعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر. وقد بُني هذا السياج من كتل جرانيتية مقصوصة ومصفوفة في طبقات منتظمة، ويضم سلسلة من أماكن المعيشة المكونة من أكواخ مبنية بمادة «الداغا» (خليط من الرمل الجرانيتي والطين)، بالإضافة إلى ساحة عامة وممر ضيق يؤدي إلى برج مخروطي مرتفع. وقد شُيدت الأكواخ داخل جدران السياج الحجري؛ حيث تفصل جدران داخلية- ضمن كل منطقة مجتمعية- مساحة كل عائلة، والتي تتكون عادةً من مطبخ وكوخين للمعيشة وفناء. ورغم أن الغرض من هذا السياج غير معروف، فإن علماء الآثار يرجحون أنه ربما كان مقراً ملكياً أو منشأة رمزية لتخزين الحبوب. ويُعدّ هذا الموقع واحداً من أكبر الهياكل القائمة التي تعود لحقبة إفريقيا القديمة جنوب الصحراء الكبرى[25].
- مجمع التلة Hill Complex:

يمكن لمتسلق «مجمع التلة» الصخري مشاهدة بقايا المقر الملكي ومساحات الطقوس التي تعلو «السياج العظيم». وتشير المدرجات والمنصات الحجرية إلى مكانة النخبة واستخدام الموقع في المراسم والاحتفالات. ويُعتقد عموماً أن هذا المجمع كان يمثل المركز الديني للموقع؛ إذ يُعدّ أقدم أجزاء زيمبابوي العظمى، وتظهر فيه آثار بناء تعود إلى حوالي عام 900 ميلادي.
- البرج المخروطي الشهير Conical Tower:

هو بناء حجري فريد من نوعه داخل السور العظيم، يُعتقد أن له دلالة رمزية أو طقسية. يُظهر البناء الحجري الدقيق للبرج وشكله المخروطي مهارات بناء متقدمة، فهو بناء مصمت (غير مجوف) يخلو من الغرف الداخلية، ويُعتقد أنه كان يرمز إلى السلطة أو استُخدم لتخزين الحبوب[26]. وتعكس هذه التقنيات فهماً عميقاً للهندسة، وتوزيع الأوزان، ومتانة البناء على المدى الطويل. ويُعدّ البرج المخروطي السمة المعمارية المميزة التي تُميز زيمبابوي العظمى عن غيرها من الآثار، على عكس مجمع التلال الأوسع نطاقاً، ولكنه أقل شهرة.
- أطلال الوادي Valley Ruins:

تتألف المنطقة من عدد كبير من المنازل المبنية في الغالب من الطوب الطيني (الداغا) بالقرب من «السور العظيم» Great Enclosure. ويشير توزيع المنازل وأعدادها إلى أن «زيمبابوي العظمى» كانت تتمتع بكثافة سكانية عالية، حيث تراوح عدد السكان بين 10,000 و20,000 نسمة[27].
- متحف زيمبابوي العظمى Great Zimbabwe Museum:

يضم متحف زيمبابوي العظمى قطعاً أثرية- مثل الفخار والأدوات الحديدية وخرز التجارة- تم استخراجها من الأطلال. وتُفصّل المعروضات دور المدينة في شبكات التجارة الإقليمية التي ربطت المناطق الداخلية من إفريقيا بساحل المحيط الهندي.
- زيارة السوق المحلي Local Market Visit:
وهو سوق «ماسفينغو» النابض بالحياة والقريب من وسط المدينة، حيث تُعرض به المشغولات اليدوية، والفواكه الطازجة، والأطعمة المحلية المرتبطة بمنطقة «زيمبابوي العظمى». يتيح لك السوق فرصة التعرف على مظاهر الحياة اليومية، واقتناء تذكارات من حجر الصابون المنحوت أو السلال المنسوجة بأنامل حرفيي شعب «الشونا». كما تضفي تجربة تذوق الأطعمة المحلية التقليدية- مثل يرقات «الموباني» المجففة أو الذرة الطازجة- بُعداً حيوياً للمعالم السياحية هناك[28].
خاتمة:
لا تزال أطلال مدينة زيمبابوي العظمى شاهدة على حضارة الشعوب الإفريقية بفنونها وهندستها المعمارية في البناء ومحاكاتها للموارد البيئية في المنطقة. وأصبحت رمزاً لثقافة شعب الشونا مؤسس المدينة. وما زال هذا الموقع الذي ينبض بالعديد من الأسرار والآثار حول ثقافة شعب الشونا يحتاج إلى العديد من الدراسات الأثرية المتخصصة، التي يقوم بها أبناؤها من الأفارقة بعيداً عن عنصرية بعض العلماء والدارسين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] Kingdoms of southern Africa: Great Zimbabwe. 2011.
[2] Shadreck Chirikure: Reclaiming Great Zimbabwe’s past to learn lessons for the future. 13 NOV 2020.
[3] The largest prehistoric ruins south of the Sahara, once a powerful center of international trade. Masvingo, Zimbabwe.
[4] Shadreck Chirikure: Reclaiming Great Zimbabwe’s past to learn lessons for the future. 13 NOV 2020.
[5] Shadreck Chirikure: Reclaiming Great Zimbabwe’s past to learn lessons for the future. 13 NOV 2020.
[6] https://www.metmuseum.org/essays/great-zimbabwe
[7] https://www.metmuseum.org/essays/great-zimbabwe
[8] The Legend of The Zimbabwe Bird.
[9] Kingdoms of southern Africa: Great Zimbabwe. 2011.
[10] Kathleen Kemezis: Great Zimbabwe (ca. 1000-1550 AD), January 28, 2010.
[11] Great Zimbabwe (11th–15th Century) October 1, 2001.
[12] Kingdoms of southern Africa: Great Zimbabwe.
[13] https://blog.rhinoafrica.com/2018/10/15/5-fascinating-facts-about-shona-people-of-zimbabwe/
[14] https://www.victoriafalls-guide.net/ancient-zimbabwe.html
[15] Shona People Traditions & Culture https://www.africancraftsmarket.com/african-tribes/shona-people.html
[16] Katie Findlay: A Travel Guide to Great Zimbabwe.
[17] http://www.zambuko.com/mbirapage/resource_guide/pages/culture/shona_intro.html
[18] Nancy Demerdash: Great Zimbabwe.
[19] https://courses.lumenlearning.com/suny-hccc-worldcivilization/chapter/great-zimbabwe
[20] https://www.marintheatre.org/press-release-details/187/shona-culture-traditions
[21] The Bira: A Shona Ceremony of Music and Ancestral Communion. https://tendayigahamadze.org/knowledge/what-is-a-bira-ceremony
[22] https://kunzaar.com.ng/shona-tribe-in-zimbabwe/
[23] https://kunzaar.com.ng/shona-tribe-in-zimbabwe/
[24] https://visitzimbabwe.com/zimbabwe/cities/great-zimbabwe/
[25] https://education.nationalgeographic.org/resource/great-zimbabwe/
[26] Chimdindu Ken-Anaukwu: Great Zimbabwe: The Ancient Stone City Built By Shona Ancestors.
[27] https://x.com/archeohistories/status/2004887673849479586
[28] https://pack-lightly.com/zimbabwe/great-zimbabwe/









































